الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

الأسس الوجودية والفلسفية في ديوان :، (( أغانى الحياة ))

Share

- 2 - (*)

الغرض الثانى : الأسس الفلسفية فى أغانى الحياة

1 - عش بالشعور وللشعور فانما  دنياك كون عواطف وشعور

شيدت على العطف العميق وانها  لتجف لو شيدت على التفكير

2 - والعقل رغم مشيبه ووقاره   ما زال فى الأيام جد صغير

يمشى فتصرعه الرياح فينثنى       متوجعا كالطائر المكسور

فكرة الفنان 190

3 - كل ما هب وما دب وما نام أو حام على هذا الوجود ...

كلها تحيا بقلبى حرة غضة السحر كاطفال الخلود

4 - ها هنا ألف خضم ثائر خالد الثورة مجهول الحدود

هاهنا فى كل آن تمحى صور الدنيا وتبدو من جديد

قلب الشاعر 262

هنا أيضا سنتجنب البحث فى الاسس المعرفية الفلسفية بالمعنى الوضعى ، رغم أن شعر الشابى لا يخلو من الاشارة اليه بل ومن الدعوة الى الاهتمام به بوصفه من شروط نهضة الامم فى المعترك الدولى : فهو يندب شعبه التونسى وامته العربية لموت العلم فيها فى قصيد ليت شعرى قائلا :

فاذا بالارض ملقى هيكل نضو كلوم

عفرته الترب والعين على الخد سجوم

فتأملت مليا وجهه تحت الغيوم

فاذا الملقى بوادى وطنى جسم العلوم

ثم يردف قائلا :

ليت شعرى ! هل سحاب الجهل تذروه العقيم

فترى الاعين بدر العلم قد شق الغيوم

ليت شعرى يا بلادى هل تصافيك العلوم

ليت شعرى ص 289-290

ولعل هذا القصيد اسهام من الشابى فى الدعوات النهضوية بالمعنى الدنيوى أعنى بمعنى الاهتمام بأسباب العيش التى غالبا ما يعتبرها الشابى من مكبلات الوجدان . لن نهتم بهذا الوجه ، بل سننفذ الى نظرية المعرفة التى تجعل مثل هذا الموقف بما هو احد توظيفات المعرفة ممكنا .

وسنتجنب كذلك تحديد نظرية المعرفة بالمعنى الفلسفى التقليدى حيث ينصب الاهتمام على كيفية الوصل بين كيانين مجردين يوضعان مفصولين : الذات والموضوع ، فيقع الفيلسوف أمام مشكل الوصل بينهما وتتضارب الآراء بالانحياز الى أحدهما أو آخرهما أو بالسعى الى التوفيق بينهما : ذلك أن هذه المسألة وليدة نسق المجردات بما هى منفصلات متقابلة تقابلا مفهوميا وليس ذلك من ذوق المعرفة كما سنحددها فى شعر الشابى بل هو من مفاعيل السطح المتولدة عن التنظير العقلى الذى يقول عنه الشابى :

ويظل يسأل نفسه متفلسفا متنطسا فى خفة وغرور

عما تحجبه الكواكب خلفها من سر هذا العالم المستور

وهو المهشم بالعواصف ، يا له من ساذج متفلسف مغرور !

فكرة الفنان 191

نظرية المعرفة التى نسعى الى تحديدها هى التى يعتبر هذا التفلسف من مظاهرها السطحية : انما جوهر الحياة الباطنة بما هى وجدان الوجود ، لا هذا الانسكاب خارج الذات فى أقل تجليات الوجود كثافة أعنى الكون المشار اليه هنا بالكواكب . ان المعرفة كما هى هذا الوجدان تجاوز للعالم المنظور لادراك قيوميته ، وللمشاركة فيها بوجدها أى بمعاناتها :

