الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الأصالة والمعاصرة، في ((موسم الحجرة إلى الشمال))

Share

الأصالة لغة تعنى رسوخ الأصل وثبوته ، وهي بمفهومها الحديث الارتباط الوثيق الواعي بالبيئة الأم وفاء لنظرتها الى الوجود وموقفها من الحياة ، والاغتذاء بتراث الأمة استمدادا من صميم قيمها وتقاليدها .

وينبغى التأكيد لجانب الوعى لأن به يزداد المرء حرصا على أصالته واقبالا عليها ، وتعهدا لها ، وتمكنا ورسوخا فيها ؛ كما أن الوعي يكسب الأصالة سعة أفق وامتدادا ودواما ، وهو فى الآن نفسه أداة غربلة واختيار تساعد على تنقية الأصالة مما علق بها من غثاء الزمن واكداره ، ويقيها ما قد يهددها من زيغ وانحراف .

وبفضل الوعى النير البصير ايضا يتحقق الوجه الآخر والمفهوم الثانى للأصالة ، وهو تميز الشخصية وطرافتها ، وما لها من حرية فى التصرف واستقلال على الرغم من صدق الانتماء الى بيئتها وانغراسها فيها وشدة التحامها بها ، فيصبح الفرد الاصيل وكأنه أصل قائم بنفسه ، يصدر عن ذاته فى جميع تصرفاته وأوجه نشاطه ، وإن كان مشدودا الى روح الجماعة مستنيرا بها ، مستلهما إياها .

وتلك هي الأصالة الحق القائمة على التوفيق الحركى والتأليف الحي الخصب بين ذاتية الانسان وأخص منازعه وتطلعاته وبين الجماعية والشمول فيه ... وحدة تآلفت عناصرها كأتم ما يكون التآلف والانسجام ؛ على أن عملية التأليف هذه جهد مستمر وكسب متجدد وتوتر دائم لا هدنة فيه و قرار ، وهو لذلك يفضي الى توازن دقيق فى منتهى الدقة لا يثبت على حال .

الشخصية بهذا المفهوم هي الشرط اللازم والسبيل الوحيد لا سبيل غيره الى المعاصرة . ونعنى بالمعاصرة التلاؤم مع أصلح مظاهر العصر ونزعاته ..

تقمص روح العصر والانفتاح الواعي المتبصر لما يحدث فيه من تجديد وابتكار . وبعبارة اوجز أن يكون المرء اشبه بزمانه منه بآبائه .

علاقة الأصالة بالمعاصرة :

إن علاقة الأصالة بالمعاصرة ، كما تراءت لنا ، علاقة تكامل جدلي ، فالأصاله إذا تجاوزت نفسها واعية مستبصرة ، منطلقة الى المستقبل نزاعة الى التغيير والابداع أصبحت معاصرة . تمام الأصالة وغايتها أن تؤول الى المعاصرة لأن فى ذلك سر بقائها وانبعاثها وما ينبغى لها من حركية وحياة .

فاذا كان فى وسعنا أن نتصور أصالة دون معاصرة وهو ما يعيش عليه الكثير من شعوب العالم الثالث ، فانه لا سبيل البتة ولا وجود مطلقا لمعاصرة دون أصالة ، وان كانت ، فهى معاصرة زائفة لا غناء فيها ، كاستحالة الفرع دون أصل والبناء دون أساس .

ونعني بالجدلية فى علاقة الأصالة بالمعاصرة أنها علاقة توتر وتجاذب وصراع ، كلتاهما تنزع جهدها الى مغالبة الأخرى والطغيان عليها وان تحل محلها أو تقضى عليها ، ومهمة الشخص الأصيل - وناهيك بعسرها وقسوتها اذ أصعب الامور وأبعدها منالا ، وخاصة على مستوى الفعل والسلوك ، التوسط والاعتدال - أن يسعى فى التوفيق بين النزعتين والتأليف بينهما . ولا خير أبدا ولا منفعة ترجى من كلتيهما دون هذا التوفيق والتأليف .

