الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الأسس الوجودية والفلسفية فى ديوان :، " أغاني الحياة "

Share

تمهيد :

قد تفكرت في الوجود  فأعيانى وأدبرت آيسا لظلامى انشد الراحة البعيدة ، لكن خاب ظنى واخطأت أحلامى فمعى فى جوانحى أبد الدهر  فؤاد الى الحقيقة ظامى ما تراخى الزمان الا والقى فى طواياه قبضة من ضرام تتلظى يد الحياة وزادت معضلات الدهور والاعوام اظمات مهجتى الحياة ، فهل يوما تبل الحياة بعض أوامى يا رفيقي ! ما أحسب المنبع المنشود ألا وراء ليل الرجام غننى يا أخي فالكون تيهاء بها قد تمزقت أقدامى غننى علنى أنيم همومى اننى قد مللت من تهيامى                              ( يا رفيقى ، ص 112 )

عندما اقترحت عنوان هذا البحث

لم يكن باعثى الا حدس مستمد من علاقة كانت لى مع الشابى سنة البكالوريا ولدت عنها قناعة باصالة شعره وطرافته . لكنى لما شرعت فى بناء اركان هذه المساهمة واستنباطها من أغانى الحياة انقلبت القناعة الى يقين . فلقد ادهشتنى الانتظام العجيب لابيات اغانى الوجود ( صلوات فى هيكل الحب ويا شعر) انتظام حبات العقد حول هذه المسألة : مسألة الاسس الوجودية والفلسفية أو المعرفية فى شعر الشابى .

واذا كان الباعث الاول هو هذه العلاقة الذكرى التى يعود ربطها الى عهد الشباب فان الباعث الراهن ، باعث ، عهد الكهولة ، ينتسب الى مسألة منزلة شعر الشابى فى الوجدان العربى قديمة وحديثه . فالشابى نفسه قد وقف مواقف من الشعر العربى - وخاصة فى محاولته حول الخيال الشعرى عند العرب - قد جعلت البعض - على منوال ما فعلوا مع ابن خلدون - يسعون الى ربطه بمؤثرات برانية غير أهلية ، معتبرين شعره وليد التيار الرومانسى مضمونا والمدرسة المهجرية شكلا . وبين أن شعرا ليس ينتسب الى تراث ضارب فى القدم مضمونا وشكلا لا يمكن ان يكون صادقا وعميقا ، اذ هو عندئذ يكون وليد الطلاء السريع الاندثار لكونه مجرد انطباعات شعورية لشخص واحد لا يتجاوز زاده الوجدان ما حصله فى حياته القصيرة مهما طالت من مخزون المضامين والاشكال الشعرية التى عاشها هو فقط لا الاجيال المتلاحقة من حضارته ، فى تفاعلها الدائم مع حضارات الامم الاخرى . واذا كانت توجد صفة لا يمكن اطلاقا نفيها عن شعر الشابى فهي الصدق والعمق . واذن فلشعره جذور عميقة قديمة معتقة خالدة علينا تحديدها : وهي جذور تلاقى مسألة بحثنا : الاسس الوجودية والفلسفية فى أغانى الحياة .

ان السر فى طرافة الشابى وأصالته هو انفصاله عن الشاعر اللاهى ، شعر المناسبات والحياة الدنيا بمعنييها الدينى والفلسفى - وهو الشعر الذي أفرد لنقده محاولته حول الخبال الشعرى عند العرب - وانتسابه الى الشعر الفلسفي الصوفى الذى يدور حول المسائل الوجودية الجوهرية فى حياة الانسان أعنى الوجود والكون والعدم والفساد والحياة والطبيعة والموت والمجتمع ومعانى الوجود الانسانى ضمن هذه المفهومات الاساسية ثم التساؤل عن التساؤل بما هو جوهر الانسان أو بما هو الظمأ الى الحقيقة :

