لا يكاد يتأمل الباحث المعاصر فى أمهات التصنيف المعرفي التى قامت ركائز لعلوم العرب باختلاف مشاربها حتى يقتنع القناعة الحدسية بأن البحث الايبستيمولوجى قد كان لديهم عريقا متأصلا بما يوشك أن يتبلور معه هذا الفن الكلى مضمونا واصطلاحا ، ويتحول الحدس ايمانا جازما حتى خلع الباحث عن نفسه قيود الاختصاص الضيق وفك عن رؤيته كوابح التقطيع الذي فرضته انماط التثقيف القطاعى مما يشل النظر المسيطر على كليات المعاني ويثبط الفحص الغائص الى حقائق الامور فى تجريد وتأليف يأتيان على الاجزاء فى وجودها المتبدد فيدركان ما وراء الاجزاء من تعاضد المعرفة الكلية وتناصر الاستنباط والشمول بعد الاستقراء العيني والتشريح الفردى
لذا تدبرنا أمر عراقة هذا البحث وتجذره فى الفكر العربي وجدناه ينبع من حيرة معرفية تخللت كل أنسجة العلوم على مسار الحضارة الاسلامية وهذه الحيرة مردها استكشاف أصول المعرفة النوعية بعد استكمال مضمونها ، لذا كانت الحيرة الايبستيمولوجية لاحقة دوما لتكامل مقولات العلم الخاص مثلما كان بديهيا أن تكون فى مجملها تالية لقواعة الضبط القطاعى ، لذلك ترى أن العلم ما أن تتحدد أركانه المضمونية وتتضح رؤاه المنهجية حتى يفرز علما آخر يحمل اسمه بعد استباقه بلفظ " الأصول " ، فيكون العلم الوليد بمثالا المعادلة من الدرجة الثانية تعقب المعادلة من الدرجة الاولى ، كذا ظهر علم اصول الفقه بعد تكامل الفقه ، وعلم أصول النحو بعد رسوخ النحو وهلم جرا.
واستنادا الى هذا الاستقراء التاريخي جوزنا لأنفسنا فيما سبق اقتراح مصطلح مشتق من هذه الصياغات العربية ندلل به على هذا النمط من المعرفة
التى تغوص الى قواعد العلم بعد استيعاب العلم ذاته ، فاقترحنا لفظ "الأصولية " بديلا عن المصطلح الدخيل (1 ) وما الايبستيمولوجيا فى معناها المبدئى سوى فحص أصول العلوم وفرضياتها ونتائجها فحصا نقديا يفضى الى تقييم ثمارها تقييما منطقيا ، وتمحيص منظومتها من الوجهة الموضوعية بما يحقق مدارك المعرفة اليقينية ، وعندئذ يغدو مصطلح الاصولية متطابقا مع مفهوم التحول من المعادلة المعرفية البسيطة إلى معادلة الدرجة الثانية على حد ما يبرزه اللفظان المكونان اشتقاقيا لمصطلح الايبستيمولوجيا ، فيكون البحث الأصولى متطابقا مع مفهوم علم العلم.
هكذا نمت علوم العرب في دوائر انتشارية تنطلق من بؤرة مركزية فتتوالد حلقاتها ولا تستقر حركتها التكوينية الا عندما تستوعبها المعرفة الأصولية فقد عرف علم الفقه مخاضه التكوينى العسير ثم رست حركته مع تولد علم اصول الفقه ، فكان هذا العلم غائصا فى قواعد المعرفة التشريعية متخطيا لنمطها الوصفي ونسقها التحليلي ، نافذا الى دعائم الاتصال بين الشئ وفلسفة الشئ أى بين العلم وعلم العلم ، وما أن توفر البعد الزمني السانح لوضوح الرؤية المعرفية حتى ظهرت مدونة الاكتمال لهذا العلم فجسمها كتاب " المستصفى من علم الأصول " لأبي حامد الغزالي ( 450 ه . - 505 ه . ) .