لمحة عن مضمون الرواية :

رواية (( موسم الهجرة الى الشمال )) تصور تجربتين لنموذجين أو جيلين من المثقفين العرب (الافريقيين) .. تجربة فاشلة اختتمت بمأساة لأن صاحبها (وهو مصطفى سعيد أحد البطلين الرئيسيين) تقبل الحضارة الاوربية على علاتها ، لم يوفق الى نقدها والسيطرة عليها لشدة افتتانه بها ، فكان بذلك رمز الانبتات والضياع .

أما التجربة الثانية فكانت ايجابية اجمالا .. لأن صاحبها ، وهو الراوي ، لم ينسق مع تيار الحضارة الغربية ، وقد جعل بينه وبينها مسافة امكنته من التبصر وساعدته على الاحتفاظ - الى حد ما - بتوازنه . والفضل فى ذلك

الى ما رزقه من أصالة واعية أفاد منها تجذرا فى تربته وتعاطفا مع أهله ، وعشيرته ، ومناعة ازاء تحديات الحضارة الدخيلة .

على أن التجاوب بين الراوى وعشيرته لم يدم طويلا ، وسرعان ما تشوش واختل عند الاحتكاك بالواقع الاجتماعى والسياسى ، وما فى المجتمع من مظاهر التخلف المربع ، الباعث على التشاؤم واليأس لولا عمق الروابط التى تشد البطل الى بيئته .

مقومات الأصالة :

من أهم مقومات الأصالة التى تطالعنا بها (( موسم الهجرة الى الشمال )) التعلق الشديد بالأهل والعشيرة والقرية والوطن ، يقوى ويحتد حتى يبلغ احيانا درجة العشق والهيام . وهذه العلاقة تتجاوز التلقائية والعاطفة العفوية إلى مستوى الوعى البصير والارادة الفعالة (1) انها المحبة اليقظى ، المتصلة الجيشان ، الدائمة الانبعاث .. لهبا مقدسا يتعهد أبدا بالوقود .

وقد وفق الكاتب الى التعبير عن هذه العاطفة العارمة المتوهجة صدقا وحماسا ، فى بساطة حلوة وعفوية سلسلة رائعة لا أثر فيها لأى مبالغة أو تزيد أو تفخيم وتهويل .

قال الراوى : (( عدت الى أهلى يا سادتى بعد غيبة طويلة سبعة أعوام على وجه التحديد ، كنت خلالها أتعلم فى اوربا . تعلمت الكثير ، وغاب عنى الكثير ، لكن تلك قصة أخرى . المهم اننى عدت وبى شوق عظيم الى أهلى فى تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل . سبعة أعوام وأنا أحن اليهم وأحلم بهم ، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة أن وجدتنى حقيقة قائما بينهم ، فرحوا بى وضجوا حولى ، ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجا

يذوب فى دخيلتى ، فكأننى مقرور طلعت عليه الشمس . ذاك دفء الحياة فى العشيرة فقدته زمانا فى بلاد (( تموت من البرد حيتانها )) . تعودت أذناى أصواتهم ، وألفت عيناى أشكالهم من كثرة ما فكرت فيهم فى الغيبة .. قام بينى وبينهم شئ مثل الضباب أول وهلة رأيتهم ، لكن الضباب راح .. (2) .

وهذه فقرة فى نفس المعنى أروع بيانا ، ازدوج الخيال والموسيقى فيها حتى كأنها قصيد من النثر . وقد ساعد الاسلوب على خلق هذا الجو الشعرى بما فيه من بلاغه الفصل ، وجاءت الجمل القصيرة الخفيفة أصدق تعبير عن حالة (( الحالم اليقظان )) تتداعى الصور فى ذهنه وتتعاقب عفوا لاستغراقه فى نشوة الذكرى ، شأن العاشق اتحد بصورة محبوبه قد هام فى محاسنه وجدا وهذيانا .

