على ان الأصالة ، مهما عظم دورها فى حياة الفرد والجماعة ، مقضي عليها بالعجز والعقم ما لم تتطور ولم تتجدد ، فلا بد من التنازل عن بعض ذاتها تمحيصا لها وابقاء على جوهرها وصيانة لها من الشوائب والآفات ؛ بل عليها أن تقدم على هذه العملية القاسية تجربها على نفسها ، دون خور ولا تردد ، تقتطع بها مواطن السقم والفساد ، لقاء عافية الجسد أجمع .
ولن يتسنى للأصالة أن تقوم بهذا الدور الثورى الذى من شأنه أن يحدث انقلابا فى كيانها إلا بأن تطعم وتزدوج بضدها ، أى الانفتاح الواسع الحر على حياة للعصر فى محيطه الأرحب ، والاستجابة الناقدة المستبصرة لأهم متطلباته وأوكدها ، تلك التى يتمثل فيها روح الابداع والتجديد .
وينبغى الاشارة إلى أن المعاصرة التى نعنيها ليست شيئا قائما بنفسه ، محدودا بذاته ، منفصلا منقطعا عن غيره ، بل هى نزعة متصلة اتصالا وثيقا مطردا بالأصالة اذ هى تنبنى عليها ، وتنطلق منها ، ولا تنفك ، وإن تجاوزتها ، تنظر اليها وتقيم لها وزنا باعتبارها مقياسا - أحد المقياسين ( أو القطبين ) فى الحقيقة - لكل ما يعرض لها من آراء ومواقف وتصرفات .
فالمعاصرة الحق معايشة حميمة للعصر وتلبية لمقتضياته ، ولكنها ليست ذوبانا فيه ؛ ذلك لأنها نزعة انتقائية ، حركة تشرف على العصر شمولا
وتتخطاه مستشرفة غيره ، ولأنها بوسعها أن تهضمه هضما وتتمثل أحسن ما فيه .
لقد سبق أن قلنا إن بين المعاصرة بهذا المفهوم وبين الأصالة علاقة جدلية ، ويتجلى هذا الصراع الجدلى كأبرز وأقوى ما يكون فيما امتازت به المعاصرة من خواص ومقومات :
1) الرغبة الشديدة العارمة فى التغيير والاصلاح :
مع الايمان الجازم بضرورة التغيير وإمكانه وعظم جدواه ، لا حبا للتغيير فى ذاته وولعا بالهدم اعتباطا .. تصرفا مجانا نزقا طفوليا ، بل لان التغيير والاصلاح يكسبان الحياة معنى وقيمة ، ويضفيان عليها رونقا وبهاء ، بحيث لا طعم ولا مبرر لها دونهما .
يقول الراوي : (( كنت أفكر ، وأنا أرى الشاطئ يضيق فى مكان ، ويتسع فى مكان ، أن ذلك شأن الحياة ، تعطى بيد وتأخذ باليد الاخرى . لكن لعلنى أدركت ذلك فيما بعد . أنا الآن ، على أية حال ، أدرك هذه الحكمة ، ولكن بذهنى فقط ، إذ ان عضلاتى تحت جلدى مرنة مطواعة وقلب متفائل . إننى أريد أن آخذ حقى من الحياة عنوة ... ثمة آفاق كبيرة لا بد ان تزار ، وثمة ثمار يجب ان تقطف ... وصفحات بيضاء فى سجل العمر سأكتب فيها جملا واضحة بخط جرئ )) (1) .
وقد يحتد ويتعاظم هذا الحماس الجامح والتحفز الجياش للفعل والعطاء ، فاذا هما يتخذان شكل التحدى للكون أجمع ... إرادة السيطرة عليه وإخضاعه لمشيئة الانسان .. اثباتا للذات وإرغاما للمستحيل على الامكان .
(( فى ليلة مثل هذه تحس أنك تستطيع أن ترقى الى السماء على سلم من الحبال . هذه أرض الشعر والممكن . سنهدم وسنبنى وسنخضع الشمس ذاتها لارادتنا ونهزم الفقر بأى وسيلة ... )) (2) .
2) الوعي :
وهناك خاصية ثانية مرتبطة بالاولى لا تكاد تفارقها وهى الوعي ، فلا رغبة فى الاصلاح ما لم يكن هناك وعي بوجوبه ، ولا معنى للوعي ولا جدوى منه ما لم يكن مقترنا بالرغبة الصادقة فى التجديد .