فمعى فى جوانحى ابد الدهر فؤاد الى الحقيقة ظامى

وهذا الانتساب عودة وانبعاث للوجدان العربى الحى الوجدان الذي ذروته الشاعرية القرآن بمضمونه وشكله وأعرافه واعلامه الشعراء الصوفيين خلال العصور الاسلامية الناهضة من الوجدان العربى . فليس تساؤل الشابى عن الوجود ومعرفته - وهو التساؤل الذى نسعى هنا الى تحديد أسسه - ليس هذا التساؤل ترديدا مدرسيا لصيغ السؤال اللفظى اللامبالى كما هو الشأن فى انساق الفلسفة المدرسية ، أو الحكم المبثوثة فى بعض الأشعار المتفلسفة ، بل هو من جنس الشعر الصوفى السامى الذى يمثل مضمونه رحيق الوجدان

العربى بما هو كشاف الوجدان الانسانى اذ ساد تاريخه كما يتعين فى القرآن  ابعاده الوجودية الفلسفية لا الاجتماعية السياسية مضمونا ، وأبعاده الفنية الجمالية لا الوعظية الارشادية شكلا .

ولعل تزامن هذا الانبعاث الوجدانى مع تباشير النهضة العربية الحديثة هو الذي يفسر القفزة النوعية فى شعر الشابى من حيث المضمون على الاقل : وليس التزامن مع النزعة الرومانسية فى نهايتها بكاف لتعليل خصائص شعر الشابى اذ أن النزعة الرومانسية نفسها بما هى التعبير الحرمانى عن وجدان أمة تسعى الى النهضة والى تحقيق ذاتها ، لم تكن الا البعد الفنى من الصوفية الفلسفية التى استبدت بهذا الوجدان المؤله للطبيعة والحياة فى وحدة وجود صوفية لا ينكرها من يعلم علاقة اقطابها بالتراث الصوفى الاسلامى وخاصة بمؤسسه اعنى النبى محمد ( ص ) .

سنحاول فى هذا البحث اذن ان نحدد الاسس الوجودية والمعرفية ونسق شعر الشابى ومنزلته فى الوجدان العربى معتمدين على عملية حصر منتضم لاغراض شعره وعلائقها بالوجود وبمعرفته ومتبعين الخصة التالية : سنبحث أولا : مسألة الاسس الوجودية .

ثم ثانيا : مسألة الاسس الفلسفية أو المعرفية لكى ننتهى في الاخير الى نسق الاسس الوجودية والفلسفية ووحدتها . ونسق مشروع الشابى ككل ومنزلة شعره فى الوجدان العربى .

ان هذا البحث الذى يطبق منهجية فلسفية - تحديد النسق - لا يتقيد بالاسلوب الفلسفى : اذ يغلب عليه ضمير المتكلم بخلاف الكلام اللاشخصى  فى الاسلوب الفلسفى وعلينا اذن أن نبرر هذين المظهرين بعجالة قبل معالجة المحاور التى صدرناها .

ان الفن عامة ، والشعر خاصة ، ليس من جنس الانجاز التالى عن التصور والا فان الاول يكون تقنية لا فنا والثاني نظما لا شعرا ومع ذلك فان القراءة الفلسفية للفن والشعر بما هى بحث عن النسق تبقى ممكنة . ذلك أن القراءة الفلسفية للفن والشعر من جنس القراءة العلمية للطبيعة والتاريخ . فخلافا للتصور الدينى لا يعتبر العلم الطبيعة والتاريخ تحقيقا تاليا لخطة سابقة صاحبها الرب ؛ لكنه مع ذلك يبحث عن نظامهما ويفترضه موجودا وذلك هو معنى التسليم بمبدأ الحتمية ونسق القوانين . بدون ذلك يستعصى الموجود على المفهوم فتمتنع المعرفة : منهجية النسق والنظام هى المنهجية المعرفية

الوحيدة ، حتى اذا كان الموضوع فنا وشعرا ، اذ لا نعلم الفن والشعر فنيا وشعريا ، وان كان بوسع التعبير عن هذه المعرفة أن يكون شعريا وفنيا .

لذلك - ورغم عجزنا عن التعبير الفني والشعرى - فاننا قد اتخذنا أقرب الاساليب الى الشعر بل ابعد الاساليب عن الفلسفة اعنى اسلوب المتكلم لا الغائب او اللاشخصى ، رابطين بحثنا بدوافعه الشخصية (العلاقة الذكرى) والقومية  (منزلة الشابى فى الوجدان العربى)  . وقد تكون هذه المقابلة بين الاسلوب الادبى والاسلوب الفلسفى وليدة عصور انحطاطهما : ذلك ان الاسلوب الفلسفى لم يتعلمن الا عندما يبق وجدانا ومعاناة وأصبح تعليما وترديدا للمصطلحات والالفاظ : وما نسبة هذا الشكل من الاساليب الفلسفية الى الشكل الاول الا نسبة العروض والنظم الى الشعر خاصة والنقد والتنظير الى الادب عامة .