كذا حدث لعلم النحو رغم انه من المعارف التى تكاد توهم بطفرة التولد ، إذ كل ما فى تاريخه عند العرب يوحى ، على جانب من الاغراء ، بأنه اكتمل يوم ولد ، أو قل إنه تولد متكاملا لما سكب فى كتاب سيبويه ( 100 ه - 180 ه ) ولم تحل هذه الظاهرة على غرابتها دون نماء علم النحو بما وفر له المناخ المعرفي الذي أفرز فيه من ذاته فلسفته الاصولية فكان علم أصول النحو معادلة معرفية أخرى ارتقت بالظاهرة الفكرية عبر سلم التجريد والتأليف ، وكان اكتمالها متجسما فى تصنيف ابن جنى ( 321 ه - 239ه) الموسوم بالخصائص.
ويكاد ينطبق استقراؤنا هذا بنسب معقودة على علم الكلام أيضا لانه قام فلسفة للعقيدة ومؤصلا لمبادئ النظر فيما يفلت عن قبضة النظر ولا يهمنا إن كان التوفيق حليف هذا العلم أم لم يكن من حيث سعيه الى ادراك المراتب
اليقينية عبر سبل الاستدلال والمحاجة . وانما الذى يعنينا هو حدوثه فى حد ذاته اذ انبرى مؤصلا لقواعد المعرفة فى صلب قطاع مخصوص فكان فى تبلوره ذا طبيعة أصولية محض ، ناهيك أنه يوسم ايضا بأصول الكلام حينا وأصول الاعتقاد حينا آخر ، والأمر مع هذا العلم أشد فتنة وأجل خطرا لأنه قد كان في توالده التاريخي تكاثرى الانساق ، فلم يكن جنيس العلوم الاخرى التى قصدت في نمائها مقصد التوحد والاستقطاب ، وفي صميم هذا الشذوذ كمنت طرافته اذ لم تظهر فى صلبه نحلة الا وأفرزت منظومتها الاصولية النوعية : فاذا بنا نستجمع نمطا ظاهريا هو " الاحكام فى أصول الاحكام " لابن حزم ( 384 ه - 456 ه ) ونمطا اعتزاليا جاء به رأس العقلانية الاسلامية القاضى عبد الجبار ( 320 ه - 415 ه) فى مدونته المذهلة الموسومة بالمغنى في أبواب التوحيد والعدل ، ونماذج أشعرية متلاحقة يبدؤها امام المذهب ويتوافد بها أسلافه ممن انبروا يعدلون من جموح العقلانية فى الدين والعقيدة.
وتتبع مختلف أفنان العلوم عند العرب تجد هذه الظاهرة ثابتة التواتر وقد يستوقفك علم التفسير ردحا من الزمن ولكنك واجد منظومته المعرفية مع فخر الدين الرازى (543 ه - 606 ه ) فى " مفاتيح الغيب " حيث يمسك منذ المبتدا بزمام العلم فى أصوله ومناهجه وقرائنه الموضوعية . أما فى علم البلاغة فقد تخال عبد القاهر الجرجانى ( 471 ه ) قطب أصولها ، فان أنت واصلت المسار عرفت انه سيطر على مضمون العلم دون ان يخرج عن حلقة العلم المخصوص للبحث عن علم العلم ، وهو ما أنجزه فعلا حازم القرطاجني ( 684 ه ) فى " مناهج البلغاء وسراج الادباء " حيث تعاظلت المعارف البلاغية والنقدية والفلسفية .
تلك اذن خصوصية نوعية فى الفكر العربى الاسلامي ، عنها صدرت اصولية المعرفة : ما اتصل منها بالحقائق الالالهية وما نفذ منها الى القضايا الانسانية ، بل ان المعارف الصحيحة مما تختبره العلوم اليقينية قد انصهرت هى الاخرى فى نسق البحث عن فلسفتها المنهجية فلم يكن ، لبعض تلك الاسباب ، بدعة أن ترى ابن الهيثم (354 ه - 430 ه) يستهل مقدمة كتاب المناظر بهذا التحرى : " ونبتدىء فى البحث باستقراء الموجودات ، وتصفح أحوال المبصرات وتمييز خواص الجزئيات ونلتقط باستقراء ما يخص البصر فى حال الابصار وما هو مطرد لا يتغير ، وظاهر لا يشتبه من كيفية الاحسان ثم نترقى فى البحث والمقاييس على التدريج والترتيب مع انتقاد المقدمات والتحفظ فى النتائج ، ونجعل غرضنا فى جميع ما نستقريه ونتصفحة
استعمال العدل لا اتباع الهوى . ونتحرى فى سائر ما نميزه وننتقده طلب الحق لا الميل مع الآراء " .