وافتح فؤادك للوجود وخلة لليم للامواج للديجور

للثلج تنثره الزوابع للاسى للهول للآلام للمقدور

واتركه يقتحم العواصف هائما فى افقها المتلبد المقرور

ويخوض احشاء الوجود مغامرا فى ليلها المتهيب المحذور

حتى تعانقه الحياة ويرتوي من ثغرها المتأجج المسجور

فتعيش فى الدنيا بقلب زاخر يقظ المشاعر حالم مسحور

فى نشوة صوفية قدسية هى خير ما فى العالم المنظور

هو ذا بيت القصيد : فى نشوة صوفية قدسية هى خير ما فى العالم المنظور واذا كان قصيد يا رفيقى هو قصيد الديوان وكان بيت القصيد فيه هو (( فمعى فى جوانحى أبد الدهر فؤاد الى الحقيقة ظامى )) . وذلك فى المسألة الوجودية ؛ فان قصيد (( فكرة الفنان )) هو قصيد الديوان وهذا البيت الاخير هو بيت القصيد فى المسألة المعرفية : وكلا البيتين يفيد نفس المعنى : اذ الظمأ الى الحقيقة هو النشوة الصوفية ، أعنى أن الاول يفيد المعرفة الذوقية قبل حصولها والثانى المعرفة الذوقية عند الحصول ، الاول يفيد لا تناهى الانسان أو الروح أو عبادة الحق والثانى يفيد لا تناهى الحياة أو الربوبية أو الوجود

نحاول الآن تحديد نظرية المعرفة فى أغانى الحياة متوخين نفس السبيل أعني سبيل استخراج تواتر الكلمات التى تفيد الوجه الموجب من المعرفة والكلمات التى تفيد الوجه السالب ، ان الوجود وتعيناته الثلاثة الكون والطبيعة والحياة واحذاءها العدم والفساد والتاريخ والموت فى المسألة الوجودية لها ما يوازيها فى المسألة المعرفية : فالقلب والشعور والحب والفن هى موجبات المعرفة والعقل والتفكير والعلم والتقنية هى سلبياتها . وهذا ثبت احصائى فيها قبل تحليلها عنصرا عنصرا .

ان القلب بما صدقه وبمفهومه امر لا محدد بنفس لا تحد الوجود لذلك فهو مثله سيتعين ويتشخص . وعندئذ ندرك مضمونه واحتواءه على تجلياته وعلى ضده وتجليات ضده . فهو قبل كل شئ شعور للكون بما هو ظرف متعاطف معه وبما هو وعاء يحوط الشكل ويتخلله انه شعور بالعالم الخارجى وبالعالم الباطنى :

عش بالشعور وللشعور فانما   دنياك كون عواطف وشعور

ان تهيؤ الوجود كونا يقابله فى القلب تهيؤه شعورا . لذلك نجد ان جميع الابيات الموالية تحلل فقدان الشعور من الدنيا بوصفه تحويل الكون الى خلاء أى الى ظرف مجرد لا يمثل التعين الممتلئ ، والمكتنز الذي يجعل فى الكون تشخصا أولا للوجود :

عش بالشعور وللشعور فانما دنياك كون عواطف وشعور

شيدت على العطف العميق وانها لتجف لو شيدت على التفكير

وتظل جامدة الجمال كئيبة كالهيكل المتهدم المهجور

وتظل قاسية الملامح جهمة كالموت مقفرة بغير سرور

فكلمات شيدت والجماد والهيكل المتهدم المهجور ومقفرة كلها تشير الى الكون بما هو ظرف مجرد اذا اعتبر بالعقل ، والى تحوله الى رحم حان وعطوف لو اعتبر بالشعور . ان هذا الشعور بما هو الارتباط العاطفي بالوجود بما هو كون حاو لكل شئ ومتخلل له ، هو اذن التعين الاول من القلب أو الفؤاد : وهذا الشابى يبين كيف أن القلب أو الفؤاد بما هو شعور هو هذا الكون فى بعدية الخارجى والباطنى ، الامتداد العالمى والعمق الزمانى :

وافتح فؤادك للوجود وخله لليم للامواج للديجور

للثلج تنثره الزوابع للاسى للهول للآلام للمقدور

واتركه يقتحم العواصف هائما فى افقها المتلبد المقرور

ويخوض أحشاء الوجود مغامرا فى ليلها المتهيب المحذور

حتى تعانقه الحياة ويرتوى من ثغرها المتاج المسجور

فتعيش فى الدنيا بقلب زاخر يقظ المشاعر حالم مسحور

وهكذا فالشعور هو يقظة القلب الى الوجود بما هو كون أو عالم ومن ثم أستعداده لادراكه بما هو طبيعة وحياة : وهذه اليقظة انفتاح على العالم الخارجى بما هو الامتداد المكان الممتلئ بمظروفاته (( اليم الامواج الديجور الثلج الزوابع ، العواصف ، الافق ، وغوص فى العالم الباطنى بما هو العمق الزمانى الممتلىء بمظروفاته : الاسى ، الهول ، الآلام ، الاحشاء . وهذا الشعور بما هو يقظة سامية تعانق الوجود )) امتدادا وعمقا يصبح معرفة ذوقية ونشوة صوفية :

فتعيش فى الدنيا بقلب زاخر يقظ المشاعر حالم مسحور

فى نشوة صوفية قدسية هى خير ما فى العالم المنظور

وهكذا اذن فان الشعور نفسه سيتعين ويتشخص فى ذروته بكونه حب العالم ، حب الوجود المتعين كونا : وعندئذ يصبح القلب حبا والوجود طيبة : الطبيعة أو الوجود بما هو بيت القلب ومأواه ، مقامه ومعينه .