الغرض الاول : الاسس الوجودية فى أغانى الحياة : 1 - ظمئت الى الكون أين الوجود ؟ واني أرى العالم المنتظر ؟        هو الكون خلف سبات الجمود وفي أفق اليقظات الكبر                                     ( إرادة الحياة 240- 244 )

2 - بل هو الفن واكتئابه والفنان جم أحزانه وهمومه    أبدا يحمل الوجود بما فيه كان ليس للوجود زعيمه                             ( الساحرة 210_122 )

3 - فكثير عليك ان تحمل الدنيا وتمشى بوقرها لا تريمه     والوجود العظيم أقعد فى الماضى وما أنت ربه فتقيمه                                 ( الساحرة 210_212 )

4 - يا صميم الحياة كم أنا فى الدنيا غريب أشقى بغربة نفسى      بين قوم لا يفهمون أناشيد فؤادى ولا معانى بؤسى      فى وجود مكبل بقيود تائه فى ظلام شك ونحس     فاحتضنى وضمنى لك - كالماضى - فهذا الوجود علة نفسى                              ( الاشواق التائهة 168_170  )

2-1 - كيف يمكن أن نحدد نسق الاسس الوجودية التى تشد أوتار شعر الشابى بدون أن نهمل خصوصية الشعر أو أن نقع فى اضافات المجردات التى قد تبدو خالية بالمقارنة مع كثافة المضمون الشعرى ؟ . سنتجنب فى المقام الاول معنى أولا لمفهوم الوجود قد توحى به النسبة الى " الوجودية" فتذهب الى مدلول المذهب الوجودى . ذلك ان هذا الفهم الاول ، رغم كونه ممكنا ، لما فى شعر الشابى من حديث عن جل الافكار التى يتألف منها هذا المذهب ببعديه الملحد والمتدين  كالتيه ، واعتبار اليأس جهنم ، وكالقلق ، والتحلل المحرر من القيم غير النابعة من الذات والعبث . لكننا نبعد هذا الفهم الاول لانه من اعراض السطح بالنسبة الى غرضنا : سنسعى الى تحديد نظرية الوجود عند الشابى نظرية الوجود التى تجعل هذا الموقف الوجودى ممكنا بما هو من اصناف الاحساس بالوجود .

كما اننا سنتجنب المعنى الفلسفى التقليدى من نظرية الوجود أو الانطولوجيا بمعنيها العام والخاص ، رغم كونهما موجودتين فى أغاني الحياة . فللوجود بما هو وجود خصائص عامة ستتبين لنا خلال التحليل لكنها لن تكون عنده صفات عامة تشترك فيها الموجودات الخاصة الثلاثة وتتعالى عليهم ؛ كما أن للموجودات الثلاثة الخاصة أعني الرب والعالم والانسان خصائص ترد فى القصائد التى سنحلل ما منها يتعلق ببحثنا لكن هذه الموجودات ليست موجودات خاصة بقدر ما هى عنده تعينات وتشخصات للوجود الذي يتمظهر ربا وعالما وانسانا وليست هذه الموجودات قبالته تنفصل عنه فيكون هو كأى منها وان كان اسماها .

ورغم اننا لا نستهدف البحث عن نسق فلسفى مفهومى بالمعنى التقليدى لكون الشابى يتجاوز عن روية النظام والنسق ، أعنى جوهر التفلسف ، اذ يقول :

" وجداول تشدو بعسول الغنا وتسير حالمة بغير نظام "

" ورأى الملائك كالاشعة فى الفضا تنساب سابحة بغير نظام "

(قصيد الغاب )

وكذلك فى نظرة فى الحياة :

" الروح شعلة نور من فوق كل نظام "

فان مسعانا الذي سنعتمد فيه على عرض احصانى سريع لتواتر كلمة الوجود وما سيتبين في التحليل أنها مدلولات خاصة منه مثل الكون والطبيعة والحياة ولتواتر ضده ، العدم والمدلولات الخاصة منه أعني الفساد والتاريخ والموت سيوصلنا إلى نسق متين الاواصر المنطقية شديد التعقيد .