فتاريخ العلوم في مساق الحضارة العربية قد ارتكز على تواجد أصوليات فرعية أثمرتها أفنان الشجرة المعرفية المتكاثفة فكانت بمثابه الاعمدة الفقرية يأتي كل واحد منها متعاضدا مع العلم النوعى الذى أفرزه ومجسما فى آن واحد درجة اكتماله ، وعلى ذلك النسق نشأت أصوليات تراكمت كما و نوعا حتى تفاعلت عضويا تفاعلا هيأ المناخ الفكرى الذى يتمثل به المعطي الاصولى في أبعد خصائصه وأعمق تكاثفه.
وما أن تتضح للباحث المعاصر تاريخية النشأة الأصولية على النمط الذى صورناه ، مقتضبين تفاصيله ، حتى يدرك مصادرتنا المبدئية وهي ان مقدمة ابن خلدون قد جسمت فعلا الأصولية الكلية فى تاريخ الحضارة العربية أذ كانت جامعة لشتات الأصوليات الفرعية ومستوعبة لمقولات الفكر النقدى مع غزارة تأليفية هي وليدة القدرة على التجريد والطاقة فى الاستقطاب المعرفي الشامل . وكثيرا ما يشير الباحثون الى غرابة ظهور ابن خلدون فى فترة انحسار المد الحضاري العربى معتبرين أن المناخ الفكرى الذى ساد طيلة القرن السابع والقرن الثامن ما كان يسمح موضوعيا بظهور فكر متميز على الصعيد الانساني ، يتجاوز في يسر كل مكتسبات المعرفة البشرية الحاصلة قبله ، لذلك يلجأ الدارسون فى تفسير ما قد نصطلح عليه بالظاهرة الخلدونية الى معطيات تقديرية تقرر أشباه الحقائق دون أن تستند الى موضوعية الحكم ، بل ان الذي يفسر به الدارسون تلك الظاهرة لما تنقضه الموضوعية الاختبارية الا وهو الجزم بالعبقرية الفردية . ونحن وان لم ننكر وجود التفرد النوعى فى المقومات التكوينية لدى الانسان فان الذى نعترض عليه هو أن نحول تقرير المعطي الفردى الى مقوم تفسيري للظواهر الفكرية والمعرفية العامة .
فان نحن تمثلنا محددات نشأة الفكر الاصولى فى صلب التطور الحضارى عموما واستسغنا الطرح التكويني الذي بسطناه آنفا عرفنا أن الظاهرة الخلدونية قد جاءت في أوانها الموضوعي ، بل ما كان لها أن تنشأ قبل الزمن الذي برزت فيه من حيث هى الأصولية الكلية التى أمسكت بأعنة الأصوليات الفرعية المنبثقة عن العلوم النوعية ، فابن خلدون قد حظى ببعدين أساسيين
هما البعد الزمني والبعد المعرفي ، فكانت مقدمته إفرازا نوعيا من حيث تعتزم ضبط المنظومة الأصولية لتاريخ الفكر العربى الاسلامى
ولعلنا لا نجازف كثيرا إن نحن قارنا ظهور ابن خلدون بظهور ارسطو في تاريخ الحضارة اليونانية على ما يوجد من فوارق بين الصورتين ، فاذا اعتبرنا أرسطو مؤصل الفكر التجريدى ومنظم الاستنباط المعرفي سلمنا بأنه ثمرة إفراز فلسفى طويل المدى فى تاريخ الحضارة اليونانية فكان لذلك السبب ضابط أصولية المعرفة الاغريقية عموما - وقد جاء متأخرا نسبيا فحظى بالبعدين الضروريين لكل تتويج أصولى