بيت بنته لى الحياة من الشذى والظل والاضواء والانغام

بيت من السحر الجميل مشيد للحب والاحلام والالهام .

ان الغاب الذى يستعمل هنا كناية عن الطبيعة هو اذن بيت مشيد للحب . ان الوجود وقد اصبح كونا منظورا وتعين طبعه أعنى جمالا وانتظاما هو دا يصبح بيت القلب الذى شخص شعورا وتعين حبا . وهو ذا الشابى يصور هذه الحالة التى تصبح فيها اليقظة للوجود حبا ، يصورها قياسا على نفخ الروح في آدم عندما ارتبط حبا بالجنة ، والجنة ، جنة آدم هى الطبيعة طبيعة الشاعر :

فاذا انا فى نشوة شعرية فياضة بالوحى والالهام

ومشاعرى فى يقظة مسحورة ................

وسنى كيقظة آدم لما سرى فى جسمه روح الحياة النامى

وشجته موسيقى الوجود وعانقت أحلامه فى رقة وسلام

ورأى الفراديس الانيقة تنثنى فى مترف الازهار والاكمام

وراى الملائك كالاشعة فى الفضا تنساب سابحة بغير نظام

واحب روح الكون تخفق حوله فى الظل والاضواء والانسام

والكائنات تحوطه بجنانها وبحبها الرحب العميق الطامى

حتى تملأ بالحياة كيانه وسعى وراء مواكب الايام

ان حب الطبيعة والانسياب فيها هو الذى يحيى الكيان وبذلك يعده للحياة وجودا والفن قلبا : ارتباط الحب قلبا بالطبيعة وجودا ، يتضح بصريح اللفظ فى هذا البيت :

فى الغاب ، فى الغاب الحبيب وانه حرم الطبيعة والجمال السامى

طهرت فى نار الجمال مشاعرى ولقيت في دنيا الخيال سلامى

حب الطبيعة هو الذى سيتعين فنا مثلما تعينت الطبيعة حياة وبذلك نبلغ ذروة تعينات القلب الموازية لذروة تعينات الوجود : الفن والحياة : ذلك هو مضمون قصيد الساحرة : أعنى الحياة التى يكنى لها الشابى هنا بالمرأة والساحرة ، ان القراءة اللفظية لهذا القصيد قد تجعلنا نعتبره مجرد حديث عن المرأة الحقيقية كجنس مقابل لا كرمز للحياة : ان الشوق الجنسى والصورة المادية الحسية ليست الا رموزا على العلاقة الفنية التى تربط قلب الشاعر الذى تعين شعورا وشخص حبا الى ان جل فنا رغم هذا البيت :

وارم لليل والضباب بعيدا فنك العابس الكثير وجومه

أو رغم البيت الاخير من القصيد :

ان فى المرأة الجميلة سحرا عبقريا يذكى الاسى وينيمه

ذلك ان هذه الساحرة ، المرأة ، ليست الا الحياة أو الطبيعة وقد تعينت حية فى هيأة المرأة الساحرة ، تخاطبه قائلة :

فالهوى والشباب والمرح المعسول تشدو افنانه ونسيمه

هى فن الحياة يا شاعرى الفنان ، بل لب فنها وصميمه

ان الفن الذى سيرميه الفنان هو الفن المتشائم الذى لا يلائم الحياة : عليه ان يعوضه بلب الفن ، بالهوى والشباب والمرح المعسول . ان الحياة ، بما

هى فعل وجود ، فن : ذلك ما يتحدد بكل مراحله فى قصيد تحت الغصون : هى ذى المرأة بما هى رمز الحياة تفضل الطبيعة ويعتبر وجدانها فنا وجمالا : والفن يرمز اليه هنا بالغناء والنشيد والتلحين والنغم والوزن :