1-2- وهذا الجدول يعرض تواتر كلمات الوجود والكون والطبيعة والحياة ومقابلاتها اعني العدم والفساد والتاريخ والموت ؛ ولقد حاولنا أن يكون الرصد والاحصاء أقرب ما يكون إلى الصحة ، لكن الارقام تبقى مع ذلك تقريبية .

أ - يتواتر مفهوم الوجود اذن بصور مختلفة : فله عدة أسماء وعدة أضداد  وله افعال وانفعالات وصفات واضافات لا تحصى ، فكيف يمكن تحديد علائق هذه التجليات المختلفة لمفهوم الوجود ؟ ان هذا التحديد هو الذي نعنيه بنظرية الوجود عند الشابى .

- فالوجود يتعين في تجليات أو حالات ظهور وتعين مختلفة يمكن حصرها فى لا محدد الوجود ودرجات تحدده التى هى الكون والطبيعة والحياة .

1-3- فيما هو كون يتعين الوجود كظرف أو وعاء عليه تبرز الموجودات  وبه قيامها : انه لا متناهيا الزمان والمكان المتعالى عنهما : فهو- بما هو الزمان - قدم وخلود وأبد وأزل وزمان وأيام ؛ وبما هو المكان انه اللاتناهى والرحابة والضيق ، والتبهاء . ان هذا الفضاء الوعاء المتزمن والمتمكن هو الوجود بما هو كون أو عالم . ولما كان الظرف والوعاء الذي تبرز عليه الموجودات وبه تقوم فهو وسط لا متناه منه يوجد كل شئ وهو يتخلل كل شئ . وبما هو المحيط فهو الشارح والخانق وبما هو المتخلل فهو المقيم والموجه :

أيها الدهر ، أيها الزمن الجارى الى غير وجهة وقرار

أيها الكون ، أيها الفلك الدوار بالفجر والدجى والنهار

( الحاني السكرى 237-239 )

وقد يستعمل مفهوم الكون مجازيا ، فيصبح دالا عن هيئة الحياة الباطنية بما هى انتظام ظارف لتجليات الباطن لذاته ، مثل :

عش بالشعور وللشعور فانما دنياك كون عواطف وشعور

( فكرة الفنان 190-1922 )

أو:

وارحمينى فقد تهدمت فى كون من الياس والظلام مشيد

أو

فى فؤدى الغريب تخلق أكوان من الحزن ذات حسن فريد

( صلوات في هيكل الحب 183_187 )

فاذا جمعنا المعنيين الحقيقى والمجازي صار الوجود بما هو كون هيئة الظرف بما هى انتظام الوعاء خارجيا وسر القيام ومبدؤه بما هو علة القيام باطنيا : انه الداخل والخارج او الظاهر والباطن لو صح لنا استعمال الاسماء الحسنى .

1-4 - لكن هذا الظاهر والباطن سيزداد تعينا ظاهرا وباطنا فيصير طبيعة . ورغم أن كلمة الطبيعة لم تتواتر الا مرات ست في أغاني الحياة ، فان الابيات المتعلقة بالطبيعة تكاد نكون جل الديوان ، اذا اعتبرنا قواعد المجاز والكناية العربيين التى تمكن من الاشارة إلى الشئ بعلاماته فيصبح الغاب والزهر وجميع النبات والحيوان و " الجماد الحي " بما هو جميل الواردة فى أغانى الوجود ذكرا للطبيعة . وهذا التعين لظاهر الكون وباطنه هو الطبيعة بما هى سلم الوجود الجمالى ظهورا والقيامى بطونا ، والاول هو التنوع والاختلاف والانتظام الجمالى الذى فوق كل نظام والثانى الانتظام الدورى او الدور الوجودى الابدى وهو ما سيمثل ، فى المرحلة المقبلة ، سر الحياة نفسها : ولنذكر الابيات اولا :

يقول الشابى واصفا قلب الام فى علاقتها بابنها :

ويراك فى صور الطبيعة حلوها وذميمها

وحزينها وبهيجها وحقيرها وعظيمها

( قلب الأم 194 )

ان سلم الصور بما هو منسوب الى الطبيعة فى هذا البيت هو الذي أطلقنا عليه سلم الظاهر بما هو جمال الانتظام الخارجى ان نسبة الجمال الى الطبيعية من ثوابت أغاني الحياة :

انت أشهى من الحياة وأبهى من جمال الطبيعة الميمون

( الغاب 926 )

ثم

في الغاب الحبيب ، وانه         حرم الطبيعة والجمال السامى

نسبة الجمال والحرم الى الطبيعة ثم عطف الجمال عليها فى البيت الاخير ذلك ما نعنيه بسلم الظهور بما هو جمال الوجود .