هكذا نتبين فى ضوء هذا الاستقراء المتصل بتكوينية المعارف ونواميسها عبد جدل التاريخ كيف إن مدونة ابن خلدون لم تكن مجرد امتداد لخط أصولى واحد ، ولا كانت تتويجا نوعيا لفرع قطاعى يختص به علم التاريخ وانما جاءت صهرا خصيبا لأصوليات فرعية فكانت نموذجا للتتويج الكلى المتجاوز لحدود الفرع وانماط الأجزاء . على هذا المنطلق ترتكز لنقرر بادىء ذى بدء أن منظومة ابن خلدون قد مثلت أصولية معرفية توليدية ، وهو ما جعلها تستمد طابعها التوليدى من خصوصية التجريد القياسى والتأليف الاستيعابى فاذا بابن خلدون من حيث ينظم المعارف ويتحسس نواميسها الخفية وينقد مناهجها ويفحص ثمارها ، بل من حيث يستكنه أصول الادراك اليقينى عموما ، يبتكر علما جديدا فيضع أسسه لا بالاتفاق أو التضمين وانما بالوعى الصريح والتبصر المحكم ( 2 )
فليس من الزعم في شئ ، ولا من تعسف التراث أو جموح الحداثه ، أن نعزو الفكر الأصولي عند ابن خلدون الى اكتشافه بعدا عقليا نتبناه اليوم ظانين انه وليد حديث ، ألا وهو مبدأ تمازج الاختصاصات فى المعرفة البشرية بما يفتح أمام العقل مسالك التكامل وسبل السيطرة على الحقائق الكلية
فمتى استقام في ناظرنا هذا الأس المركزى الذى تخلل طبيعة العلم فى تاريخنا الحضاري تعين على ذوى الاختصاص أن ينبروا بحثا عن سمة الأصولية العربية وما تتحدد به من خصائص نوعية تبرز هويتها فتفصلها بالمشاكلة أو الممايزة عن غيرها من أصوليات التاريخ الانسانى . وليس لنا في هذا المقام غير التنبيه الى بعض الظواهر العينية نستلهمها بمنظور منهجى محدود بحدود الرؤية التى نصدر عنها ، ولغيرنا أن يستغرق كشفها ليترقى بها الى مراتب الاستنباط التأليفى والتقرير الشمولى.
وأول ما نطرحه فى هذا المسار بعد أن نقضنا القول بتولد الأصولية العربية عن الطابع الجدلى فى مكاشفة العلوم الكلية ونقضنا الاحتكام الى مبدأ الطفرة التكوينية في تفسير ما أسميناه بالظاهرة الخلدونية ، هو أن الأصولية العربية أصولية معرفية تقوم على زوج تكاملى طرفاه القاران هما تأسيس فلسفة العلم المخصوص ، والبحث عن نظرية فى المنهج المعرفي إطلاقا ولعل خط الفصل بين المعطي العربي والمعطى الاغريقي فى هذا المساق يتعين فى أن الفكر اليونانى قد ثمر أصولية منطقية قبل كل شئ ، ونعني بهذا المصطلح دلالته المختصة بمشرب المناطقة من حيث تصور محاولة العقل الخالص تمحيض الوجود فى منظومة الأقيسة والمعايير التى يسقطها الجوهر المفكر على المادة
المتقبلة ، فيكون أرسطو منظر أصولية اليونان وتكون منظومته قاصدة الى حمل المادة على أن تتعقل بعقال العقل العاقل . ولهذه الاسباب كانت منظومة دائرية مغلقة على نفسها اذ هي فعل استقطابي ذو حركة جاذبة تتولد فيها الدوائر لتنصب فى مركزها وتتوحد فى بؤرتها . أما الأصولية العربية فبتميزها المضموني وتفردها التاريخي قد أفرزت بطبيعتها فلسفة فى المناهج ونظرية فى المعرفة ، أى أنها بذلك قد استحالت علما فى الادراك ، وما من شك أن ابن سينا ( 370 ه - 428 ه ) قد أحس احساسا