(( ... لقد عشت أيضا معهم (أى الانكليز) ولكننى عشت معهم على السطح لا أحبهم ولا أكرههم . كنت أطوى ضلوعى على هذه القرية الصغيرة ، أراها بعين خيالى أينما التفت . أحيانا فى أشهر الصيف فى لندن ، اثر هطلة مطر ، كنت أشم رائحتها . فى لحظات خاطفة قبيل مغيب الشمس ، كنب أراها . فى اخريات الليل ، كانت الأصوات الأجنبية تصل الى أذنى كأنها أصوات أهلى هنا . أنا ، لا بد ، من هذه الطيور التى لا تعيش الا فى بقعة واحدة من العالم .. )) (3) .

وقد يتسامى هذا الشعور فاذا هو ضرب من الاجلال والتقديس ، واذا هو أشبه ما يكون بالنشوة الصوفية عمقا وصفاء .. لطافة وسموا ؛ ويتجلى ذلك فى موقف الراوى من جده ، يعانقه فتمتلىء نفسه خشوعا واكبارا .. رقة وحنانا ، كانه بحضرة قديس لطفت البشاشة من مهابته ، ويستشعر سعادة غريبة كما لو اتصلت الروح بالروح ، وانكشف له سر الحياة والبقاء ، واتحد بالكون أجمع تجاوبا وانسجاما ، ولا بدع فالجد هنا رمز للأصالة الحية الصامدة المتحدية لعوادى الدهر .

(( .. وتمهلت عند باب الغرفة وأنا أستمرىء ذلك الاحساس العذب الذى يسبق لحظه لقائى مع جدى كلما عدت من السفر . احساس صاف بالعجب

من أن ذلك الكيان العتيق ما يزال موجودا أصلا على ظاهر الأرض . وحين اعانقه استنشق رائحته الفريدة التى هى خليط من رائحة الضريح الكبير فى المقبرة ورائحة الطفل الرضيع . وذلك الصوت النحيل المطمئن يقوم جسرا بينى وبين الساعة القلقة التى لم تتشكل بعد والساعات التى استوعبت احداثها ومضت ، وأصبحت لبنات فى صرح له مدلولات وأبعاد نحن بمقاييس العالم الصناعى الاوربى فلاحون فقراء ، ولكننى حين أعانق جدى احس بالغنى ، كأننى نغمة من دقات قلب الكون نفسه . انه (أى الجد) ليس شجرة سنديان شامخة وارفة الفروع فى أرض منت عليها الطبيعة بالماء والخصب ، ولكنه كشجيرات السيال فى صحارى السودان ، سميكة اللحاء حادة الاشواك ، تقهر الموت لانها لا تسرف فى الحياة . وهذا وجه العجب . انه عاش أصلا - رغم الطاعون والمجاعات والحروب وفساد الحكام .. )) (4)

جوهر الاصالة الشرقية اذن ، كما يتراءى لنا من هذه الفقرة ، وسر بقائها وتطاولها على الموت والفناء يتمثل فى اقتصادها فى لذائذ الحس وترجيحها جانب الروح على جانب المادة .

ومن اهم اركان الاصالة ايضا فى الرواية التعلق بالارض وحب الطبيعة ، وقد أبدع الكاتب فى وصف حبه لارضه واعجابه الشغوف بالطبيعة ، مترجم عن دقة احساسه وعمق خبرته بخصائص طبيعة بلده وقوة انفعاله بجمالها فى أسلوب يفيض شاعرية .

ومما يلفت النظر أن الكاتب لم يصف الطبيعة لذاتها ، كما لو كانت شيئا منقطعا عن حياة البشر .. اطارا جميلا .. لوحة فى متحف أو صورة فى كتاب لم يكن موقفه من الطبيعة موقفا رومنتيكيا بحتا ، لقد كان يجد فى الطبيعة وفتنتها ما يؤكد علاقته ببيئته الاجتماعية ، ويزيده تأصلا فيها ، وانسجاما معها ، ومن ثم إحساسا بالمسؤولية ازاءها ، وشعورا بأهميته وقدرته على العطاء . فهو مرتبط بالغير ، متصل بالجماعة ينجذب اليها ويتعاطف معها لا ينى يحاورها ويناجيها فى اخص احواله .. حتى فى حال التأمل ولحظات الانفعال الفنى .

