الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

الأستاذ محمد مزالي وتثبيت للذات من خلال كتابه ، " في سبيل وحدة المغرب العربي الكبير "

Share

سبق ان قلنا - ونحن نعرض كتاب الاستاذ محمد مزالي " اعلام فى خدمة الشعب " ( * ) : إن منطلق الواقع يكون دائما الحلم والخيال ، واذا أردت أن تميز بين الحلم الصحيح الذى يراود الانسان حينما يكون رأسه فى الفضاء وأقدامه على الارض وبين الحلم المزيف الذى يعتنق الانسان وهو فى متاهات الضباب سابحا فى بحار من الجهل والنظريات فما عليك الا ان تتمعن الواقع لتدرك بسهولة ان ما تحقق مهما كانت قيمته فهو من منطلق حلم صحيح وان ما لم يتحقق ويستحيل إنجازه فهو مجرد رؤيا لحلم نائم فوق أكداس من الحجارة ... هذا من جهة ومن جهة أخرى فان الحلم الذى يبقى مجرد أمنية نظرية ولا يسعى عاشقه لتجسيمه وبذل الوقت والجهد من أجل ذلك هو حلم نظرى لرجل يكون كبعض الشعراء من أصناف الذين يقولون ما لا يفعلون . أما الحلم الذى رسمه صاحبه ومن المنطلق يشرع فى وضع الخطط لتجسيمه وتحقيقه سواء على

مراحل أو دفعة واحدة دون أن يصيبه الكلل أو الملل ودون الاستسلام لنزوات الخوف من الفشل ، ودونما تراجع لاول عقبة تعترضه فى بداية الطريق فذلك هو حلم رجل عظيم مؤمن بما يقول حريص على ان لا يكون شاعرا - وان كان الشعر مجدا - وجاد فى ان يجسم القول الى فعل بل الى واقع يكون حلما للآخرين .. واحلام الاستاذ محمد مزالى من هذا النوع . واذا كان ليس من الضرورى ان يعيد الانسان الى الاذهان بعض المميزات التى يعيشها عالم الفكر والثقافة والسياسة من خلال استقراء الواقع والتأمل فيه لادراك الكثير من الامور التى كانت احلاما وتجسمت فانه من الواجب الاشارة الى ان مجلة

" الفكر " كانت حلما من أحلام الاستاذ محمد مزالى الشاب آنذاك بالقياس مع السن ، والشاب حاليا بالقياس مع الايمان والحماس ، وهى أيضا كانت حلما بعيد التحقيق بالنسبة الى جيل من الشباب . وبناء مدينة بورقية الرياضية أو الحي الاولمبى كان هو الآخر حلما . والتاريخ يشهد على ان هناك من المسؤولين آنذاك من لاحظ للاستاذ مزالى انه يحلم ، لكن الواقع أكد هذا الحلم ، ولو اننا فكرنا اليوم فى بناء هذا الحى العظيم لربما كان ذلك أقرب الى الحلم منه الى الواقع . ومثال آخر ، بعث التلفزة التونسية هو الآخر كان حلما وعندما فكر الاستاذ محمد مزالى فى المسألة بجدية كان هناك من اعتبر ان المسألة مجرد سيناريو لفلم هزلى ، والوقائع التاريخية تشهد على ذلك ... أردت الاقتصار على اختيار هذه الأمثلة الثلاثة فقط عمدا وهى تتصل كلها ، كما لاحظتم بالثقافة والشباب ، لاننا سبق ان أشرنا الى المسائل السياسية التى كانت حلما وتحققت لدى تحليلنا لكتاب " إعلام فى خدمة الشعب " فى الملحق الثقافى لجريدة " العمل " فالدور الذى تلعبه مجلة " الفكر " أو المركب الاولمبى أو التلفزة التونسية فى مجالات سياسية واقتصادية واجتماعية لا يعنى بالدرجة الاولى محور حديثنا هذا على الاقل ..

أردت بهذا أن أذكر بأن العديد من الاحلام راودت أجيال الشاب فى السابق وتحمل الاستاذ محمد مزالى مسؤولية تحقيقها ومن بينها تلك التى ذكرت سابقا نظرا لعلاقتها المباشرة بالشباب بدرجة أولى ، كما أردت أن أتخلص الى الحديث عن موضوع هام آخر راود وما يزال يراود أجيال اليوم مثلما راود أجيال الامس وهو وحدة المغرب العربى الكبير التى يتحمل مسؤولية تحقيقها جيل اليوم بعدما بقيت حلما عز على الاجيال السابقة تحقيقه . واذا كان لاجيال الامس من الاعذار ما يخفف عنها مسؤولية عدم تحقيقها لهذا الحلم لاعتبارات مذهبية غذاها الاستعمار فان جيل اليوم مطالب

