الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الأسس الفكرية والاقتصادية لوحدة المغرب العربي

Share

انه لشرف اثيل ان اشارك فى أول موسم ثقافى * تقيمه الامانة العامة لجامعة الدول العربية لمناقشة العديد من القضايا المتصلة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية . وانه لمن دواعي الاعتزاز ان تتوخى الامانة العامة هذه السبيل تدعيما للقناعات السياسية بجدوى العمل العربي المشترك وذلك بمزيد التشجيع على تفاعل الفكر الحر وتبادل الرأى الموضوعى الصريح وتوخى التوعية السليمة الهادفة وهو أمر يتيح للجميع وخاصة لاصحاب القرار السياسى الفرصة لتبيان جملة من الافكار والمقترحات العملية القابلة للتنفيذ

وان أهمية هذه البادرة لتزداد وقعا واثرا عندما تأتى فى أعقاب اقرار القمة العربية لعدد من الوثائق والدراسات والمواثيق القومية الهامة كوثيقة استراتيجية العمل العربى المشترك وعقد التنمية العربية المشتركة وميثاق العمل الاقتصادى القومى كما تفضل ببيان ذلك الاستاذ الشاذلى القليبى الامين العام للجامعة فى دعوته لى قصد المشاركة فى هذا الموسم .

سأتناول فى هذه المحاضرة الاسس الفكرية والاقتصادية لوحدة المغرب العربى حسب رغبة الامانة العامة للجامعة على أساس ان التجمعات الجهوية داخل الوطن العربى تزيد العروبة قوة وتختصر مراحل الوحدة الشاملة المرتجاة .

ان فكرة وحدة المغرب العربى فى الاربعينات والخمسينات كانت قبل كل شئ تجسيما لوحدة الحركات التحريرية الثلاث ضد الاستعمار الفرنسي فى سعيه الحثيث منذ أواخر القرن التاسع عشر لفصل هذه الرقعة من الارض العربية عن سائر الوطن العربى . فكان رد الفعل عنيفا والارادة واضحة بينة لتمسك أهل المغرب العربى بهويتهم بعد ان بحثوا عنها طويلا وخاضوا طيلة القرون الاحداث للظفر بها الا وهي انتماؤهم للحضارة العربية الاسلامية دينا ولغة وثقافة .

وليس من فضول القول ان نشير الى ان اهل هذه الارض المغربية منذ ان ربط بينهم خبط الحضارة البونيقية القرطاجية الآخذة بجذورها من الشرق والرامية بفروعها الى الغرب لم ينفكوا فى تقارب وتباعد لا من جراء تباين فى الجنس ولا تنافر فى المصلحة ولا تغاير فى اللغة بل بسبب تطاحن قوى خارجة عنهم تقسمهم من اجل ابتزاز خيراتهم وتشتت صفوفهم خوفا من اجتماع كلمتهم .

الم تكن رومة هى التى ألبت الممالك البربرية على قرطاج خوفا من ضياع سيطرتها ثم بسطت نفوذها على كامل الشمال الافريقى تقسم وتجزئ وتبتز الخيرات ولم يكن للشعوب المغربية الا الركون الى الثورة تلو الثورة لزحزحة نير الاستعمار الرومانى ولكنها كانت مع ذلك تتجاوب سياسيا وتتمازج اقتصاد وتتآصر ثقافيا .

ثم جاء الفتح الاسلامى فكانت الفرصة الوحيدة التى أتيحت لهذه الارض المغربية لتتحد فى الجهاد اولا ثم فى بناء الكيان الاسلامى فى دول عديدة يجمعها نمط من الاقتصاد واحد وضرب من الحياة الاجتماعية واحد وأسلوب واحد فى الثقافة دينا ولغة وفكرا وادبا

وليس من الغريب أن آل الامر فى فترة من الفترات الى وحدة الدولة مع الموحدين ثم الحفصيين ثم الى التشتت مرة أخرى والوقوع تحت ضربات القوى الصليبية من جهة وعنفوان الدولة التركية من جهة اخرى

وظهر التجزؤ عند ذلك كأشد ما يكون وزادته استفحالا ارادة التوسع المغروسة فى نفوس بعض الحكام وهي فى الواقع الدودة فى الثمرة التى كثيرا ما تقضى على الدول وتزعزع كيانها فيصيبها بعد الانتفاخ الوهن والانطواء .

واخيرا ادرك الاستعمار الفرنسى المغرب العربى وهو على هذا الضعف والوهن ولكن عزيمة المجاهدين تمكنت رغم السجون والعنت والاستلاب من ارجاع صولة الكفاح فى سبيل اثبات الذات وفرض الهوية فاتحدت الكلمة من جديد على أسس ثابتة من الانتماء الى الحضارة العربية الاسلامية دينا ولغة وثقافة والاستماتة من اجل الحرية والكرامة

وان المستقرىء لجهاد عميد المجاهدين الرئيس الحبيب بورقيبة يدرك ذلك واضح الادراك اذ هو وقف حياته وكتل الشعب التونسي للحفاظ على مقومات

تونس الحضارية وفى نفس الوقت كان دائما متجاويا مع كفاح الاخوة الجزائريين والمغاربة ومناصرا لجهادهم واذكر على سبيل المثال لا الحصر ان الحزب الحر الدستورى التونسى اعلن اضرابا شاملا فى خريف 1937 تضامنا مع زعماء حزب الاستقلال المغربى الذين نفاهم الاستعمار الى الفابون وعلى راسهم الزعيم الراحل علال الفاسى ، هذا الى جانب تكوين مكتب المغرب العربى بالقاهرة والملاحظ أن التفاعل كان موجودا فى بقية أنحاء المغرب العربى اذ ان الثورة التحريرية الحاسمة فى القطر المغربى الشقيق اندلعت انطلاقا من الدار البيضاء فى ديسمبر 1952 غداة اغتيال الزعيم الوطنى والنقابى الكبير فرحات حشاد ومن المفيد أن نذكر كذلك مدى تضامن تونس والمغرب مع الثورة الجزائرية طيلة ثمانية أعوام مما ستبقى ساقية سيدى يوسف شاهدا عليه ورمزا حياله ابد الدهر .