أنت أشهى من الحياة وأبهى من جمال الطبيعة الميمون

ما أررق الشباب فى جسمك الغض ! وفى جيدك البديع الثمين

وأدق الجمال فى طرفك الساهى وفى ثغرك الجميل الحزين

وألذ الحياة حيث تغنين فأصغى لصوتك المحزون

قد تغنيت منذ حين بصوت ناعم حالم شجى حنون

نغما كالحياة عذبا عميقا في حنان ورقة وحنين

فاذا الكون قطعة من نشيد علوى منغم موزون

الحياة عينها فن ، انها قمة الفن : انها الفن بما هو فعل التواجد بين الوجود والوجدان :

وطغي السحر والغرام بقلبى فتوسلت ضارعا بجفونى

طهرى يا شقيقة الروح ثغرى بلهيب الحياة بل قبلينى

ان نار الحياة والكوثر المنشود فى ثغرك الشهى الحزين

فهو كاس سحرية لرحيق الخلد قد صاغها الاه الفنون .

ها نحن اذن نشهد التقاء القلب في ذروته حقا بالوجود في ذروته حياة وبذلك تتوازى وجوه الوجود الموجبه ووجوه القلب الموجبه .

وعلينا قبل بيان نفس التوازى بين جوانبهما السالبة أن نشير الى قصيد قلب الشاعر حيث تتم المعادلة بين الوجود والقلب مصداقا ومفهوما : فالمقطع الاول يبين التطابق المصداقى بينهما باحصاء ما فى كليهما . والمقطع الثانى يبين التطابق المفهومى بتحديد خصائص مضامين كلا المقهومين وخاصة خاصيتهما المطلقة أعنى العود الابدى الجمالى : فالبيت الاخير من المقطع الاول يقول :

كلها تحيا بقلبى حرة غضبة السحر كاطفال الخلود

كلها تختم عملية الاحصاء او التحديد الشمولى المبين للتطابق بين الوجود وقلب الشاعر

والبيت الاخير من المقطع الثانى يقول :

ها هنا فى كل آن تمحى صور الدنيا وتبدو من جديد

تمحى وتبدو مفردتان تحتمان عملية تحديد الخصائص التى يتألف منها التعريف المفهومى المبين للتطابق بين الوجود وقلب الشاعر : الخاصية الاسمى هى العود الابدى ، وذلك التطابق المفهومى هو الذى سيجعل القلب يصبح ابدا صغيرا أعنى نتيجة مصغرة من الوجود بما هو الابد الكبير !

ان التوازى بين وجوه القلب الموجبة ووجوه الوجود الموجبة هو الذى يحدد لنا نظام التوازى بين الوجوه السالبة منهما : ذلك أن القلب والشعور والحب والفن بما هى وجدان الوجود من جوانبه الموجبة تقابل المعرفة بمعناها الوضعى الدنيوى التى تتعلق بالوجود بما هو عدم وفساد وتاريخ وموت .

ان العقل فى معناه السالب ، أى بما هو ضد للقلب ليس الا اصطناع حضارى ياتى بديلا عما يفقده الانسان عندما يموت فيه القلب . لذلك فهو لا ينتمى الى مراحل الانسانية البدائية بل هو من صنائع الحضارة المدنية : انه شيخ لكونه وليد شيخوخة الانسان لكنه حديث العهد بالحياة وباغوارها لانه آخر ما يطرأ :

والعقل رغم مشيبه ووقاره ما زال فى الايام جد صغير

فى حين أن الشعور :

صحب الحياة صغيرة ومشى بها بين الجماجم والدم المهدور

ان العقل بما هو نقيض القلب يتعين تفكيرا مثلما يتعين القلب شعورا . واذا كان الشعور هو ادراك الوجود بما هو كون اعنى الحضور للكون خارجا وباطنا ، فان التفكير ليس الا قتلا لهذا الشعور الكون : لذلك فان دنيا الفنان التى هى كون عواطف وشعور ستصبح اشباحا لو شيدت على التفكير

عش بالشعور وللشعور فانما دنياك كون عواطف وشعور

شيدت على العطف العميق وانها لتجف لو شيدت على التفكير

وتظل جامدة الجمال كئيبة كالهيكل المتهدم المهجور

وتظل قاسية الملامح جهة كالموت مقفرة بغير سرور

التفكير اذن ليس الا نفى الشعور : واذا ما نفى الشعور بما هو آصرة الوجدان بالكون بنفى الكون خلاء خارجيا اعنى المكان المجرد ذا الابعاد الهندسية لا غير  وباطنيا اعنى الزمان المجرد ، ذا الدورة الفلكية لا غير . وعنذئذ لا يمكن للطبيعة أن تظهر ، لا يمكن لكون مجرد لهذا أن يكون حاملا بالجمال الطبيعى لذلك يقول الشابى فى الدنيا التى تشاد على التفكير