دقيقا بتكاتف المعارف وتحتم انصهارها فى أصولية كلية ، وكأنما هو يبشر بميلادها قبل وضعها اذ يقول : " كل واحد من العلوم الجزئية وهى المتعلقة ببعض الامور والموجودات بقتصر المتعلم فيه أن يسلم أصولا ومبادئ تتبرهن فى غير علمه ، وتكون فى علمه مستعملة على سبيل الأصول الموضوعة ( . . ) فليس يمكننا فى تعلم العلوم كلها أن نتحرز عن مصادرة على مقدمات تتبين فى علوم أخرى ، فان مبادىء العلوم وخصوصا الجزئية تتعرف إما من علوم جزئية غيرها أو من العلم الكلى الذى يسمى فلسفة أولى ، فليس يمكن أن يبرهن على مبادئ العلوم من العلوم نفسها " ( 3 )
أما ابن جنى فانه شديد الحيرة فى أمر التباس العلم بأصولية العلم ، وهو غيور على ابراز الفيصل المبدئى بينهما اذ كان بمنطقه النقدى مرتابا حيال القدرة البسيطة التى تمكن من عبور معادلات الدرجة الاولى الى المعادلات من الدرجة الثانية ، لذلك تراه يلح فى ضرب من التيسير على تبصرة العقول بأمر هذا التفارق ، فينزل علمه الأصولى منزلتين : فى الاولى هي منزلة الفكر النقدى الخاص لاتصاله الحميم بأصولية علم اللغة : " وهذا باب طويل جدا وانما أفضى بنا اليه ذرو من القول أحببنا استيفاءه تأنسا به ، وليكون هذا الكتاب ذاهبا فى جهات النظر ، اذ ليس غرضنا فيه الرفع والنصب والجر والجزم ، لأن هذا أمر قد فرغ فى أكثر الكتب المصنفة فيه ، منه ، وانما ه الكتاب مبنى على إثارة معادن المعاني ، وتقرير حال الاوضاع والمبادىء ، وكيف سرت أحكامها فى الأحناء والحواشى " (4 ) .
وفى الثانية هي منزلة العلم الكلى لأن أى تفكير أصولى وان تحدد بقطاع معرفي مخصوص فانه ينحدر الى بوتقة الاصولية الكلية فيصبح متمازج
المعارف بالضرورة ، وهذا سر أدركه ابن جنى الادراك الصريح فأبرزه بالتحليل لما سوى بين المتكلم والفقيه والنحوى والاديب والفيلسوف فى الحاجة اليه : فان هذا الكتاب ليس مبنيا على حديث وجوه الاعراب وانما هو مقام القول عل أوائل أصول هذا الكلام وكيف بدئ وإلام نحى ، وهو كتاب يتساهم ذوو النظر من المتكلمين والفقهاء والنحاة والكتاب والمتأدبين التأمل له البحث عن مستودعه ، فقد وحب أن يخاطب كل انسان منهم بما يعتاده ويأنس به ليكون له سهم منه وحصة فيه " ( 5 ) .
ومن رام تعداد النماذج الدالة على نضج الحيرة الأصولية فى تاريخ الفكر العربى وجدها متسربة فى مظان التراث تسربا نسيجيا لا يدع مظنه في أمرها ويتفاوت هذا التبلور فى ترقيه نحو الفكر المجرد الكلى ، ولكنك واجد من الصياغات المطلقة ما يتحدانا ويتحدى بعض ثقافتنا المعاصرة فى أصول الحكم وفلسفة المناهج ، أدركها اصحابها فى ضرب من الوعى النقدى الحاد و لاشك ان من ثمار هذه السنة المعرفية اقتدار ابن خلدون على مسك اعنة المناهج والقبض على مجامعها فى رؤية موحدة هى التى مكنته من تحديد اصولي لعلم المنطق فى مبدئه وتشكله واخصابه ( 6 ) .