وبعد فمن بديهيات الجغرافية السياسية للمجتمع المعاصر فى النصف الثانى من هذا القرن ، ان عصرنا هذا هو عصر الاحلاف الواسعة المتعددة المجالات ، وزمن المجموعات الجهوية بين العديد من الاقطار المتجاورة ، وان هذه الممارسات الائتلافية قد أثرت العلم السياسى ويسرته للمناظرة والتحليل من تجارب متنوعة للتقارب بين الامم وللتناسق والتكامل بين الثقافات ، تتفاوت حظوظها من الاحكام والترابط والشمول

ولم يكن قيام هذه الاحلاف ولا ترابط تلك المجموعات مقصورا على المصالح الاقتصادية ، ولا كان مبعثها التواثق العسكرى للدفاع عن المصالح والحرمة فحسب . بل ان من وراء هاتيك الدواعى الظرفية ، حوافز اخرى اعرق جذورا واوسع مجالا وابلغ اثرا ، تكمن فيما بين الشعوب المتآلفة عامة ، من قرابة حضارية ومن تناسق فى المشارب الثقافية ومن تشابه فى أسلوب العيش ولكنا اعتدنا ان نقصر النظر ، عند الحديث عن مجموعة السوق الاوربية المشتركة مثلا ، أو عن مجموعة الدول الاشتراكية الأوربية ، المعرفة باسم " مجلس المعونة الاقتصادية المتبادلة " Comecon او عن مجموعة التنمية الاقتصادية لدول افريقيا الغربية Cedead او عن دول المجموعة الاندية ANDIN بامريكا الجنوبية - وكلها وغيرها مجموعات معاصرة لنا - محيطة  ببلادنا المغربية اعتدنا ان نقصر النظر على الجوانب الاقتصادية من هذه الاحلاف ، دون اعتبار لما يعززها ويكتنفها من سمات التقارب الحضارى لغة

وثقافة واسلوب عيش ، مما يقوم بين شعوبها وييسرها للتعاون الاقتصادى ذاته .

ولعل المؤرخين الذين سيؤرخون غدا قريبا لهذه الظواهر الائتلافية بين شعوب مجتمعنا المعاصر ، يتوصلون الى تقرير قاعدة اساسية من القواعد الاجتماعية السياسية ، تبرز مرة اخرى الدور الرئيسى الذى تلعبه المعطيات الحضاربة في حفز التقارب والتآلف السياسى بين بنى الانسان ، وفى تيسير التوارد والتناسق بين مصالحهم الاقتصادية ، فتصحح النظرة المجازفة التى كانت تجعل من توارد المصالح المادية وحدها مفتاح القوس لبناء التقارب بين الفئات المتعاصرة من بنى الانسان .

ولعل هؤلاء المؤرخين - اذا ما هم التفتوا الى اوضاعنا نحن فى أقطار المغرب الكسر سيلحظون ما قصرت دونه همتنا من البناء المشترك لمجموعتنا المغربية رغم ما المعنا اليه من التلاحم والتضامن فى أيام الكفاح فى زمان تحدق بنا فيه المجموعات المعاصرة شمالا وشرقا وجنوبا ، وسيجدون فى سلبيات اوضاعنا نفسها ، شاهدا على اولوية الحوافز الثقافية الحضارية ، المقدمة على الحوافز الاقتصادية ، فهم سيلحظون ما تتصف به من قدم فى الزمان عزيمة التضامن والتعاون بين شعوب هذه المنطقة ، وما لجذورها من تمكن فى النفوس ، رغم الذي لم تزل تلقاه تلك العزيمة من مشاكل وعقبات . ولئن لم نتوفق الى اليوم . بعد ربع القرن من ممارسة السيادة - الى اقامة مشروع التعاون المغربى بين اقطارنا في ميدان المصالح المشتركة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، فان ذلك لم يفت من زاد الايمان بحتمية المصير المشترك ، ولا صرف شعوبنا وقادتها عن التمسك بمآل التضامن الشامل

وينبغى الا ننسى - عند الحديث عن مثل هذا البناء الهيكلى للتعاون الجهوى ان التجارب الاخرى التى نعاصرها ، انما كان مولدها عقب الحرب العالمية الثانية وانها لا ترجع الى ابعد من ذلك التاريخ . ذلك ان ميثاق comecon دول اوربا الشرقية انما تم عقده فى خواتم الاربعينات وتلاه فى الزمان فى بداية الخمسينات ميثاق روما بين دول السوق الاوربية المشتركة ، ولا يصح فى رأيى ، ان نساوى فى التنظيم بين الفترتين : فترة البناء الاقتصادى والسياسى في أوربا الغربية أو أوربا الشرقية ، وفترة محاولة البناء المغربي بين اقطارنا ، اذ الفترتان متطابقتان في الزمان ، متباعدتان فى المضمون والدلالة . وكلاهما متعلق بجيل خاص من الاجتماعية السياسية ، فالامم اجيال

ولكل جيل من الدول عمره ، كما كان يقول عبد الرحمان بن خلدون تنتمى دول ميثاق روما الى جيل قديم يرجع عمره الى القرنين السادس عشر والسابع عشر ميلادى ، فى حين يرجع عمر الدول الشرقية الاوربية الى أواخر القرن الثامن عشر واوائل التاسع عشر ، ولا تزيد اعمار الدول المغربية بالمقياس السياسى الهيكلى على عمر جيلنا نحن جنود الكفاح التحريرى

وينبغى ان نذكر امرا ثانيا له دلالته فيما يهم بناء مجموعات التعاون الجهوى ، وهو ما يتعلق بالمنطلق التاريخى الذى صدرت عنه الدول الغربية والشرقية ، ونصدر اليوم عنه ، فى محاولاتنا الائتلافية ، فقد خرجت أقطار أوربا من حرب كونية ماحقة ، خاضتها باسلحة السيادة السياسية والسطوة العسكرية ، ومن منطلق دول قائمة الذات على الساحة الدولية ، مكتملة البناء الدستورى والادارى متوفرة على اقتصادات متماسكة موصوفة ، لها وحداتها الانتاجية ، ونسيجها الصناعي وتجهيزاتها الاساسية ، واسواقها المفتوحة ، ومسالكها التجارية وطرائقها التكنولوجيا العالية فى الانتاج ، تعول على جهاز تربوى محكم البناء ، متين القواعد عريق التجربة ، توصلت بفضله الى توفير حاجاتها فى الكفاءات وضمنت قدرتها على الابداع ، ووطدت قدمها فى مجال البحث العلمى ، وجادت بنصيبها فى المسيرة الحضارية

لا شئ من معظم تلك المسبقات كان متوفرا لبلاد المغرب فجر استقلالها ، ولا للعديد من بلاد المشرق ولجهات كبيرة من العالم الثالث غداة الحرب العالمية الثانية . فانما كنا ننطلق من قريب بزاد طفيف واعمار فتية ، نسلك سبلا جديدة حافلة بالعقبات والمزالق . وانطلقنا من موقع التبعية فى السيادة السياسية ، ومن مركز الارتجال والضعف فى البناء الاقتصادى والاجتماعى وكنا فى بداية امرنا من ممارسة شؤوننا بانفسنا ، على غير سبيل مرسومة ولا اختيارات فنية مسبقة ، ولا كفاءات تقنية موفورة ولا مهارات مترشدة بالممارسة مزودة بالتجربة . ثم كان علينا اذ نوزع السعى فى واجهات متعددة ومجالات متنوعة تتساوى قضاياها فى الأهمية والتأكد ، لا نملك ان نرجئ بعضها وننصرف عن بعض . أفهل كان لنا الخيار بين البناء السياسى الدستورى والادارى لوضع أسس الدولة وتوفير أجهزة الممارسة الدستورية والادارية وبين البناء الاقتصادى المادى لاستصلاح الارض البور وتفجير ينابيع الماء ومد شبكة الطرقات وانشاء وسائل النقل والمواصلات ، واحكام التصرف فيما ورثناه من مؤسسات كبرى وتجهيزات أصلية ؟ ثم أكانت حكوماتنا تملك ان ترجىء ميدان التعليم ، فلا تجابه متطلبات النهوض بالانسان وما به ضمان