لا الحب يرقص فوقها متغنيا للناس بين جداول وزهور

متورد الوجنات سكران الخطى يهتز من مرح وفرط حبور

متكللا بالورد ينثر للورى اوراق ورد اللذة المنظور

كلا ولا الفن الجميل بظاهر فى الكون تحت عمامة من نور

التفكير المجرد يجرد الكون من الجمال والحب فلا يتكون طبيعة ويجرده من الحركة والفن فلا يتنفس حياة : كذلك فهو خلاء وجماد

واذا كان الشعور بالكون يولد الحب الذى هو ادراك بجمال الطبيعة فان التفكير فيه يولد العلم الذى هو نفى لادراك الجمال الطبيعى : الشعور بالكون يولد الحب وعندئذ يصبح الكون طبيعة واعنى جمالا وانتظاما والتفكير فى الكون يولد العلم وعندئذ يصبح الكون حضارة وتاريخا أعنى بشاعة وفوضى لذلك فان قصيد ابناء الشيطان بعد أن يتساءل عن طبيعة الانسان والتصاقه بالشر ؛ يصف مواقف الناس الخلقية والسياسية بعضهم من البعض فى المقطعين الثانى والثالث ، ثم موقفهم من المصلحين فى المقطع الرابع ، وعلاق ظاهرهم بباطنهم فى المقطعين الخامس والسادس ، لينتهى فى الاخير الى الجواب عن تساؤل المقطع الاول واصفا تاريخ الانسان وحضارته كما يلى :

كان ظنى ان النفوس كبار فوجدت النفوس شيئا حقيرا

لوثته الحياة ثم استمرت تبذر العالم العريض شرورا

فاحصوا الشوك يا بنيها وضجو واملأوا الارض والسماء حبورا

العقل الذى يتعين تفكيرا فى العالم ويصبح علما للطبيعة ليس الا الخبث والحيل والتصنعات والحبائل التى يحيكها الناس بعضهم للبعض من أجل السيطرة والسيادة : ذلك ما يحدده الشابي في قصيد مناجاة عصفور اذ يقول :

آه من الناس الذين بلوتهم فقلوتهم فى وحشتى وحبورى

ما منهم الا خبيث غادر متربص بالناس شر مصير

ويود لو ملك الوجود بأسره ورمى الورى فى جاحم مسجور

لتبل غلته التى لا ترتوى ويكض تهمة قلبه المغفور

ان العقل والتفكير والعلم بما هى مقابلات للقلب والشعور والحب ليست اذن الا فنيات حضارية مبعثها الاساسى وهدفها الرئيسى الحرب الدنيوية على الملكية والسلطان . انها حيل مدنية يستعملها الانسان للسيطرة على الكون والناس ، وليست وجدانا للكون ولا وحيا للناس

ذلك ما سيجعل ذروة هذه السوالب تكون التقنية او الصنائع والتصنعات بما هى الحيل الانسانية اذا ما اعتبرت وسائل وأدوات وبما هى اسباب الدنيا اذا ما اعتبرت دوافع واوزاعا . واذا كان الشابى لم يشر شعرا الا الى هذا الجانب الاخير بوصفه العائق الرئيسى أمام الحياة الشعرية فانه قد اشار الى الجانب الاول فى محاضرته حول الخيال الشعرى عند العرب اذ يقول : (( اننى أسمى هذا القسم الاول ( من الخيال ) بالخيال الفنى لان فيه تنطبع النظرة الفنية التى يلقيها الانسان على هذا العالم الكبير وأسميه بالخيال الشعرى لانه يضرب بجذوره الى ابعد غور فى صميم الشعور . أما القسم الثاني فاننى أسميه الخيال الصناعى لانه ضرب من الصناعات اللفظية وأسميه الخيال المجازى لانه مجاز على كل حال )) ( * )

ان الخيال الشعرى بما هو وجدان الوجود ومعرفته الاسمى يقابل الخيال الصناعى . بما هو تزويق لفظي وحيل ابلاغية ، مقابلة الفن للتقنية . أما الاشارة الشعرية الواردة فى الديوان لهذه المقابلة ولرفض الشابى للتقنية بما هى نوع من انواع الوجود فى الكون فانها تأتى باسلوب الكناية كما يلى :