ذلك أن الطبيعة ، فى مثل هذا المجتمع الزراعى الذى لم تمسخ الحضارة

الغربية قيمه ، جزء عضوى من كيان الشعب الحسى والروحى ، فهما - أعنى الطبيعة والشعب - يؤلفان وحدة صميمة لا انفصام بين عناصرها .

ثم ان الكاتب قد أدمج لوحات الطبيعة ( وهى كثيرة متناثرة فى تضاعيف الرواية ) فى صميم حركة القصة ونسقها الدرامى ، جزءا لا يتجزأ منها ، وقليل من القصاصين ، حتى العظماء منهم ، من يحسن هذا الفن ، اعنى ادراج الوصف فى الحركة بحيث يكون من حوافزها ، وباعثا من بواعث الحياة والايحاء ، وليس عنصرا على حدة .. شيئا زائدا ملفقا .. بهرجا لا يمت الى جوهر العمل الروائى بصلة . وفى ذلك مصداق ما ذهبنا اليه من القول بمكانة الطبيعة وعظم تاثيرها فى نفس الراوى ونوعية نظرته اليها . فالطبيعة كما قلنا ليست اطارا جامدا ، وانما هى عامل له دور هام فى مجرى القصة حتى لا تكاد تعد فى جملة أبطالها .

(( ... وانظر الى النهر بدأ ماؤه يربد بالطمى - لا بد أن المطر هطل فى هضاب الحبشة - والى الرجال قاماتهم متكئة على المحاريث ، أو منحنية على المعاول . وتمتلئ عيناى بالحقول المنبسطة كراحة اليد الى طرف الصحراء حيث تقوم البيوت . أسمع طائرا يغرد ، أو كلبا ينبح ، أو صوت فأس فى الحطب وأحس بالاستقرار أحس أننى مهم ، وأننى مستمر ، ومتكامل . (( لا .. لست انا الحجر يلقى فى الماء ، لكننى البذرة تبذر فى الحقل )) (5) .

ومن دعائم الاصالة عادات القوم وتقاليدهم ، طريقتهم فى العيش ومذهبهم فى الحياة ، من ذلك اسلوبهم فى السكن والمعمار ، واللباس والطعام والحديث والتفكير . وقد رسم الكاتب أطرافا منها - حتى الجانب المحرج من هذه الحياة واعنى به الجنس - فى شغف بالغ وفى كثير من العطف .

(( .. وقفت عند باب دار جدى فى الصباح ، باب ضخم عتيق من خشب الحراز لا شك انه استوعب حطب شجرة كاملة ، صنعه ود البصير ، مهندس القرية الذى لم يتعلم النجارة فى مدرسة كما كان يصنع عجلات السواقى وحلقاتها ... هذه الدار الكبيرة ليست من الحجر ولا الطوب الأحمر ، ولكنها من الطين نفسه الذى يزرع فيه القمح ، قائمة على أطراف الحقل تماما ، تكون امتدادا له . وهذا واضح من شجيرات الطلح والسنط النامية

فى فناء الدار والنباتات التى نمت فى الحيطان نفسها حيث تسرب اليها الماء من الأرض المزروعة . ودخلت من باب الحوش ، ونظرت الى اليسار واليمين فى الفناء الواسع . هنالك تمر نشر على بروش ليجف . وهنالك بصل وشطة . وهنالك أكياس قمح وفول وبعضها خيطت أفواهه وبعضها مفتوح . وفى ركن عنز تأكل شعيرا وترضع مولودا . هذه الدار مصيرها مرتبط بمصير الحقل ، إذا أخضر الحقل اخضرت ، وحين يجتاح القحط الحقول : يجتاحها هي أيضا . وأشم تلك الرائحة التى يمتاز بها بيت جدى ، خليط من روائح متناثرة رائحة البصل والشطة والتمر والقمح والفول واللوبياء والحلبة ، أضف اليها رائحة البخور الذى يعتق دائما فى مجمر الفخار الكبير . رائحة تذكرنى بتقشف جدى فى العيش ، وترفه فى لوازم صلاته ...)) (6) .