كرامته ، فتسلك سبل التقسيمط فى انشاء المدارس والثانويات والجامعات وفي تخريج الاساتذة والمعلمين ، وفى اعادة النظر فى برامج تربوية موروثة كانت ولا تزال من أكبر العوامل فى تعميق التبعية الحضارية بربوعنا والعلاج ووسائله الباهظة المتشعبة ؟ من منا كان يرضى باعتبارها حاجات ثانوية فى مراتب الاولوية ؛ أو كان يملك ان يرجئ الى فترة لاحقة انشاء الوحدات الاستشفائية وتخريج الاطباء والاعوان الصحيين

لعل حدة التسارع بين الحاجات الوطنية فى كل قطر من اقطارنا المغربية قد فترت اليوم ، وقد مضت عشرون عاما على استكمالنا جميعا لمقومات السيادة وتمكنا ، بفضل الله وعونه ، وبحزم الجيل الاول من أبناء الشعوب المغربية من الوفاء بجانب مهم من تلك الحاجات ، وخرجنا من مرحلة التزاحم بينها الى مرحلة التناسق والانتظام فى مراتب التخطيط الزمانى وتصنيف الاولوية . وما كان الامر بهذا اليسر فى خاتمة الخمسينات وفجر الستينات ، بل كنا جميعا من الرباط الى الجزائر الى تونس ، نعيش اعواما مكتظة بالمشاغل ، مشحونة بالقضايا المتزاحمة ، نحيا منها على حبل موتور وفى دوامة من الممارسة ويزداد زماننا امتلاء بالمشاكل واحتفالا بالضغط ، واشتدادا فى التنافس بين الممكن والمأمول ، بفضل الحرب الجزائرية ، التى كانت بحق حربا مغربية شاملة ، خاضتها شعوب المغرب من من منطلقات متكاملة ، على الجبهات العسكرية والاقتصادية والسياسية ، بسلاح التضامن الحى واليقظة القومية المشتركة

ومن طبيعة التطور التاريخى ان تكون العزيمة المغربية لبناء المصير المشترك اقوى تمكنا فى اعوام الرفض والصرامة الحافلة بالكفاح التحريرى على الجبهات المغربية ، وان تكون ارادتنا يومئذ اكثر حضورا واوضح بروزا ، مما آلت اليه بعد الاستقلال وفى حال انصرافنا الى البناء الوطنى والتنظيم القطرى . ولا نجهل ما يتردد بين ابنائنا فى العواصم المغربية ، وما تتقوله بعض وسائل الاعلام الاجنبية من ان العزيمة المغربية قد أصيبت بالفتور والوهن ، ولم تعد تذكر الا فى مناسبات الخطابة الرسمية وغير الرسمية ، وان الممارسات القطرية فى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تدل على ان المغرب الكبير يسعى الى البناء المشترك وان شأن المغرب فى ذلك كشأن الدول الاعضاء فى الجامعة العربية ، لم تزل منذ نشأتها تتعثر فى السلبيات ، عاجزة عن ان تقيم بينها البناء المشترك وتدعم اسباب التضامن المتين الذى أصبح من مستلزمات البقاء والنجاح فى المجتمع المعاصر . فهي جميعا جاثمة فى مستنقعات الفشل بعد الانتكاسات المؤلمة التى عرفتها المحاولات المرتجلة المتكررة لفرض الوحدات

الاندماجية ، عاجزة عن أن تنسج بينها مثل ما بين سائر المجموعات الدولية من اسباب التعاون القار والتضامن الدائم وهي لا تزال سالكة سبيل الانطواء او الحماس الظرفى والانكماش فى البناء الاقتصادى القطرى فى زمن أضحت معظم الشعوب الواعية تقيم بينها المجموعات الجهوية للتعاون فى شتى المجالات وتسعى الى هدف التكامل والتوحيد على أمد قريب او متوسط

وكيف نجحد ما كانت تتصف به شعوبنا زمن الكفاح من حماس الرفض ومن عزمات الضدية ، يتغذى بها التصور الامثل للغد المرتقب ، ثم تبرد تلك الحمية بعد الظفر بالغاية المطلوبة ، ويفتر الحماس وتطغى ضغوط الواقعية وقد اطنب ابن خلدون فى تشخيص هذا التحول فى الكفاءة الانشائية بين أجيال البناء الوطنى للدولة . ولا نجحد كذلك ان التفكير السياسى والاقتصادى المعاصر لم يزل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يؤكد على وجوب الاقلاع عن البناءات الاقتصادية الضيقة ويلح بالحجة القائمة على ان مثل هذه الاقتصادات الصغيرة فى أحجامها الاكتفائية وفي نزعتها تظل واهية البنية الهيكلية عاجزة عن بلوغ مراتب الجدوى والفاعلية ، قاصرة عن كسب الاسواق الرابحة مردودة الى الخسران وتعميق التبعية . وقد ظهرت عدة نواد عالمية للابحاث الاقتصادية - مثل نادى روما فى العالم الغربى ، ومركز دراسات الوحدة العربية فى الشرق - تدعو الى اقامة مجموعات جهوية للتضامن والتعاون ، او كما يقول بعض الاقتصاديين العرب فى احتشام ، لتنظيم " العمل الاقتصادى العربى المشترك " وتعرض استراتيجية عالمية لعدد مدروس من التكتلات الجهوية يقوم بينها فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية وفى الشؤون السياسية حوار متكافئ يفتح لجهود التنمية متسعا جغرافيا متناسقا يكون أضمن لجدواها ، على الامد الطويل وأبقى لسعيها وأنسب لفاعليتها .