لكن الطبيعة ليست انتظام الظهور الوجودى فقط فهى أيضا سر الانتظام الباطن واليها يتجه قلب الشاعر :

ونناجي روح الطبيعة فى الكون ونصغى لقلبها المتغنى

( تحت الغصون 245 )

ان للطبيعة روحا وقلبا يناجيهما الشاعر وحبيبته ؛ بل ان الطبيعة بما هى الانتظام الباطن من جنس الشعرى :

ويصوغ أحلام الطبيعة فاجعلى        عمرى نشيدا ساحر الانغام

( الغاب 269 )

 ولما كان هذا الانتظام الباطنى فوق كل نظام لأنه الانتظام الجمالى الظاهر  والباطن فان الفنان سيجعله فكرته ومهجته وديدنه :

واجعل شعورك في الطبيعة قائدا     فهو الخبير بتيهها المسحور

( فكرة الفنان 191 )

1-5- وهكذا تصبح الطبيعة ، بما هى أحد تجليات الكون الظاهر والباطن ، حياة : انها الحياة التى تعين الاختلاف والتنوع والانتظام الجمالى الخارجى بصورة شاهدة فاعلة ومنفعلة وتعين الانتظام الدورى والدور الابدى أو العود الابدى بالنسل بما هو جوهر الطبيعة : وهنا يتحد الوجود مع نجلياته فتصبح الحياة بما هى باطن الكون والطبيعة :

" ظمئت الى الكون ! اين الوجود ؟ وأني أرى العالم المنتظر ؟

هو الكون خلف سبات الجمود وفي أفق اليقظات الكبر

وجاء الربيع بانغامه وباحلامه وصباه العطر

وقبلها قبلا فى الشفاه تعيد الشباب الذى قد غبر

وقال لها : قد منحت الحياة وخلدت في نسلك المدخر

وباركك النور فاستقبلي شباب الحياة وخصب العمر

اليك الفضاء اليك الضياء اليك الثرى الحالم المزدهر

اليك الجمال الذي لا يبيد اليك الوجود الرحيب النضر

فمهدى - كما شئت - فوق الحقول بحلو الثمار وغض الزهر

وناجى النسيم وناجى الغيوم وناجى النجوم وناجى القمر

وناجى الحياة وأشواقها وفتنة هذا الوجود الاغر  ))

( ارادة الحياة 240 - 244 )

ان الحياة - وهي قمة تعين الوجود بما هو ظاهرة عامة وكون وطبيعة فى بعديها الظاهر والباطن - تمثل اذن مبدأ قيومية الوجود ومبدأ قيام اغـــانيه أعني الحياة ومنهـمـا اشتق اسم الديوان :

فمفهوم الحياة لا يكاد يخلو منه قصيد في الديوان ، بل هو المخاطب الوحيد مهما اختلفت الاسماء : فما قصيد صلوات فى هيكل الحب الا مـن الاذكــار الصوفية التى ترفع الى الرب الاسمى أعني الحياة بما هى أسمى تعين للوجود والكون والطبيعة .