ومن أهم مقومات الأصالة وأبعدها أثرا فى حياة القرية وفى نفس الراوى الدين . وموقف الراوى منه موقف غريب ينم عن بالغ العطف والتقدير والاكبار والاجلال ، مع أنه ليس ثمة ما يوجب القول بأن الراوى من المتدينين ، وما يدعو الى الجزم بأصالة ايمانه وصحته .

فكيف تأتى له التوفيق بين موقفه هذا من الدين وبين ثقافته الاروبية القوية المستحكمة ؟ .

السر ، فى نظرنا ، يكمن فى شخصية الجد تلك الشخصية القوية الاشعاع المهيمنة على أهل القرية جميعا حتى المثقفين منهم ( حتى مصطفى سعيد المثقف المسخ لم يكن بمعزل عن تأثير هذه الشخصية على الرغم من انبتاته واغترابه فالراوى على يقين من أن هذه الشخصية تستمد أعظم قوتها ، وسر اشعاعها وصمودها من الدين .

فشخصية الجد ، وهى كما قلنا آنفا ، شخصية رمزية تستعير من سحر الرمز وقوة ابداعه جاذبيتها وثراء دلالاتها وتعدد أبعادها ... هذه الشخصية هى البرهان الحى المحسوس على أن القوة الحق هى قوة الروح ، وما من قوة تستطيع الوقوف ازاءها أو تحديها .

وتتمثل براعة الطيب صالح الفنية فى تشخيصه لتلك الحقيقة المأثورة وتأكيدها ، وهى أن قوة المبادئ وحيويتها رهن القائمين عليها المتقمصين لها .

وقد وفق الكاتب أبعد التوفيق حينما سلك مسلك الرمز والايحاء لا الوصف والشرح ، فى تصويره لهذه المقومات جميعا ، مجسما اياها فى أشخاص أحياء مما أفادها أبلغ التأثير وغاية الاقناع .

(( ... ووصلت عند بيت جدى فسمعته يتلو أوراده استعدادا لصلاة الصبح ألا ينام أبدا ؟ صوت جدى يصلى كان آخر صوت أسمعه قبل أن أنام ، وأول صوت اسمعه حين استيقظ . وهو على هذه الحال لا أدرى كم من السنين كأنه شئ ثابت وسط عالم متحرك . وأحسست فجأة بروحى تنتعش كما يحدث أحيانا اثر ارهاق طويل ، وصفا ذهنى ، وتبخرت الافكار السوداء التى أثارها حديث مصطفى سعيد . البلد الآن ليس معلقا بين السماء والارض ولكنه ثابت ، البيوت ثابتة ، والشجر شجر ، والسماء صافية ولكنها بعيدة . هل كان من المحتمل أن يحدث لى ما حدث لمصطفى سعيد ؟ قال : انه أكذوبة . فهل أنا أيضا أكذوبة ؟ اننى من هنا . أليست هذه حقيقة كافية ؟ ... )) (7) .

دور الأصالة :

وللأصالة دور ذو أهمية حيوية قصوى اذ هى تشمل جميع جوانب شخصية الفرد والمجتمع ، ويتمثل هذا الدور فى خصائص منها : 1 - تغذية الشخصية وتنميتها والمساعدة على بنائها بناء يتسم  بالاعتدال ، ويقوم على التوازن بين مختلف وجوه هذه الشخصية وملكاتها من عقل وارادة وعاطفة وخيال ، مما يجعلها فى مأمن من التطرف السلبى والانحراف الهدام .

فمما لا شك فيه أن الحضارة الغربية بافراطها فى تزكية العقل وتعظيمه ، واعتمادها الكلى عليه قد ادخلت الضيم على شخصية أبنائها والمنتمين اليها بالتبعية الدائرين فى فلكها ، فتشوشت عقلية القوم وانعدم التوازن الضرورى لسلامة الحياة واستقامتها ، فكان من ذلك طغيان النزعة الفردية فالقطيعة بين أفراد البيئة الواحدة والشعور بالغربة والانفصال ، وفقدان الانسجام بين الانسان وبين بيئته الطبيعية والكون أجمع .