ذلك أن الحوار القائم اليوم بين الشمال والجنوب لا يمكن ان يصبح حوارا متكافئا بين عمالقة خمسة فى أوربا الشرقية والغربية وفي أمريكا الشمالية واليابان من جهة اولى - بما يتوفر لمجموعاتها من سعة الرزق واسباب القوة والتنظيم - وبين عالم ثالث موزع مقسم بين مائة وعشرين دولة ، او دويلة اسمية ، ليس لها من وزن فى كفاءتها الاقتصادية ولا فى قدراتها العلمية والتقنية وهل من دولة بين دول العالم الثالث أوسع ديارا اليوم من دولة البرازيل ولا أوفر سكانا بما يزيد على عدد سكان العالم العربى ؟ وهى لا تبلغ من مراتب الدخل نصف ما يتوفر لجارتنا المتوسطية اسبانيا

ليس شئ من هذا الواقع جديرا ان ينكر أو نجحد ما فيه من شحنة الاقناع ودواعى التروى والتدبر - ونحن لم نزل منذ استكمال الاستقلال لدول الجهة المغربية نعالج معادلة صعبة بين البناء القطرى وبين البناء الجهوى - وتورثنا الممارسة الدؤوب للشؤون العامة ، داخل اقطارنا شعورا دائما بما قد يتسم به البناء القطرى من هدر للامكانيات الجهوية المتاحة ومن تفويت للفرصة التاريخية المؤاتية ، وتوقا الى التعجيل باقامة القواعد المتينة للبناء المغربى ، بدلا من أن قصر جهودنا وطموحنا على المجال الضيق لجغرافية السيادة القطرية

لا اعتقد ان فى مسيرتنا ما يمكن ان يشير الى اننا اتخذنا من البناء القطرى مقصدا بديلا من البناء الجهوى . وانما كانت تزدحم علينا حاجات مائلة ملحة فى الأمن والغذاء وفى السكن والتشغيل وفي التعليم والتنظيم الادارى ، ما كان فى مجابهتها من مهرب ، وما كان لنا الخيار فى ان ننصرف عنها . ثم اناكنا . فى ربوع المغرب والحق يقال - قد تغذينا بروح الوطنية القطرية وغذينا بها عقول أبنائنا وشحذنا بها عزائم المناضلين داخل الاحزاب السياسية والتنظيمات الشعبية ، وورثنا عن الغرب المفهوم القطرى لسيادة الدولة ، نتمسك بمقاييس الدولة - الامة ، ونتعلق بها شعارا للكفاح ، وعنوانا على الذاتية ، ولا نرى من مجال سواها لبناء المستقبل ، بعد ان ردت الينا مسؤولية هذا البناء وحملنا شرف الاضطلاع بواجبه

وقد ساد لدينا بالتقليد والمماثلة مفهوم المطابقة الجغرافية بين متسع السيادة السياسية وبين متسع الفاعلية الاقتصادية ، على غرار ما كان ولا يزال سائدا فى الدول - الامم الغربية - قبل اقبالها على التعاون الجهوى وبعده . فجعلنا من الجغرافية الوطنية المجال المفضل لممارسية البناء الاقتصادى ، واصبحنا نهدف وبدرجات متفاوتة فى الامكانيات والموارد والاستثمارات الى ضروب من الاستقلال الوطنى الاقتصادى ومن السيادة الصناعية والكفاية الغذائية . بل وبات انشاء المصانع القطرية من ابرز عناوين الاستقلال الوطنى ، ورمنا من ذلك ان نبلغ الى درجة من الاستغناء عن الغير حتى ولو كانوا من اجوارنا الاقربين

تلك من آيات منطق الوطنية الاقتصادية الضيقة ومن ابرز آثار البناء الوطنى للدول المغربية فى المرحلة الاولى من الممارسات السياسية ، المطبوعة بطابع الواقعية فى طغيانها على التخيل والاستشراف المستقبلى . وتلك من نتائج التفرغ الى الممارسات اليومية وقلة العناية بالاستقراء المفجر لامكانات المستقبل هى من بعض جوانبها مغالبة بين الازمنة وسيطرة الزمان المائل الحاضر على

الزمان المتوقع الآتى . كلما حثنا الحنين الى مطلبنا ومقصدنا المشترك رددناه الى زاد الآمال المرجأة ، ومنينا النفس بان لكل مطلب زمانا مواتيا ، وان زمان البناء المغربى لم يحن بعد ، ولا توفرت شروطه ، ولكنه آت لا محالة - ومنقلب بنا الى مراتب المأمول

وقعنا فى جدلية التعايش بين افق الحاجات المتزاحمة وبين افق الرجاء المتوقع . لا نملك الا ان نقبل بما بين الافقين من تفاوت فى الترتيب الزمانى ونسلم جدلا بان البناء القطرى الوطنى لابد ان يكون سابقا للبناء الجهوى وممهدا له ، ولا مناص من ان تكون كل دولة من دول المغرب الكبير قد سلكت سبيلها فى البناء ، ومارست مشاكلها واقامت ما تقدر ان تقيمه من مشاريع خاصة ومن مؤسسات منفردة ، ليتكون من كل ذلك زاد للتضامن ومادة للتعاون . والا فما الذى يكون لها ان تحمله الى سوق المعاملات المشتركة ، زيادة على حاجاتها وآمالها ؟ وهكذا يصبح البناء الاستقلالى الانفرادى حلقة واجبة ورأس الجبل فى حلقات التعاون الجهوى ، ومنطلق الطريق المشتركة التى نريد ان نسلك فيها بآمالنا ومشاريعنا وبما حققته جهودنا

سينصرف المؤرخون وأهل الذكر من رواد الاجتماعية - السياسية الى تحليل هذه الظاهرة الانكفائية الوطنية والى طلب تاويلها بما يجتمع لديهم من عناصر النظرة الفاحصه الشاملة . أما جيلنا الحاضر فلا يتوفر له مثل ذلك المتسع البارد من كفاءة التحليل والتأويل ، ونحن لا نزال فى بعض الطريق ، نمارس الواقع ونغالب المشاكل ونحاول الا ندعها تطغى بوفرتها وتعقدها على زادنا من الرجاء ونصيبنا من الامكانيات فى بناء المصير المشترك . على انه يبدو لى وانا واحد من اهل هذه الممارسة الشاقة من بين ابناء المغرب العربى ، لا تسمح له ظروفه ولا يميل بذوقه ان يكون من اهل الذكر والنظر فحسب - وليس له كلف بالغ بتمارين التاويل المسبق ، يبدو لى ان ما منى به المشروع المغربى من الارجاء والتأخر فى مراتب الحتمية الزمانية ، انما مرده أساسا الى ضرب من التصور الضيق لما نطلق عليه لفظ التنمية . فلا يزال فينا من يحصر هذه التنمية فى النظرة الحسابية الهندسية ، ويعتبرها انما تتحقق بالنمو الكمى الذي يحصل لبعض المتغيرات المرقمة الداخلة في حساب الناتج المحلى الاجمالى (PNB) وتكون عندهم مضمونة للاقتصاد الوطنى وللمتغيرات الكبرى المتعلقة به كتشغيل اليد العاملة مثلا ، اذا بلغ ازدياد الناتج المحلى الاجمالى نسبة سنوية قدرها 5،3% مثلا او 7،6 % ما تشاء من مقادير . والامم مراتب على هذا الدرب المرقم من التنمية ، بعضها سابق واخرى لاحقة وثالثة متعثرة ، ورابعة تجر اوزار الفقر والجهل والتبعية فى زحام المتخلفين