انت ما انت ؟ انت فجر من السحر تجلى لقلب المعمود

فاراه الحياة في مونق الحسن وجلى له خفايا الخلود

انت روح الربيع تختال فى الدنيا فتهتز رائعات الورود

وتهب الحياة سكرى من العطر ويدوى الوجود بالتغريد

كلما ابصرتك عيناى تمشين بخطو موقع كالنشيد

خفق القلب للحياة ورف الزهر في حقل عمرى المجرود

وانتشت روحى الكئيبة بالحب وغنت كالبلبل الغريد

انت تحيين فى فؤادى ما قد مات فى امسى السعيد الفقيد

وتشيدين فى خرائب روحي ما تلاشى فى عهدى المجدود

من طموح الى الجمال الى الفن الى ذلك الفضاء البعيد

وتبثين رقة الشوق والاحلام والشدو والهوى فى نشيدى

بعد ان عانقت كآبة ايامى فؤادى والجمت تغريدى

انت انشودة الاناشيد غناك الاه الغناء رب القصيد

فيك شب الشباب وشحه السحر وشدو الهوى وعطر الورود

وتراءى الجمال يرقص رقصا قدسيا على أغانى الوجود

( صلوات فى هيكل الحب 183-187 )

الحياة وقد عينت امرأة هي المخاطب فى هذا القصيد ، الذى هو الذورة فى الديوان ملثما أن البيت الاخير الذي رتلناه الآن هو بيت القصيد : وتراءى الجمال يرقص رقصا قدسيا على أغانى الوجود . وأغانى الوجود هو الاسم الثانى للديوان . وعبادة الحياة هذه يصرح بها الشابى فى اعتذاره الموجه لابيه عن سلواه فقده ، اذ يقول معترفا :

ان ابن آدم في قرارة نفسه عبد الحياة الصادق الايمان

( الاعتراف ص 261 )

1 - 6 - لكن تجليات الوجود هذه بما هو كون وطبيعة وحياة لا يمكن أن تفهمنا مضمون أغاني الحياة لو اقتصرنا عليها بما هى هذه التجليات الموجبه فقبالة كل واحد منها تجد التجليات السالبة : فالوجود يقابله العدم ، والكون يقابله الفساد ، والطبيعة يقابلها الناس او الجمع أو بعبــارة ادق التاريــخ الانسانى ، والحياة بما هى قيام العناصر السابقة يقابلها الموت .

ففي العدم يقول الشابى خاصة :

تمشى الى العدم المحتوم باكية طوائف الخلق والاشكال والصور

وانت فوق الاسى والموت مبتسم ترنو إلى الكون يبنيهم ويندثر

ان العدم هنا بما هو انفعال الخلق يقابل الحياة وبما هو انفعال الاشكال والصور يقابل الطبيعة . أما الاشارة إلى الكون فى البيت الثانى فتـكــمــل الصورة ، مما يجعل العدم هو المفهوم الجامع للمفهومات المقــابلة لتجليــات الوجود جمع الوجود لتجلياته .

1 - 7 - وأما مفهوم الفساد والاندثار فيقابل مفهوم الكون ، انه الوجــه  السالب من التحل الكونى للوجود : ر فساد معنيان مثل الكون فالبعد الزمانى بما هو طاحونة عدم وفساد لكونها ، من المنظار المتشائم ، جعجعة بلا معنى ، والبعد المكانى ، بما هو تشتت عدم وفساد ، لكونه نوعا من ارتخاء الوجود وفقدان التحفز الكيانى :

وكم مشت فوقك الدنيا باجمعها حتى توارت وسار الموت والعدم

( الابد الصغير  152 - 157 )

فى فجاج الردى قد دفنت الألم     ونـــثــــــرت الـــــدمـــــوع

                                                               لــريــاح العــدم

( الصباح الجديد 234 - 235 )

ان الفساد أو انحلال الموجود الى اللاموجود هو العدم لا بما هو مجرد فى مقابلته للوجود بل هو الفساد أعني نقيض الكيان والكون بما هو انربــاط الموجود وصيروته قائما : انسداد الزمان والمكــان وامتلاؤهمــا هـو الكــون وارتخاء الزمان والمكان وخلاؤهما هو الفساد .

1 - 8 - ان مفهوم التاريخ الانسانى هو الذى نوحد به عدة كنايات عن  الحضارة والمجتمع مثل الناس والجمع والمدينة وابناء الشياطين ، وانه الوجه السالب من تجلى الوجود بما هو طبيعة : فالانتظام الجمالى للظهور الوجودى فى الطبيعة يقابله القبح والشناعة للظهور التاريخى في المجتمع .