فاذا صح عندك ما افترضنا انه سمة نوعية تطبع الاصولية العربية عامة وسلمت معنا سواء بالاستدلال أو بالمصادرة - بأنها أصولية توليدية لانها تنجب فلسفة فى العلوم ونظرية فى الادراك ، تبين لك كيف ان ابن خلدون م كان الا افراز طبيعيا لنمط الحضارة التى أنشأته ، فالتفكير النقدى العربى توليدى كما عرفت فهو اذن مثمر خصيب وثمرته هى ابن خلدون ذاته ، ولكن ابن خلدون لا يكون الا توليديا لذلك كانت أصوليته مثمرة انجبت ، فى مخاضها مع معرفة التاريخ ، علم العمران وانجبت بعد لقاحها بوليدها منظومة المعارف الكلية
على أننا اذا رمنا نشأة لهذا الطابع التوليدى فى حد ذاته أو حاولنا فك اسراره التكوينة عزوناه ابتداء الى تركز سمة الاخبارية فى الفكر العربى وتكامل ضوابطها ، مما يسر لها القبض على قطبى المعرفة المتواصلة : قطب المحسوس وقطب المجرد ، وليس من همنا فى هذا السياق إثارة جدل التكامل
أو التنافر بين المتصورين ولا من همنا البحث فى مدى الاخصاب وحدود الاجهاض على صعيد المعارف عامة ، وانما مقصدنا تقرير أمر هذه الظاهرة مما يصطلح عليه أحيانا بالمنهج العلمى أو المنهج التجريبى وذلك على حد ما أنطق بعضهم بالقول : للمنهج العلمي مواصفات تنامت وتكاملت منذ أن بدأ الانسان تسجيل ملاحظاته ومراقبة الظواهر الطبيعية البيولوجية ومنذ ان تلمس ما يحكمها من قوانين ، وحاول التعرف على ما يطرأ على الظواهر من تغيير أو انحراف ، وما يكمن وراء ذلك من أسباب ، وبديهى ان الممارسة العلمية فى مراحلها البدائية اقتصرت على تسجيل المشاهدات ، ثم ارتقت الى محاولة تصنيفها فى اطار يصل الظواهر بعضها ببعض ، سواء بحكم التجاور المكانى أو بالتواقت أو بالتتالى الزمنى ، وتلى ذلك اعتماد المنهج التجريبى ، والذى شهد تطورا هائلا على أيدى العلماء العرب والمسلمين فى القرون الوسطى ، الا ان هذا المنهج التجريبى لم يتكامل الا بعد انحسار النهضة العلمية فى المجتمع الاسلامى ، فوضعت الضوابط لكيفية تطبيق هذا المنهج ، وأسلوب استخلاص القوانين العامة من التجارب المنفصلة ، وطرق فحص الفرضيات من خلال تكرار التجربة الواحدة والتأكد مما إذا كانت ستؤدى - عند توفر شروه معينة - الى ذات النتيجة
وهكذا اكتسب الاسلوب العلمى شرطين يميزانه ، هما : المشاهدة المتجردة والتجربة كأساسين للوصول الى الاستنتاج المبنى على الاستقراء والاستدلال وصولا الى التميمات والقوانين
ومن خلال التناول المنطقى لمجموعة من المشاهدات والتجارب يمكن صياغة النظريات التى تسعى الى تفسير الظاهرة على مستويات أعمق وأشمل والنظرية العلمية تظل محطة مؤقتة فى مسيرة العلم " ( 7 ) . ومن الطريف ذى الدلال المميزة ألا تبقى جدلية التشكيل الحسى والتجريد التصورى مجرد معطى استقرائي ترتبط به المعاينة العلمية والمكاشفة الاختبارية ، وانما تتحول هى ذاتها الى معطى ينظر تنظيرا أصوليا يتخذ من العقل العاقل مادة للتفكير وموضوعا له فى نفس الوقت ، وهذه الحقيقة تصدق على ابن خلدون بالبداهة ولكنه فيها وريث سنة متأصلة ، فان رمت دليلا فالتمس للشاهد لا للحصر ضربا من ضروبها عند محمد الشهرستانى ( 467 ه - 548 ه ) : " وللمعنى صعود من
المحسوس المسموع الى المعقول المعلوم صعودا من الكثرة الى الوحدة ، ونزول من المعقول المعلوم الى المحسوس المسموع نزولا من الوحدة الى الكثرة والعرفان مبتدئ من تفريق ونفض ، وترك ورفض ممعن فى جمع هو جمع صفات الحق للذات المريدة للصدق ثم انتهاء الى الوحدة ، ثم وقوف ، وهذا من حيث الصعود . والعرفان مبتدئ من توحيد وتفكير وتمييز وتصوير ممعن فى معرفة هي معرفة صفات الخلق ثم انتهاء الى الكثرة ثم وقوف وهذا من حيث النزول " ( 8 ) .