ويرجع القول بهذه النظرية الهندسية الحسابية لمفهوم التنمية الى الخمسينات عندما راحت في اديبات الاقتصاد المتخلف النظرة الميكانيكية القائلة بان شعوب العالم الثالث " متخلفة " عن مسيرة الشعوب الصناعية " المتقدمة " وان الشاهد على ذلك ما تبرزه المقارنة من فوارق كمية بين الدخل الفردى هنا وهناك وما يتضح من " فجوة GAP الوجبة الغذائية وتركيبها وبين عدد الشغالين ونسب البطالة الكاملة والمقنعة ، وبين عدد الثلاجات والدور المجهزة بالماء . الى غير ذلك من المؤشرات الوجيهة والمقاييس المصطنعة ، وان التنمية تتمثل ، بالنسبة لشعوب العالم الثالث فى " اللحاق " بشعوب العالم المصنع فيما تتمتع به هاته الشعوب المحظوظة من مراتب الدخل ودرجات الاستهلاك السلعى وحتى فى صنوف التبذير ، والتنمية تتمثل بالخصوص فى الاخذ باسلوب العيش الاستهلاكى الحافز على توفير الانتاج وتنشيط اسواق الطلب والرواج . فيكون لحاقها بتلك الشعوب اندماجا فيها بالمماثلة والتقليد وتمحيدا للاسراف والتبذير ، واقلاعا عما كانت تمتاز به تلك الشعوب المتخلفة من خصائص ذاتية ومن سمات حضرية

وهكذا قامت استراتيجيات غريبة للتنمية ، لا تكتفى بالاهداف الكمية للمتغيرات الاقتصادية الكبرى من ناتج محلى اجمالى ومن تشغيل وتصنيع بل نقول بوجوب التغيير الاجتماعى والثقافى والاقتداء بالنمط الاجتماعى الغربى فى بناء المجتمع . ولا سبيل الى ادراك مثل هذا " التقدم " والانصهار فى الاجتماعية الغربية الا السبيل التى سلكتها الامم الغربية والشرقية المصنعة من فحر النهضة العصرية ، ايمانا بان التاريخ معاد حضارى وان البشر سواسية وان ما صلح لغيرنا فى زمان غير زماننا هو بالمماثلة صالح لجيلنا فى زماننا المتأخر وان تبدلت الظروف غير الظروف ، وتباينت الكثير من المقاييس فى التفكير والذوق وفي تصورات العيش الكريم

لا حاجة الى القول بما في تلك النظرية الآلية - الهندسية من تبسيط واسفاف وما تنطوى عليه شطحات الارقام من اجحاف بالواقع ومن تعميمات غير علمية . ولم تلبث الادبيات الاقتصادية ان طوت هذه الصفحات المضلة ودخلت كتب اصحابها فى عداد المراجع التاريخية لتطور النظريات الاقتصادية ، وقد كانوا يريدونها ان تكون مصباح الهدى فى الممارسات الاقتصادية العصرية

وقد ادى تاثير هذه النظريات فى بلاد كثيرة من العالم الثالث وفى ربوعنا المغربية الى سلوك سبيل من التنمية مقصورة على المؤشرات الكمية فى الانتاج السلعى وبالتأكيد على دور التصنيع - والثقيل منه خاصة - فى النهوض بالاقتصاد

والتقليل من نصيب الاستثمارات الزراعية . وسواء كان ذلك التصنيع " اساسيا " حسب لغة الاقتصاديين او تصنيعا بديلا عن المستوردات او كان مقصورا على انتاج السلع الاستهلاكية ، فان جانب التقليد فيه والاقتداء بانماط التصنيع الغربى والشرقى من السمات الواضحة . وليس من ذلك بد ، وما كان فيه على مسيرتنا من ضر ، لو ان ذلك التصنيع كان موازيا لنهضة مماثلة فى الميدان الزراعى ، او كان يهدف الى اشباع حاجات داخلية ملموسة متأكدة وأولوية لدى كافة فئات الشعوب المغربية ، او ان المصانع بنيت فى احجامها وطاقاتها الانتاجية على أساس ما لاسواقنا الداخلية من قدرات استيعاب حاضرة ومقدرة فى المآل المحسوب وما للمستهلكين من طبقات الامة المغربية من قدرة شرائية فى الحال والمآل

ان الاخذ بالانماط الانمائية الاجنبية قد جرنا - كما جر غيرنا فى الكثير من بلاد العالم ، الى سلوك سبيل تصنيعية ، نعترف اليوم بما كان فيها من ارتجال وبما بينها وبين واقع متطلباتنا من فجوة . وقد كانت شعوب امريكا الجنوبية سلكت قبلنا هذه السبيل المقلدة وسبقتنا الى ادراك ما فى هذا النوع من التصنيع بالمماثلة من زيغ وضرر ، وما قد عجز عنه من تحقيق ما كان ) Rostow رجل الاقتصاد الامريكى ، يسميه مرحلة الاقلاع الاقتصادى ) - Takeoff ) ، ودعا ذلك الفشل الى ان ظهرت فى الادبيات الاقتصادية بامريكا الجنوبية نظرية تقول بالربط الوثيق بين السياسة الانمائية - وبالخصوص فى ميدان التصنيع - وبين اشباع الحاجات الاساسية لعموم طبقات الشعب ، هدفا اساسيا يتمتع بدرجة عالية من الاولوية . وكذلك اصبحت استراتيجية التنمية قائمة على الربط الوثيق بين النشاط الاقتصادى فى حوافزه ومقاصده وبين السمات الاجتماعية الذاتى لكل مجتمع . فلا تكون التنمية ناجحة الا اذ استمدت اهدافها من متطلبات المجتمع ، واقلعت عن ان تفرض عليه لون عيش واصناف استهلاك ليست اصيلة فى سلوكه وتقاليده أو ان تجره الى الاخذ بنمط حضرى دخيل . اصبحت التنمية عملية تجذير اجتماعى وتاصيل حضارى بعد ان ظلت دهرا طويلا عمليا تغريب اجتماعى ، وتجنيس ثقافى وسبيل استلاب للذاتية وطمس للسمات الحضارية المميزة

واعتقادى اننا اصبحنا فى الغالب من سلوكنا الاقتصادى ببلاد المغرب العربى ، نقول بالنظرية الحضرية للتنمية واقلعنا او نكاد عن النظرة الكمية الهندسية المقصورة على نمو الناتج المحلى الاجمالى ، ايمانا منا بان الانسان لا تكتمل انسانيته بما يحصل لهذا الناتج من ازدياد كما كان يقول الاقتصادى

الكبير بامريكا الجنوبية ) Raoul Prebisch ) ، واصبحنا نسلم بان للمواطن المغربى من الحاجات الفكرية فى الحرية والكرامة ومن مقومات الذات فى الدين واللغة ، اضعاف حاجاته المادية فى الغذاء والملبس ، وما زمان الكفاح منا ببعيد اذ كان ابناء جيلنا يضحون بالحاجات المادية فى سبيل مقومات الكرامة الوطنية وشرف المنزلة الانسانية