في الغاب ، في الغاب الحبيب وانه حرم الطبيعة والجمال السامى

طهرت فى نار الجمال مشاعرى ولقيت في دنيا الخيال سلامى

ونسيت دنيا الناس فهي سخافة سكرى من الاوهام والآثام

( الغاب ص 269 )

ثم يقول فى قصيد مناجاة عصفور :

ما في وجود الناس من شئ به يرضى فؤادى أو يسر ضميرى

وخاصة :

آه من الناس الذين بلوتهم فقلوتهم فى وحشتى وحبورى

ما منهمو الا خبيث غادر متربص بالناس شر مصير

ويود لو ملك الوجود بأسره ورمى الورى فى جاحم مسعور

وإذا دخلت البلاد فان أفكارى ترفرف فى سفوح الطور

حيث الطبيعة حاوة فتانة تختال بين تبرج وسفور

ماذا أود من المدينة وهى غارقة بموار الدم المهدور ؟

ماذا أود من المدينة وهى لا ترثى لصوت تفجع الموتور ؟

ماذا أود المدينة وهى مرتـــاد لكل دعـــارة وفجور ؟

التاريخ الانسانى والحضارة تلكما هما اذن الوجه السالب من تجلى الوجود بما هو طبيعة : جمال الطبيعة بما هى انتظام الجمال يقابله فوضى القبح فى التاريخ : وبما هو انتظام داخلى يقابلها الحرب الدائمة والدناءة فى المدينة . والعلة فى ذلك أن الناس لا يعبدون الا العدم : قصيد الناس ص 254

لا يعبد الناس الا كل منعدم ممنع ولمن حاباهم العدم

ثم الويل للناس من أهوائهم ابدا يمشى الزمان وريح الشر تحتدم

التاريخ الانسانى هو هذه الريح من الشر التى تحتدم فى مشى الزمان  .

1 - 10 -  واذا كان مفهوم الحياة بما هو التعين الاسمى من الوجود يمثل مبدأ الكونية والطبيعية والحيوية ، وثم فهو جوهر الوجودية ، فان مفهوم المــوت الذي يقابله بما هو وجهه السالب يمثل مبدأ الفسادية والتاريخية والموتية ؛ ومن ثم فهو جوهر العدمية : لذلك فان حضور الموت فى أغانى الحياة يضاهى حضور الحياة فيه ولعل هذين المفهومين هما القطبان الرئيسيان فى الديوان؛

بل انهما قد يتحدان ويعتبران وجهين لنفس الظاهرة ، أعنى انهما التعينات الأكثر وقعا على قلب الشاعر بالمقارنة مع التعينات الاخرى للوجود  .

1 - 11 - ان هذه التجليات الموجبة للوجود : الكون والطبيعــة والحيــاة  والسالبة له أعنى تجليات العدم أى الفساد والتاريخ والموت لا تبقى هكــذا متنافرة فى مواجهة قاتلة ، بل هى فى أسمى درجات تعينها أى بما هى وجود كونى طبيعى حى وعدم فسادى تاريخى ميت تتحد فى شخص سام هو الرب أو الاه الوجود الذي يبدو للعقل قدرا أعمى ، وللقلب فنانـا ساحــرا : ففى قصيدة شكوى ضائعة يخاطب الشابى الرب من منظار سوالب الوجود اعنى تعينات العدم ، ومن ثم فخطابه خطاب المقابلات المجردة ، خطاب العقل لا القلب وان كان القلب حاضرا وينتهى الى التغلب والى العرفان عوض الكفران . اما فى قصيد إلى الله فان الخطاب ينبع من القلب ، رغم المراوحة بين تشاؤم العقل وتفاؤل الفؤاد :

يقول الشابى فى قصيد : (( شكوى ضائعة ))

يا ليل ! ما تصنع النفس التى سكنت هذا الوجود ومن اعدائها القدر ؟

ترضى وتسكت ؟ هذا غير محتمل ! اذن فهل ترفض الدنيا وتنتحر ؟

وذا جنون لعمرى كله جزع باك ورأى مريض كله خور

فانما الموت ضرب من حبائله لا يفلت الخلق ما عاشوا فما النظر ؟

هذا هو اللغز عماه وعقده على الخليفة وحش فاتك حذر .

قد كبل القدر الضارى فرائسه فما استطاعوا له دفعا ولا حزروا

وخاط اعينهم كى لا تشاهده عين فتعلم ما يأتي وما يذر

وحاطهم بفنون من حبائله فما لهم أبدا من بطشه وزر

لا الموت ينقذهم من هول صولته ولا الحياة ، تساوى الناس والحجر .