أما عند ابن خلدون فانك واجد ، فيما أنت واجد ، قوله : " ان العلماء معتادون النظر الفكرى والغوص على المعانى وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها فى الذهن أمورا كلية عامة ليحكم عليها بأمر العموم لا بخصوص مادة ولا شخص ولا جيل ولا أمة ولا صنف من الناس ويطبقون من بعد ذلك الكلى على الخارجيات وأيضا يقيسون الامور على أشباهها وأمثالها بما اعتادوه من القياس ، فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها فى الذهن ولا تصير الى المطابقة الا بعد الفراغ من البحث والنظر ، ولا تصير بالجملة الى المطابقة وانما يتفرغ ما فى الخارج عما فى الذهن من ذلك " ( 9 )
عند هذا الحد من الاستنطاق الجدلى يتيسر لنا التماس الركيزة المبدئية التى تجمعت في صلبها خصائص الاختبارية فى منهج البحث وطرق الاستقصاء داخل شبكة النسيج المعرفي فى الفكر العربى وهى فى الحقيقة ثمرة أصولية تولدت عن رؤية تجريبية تتحرى موضوعية البحث ومعقولية التشريح ، هذه الركيزة بدت لنا متجسدة فى تواتر الطرح اللغوى ضمن حقول التقصى الأصولى ، فليس من مقدمة أو خطبة صدر بها أعلام النظر النقدى مصنفاتهم على نهج الفكر الأصولى إلا وهى متضمنة للاشكال اللسانى بغية تحسس نواميس الظاهرة اللغوية من حيث هى أداة المعرفة وموضوع لها فى نفس الوقت
وهكذا لم تنفك تزدوج فى المقدمات الأصولية وظيفتان لسانيتان : وظيفة الأداء الابلاغي ووظيفة الحديث باللغة عن اللغة . وعن الوظيفتين تتولد وظيفة نوعية هي الكلام باللغة عن تفكير العقل فى اللغة . بل إن هذه المقدمات قد اختزنت لنا أرقى درجات التنظير الموضوعي شأن الظاهرة اللسانية فأصبحت تمدنا بالرؤية الجامعة بين الاختبار والشمول
وقد لا تستتوقفك استهلالات اللغويين بطرح القضية اللسانية طرحا أصوليا فكأنما ذلك من طبيعة شغلهم وان كان فى مثل هذا الظن حظ وافر من المسارعة ، ولكن القضية أشد وقعا وأحكم فعلا حينما تتواتر الى حد الاطراد : تجدها فى مقدمات أصول الفقه ، وعلم الكلام ، وكتب التفسير ، أما عن مداخل الفلاسفة وأهل المنطق فحدث ولا استغراب
وسيصنع الطابع التوليدى الذى أشرنا اليه آنفا صنعه ، فتتحول المقدمات الى خواتم ويأتى ابن خلدون بالصورة المتكاملة للتنظير اللسانى على صعيد الفلسفة الاولى كما يقول الشيخ الرئيس
كذا تتقرر لناظرنا هذه الظاهرة العجيبة التى تحوى من الابعاد المعرفية ما يتحدى الفكر المعاصر ، والتى تجيء بمادة فكرية ولود كثيرا ما تعجز اللسانيات فى أحدث تياراتها عن استيعاب مقولاتها الكلية . ولهذا السبب وأسباب أخرى لم نأت عليها بدا لنا أن استقراء البعد اللسانى يمثل " ثابتة" فى الفكر العربى ، بل هو أم الثوابت ، ولن يغفل ابن خلدون ، على ما بدا لنا ، عن هذه الحقيقة التى تمثل النموذج الأوفى للسمة الاختبارية . وقد لا يخفى اليوم عن أحد أن الذى يحدد قوام الحداثة فى حقل العلوم الانسانية الراهنة إنما هو موقعها من اللسانيات ، ذلك ان علم اللسان قد أصبح مركز استقطاب تحتكم اليه مختلف المعارف الانسانية سواء فى مناهج بحثها أو فى تقدير حصيلتها العلمية . وقد كان له على صعيد فلسفة المناهج فضل ارساء جملة من المبادىء أهمها اثنان : مبدأ تمازج المعارف بغية ادراك نواميس الظواهر المتصلة بالانسان ، ومبدأ استغراق الشمول المعرفي مما جذر الرؤية الأصولية
ولئن لم يسمح المقام بالاستطراد الى خواص الفكر المعاصر جملة فاننا نتجوز التنبيه على ظاهرة معرفية تبدو لنا مستقبلية أكثر مما هى حضورية اذ نكاد نكون على اليقين بأن الفكر المعاصر على عتبة عصر معرفي جديد هو فجر الأصولية اللسانية .