وقد عادت التنمية عندنا اليوم عملية تاصيل حضارى يتناسق فيها الرقى الفكرى والتطور المادى ، ويتساند تفتح الشخصية الذاتية مع اشباع الحاجات الاساسية ، وتتوفر للانسان المغربى حظوظه الكاملة فى ارادة مصيره ، ويغنم فرص التجديد الحضارى والابداع استمدادا من سنة اصالته العريقة ، وفكا لقيود التبعية المجحفة واسهاما فى التقدم . ولعل الهدف الاسمى الذى اراه يوحد بين نظرتنا للتنمية هو الوصول بالمجتمع المغربى الى مرتبة الاعتماد على النفس فى استثمار طاقاته البشرية وموارده الطبيعية المتاحة ، وفي مواجهة مقتضيات ما يسميه Francoix Perroux " كلف الانسان " بجميع مركباتها المادية والمعنوية وفى توفير متطلبات القرية القرآنية : من امن واستقرار واطمئنان ورزق رغد وذلك وفقا لقوله جل وعلا : " وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان .

وغنى عن التأكيد ان هذا الاعتماد على النفس لا يعنى البتة الانكفاء على النفس والانغلاق والتعزل فى وجه المعاملات الاقتصادية والثقافية مع المجتمعات المعاصرة . فنحن لا نقصد الى مثل هذا الانزواء والهروب ، ولا نقدر على تحقيقه حتى ولو اتخذناه لسلوكنا الدولى هدفا مرسوما ، وقد غدا عالمنا اليوم كسفينة نوح ، عليه السلام ، نحن جميعا على ظهرها فى منزلة سواء ليس لاحد منا ، بين جوانبها ، مهرب ، ولا فيها ركن انزواء ، وقد دخلت شعوب المجتمع المعاصر فى هذا الربع الاخير من القرن العشرين عصر التواصل المفتوح والتضامن الموضوعى فما لأمة او شعب من مصير يحل به على انفراد او فى غفلة من سائر الامم والشعوب المعاصرة ، وما من تجربة يجربها قوم او من محنة تنزل بديارهم الا وهى فى مجال الاعلام رزق مشاع بين البشرية قاطبة ، وقد قال احد المسؤولين السياسيين تعليقا على هذا الترابط بين الشعوب : " نحن قد خرجنا من مجتمع الاستهلاك والوفرة ودخلنا مجتمع الاعلام . وليس هذا الترابط الاعلامى الشامل هو الحافز الوحيد لقيام التضامن الموضوعى بين شعوب المجتمع المعاصر فقد اعتدنا منذ فجر الستينات ان نقرأ فى ادبيات الاقتصاد عن نظرية " الاقتصاد العالمى : تأكيدا للترابط الوثيق بين شعوب المجتمع المعاصر فى استغلال

الموارد الطبيعية وموارد الطاقة التى تنذر بالنفاد وحرصا من جميع هذه الشعوب على تدارك الخطر المحدق بالبشرية من تفاقم الاستهلاك المبدد لهذه الموارد النفيسة . من أجل ذلك يتعاصر اليوم فى أدبيات التنمية اتجاهان متعاكسان اتجاه الدول الفقيرة الى الذود عن مواردها والتمسك يملكتها الخاصة لتلك الموارد والتشبت بحقها فى استغلالها دون منازع واتجاه الدول الصناعية الغنية الى اعتبار تلك الموارد الاساسية من طاقة ، وماء صالح وأديم زراعى . . رزقا مشاعا بين بنى الانسان جميعا ليس لفئة او شعب ان يستبد به او يتصرف فيه على اساس الملكية المنجرة عن الاحلال الجغرافي تصرفا اخرق مضرا باقتصادات العالم

تلك هى ، فى نظرى ، البيئة الفكرية التى تحيط بنا فى بلاد المغرب وتكتنف : مسعانا وتلك هي بعض العوامل الموجبة والسالبة التى تؤثر على جهودنا الانمائية وعلى بنائنا الحاضر ، قدر ما تؤثر على غيرنا من شعوب . نحن اليوم نعيش فى عالم متماسك وسط مجموعات جهوية اقتصادية وسياسية ، وداخل مناطق تحالف عسكرى ، ولم يعد يتسنى للدولة المنعزلة ان تسمع صوتها فى الحوار الدولى ، على انفراد وان تصون مصالحها ، مهما بلغت من مراتب التسلح واحرزت من نقاط النمو فى الناتج المحلى الاجمالى ، ولم يعد للقوة المادية وحدها القول الفصل والسطوة فى ميزان السلطان والجاه بين الامم . بل قد دلت الكثير من الاحداث الدولية التى شهدناها فى العشرين سنة الماضية ان العزم امضى السلاح ، وان الوفرة فى المال والموارد لا تفضى دوما الى الرخاء والرقى والمناعة ونحن ناعاصر اليوم امما كثيرة ، دولها غنية وشعوبها فقيرة ، مواردها متاحة وعزائمها عاطلة ، طاقاتها موفورة وسواعدها نائمة

لو ربطنا النظرة المستقبلية ببعض الارقام الضابطة لاوضاع البلاد المغربية فى الحال والمآل القريب لوجدنا ان عدد سكان الجهة البالغ اليوم 46 مليون مواطن ومواطنة سيرتفع عام 2000 الى 85 مليونا ، تبلغ القوى العاملة من بينها 39 مليونا من المغاربة تتراوح اعمارهم من 15 الى 60 عاما أكثر من ثلثهم مترشح لطلب العمل المنتج المحقق للذات ، واكثر من نصفهم مقبل على التعليم ، وجميعهم محتاج الى وسائل العلاج والصحة ، والكل مفتقر الى الغذاء النافع والى المسكن الكريم ، ولو التفتنا الى موقعنا فى العالم لوجدنا ان الجغرافية المتوسطية تجعلنا فى مرتبة وسط بين مجموعة السوق الاوربية المشتركة غربا ومجموعة مجلس المعونة الاقتصادية المتبادلة شرقا ، وهما تحتويان على نحو 600 مليون نسما

يتقاسمون اكثر من نصف الدخل السنوى فى العالم ، وان كان عددهم لا يزيد على الخمس من مجموع سكانه ، وهم ينفقون أكثر من 5% هذا الدخل الجليل على مخابر البحث العلمى والابتكارات التكنولوجيا فى كل عام ، فضلا عما يجودون به من انفاق واسع لتخريج الكفاءات الاهلية فى جميع مجالات المعرفة . هؤلاء هم الذين نتعامل معهم ونصرف الى اسواقهم أكثر من 60 % من مواردنا ، ونستورد من مصانعهم ومن مزارعهم اكثر من نصف حاجاتنا الاستهلاكية والتجهيزية ، ونوصل الى ورشاتهم والى مصانعهم الملوثة أكثر من مليون ونصف من ابناء المغرب الى ديارهم ومخابرهم ودور البحث والتدريس عندهم يهاجر كل عام مئات من خيرة أبنائنا المتخصصين ومن اطبائنا المهرة وأساتذتنا الجامعيين ، نتصدق بكفاءاتهم ونحن أشد ما نكون احتياجا لهذه الكفاءات .