فاترك الى الناس دنياهم وضجتهم وما بنوا لنظام العيش أورسموا

السعادة ص 219

ثم :

وأود أن أحيا بفكرة شاعر فارى الوجود يضيق عن أحلامى

الا اذا قطعت أسبابى مع الدنيا وعشت لوحدتى وظلامى

قيود الاحلام 173

ان الارتباط بالدنيا أعنى بالشواغل عن صميم الوجود عن الحياة الشعرية هو الذى جعل الشابى استنادا الى التصورات الدينية يكنى الناس بابناء الشياطين في قصيدى ابناء الشيطان واغنية الشاعر وذلك لتفضيلهم الدنيا أعنى الحضارة والمدنية عن الجنة ، أى الطبيعة والجمال اشارة على فعلة الشيطان مع آدم عندما حول وجهته من نعيم الخلود فى الجنة الى شقاء الدهر فى الدنيا : لكن جنة الشابى هى الطبيعة ودنياه هى المجتمع .

ولا بد من الاشارة إلى حجتين اساسيتين نركز عليهما هذا الفهم لشعر الشابى : احداهما من اغاني الحياة والثانية من الخيال الشعرى عند العرب

ان قصيد الابد الصغير قد لا يفيد بعنوانه امرا جليلا : فلعل الابد الصغير هو اللحظة ولعله أى شئ اخر . لكن قراءة القصيد من أوله الى آخره تذهلنا فالابد الصغير هو القلب الذى هو المخاطب فى ابيات القصيد السبع والعشرين وعندئذ يذهب بنا الذهن الى المقولة الرمزية التى تقارن بين الكون الكبير والكون الصغير أو الكون والانسان الابد الصغير ليس الا كناية عن الكون الصغير أى عن قلب الانسان :

يا قلب كم فيك من دنيا محجبة كانها حين يبدو فجرها ارم !؟

يا قلب كم فيك من كون قد اتقدت فيه الشموس وعاش فوقه الأمم ؟!

يا قلب كم فيك من أفق تنمقه كواكب تتجلى ثم تنعدم !؟

ثم

يا قلب انك كون مدهش عجب ان يسأل الناس عن آفاقه يجموا

كانك الابد المجهول ... قد عجزت عنك النهى واكفرت حولك الظلم

ثم

تبلو الحياة فتبليها وتخلعها وتستجد حياة ما لها قدم

وانت انت شباب خالد نظر مثل الطبيعة لا شيب ولا هرم

ان هذا القصيد يثبت بصورة لا مرد فيها أمرين : الاول هو المطابقة بعين القلب فى المسألة المعرفية والوجود فى المسألة الوجودية ؛ والثانى : ان القلب مثل الوجود يتضمن وبالتوازى معه الوجوه الموجبة والوجوه السالبة التى ذكرنا . أما الحجة الثانية وهى من الخيال الشعرى فهى التى تثبت هذا التوازى والمطابقة بين الوجود والقلب أو بين الله والانسان باعتبار الاول ذات الوجود والثانى ذات وجدان الوجود او عبادة الالاه او المعرفة : يقول الشابى : (( انما أريد أن ابحث فى الخيال من ذلك الجانب الذى ينكشف عن نهر الانسانية الجميل الذى أوله لا نهاية الانسان وهى الروح وآخره لا نهاية الحياة وهى الله . أريد أن الحب فى الخيال عند العرب من ذلك الجانب الذى تتدفق فيه أمواج الزمن بعزم وشدة وتنهزم فيه رياح الوجود المتناوحة مجلجلة ذاوية جامحة وتتعاقب عليه ظلمات الكون واضواؤه واصباح الحياة وامساؤها ذلك الجانب الذى يستلهم ويستوحى ، ويحيا ويشعر ويتدبر ويفكر أو بكلمة مختصرة اننى أريد أن ابحث عند العرب عما سميته خيالا شعريا او خيالا فنيا )) ( * ) .

الروح والالاه أو لا تناهى الانسان ولا تناهى الحياة بما هما بداية ونهاية لطريق أو نهج في الوجود هو وجدان الوجود ذلك هو مفهوم المعرفة الصوفية التى انتهينا اليها فى دراستنا لمسألة الاسس الفلسفية فى شعر الشابى وبذلك نستطيع تحديد نسق شعر الشابى أو نظام ووحدته واستبطانهما بالاستناد الى هاتين المسألتين الممثلتين لمنطلق النهج المعرفى ولمنتهاه : المنطلق هو الاسس الفلسفية والمنتهى هو الاسس الوجودية ، وعند تحدد بصورة واضحة منزلة شعر الشابى فى الوجدان العربى قديمه وحديثه .