فكلمات النظر والعلم والحزر والحبائل والحذر والعين ، كل هذه المفهومات نشير الى العقل لا الى القلب ومن ثم فهى ثورة الادراك الــذي لــم يتجــاوز التناقضات والمقابلات المجردة . أما في قصيد الى الله فان اللهجة تتغير . ويصبح الحوار بين الرب والقلب :

يا الاه الوجود ! هذى جراح في فؤادى تشكو اليك الدواهى

هذه زفرة يصعدها الهم الى مسمع الفضاء الساهى

هذه مهجة الشقاء تناجيك فهل انت سامع يا الاهى

ثم يحدد الموقف الذى خاطب القلب منه ربه فى شكل اعتذار وتوبة :

يا الاهى ! قد انطق الهم قلبى بالذي كان فاغتفر يــا الاهى

قدم اليأس والكآبة داست قلبى المتعب الغريب الواهى

فتشظى وتلك بعض شظاياه فسامح قنوطه المتناهى

فهو يا رب معبد الحق والايمان والنور والنفاء الالاهى

وهو ناى الجمال والحب والاحلام لكن حطمته الدواهى .

ان التقابل بين قصيدتى الشكوى الضائعة والى الله تمثل أحسن مدخل لدراسة الاسس الفلسفية وهى فى نفس الـوقت خـاتمة دراســة الاسس الوجودية . لكن علينا قبل الانتقال الى العرض الثانى أن نلخـص فى هـذا الجدول علائق المفهومات التى حللناها فى العرض الاول من دراستنا . 1 - 12 - وهكذا فان الوجود ذات متعالية لها افعال وانفعالات واضافات  تحدد أعراضها العامة ؛ لكن خصائصها الذاتية هي ضروب ظهورها أو جهات تجليها التى يمكن عرض تراثها وتضامنها على النحو التالى :

الوجود عامة الوجود بما هو ظرف الوجود بما هو سلم الوجود بما هو القيام الذات الالاهية وحدة الوجود

الوجوه الموجبة منه الوجود الكون :  الزمان والمكان الطبيعة :  الجمال والدورة الحياة :  العــود الابــدى والشعور الفنان

الوجوه السالبة منه العدم الفساد :  خلاء الزمــان والمكان التاريخ :  القبح والحرب الموت :  الخمود والجماد

الفنان الخالص بحرية مطلقة

ان ترتيب هذه المفهومات ليس ترتيبا بحسب المصدق المتنازل قبلها لها نفس المصدق ، اذ لا تستعمل فى المعنى الوضعى بحيث تكون الطبيعة جزءا

من الكون والحياة جزءا من الطبيعة ؛ بل في معنى اتحــادها المفهــومى وان اختلفت درجة التعين :  فالحياة هي الطبيعة وقد تشخصت وتعينت ؛ والطبيعة هي الكون وقد تشخص وتعين ، والكون هو الوجود وقد تشخص و تعيــن والتعين والتشخص المطلق هو الرب الفنان بما هو الوجود الذات أعنى الفاعلة الحية الكائنة المتطبعة التى يناجيها الشاعر ويرتبط معها بعلاقة العبادةوالكفران بما هما جوهر المعرفة . ان هذه الذات بما هى تعين الوجود الاسمى وبمــا هي محددة كون ( زمان ومكان ) وبما هى نظام لهذا التحدد طبيعــة ( الجمــال الانتظام ) وبما هي تيار سار فى جميع مظاهرها ( حياة ) ووحدة ذلــك هى الذات الالهية .

فكيف يجدها الانسان ؛ أعنى كيف يلقاها ويعانيها لا كيف يصادفها برد المصادفة الوجد بمعنى الوجدان هو المعاناة ، معاناة الوصال الوجـودى بين الذات الانسانية ، وهذه الذات الربوبية : ذلك هو موضوع العرض الثانى من بحثنا حيث تصبح مسألة المعرفة منطلق نهر الانسان بما هو لا متناه أو روح وغايتها الاله بما هو لا متناهى الحياة ( الخيال الشعرى عند العرب ص 28 ) .

- يتبـــع -

اشترك في نشرتنا البريدية