مع تلك المجموعات غربا وشرقا نتحاور اليوم فرادى ، ونتفاوض مقسمين ، ونتنازع عزلا مستضعفين ، وبيننا من دواعى التناصر والقوة طاقات لا تنضب ، وامكانات لا تجحد ، ونسيح من الروابط لم تبله الايام على مر الاحقاب والاجيال فنحن يرتبط نسبنا بالعائلة الحضارية العربية المسلمة ، ونتوثق واياها بخصائص ثقافية واحدة وتاريخ مشترك ، لم نزل نتقاسم الامجاد وناخذ فى ربوعنا المغربية بمذهب واحد موحد من مذاهب اهل السنة ونستمد من زاد مشترك من القيم الاخلاقية والفكرية . فى الزيتونة منذ ثلاثة عشر قرنا ثم فى جامع عقبة بالقيروان جامع القرويين بفاس نشأت اولى جامعات التدريس فى العالم المتحضر ، وتحت عرصاتها انتظمت حلقات البحث والمناظرة ، ومن رحابها شعت أنوار العلم وانتشرت ألوان المعرفة شرقا وغربا . ذلك هو زادنا الاوفى وتلك عدتنا الاولى ، منها نستمد دوما واليها نعود وبها نلوذ ونستنجد كلما داهمتنا الخطوب . يقول احد المستشرقين الفرنسيين فى محاولة لتاويل الصحوة الوطنية ببلاد المغرب الكبير : " إن الاسلام كان بتعاليمه وروحه شبيها فى فترة الاحتلال الاستعمارى لبلاد المغرب بحارس الليل فى الفنادق يسهر والناس نيام ويرقب والضمائر فى غفلة . وغنى عن التذكير ان الصحوة الدينية هى التى اعتمدتها الاحزاب السياسية فى ايقاظ الضمائر ايام الاحتلال الاستعمارى ، وعولت على تاصلها فى القلوب لبعث الشعور الوطنى ، واستنهاض العزائم وشحذ ارادة الكفاح . هذا الزاد الحضارى لا يزال حيا قائما نغذيه ويغذينا ، وهو عدتنا الكبرى فى النهضة الشاملة التى تبتغيها ، نعول عليها كما نعول على المناجم والطاقة ، على الموارد وعدد السكان ، وهو حلفنا فوق الاحلاف وعروتنا الوثقى دون كل المواثيق والعهود ، وهو الذي حفظ الذاتية المغربية

من التلف تحت ضغوط التبعية الحضارية . ومن آيات قوة هذا الزاد المشترك ان اللغة العربية تعود اليوم الى سالف قوتها ومكانتها ، بعد ان ظلت طيلة القرن والنصف عرضة للطمس والنكران

بمثل هذا الزاد الحضارى العريق تقبل اقطار المغرب اليوم على الاعتماد على النفس فيما ترومه من اثبات للذات ومن دفاع عن الحرمات والمصالح ، ومن نخمين للمستقبل ، ومن توفير لمتطلبات الحرية والكرامة والامن . وان فى ذلك الزاد الحضارى المشترك لدعوة ملحة الى التضامن ، استجبنا لندائها بالامس القريب فى ساحات سطيف والدار البيضاء وساقية سيدى يوسف ، ونستجيب لها اليوم وغدا فى بناء الدولة وتنظيم المجتمع وفي توفير اسباب التنمية لشعوبنا قاطبة

نحن جميعا متمسكون بهذا التضامن المغربى : ايمانا ووفاء وعزما ، رغم الذى لا يزال يقوم فى وجه تجسيمه من عراقيل وعقبات . ونحن نعتبر الاقطار المغربية معنيه بكل واحدة من هذه العقبات أيا كان محل قيامها ونوع اشكالها ، ونحن اليوم وغدا مسؤولون معا وبقدر واحد عن ازالتها من سبيلنا للتضامن . نحن جميعا وفى صف واحد نجابه اليوم مقتضيات واحدة ونعالج مشاكل متشابهة ونروم اهدافا متجانسة متقاربة

نجابه مقتضيات عديدة للنهوض بكلف الانسان ، علينا منها اولا وفى المرتبة الاكيدة الاولى ان نوفر لمواطنينا جميعا كفايتهم من الغذاء الصالح وامنهم من الخصاصة والحرمان . وقد اصبحت الكفاية الغذائية من اهم الاهداف الانمائية فى مخططاتنا القطرية . ويقتضينا واجب التضامن ان ننظر فى سياساتنا الزراعية فنتساءل بصدق واخلاص فى مواردنا القطرية من الماء الصالح ومن الاديم المنتج ومن المهارات الفنية ما يكفل لكل قطر انتاج المواد الغذائية فى انواعها المختلفة وفى مقاديرها الكمية التى تستجيب للحاجات المقدرة فى الحاضر والمآل القريب على أمد محسوب ، علينا ايضا ان نجابه كلف الانسان فى مجال الشغل ثانيا وفى المرتبة الموالية من مراتب التأكد فنتساءل امام الزحف المتفاقم من اجيال المترشحين للعمل المنتج المحقق للذات ، هل فى اقتصاداتنا القطرية ، بما يتوفر لها من استثمارات ومن مشاريع مجدية ، ما به ضمان الكفاءة المستمرة لتشغيل اليد العاملة دون اللجوء الى هدر طاقاتنا البشرية بالبخس فى أسواق الهجرة والتغريب . وبمثل ذلك الصدق والاخلاص ينبغى ان نتساءل معا عما يتحتم ان نجابهه جميعا من مقتضيات السكن اللائق

) والاستشفاء الحافظ للصحة ولقدرات الانتاج ، ومن مقتضيات التعليم للافواج المتلاحقة من ابنائنا وبناتنا فى كنف التساوى فى الحظوظ والوفاء للذاتى الحضارية ، ثم علينا ان نتدارس معا مرتبتنا الحالية بين المراتب المعاصرة فى ميدان البحث العلمى والتأهيل التكنولوجيا ، وما علينا فى ذلك من مقتضيات الانفاق والتكوين والتجهيز والمتابعة . تلك من مقتضيات التنمية التى نمارسها اليوم فى اوطاننا ممارسة وطنية ضيقة