بأن يتحمل ، على الاقل مسؤولية تقريب ساعة تحقيق هذا الحلم فى عصر تعددت فيه الاتجاهات وتنوعت المبادئ وتضاربت الآراء . فهو عصر عالمى ليست له الخصال الذهبية لعصور الاحلام وهو عصر فيه من علامات عصور الامس المؤلمة الشئ الكثير ، فهو عصر القوى والقوي ، وعصر التكتلات التكنولوجية والمصالح الضيقة وعصر ويل الضعيف من القوى ، والمتتبع لمسار الاحداث العالمية فى مجالات الاغذية والتسلح والتكنلوجيا وحتى الثقافة والرياضة يدرك ذلك جيدا .

ولقد تنبه الاستاذ محمد مزالى لكل هذه المسائل منذ سنة 1957 حيث تراءت له أهمية تحقيق التكامل بين بلدان المغرب العربى ليس من منطلق جغرافى فحسب بل حتى من منطلق عرقى حضارى ايديلوجى دينى . وجاء كتابه " فى سبيل وحدة المغرب العربى الكبير " الذى صدر عن مصلحة الصحافة والتوثيق بالوزارة الاولى فى 116 صفحة من الحجم المتوسط بتاريخ سبتمبر 1983 ، وثيقة هامة سواء من حيث كونها تتضمن جملة من الافكار والمواقف المتسمة بالايمان العميق والاصرار الثابت والجلي بحتمية تحقيق التكامل بين بلدان المغرب العربى أو من حيث كونها كما جاء فى توطئة الكتاب " مظهر من مظاهر الوفاء للذات بكل ما يستوجبه هذا الوفاء من ايمان وصدق واصرار وجرأة وتعلق بالجوهر" ...  فهذا الكتاب هو قبل كل شئ ، بما اشتمل عليه من رسائل تربوية ، زاد كفيل باثراء الشعور الوطنى لدى ابناء الوطن ، وبطبيعة الحال فان الشعور المقصود هنا هو الشعور فى مفهومه الواسع الذى يتجاوز حدود الرسوم الجغرافية والنظرة الاقليمة الضيقة ويتجاوز كذلك الحرص على النظرة القصيرة المحدودة المجال الى التأمل الواسع فى الحاضر والانطلاق نحو المستقبل بدون تنكر للذات أو تحاهل لحتمية التقارب الاخوى الوحدى الموضوعى والمنطقى بين أجيال المغرب العربى وذلك هو الاساسى لانه تقارب قوامه الروح والشعور النبيل والاحساس العميق ولانه ليس تقارب مادة أو مظاهر .

بين الحلم والحقيقة :

كتاب الاستاذ محمد مزالى يتضمن ثلاثة عناوين كبرى تحوصل جوهر الفكرة والهدف والبعد الحضارى لبناء المغرب العربى فهى تتحدث عن الاسس الفكرية والاقتصادية وعن النظرة الجديدة و وعن الفكرة و الهدف والاقتضاء لبناء

وحدة المغرب العربى ، بذلك اذا وضع العناصر الاساسية التى تمثل قوة هذا البناء والجبهة الصحيحة له سواء فى الداخل أو فى الخارج .

أما العناوين الثلاثة الكبرى فهى على النحو التالى :

أولا : الاسس الفكرية والاقتصادية لوحدة المغرب العربى الكبير .

ثانيا : من أجل نظرة جديدة الى بلدان المغرب العربى الكبير .

ثالثا : المغرب العربى الكبير فكرة وهدف واقتضاء .

وهذا العنوان الثالث يضم 31 محاضرة وحديثا ونصا تتناول اغراضا شتى من بينها : وحدة المغرب العربى بين الامل والواقع ، نظام تعليمى للمغرب العربى ، المغرب العربى غير منحاز ، عوامل تاريخية حالت دون التكامل , المغرب العربى الكبير وأوربا ... ولاعطاء فكرة عن ظروف الحديث عن محتويات العناوين لا بد من اشارة الى ان العنوان الاول المتعلق بالاسس الفكرية والاقتصادية لوحدة المغرب العربى هو عنوان لمحاضرة ألقيت فى افتتاح الموسم الثقافى لجامعة الدول العربية يوم 6 مارس 1981 ومما جاء فيها بالخصوص : " ان فكرة وحدة المغرب العربى فى الاربعينات والخمسينات كانت قبل كل شئ تجسيما لوحدة الحركات التحريرية الثلاث ضد الاستعمار " ... أو تأكيد الاستاذ محمد مزالى من ان الفتح الاسلامى كان الفرصة الوحيدة التى أتيحت للارض المغربية لتتحد فى الجهاد أولا ثم فى بناء الكيان الاسلامى وكذلك اعتقاده الراسخ بأن " الشعوب المغربية مؤمنة بحتمية المصير المغربى المشترك وان التضامن المغربى فى صف الجماهير المغربية حقيقة اجتماعية كامنة حيه " ...