يقول مصطفى سعيد ، وشخصيته ، مجرد افراز للحضارة الغربية نتاج خالص لها ، وان كان صورة مضخمة محرفة عن الأصل حتى كأنها صورة مسخ ( والداعى الى هذه المبالغة الفنية الحرص على تحميل الصورة دلالة رمزية واعطاء الشخصية بعدا نموذجيا ) يقول : (( ... كل سلاحى هذه المدية الحاد فى جمجمتى ( يعني عقله ) ، وفى صدرى احساس بارد جامد ، كأن جوف صدرى مصبوب بالصخر ... )) (8) . (( ... وتضحك مسز روبنسن وتقول لى : ألا تستطيع أن تنسى عقلك أبدا )) . (9)

(( ... اننا نعجب كيف أن رجلا (أى مصطفى سعيد) ذكيا كهذا هو فى الحقيقة فى غاية الغباء . انه منح قدرا عظيما من الذكاء ولكنه حرم الحكمة . انه أحمق ذكى . هذا ما قاله القاضى فى (( الأولد بيلى )) قبل أن يصدر الحكم . )) . (10)

ويقول مصطفى سعيد معبرا فى مرارة عن شعوره بالغربة فى بيئته الأم ، وعجزه عن التألقم فيها ، وشوقه الجامح الى الرحيل عنها ، لما يعانيه من تمزق الذات وذبذبتها من أثر طغيان الثقافة الاروبية عليه ، وقوة سيطرتها على شخصيته ومدى تحكمها فيها :

(( ... لا جدوى من خداع النفس . ذلك النداء البعيد لا يزال يتردد فى أذنى . وقد ظننت أن حياتى وزواجى هنا سيسكتانه . ولكن لعلى خلقت هكذا ، أو أن مصيرى هكذا ، مهما يكن معنى ذلك ، لا أدرى . اننى أعرف بعقلى ما يجب فعله ، الأمر الذى جربته فى هذه القرية مع هؤلاء القوم السعداء .. ولكن أشياء مبهمة فى روحى وفى دمى تدفعنى الى مناطق بعيدة تتراءى لى ولا يمكن تجاهلها . واحسرتى اذا نشأ ولداى ، أحدهما أو كلاهما ، وفيهما جرثومة هذه العدوى ، عدوى الرحيل )) . (11)

وعلى العكس من ذلك ما تعقده الأصالة الشرقية الحق من لحمة وتجاوب بين أبناء المجتمع ، ومن تعاطف وانسجام بين المرء ومحيطه الأوسع ، فاذا هو - كما يقول الطيب صالح على لسان الراوى فى عبارة فريدة مبدعة - كأنه (( نغمة من دقات قلب الكون نفسه )) (12) .

مظهر آخر من مظاهر استفحال النزعة العقلية فى بلاد الغرب تضاؤل الروح الدينى وما ترتب على ذلك من نزعة الى الشك والالحاد ، واستهانة بالقيم الخلقية ، والانسياق - تبعا لذلك - وراء متع الحس والتهالك على لذة الجنس ، سدا للفراغ وتعويضا عن الحرمان الروحى والغذاء العاطفى المفقود .

ومن مفارقات هذا الوضع التقاء العلم ، على عظمته ، بالانهيار الخلقى مما يحدث انقساما فادحا فى الشخصية أشبه بالانفصام .

يقول مصطفى سعيد : (( ... كنت أعيش مع نظريات كينز وتونى من (اكبر علماء الاقتصاد) بالنهار ، وبالليل أواصل الحرب (يعنى حرب الجنس) بالقوس والسيف والرمح والنشاب )) . (13) ويقول أيضا معبرا عن تمكن جنون الجنس من نفسه ، واستبداده بها :

(( ثلاثون عاما وأنا جزء من كل هذا ، أعيش فيه ، ولا احس جماله الحقيقى ، ولا يعنينى منه الا ما يملأ فراشى كل ليلة )) (14)

وهذا ما دعا مصطفى سعيد ، فى لحظة من لحظات الوعى والاستبصار واشراق الضمير الى أن يصرخ منددا بافلاسه الروحى ، مشهرا بزيف شخصيته .