وعلينا فى نفس الوقت وبالقدر ذاته من الاهمية ان نعالج جملة من المشاكل ، اطلق عليها الرئيس الحبيب بورقيبة اسم " مشاكل الاستقلال السيادة ، أخص بالذكر منها فى المقام الاول : ضمان الامن الجهوى فى الحوض الغربى من البحر المتوسط وعلى الجوانب الصحراوية الجنوبية من ربوعنا ، حفظا لسلامة جهتنا من الهزات والفتن ، ونحن محتاجون الى توفر الامن احتياجا اساسيا بالاعتبار الوطنى المشترك ، كى نفرغ لبناء مجتمع مغربى متماسك متضامن تسوده الثقة المتبادلة ويحكمه قانون لتعامل بالحسنى والتناهى عن المنكر والبغى . ونحن محتاجون الى توفر الامن الجهوى بالاعتبار الاقتصادى ، فكم خسرنا من استثمارات مالية كانت مرصودة للمشاريع العمرانية في مخططاتا الانمائية ! لم نر بدا من تحويلها عن وجهتها الاولى وصرفها فى شراء السلاح والعتاد الحربى . ومن مشاكلنا الكبرى التى كانت مستفحلة فى الستينات واصبحت اليوم اقل حدة ، بحمد الله ، ما كانت تتشكل به مساعينا القطرية من انتماءات مذهبية ، تتقاسمنا بين الكتلتين الشرقية والغربية ، وتوحى الينا انماطا من التنظيم السياسى ومن البناء الاقتصادى والاجتماعى وقد ادركنا بالممارسة ما لتلك المذاهب من ضعف التناسب مع السمات الحضارية التى تتصف بها امتنا وما لنا فى اتباعها من غبن وخسران . وبرغم ذلك فلا تزال البعض من اختياراتنا مطبوعة بطابعها موصومة بخصائصها فى طرائق البناء الصناعى او الاحياء الزراعى ، وفي توجيه المعاملات التجارية . ولعل اعسر مشاكلنا الحضارية القائمة وأشدها خطرا على مستقبل أوطاننا : انما تتمثل فى طلب الميزان القسطاس بين متطلبات المعاصرة من جهة ، وبين مقتضيات الاصالة الحضارية والذاتية القومية من جهة ثانية . ولا تنحصر اشكالية هذا الموازنة الصعبة فى مجال التنمية ولا فى سياسات التصرف الاقتصادى بل هى اشكالية قائمة فى جميع مجالات البناء والتعمير لاوطاننا : فى الاختيارات السياسية ونظام الحكم وعلاقة القانون بالعقيدة والدولة

بالمواطنين فى الانظمة الاجتماعية ومنابع العدالة والتحكيم بين المصالح ، فى مناهج التربية والتعليم على وجه الخصوص وتنشئة الاجيال وما ينبغى لذلك من سند فكرى وثقافى ، فى المراجع الاخلاقية التى ينبغى ان تعتمد فى السلوك الفردى والاجتماعى .

لا ارى لنا اليوم فى اوطاننا المغربية والعربية على وجه التعميم ، من مشكلة تدانى قضية التعصير والاصالة فى خطر شأنها وفى تشعب مقاصدها وفي مبلغ التنازع الجدلى بين معطياتها ولا اعتقد ان جيلنا كفيل وحده ان يأتى بالحل القويم لهذه القضية ولا ان يقول فيها بمفرده كلمة الفصل بل هى قضية عويصة من اكبر قضايا المعاصرة ، وهي من امهات القضايا المعروضة اليوم على الضمير العالمى فيما يجنح اليه المجتمع المعاصر من مراجعة جذرية شاملة لنمط العيش المعاصر ، وما يطمح اليه من تجديد حضارى ، يرد للقيم الاخلاقية مكانتها بين مراجع السلوك ، ويرفع عن المجتمعات الغنية غوايات التخمة والتبذير والبتر - ويعيد الى ميزان الاعتدال والعدل منزلته فى التقدير والحكم . ولا نملك فى ربوعنا المغربية ان نخرج بمشروع البناء الجهوى عن هذه المعادلة المشوقة الصعبة ، بين معطيات المعاصرة ونداء الاصالة والذاتية . فانما نروم الخير والنهضة لامة متميزة موصوفة ، ولا خير يقترن بالبتر ، ولا نهضة مع قطع السند الحضارى وطمس معالم الذاتية .

انما نروم ، من وراء الاستجابة لتلك المقضيات ومن خلال معالجتنا لهذه التحديات المشتركة ، ان نحقق اهدافا غالية ، هي قسمة عدل بين شعوبنا المغربية . فنحن نبتغى ان نتوفق الى بناء مجتمع مغربى محصن بالامن داخل حدوده القطرية والجهوية ، فى هذه المنطقة الحساسة من معابر البحر المتوسط ونحن مدركون ان ذلك المطلب ينوء بوزره وكلفته الباهضة على القدرات القطرية المتفردة ، وان النهوض به لا يتيسر الا فى نطاق مجهود مشترك وارادة موحدة وعزيمة متساندة وخطة متناسقة . ونحن نروم ان نتوفق الى فك قيود التبعية فى مختلف مظاهرها : الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية . فنضمن لمجتمعنا حرية الاختيار ولشبابنا قدرة الابداع ولمواردنا وطاقاتنا البشرية مجالات الفاعلية الاقتصادية والاجتماعية .

ونحن ندرك بالنظر والممارسة ان ذلك مطلب طويل النفس ، جليل القدر

تقصر دونه مساعينا المشتة وجهودنا المفرقة ، وانه لا سبيل الى ادراكه غير سبيل التضامن والتناصر والمؤازرة

ونحن نبتغي ان نبنى لنا وللاجيال من بعدنا مجتمعا مغربيا - انسانى السمات ، واضح الذاتية ، وطيد الاصالة ، مفتوح الطموح ، مكفول الحاجات ، رشيد التصرف ، كريم المنزلة ، غير منكمش ولا هياب ، جم القدرة على الابتكار والابداع . ونحن ندرك ادراك اليقين ان مثل هذا الهدف الشريف ، لا تؤدى اليه غير السبيل العريضة والجادة الواضحة التى تتلاقى فيها مسيرتنا جميعا وتتضافر على دربها الجهود والعزائم وتتصافح الضمائر وتتناسق الطاقات

اعتقادى ان الشعوب المغربية مؤمنة بحتمية المصير المغربي المشترك ، وان التضامن المغربى فى صف الجماهير المغربية حقيقة اجتماعية كامنة حية ، وان لنا فى هذه الشحنة الطيبة من التآخى والتعاطف انفع دواء وأقوى سلاح لمجاوزة المشاكل القائمة بيننا ، واثبت دعامة واوسع زادا لنيل ما نروم من اهدافنا المشتركة .

وبعد ، فانما نبنى للامد الطويل ، وننظر الى أفق أوسع ، ونسلك سبيلا للرشد والترشيد ، ونبتغي مراما شريفا . فلعل الله ان يعزز بالتوفيق جهودنا وان يساند بالهداية مسيرتنا ، ، انه ولى التوفيق

6 مارس 1981

اشترك في نشرتنا البريدية