اما العنوان الكبير الثانى المتعلق بالنظرة الجديدة الى بلدان المغرب العربى الكبير فانه جاء لمحاضرة ألقيت باللغة الفرنسية فى جامعة برنستون بالولايات المتحدة الامريكية يوم 26 أفريق 1982 ، وهى محاضرة هامة جدا نظرا لما تضمنته من تصحيح لمفاهيم البعض من المخطئين الذين يرون فى رجل الغرب طوال العصر الحديث " الكائن البشرى الوحيد الاوحد المنفرد بصفة الانسانية " كما ان فى هذه الدروس فضحا لما اشاعه الاستعمار من صور مخطئة عن المغرب العربى وعن الاسلام وعن العرب وعن الفلسفة الاسلامية

والتفكير بل والفكر العربى وفيها كذلك فضح للترهات التى يروجها الغرب عن العرب والمسلمين والتى تضمنتها كتب ومحاضرات وأحاديث صحفية يلاحظ الاستاذ محمد مزالى بكل أسف أنها جعلت عددا من المغاربة المغرورين السذج " يقضى بهم الامر الى تبني هذه الافكار ويخدعون أنفسهم من جراء ما أصيبوا به من استلاب الشخصية " . غير ان الاستاذ مزالى ينبه بكل موضوعية وفى اطار علمى وعملى الى ان الذين يضفون على المغربى صورة سلبية انما يقصدون من وراء ذلك . من بين ما يقصدون ان يقدموا بالمقابل صورة ايجابية عن انفسهم وان نظرتهم هذه من قبيل " البحث عن كبش الفداء فهى لها ، أى الاقطار التى تنظر هكذا ، وظيفة السخرية وهى السيطرة على الغير برسم صور كاريكاتورية بحتة تسمح بتكييفه وتبرر الهيمنة عليه فى نهاية الامر " .

ويرى الاستاذ محمد مزالى فى هذا المجال ضمن نظرة جديدة للعمل السياسى ان كفاح الرئيس الحبيب بورقيبة " قد اكتسى ابعادا تتجاوز مستوى الحدث المحلى الذى يهم التونسيين وحدهم ، فقد حرر الفرنسيين أنفسهم من الاوهام ومن حب الهيمنة والعقلية الاستعمارية ... " .

تثبيت للذات :

ونتخلص للحديث عن العنوان الثالث الكبيرالذى هو : المغرب العربى الكبير : فكرة وهدف واقتضاء لنجد ان له 31 عنوانا فرعيا لنصوص قيمة ذكرنا البعض منها وهى محوصلة على النحو التالى : 6 منها منشورة بمجلة " الفكر " منذ سنة 1957 و 14 منها أعطيت كأحاديث صحفية لعدد من أجهزة ووسائل الاعلام العربية فى تونس وعدد من الدول و 10 قبلت فى مناسبات قومية وعربية ودولية مثل زيارة شخصيات ساسية أو احياء ذكريات وطنية أو افتتاح مؤتمرات علمية أو تدشين معارض اقتصادية .

وهكذا يتضح ان الاستاذ محمد مزالى يغتنم كل المناسبات ليؤكد فى شهر ماى من سنه 1983 مثلا : ان تشييد المجموعة المغربية الذى ظل منذ عهد بعيد " حلما يراود نفوس شبابنا ومطمحا تهفو اليه قلوبهم قد بدأ يخرج من طور الفخرة الى مرحلة الانجاز ... " وهو نفسه ما عبر عنه منذ سنة 1957 حين دعا جميع وخاصه رجال الفكر الى " الاشتراك فى بناء الصرح الروحى والفكرى الذى نريده لمغربنا العربى العزيز... " أو كذلك ما أكد عليه فى نفس السنة من ان الارادة الجماعية للوجود المشترك ليست بضاعة مستوردة من الشرق أو من الغرب بل إن طبيعة الاشياء تمليها ... " .