(( ... ومرة خطر لى ... أن أقف وأصرخ فى المحكمة : (( هذا المصطفى سعيد لا وجود له . انه وهم ، اكذوبة . واننى أطلب منكم أن تحكموا بقتل الاكذوبة . (15)

2 - وللأصالة دور آخر ، فهى ، بفضل ادماجها الفرد فى بيئته ومحيطه الأوسع ، تكسب الشخصية عمقا واتساعا . خصبا وثراء ، فيحس الفرد الأصيل - ولا وجود حينئذ للفرد فى الحقيقة - بأنه شخصية لا حصر لها ولا حد ، وانه الجماعة كلها ، لالتحامه بها ، وتعاطفه الحميم معها ، باق على قيد الحياة لا انتهاء لوجوده ما بقيت الجماعة ؛ فتفيد حياته بانفتاحها على الآخرين وتضامنها الوثيق معهم ، وجهة وهدفا ، ويكون لوجوده مبرر ومعنى ، وقد أمن الدوران حول ذاته ، شأن من طغت عليه النزعة الفردية ، فاذا هو سجين نفسه عقما وخواء .

(( ... نظرت خلال النافذة الى النخلة القائمة فى فناء دارنا ، فعلمت أن الحياة لا تزال بخير . انظر الى جذعها القوى المعتدل ، والى عروقها الضاربة فى الأرض ، والى الجريد الاخضر المنهدل فوق هامتها فأحس بالطمأنينة . أحس أننى لست ريشة فى مهب الريح ، ولكنى مثل تلك النخلة، مخلوق له اصل ، له جذور ، له هدف )) (16) .

3 - ومن شأن هذا الانسان الأصيل المشبع بأرضه وتراثه أن يقوى على الأخذ والعطاء ، وأن يؤهل ، لما اكتسبه من غنى روحى وتميز فى الشخصية  وطرافة ، ومناعة خلقية تقيه الذوبان فى الغير ، وحرية فى التصرف ، وقدرة على توجيه شخصيته والتحكم فى مصيره ... أن يؤهل لان يكون طرفا كفئا ايجابيا فى الحوار على المستوى الحضارى .

(( ... لقد عشت أيضا معهم (الانكليز) ولكننى عشت معهم على السطح ، لا أحبهم ولا أكرههم . كنت أطوى ضلوعى على هذه القرية الصغيرة ، أراها بعين خيالى أينما التفت ... أنا لا بد من هذه الطيور التى لا تعيش الا فى بقعة واحدة من العالم . صحيح أننى درست الشعر ، بيد أن هذا لا يعنى شيئا كان من الممكن أن أدرس الهندسة أو الزراعة أو الطب . كلها وسائل لكسب لعيش . الوجوه هناك ، كنت اتخيلها قمحية أو سوداء ، فتبدو وجوها لقوم أعرفهم . هناك مثل هنا ، ليس احسن ولا أسوأ . ولكنى من هنا ، كما أن النخلة القائمة فى فناء دارنا ، نبتت فى دارنا ولم تنبت فى دار غيرها . وكونهم جاءوا الى ديارنا ... هل معنى ذلك أننا نسمم حاضرنا ومستقبلنا . انهم سيخرجون من بلادنا ان عاجلا او آجلا ، كما خرج قوم كثيرون عبر التاريخ من بلاد كثيرة . سكك الحديد ، والبواخر ، والمستشفيات والمصانع ، والمدارس ، ستكون لنا ، وسنتحدث لغتهم ، دون احساس بالذنب أو احساس بالجميل . سنكون كما نحن ، قوما عاديين ، واذا كنا أكاذيب فنحن أكاذيب من صنع أنفسنا)) (17) .                                                              (للبحث صلة)

اشترك في نشرتنا البريدية