فاللسانيات اليوم موكول اليها مقود الحركة التأسيسية فى المعرفة الانسانية ، لا من حيث تأصيل المناهج وتنظير طرق إخصابها فحسب ، ولكن ايضا من حيث انها تعكف على دراسة اللسان فتتخذ اللغة مادة لها وموضوعا ولا يتميز الانسان بشئ تميزه بالكلام ، وقد حده الحكماء منذ القديم بأنه الحيوان الناطق ، وهذه الخصوصية المطلقة هى التى أضفت على اللسانيات - من
جهة اخرى - صبغة الجاذبية والاشعاع فى نفس الوقت ، فاللغة عنصر قار فى العلم والمعرفة سواء ما كان منها علما دقيقا ، أو معرفة نسبية ، أو تفكيرا مجردا ، فباللغة نتحدث عن الاشياء وباللغة نتحدث عن اللغة - وتلك هي وظيفة " وما وراء اللغة " - ولكننا باللغة أيضا نتحدث عن حديثنا عن اللغة اننا باللغة - بعد هذا وذاك - نتحدث عن علاقة الفكر اذ يفكر باللغة من حيث تقول ما تقول ، فكان طبيعيا أن تستحيل اللسانيات مولدا حركيا لشتى المعارف فهي كلما التجأت الى حقل من المعارف اقتحمته فغزت أسسه حتى يصبح ذلك العلم نفسه ساعيا اليها : اقتحمت الادب والتاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع ثم اتجهت صوب العلوم الصحيحة فاستوعبت علوم الاحصاء ، ومبادئ التشكيل البياني ومبادئ الاخبار ، والتحكيم الآلى ، وتقنيات الاختزان فى " الكمبيوتر " ، وآخر ما تفاعلت معه من العلوم الصحيحة حتى أصبح معتنيا بها عنايتها به علم الرياضيات الحديثة ولا سيما فى حساب المجموعات ( 10 ) .
فبحثنا هذا - كما قد ينطق تلقائيا عن نفسه - انما هو النظر فى مقدمة ابن خلدون من وجهة عالم اللسان الملتزم بشمول الرؤية الأصولية تكوينا وتوليدا في نفس الوقت ، فنحن بموجب ذلك نحاول اقتفاء السبل الضمنية المؤدية إلى بناء الأصولية الخلدونية بالارتكاز على معادلات منطقية لسانية فى آن معا . وفي كل ذلك نصدر من موقع معرفي محدد هو تقديرنا ان مقدمه ابن خلدون قد مثلت منظومة الفكر الأصولى المتكامل فى مسار الحضارة العربية وهذه المصادرة تستوجب السليم بأن ابن خلدون - فضلا عن أنه فلسف علم التاريخ واشتق علم العمران - قد أمسك فى مقدمته بأزمة مراتب أخرى تتداخل وتتفاعل الى حد التراكب الكثيف :
فهو في المنزلة الاولى مؤرخ للعلوم ، وفي المنزلة الثانية ناقد لأصول العلوم ومناهجها وثمارها ، ثم هو فى الثالثة منقب عن خصائص المعرفة الانسانية وكليات الادراك البشرى