الخاتمة :

لو كان المجال يتسع لبينا بأكثر تعمق وتحليل نسق هذه المبادئ الوجودية والفلسفية لكى يتمكن من تجديد منزلة شعر الشابى فى الوجدان العربى بما هو طاقة الامة المحددة لكيانها ولقبلتها فى التاريخ . لكننا سنقتصر هنا وبصورة موجزة على ذكر أمرين :

أولهما : مبدأ وحدة هذه المبادئ وهو مستخرج من الخيال الشعرى عند العرب ، وبذلك فهو مرتبط بمنزلة شعره فى وجدان الامة العربية .

ثانيهما : سر منزلة شعر الشابى فى الوجدان العربى او علاقة الخيال الشعرى عند العرب بأغانى الحياة

ان عبارة (( انما أريد ان ابحث فى الخيال من ذلك الجانب الذى يتكشف عن نهر الانسانية الجميل الذى أوله لا نهاية الانسان وهى الروح وآخره لا نهاية الحياة وهى الله )) ان هذه العبارة تبين بصورة صريحة كيف يمكن التوحيد فى نسق ذى قطبين وجودى ومعرفى بين المبادىء التى عالجناها فى الفصل الاول والمبادىء التى عالجناها فى الفصل الثانى فنتمكن بذلك من تحديد المنظومة الفلسفية التى تشد شعر الشابى شد النظام لحبات العقد :

ان نهر الانسانية هذا الذى يبدأ بلا تناه . الانسان الروح وينتهى الى لا تناهى الحياة ، الالاه ليس الا الطريقة الصوفية التى يسمو الانسان فى درجاتها غوصا الى الباطن وانتقالا من عالم الفتق الى عالم الرتق . وما عالم الفتق الا الجوانب السالبة من الوجود والقلب : فالوجود مفتوقا هو العدم والفساد والتاريخ والموت وادراك هذا الفتق بصورة مشتتة هو العقل والتفكير والعلم والتقنية . أما عالم الرتق أو وحدة الوجود المعنى الفلسفى الصوفى حيث يتم الحلول فهو الوجود بما هو كون وطبيعة وحياة يحل فيه القلب ويتطابق معه بما هو شعور وحب وفن . وبذلك يتحدد موقع الشابى من التعبير الفنى والجمالى العربى : فهو ينتمي بشعره لا الى الشعر الدنيوى اللاهى بل الى الشعر الصوفى الذى يمثل القرآن ذروته : لذلك فان جميع الابداعات الاسطورية التى يتضمنها شعره مستوحاة من القرآن : الطبيعة هى الجنة والتاريخ هو الدنيا وصورة النبى التى تتردد ذكرت قياسا على ابراهيم :

(( ونبىء قد جاء الى الناس بالحق فكالوا له الشتائم كيلا

وتنادوا به : (( الى النار ! فالنار بروح الخبيث أحرى وأولى ))

ثم القوه فى اللهيب وظلوا يملؤون الوجود رعبا وهولا

ابناء الشيطان 180

وكذلك :

من جاش بالوحى المقدس قلبه لم يحتفل بحجارة الفلتاء

نشيد الجبار 256

ان هذا العمل الشعرى الذى ينفتح فى الطبيعة روحا ويبرأ الارواح ثم يصورها طبيعة هو بدوره مستوحى من فعل الخلق . فعل البارى الاسمى : حيث يصبح الشعر أمر : كن ، والجمال جواب فيكون .. تلك هى وحدة المنظومة الفلسفية : وحدة الوجود الصوفى حيث يحل الانسان فى الالاه بتوسط الطبيعة والحياة وذلك هو موقعه من الوجدان العربى

لكن هذا الموقع اذا ما نظر اليه من المنظار التاريخى الوقائعى فانه قد يجعل الشابى ذا موقف شعوبى بل وعنصرى اذ هو فى الخيال الشعرى عند العرب يحط من خيالهم الشعرى واعنى من قدرتهم على فهم الوجود ووجدانه ومجده عند الآربين لكأنه يردد ترهات بعض العنصريين فى نهاية القرن السابق وبداية القرن الحالى . لكننا عندما نربط الخيال الشعرى عند العرب بأغانى الحياة ندرك مشروع الشابى الثورى . فلم يكن بوسع الشابى أن يقرأ القرآن قراءة صوفية ولم يشا أن ينفى الوجدان العربى محنطا لذورة احساسه بالوجود التى انقلبت الى مراسم وتعبدية وتقييدات تعاملية فى الفقه ، فأراد أن ينشئ للوجدان العربى أساطيره وشعره الوجودى : ومن هنا جاءت أغانى الحياة سدا للثغرة التى كانت مهمة الخيال الشعرى عند العرب اكتشفها وشخصها المعنى الطبى للكلمة