ترتيب زمني متسلسل :

ان ما يلاحظ خلال تصفح هذا الكتاب هو أن النصوص التى يتضمنها مرتبة حسب تاريخ بروزها منذ سنة 1957 حتى سنة 1983 ، وهو ما يلاحظه المؤلف ، بهدف التسهيل على القارئ الكريم متابعة فهم مختلف المراحل والملابسات التى كتبت فيها أو عقبتها أو كانت نتيجة لها ... وهذه النصوص مدرجة فى هذا الترتيب بعد المحاضرتين الاولى والثانية اللتين حللنا محتوياتهما ضمن هذا العرض تحت العنوان الاول والثانى ... وهكذا يتضح ان الاستاذ محمد مزالى ظل وفيا لذاته ولمواقفه وافكاره فى ايمان عميق واضرار ثابت وجلى بحتمية تحقيق التكامل بين بلدان المغرب العربى كما سبقت الاشارة لذلك ، وليس من التفسير لذلك سوى ان المفكر اما ان نعو أفكاره بصيغة أو بأخرى واما ان يتناقض مع نفسه ولقد تعودنا من الاستاذ مزالى الوفاء للمبادئ والبقاء عليها والاخلاص للفكرة والدفاع عنها والايمان بالمسألة والسعى لتحقيقها ، فهو من القلائل الذين وان كانوا يؤمنون بأن الاقتصاد هو عماد الوحدة وشرطها الاساسى فهو يرى فى ان لحمة هذه الوحدة وطاقتها الانشائية ، سواء على المستوى القومى أو المغربي أو العربى , هى " فى حاجة الى المثل العليا الهادية والعواطف الخلافة والغذاء الروحى الحافظ للكيان القومى ... " .

الثقافة والتعليم مع السياسة :

لا بد لتحقيق الهدف سياسيا كان أو اقتصاديا من أن تتوفر له عناصر أخرى ذات ارتباط بالثقافة والتعليم والتربية والاعلام وغيرها ، من أجل هذا نرى ان الاستاذ محمد مزالي يؤكد مباشرة اثر حصول الجزائر على استقلالها انه من الضرورى " أن نوجه التضامن الاخوى الذى ربطت أواصره حياة الكفاح المشترك وجهة ايجابية , وان نعتمده لبلورة ثقافتنا وتنزيلها المنزلة اللائقة بين الثقافات الاخرى وصيانتها من كل ما يهددها بالتشويه والمسخ من ألوان الاستعمار الثقافى المحدق بها ، مع توفير أسباب التفاعل والحوار كى نجنبها الانكماش القائل والتعصب الخانق..."  كما ان الاستاذ محمد مزالى ينزل التربية نفس المكانة فى مجال بناء المغرب العربى فهو ما انفك يؤكد على هذه الناحية كما كان الشأن فى سنة 1966 عندما حيا ندوة وزراء التربية والتعليم للمغرب العربى

الموحد ، ولم يكن آنذاك وزير التربية . ورأى ان خير السبيل لهذا التقارب المنشود والحوار النفسانى والروحى " هو توحيد مناهج التعليم والتربية وتنسيق برامجها بحيث تتلقى الاجيال الصاعدة نفس المعلومات بنفس الروح والاتجاه فتؤمن بنفس القيم وتسعى الى بناء المستقبل المشترك ... "

إن كل ما يتمنى المرء ...

لا شك يوما مدركه ... واذا كان من خاتمة لهذا العرض وما أخالنى بحاجة الى ذلك ، لان الحديث عن هذا الكتاب يطول ، ولا يمكن لتحليل أى كان أن يسنوفى جوانبه وابعاده ، فلا بد من الاشارة الى انه أمام العراقيل التى تفرضها الطبيعة قد لا يجد الانسان القدرة أو الظروف على التجاوز والانطلاق فى حين انه أمام العراقيل المادية الموضوعية وربما الوهمية بامكان الانسان المؤمن تجاوزها بسهولة للوصول الى الهدف الحلم الذى يتحول إلى واقع ..  ولا احسبنى مخطئا اذا اعتقدت ان الاستاذ محمد مزالى اعتبر الحواجز المؤدية إلى تحقيق تكامل دول المغرب العربى موروثة ووهمية ولا إخالنى مقصرا فى حق اى كان من المفكرين والمثقفين اذا اعتبرت ان الاستاذ محمد مزالى كان أول من سخر " الفكر " والقلم وفكره لوضع اللبنة الاولى أمام رجال الثقافة والاعلام كى يوجدوا " التقارب المنهجى والتضامن الروحى والتجاوب الاجتماعى حتى يسود بين سكان ومثقفى اقطار المغرب العربى جو العائلة المتماسكة ويعم الشعور بالقربى . .. " وربما بهذا أكون واحدا من هذه العائلة ويكون معي كل قارئ للكتاب ولهذا العرض ...

اشترك في نشرتنا البريدية