ذلك ما يجعل أغانى الحياة عند الشابى من الاعمال الاصلاحية والثورية : انه عمل اصلاحى اذ هو قد رمم الروح العربية بأن امدها بالاساطير الوجودية التى يعتبر الشابى اهم وسائلها التشخص . ومعنى ذلك انه قد خلص العقلية العربية من الجفاف الوضعى والعلامة الموضوعية بالعلم ليدخل فيه مسحة الخيال والروح . ولو سئل المرء اليوم عن اكبر الادواء التى تعانى منها الذاتية العربية من الجفاف الوضعى والعلامة الموضوعية بالعالم ليدخل فيه مسحة وهي لم تبدع بعد الروح التى تحركها . لذلك كان سعى الشابى يستهدف تعويض الروح الدينية التى اعتبرها قد تحنطت بالروح الفنية التى اصبح يعتبرها جوهر الوجدان وبلسم الذات العربية التى وصفها في الخيال الشعرى عند العرب فى مراحل وجدانهم الاربعة : الجاهلية والأموية والعباسية والاندلسية . وهو مشروع ثورى من هذا المنظار : لانه خلافا لنظرة بعض الفلاسفة لا يعتبر الفن ماضى الانسان او انه مرحلة بدائية من المعرفة والدين بل هو عنده قمة المعرفة وقمة العبادة بما هى وجدان الوجود

ان الشابى اذن شاعر متصوف يؤمن بوحدة الوجود الجمالية ، وهو شاعر قومى يؤمن بضرورة الانبعاث الروحى للامة العربية ، وهو شاعر ثورى لانه يعتبر الفن مستقبل الانسان ، وهو أخيرا من كبار فلاسفة الفكر العربى المعاصر لان نسقه الفلسفى الذى حاولنا استخراجه قد جمع فى طياته كل مراحل الفكر العربى قبل الاسلام وخلاله وبعده :

واذا كان بوسعنا واستنادا الى المصطلح الصوفى كما حدده ابن خلدون فى شفاء السائل لتهذيب المسائل ، أن نعتبر الشابى قد قفز الى ذروة المجاهدة الصوفية فتجاوز مجاهدة التقوى حيث يكون الهدف الحصول على جزاء الآخرة ومجاهدة الاستقامة حيث يكون الهدف الاستعداد الناتج عن الخلق القرأنى الى السعادة الأخروية أنى تكون الوجوه الناضرة ناظرة الى ربها ، واستقربه المقام فى مجاهدة الكشف حيث يصبح الشاعر بوجدان الوجود منة الحياة الدنيا ، مدركا للذات الالهية التى هى عقد الشابى لا متناهى الحياة وغاية نهر الانسانية . بل اننا نستطيع بالاستناد الى مصطلح الغزالى الصوفى واسطورة الكهف الافلاطونية أن نقول : إن الشابى قد تصوف إلى المجاهدة الرابعة مجاهدة الرسالة أو النبوة فسعى ، بصورة أنبل من كبرياء العظمة المرضية عند المتنبى ، الى ادعاء النبوة : لكن نبوته ليست نبوة دينية وان كان فيها من هذه سمو الروح ونبل البعد الاجتماعى : انما هو قد ادعى النبوة الفنية نبوة مستقبل الانسان الذى تكون الطبيعة جنته والوجود شفاء غليله :

ظمنت الى الكون ابن الوجود ؟ وأنى أرى العالم المنتظر ؟

هو الكون خلف سبات الجمود وفى أفق اليقظات الكبر

كما يقول :

فمعى فى جوانحى ابد الدهر فؤاد الى الحقيقة ظامى

ما تراخى الزمان الا وألقى فى طواياه قبضة من ضرام

الظمأ الى الوجود ، الظمأ الى الحقيقة : تلكما هما مستقبل الانسان الذى هو روح فى لا تناهيه ، والذى هو بدء الصعود الى الالاه بما هو غابة لا تناهى الحياة .

اشترك في نشرتنا البريدية