وبديهي أن الوعي ليس صفة مخصوصة بالمعاصرة وحدها ، ولا وقفا عليها ، ولكن الوعي على مستوى المعاصرة الحق يمتاز بخصلة لا تتوفر فى الأصالة الصرف ( جد الراوي ) ولا فى المعاصرة للزائفة البتراء ( مصطفى سعيد ) ، وهى ميزة :
أ ) النقد الذاتى :
وما يقترن به من صفاء الذهن ، وقوة الاستبصار ، وسعة أفق الفكر ، ودقة الملاحظة ، وعمق التحليل واستقصائه ، وصرامة المحاسبة والتقييم ، واعتماد الشك والتساؤل والبحث والتحري طريقا فى مجال بلورة الذات وتحقيقها ، وفى مجال الاصلاح السياسى والاجتماعى معا .
قال الراوي : (( وآثرت أن لا أقول بقية ما خطر على بالى : مثلنا ( أى الأوربيون ) تماما . يولدون ، ويموتون وفى الرحلة من المهد إلى اللحد يحلمون أحلاما بعضها يصدق وبعضها يخيب ...، لم أقل لمحجوب هذا ، وليتنى قلت ، فقد كان ذكيا . خفت ، من غرورى ، ألا يفهم (3) )) (3) .
(( فقال ( مصطفى سعيد مخاطبا الراوي ) : (( سمعت كثيرا عنك من أهلك وأصدقائك )) - لا غرو ، فقد كنت أعد نفسى زينة الشبان فى البلد )) (4) .
(( العفو )) - هكذا قلت ، ولكننى ، والحق يقال ، كنت تلك الايام مزهوا بنفسى ، حسن الظن بها )) (5) .
(( وقال محجوب : (( لماذا صمت كأنك أبكم ؟ لماذا لا تقول شيئا ؟ )) . قلت له : (( الموظفون أمثالى لا يستطيعون أن يغيروا شيئا اذا قال سادتنا : افعلوا كذا ، فعلنا . انت رئيس الحزب الوطنى الاشتراكى الديمقراطى هنا . إنه الحزب الحاكم . لماذا لا تصب غضبك عليهم ( أى الوزراء ) ؟ )) (6) .
(( كنا أحيانا نتذاكر أيام طفولتنا فى القرية فيقول لى : (( لكن انظر أين أنت الآن وأين أنا ، أنت صرت موظفا كبيرا فى الحكومة وأنا مزارع فى هذه البلدة المقطوعة )) ، وأقول له باعجاب حقيقى : (( أنت الذى نجحت لا أنا ، لأنك تؤثر على الحياة الحقيقية فى القطر . أما نحن فموظفون لا نقدم ولا نؤخر ... )) (7) .
وقد يشتد هذا الوعي بالذات - سعيا الى استكشاف الهوية الحق - فيصبح إعادة نظر جذرية لجميع ما يصدر عن المرء من ردود فعل ومواقف وآراء ، لا يني يضع ذاته على محك النقد ، حتى كأنها أبدا فى موضع اتهام ، وحتى يبلغ هذا الوعي مبلغ الوسواس حدة وتسلطا واستمرارا .
يقول الراوي واصفا حيرته وقلقه الشديد من اثر الصدمة العنيفة التى أحدثتها فى نفسه قصة مصطفى سعيد : (( ... هل كان من المحتمل أن يحدث لى ما حدث لمصطفى سعيد ؟ قال : إنه أكذوبة ؟ فهل أنا ايضا أكذوبة ؟ إننى من هنا أليست هذه حقيقة كافية ؟.. )) (8) .
ولكنه لا يلبث أن يتمالك نفسه ، ويستعيد زمامها ، ويقنعها بما لا سبيل البتة الى إنكاره : تجذره فى أرضه ، وارتباطه المكين بأصالته ، وقدرته ، بفضل ذلك على مواجهة الهواجس والشكوك التى تدفع الى اليأس والكفر بذاتيته ، وعلى الوقوف موقف الند إزاء تحديات الحضارة الغربية .
وقد يتجلى هذا الوعي المركز المعمق خاصة فى موقف الراوي - خلال الرواية كلها أو معظمها - من شخصية مصطفى سعيد ( وهو ، كما قلنا ، صورة رمز ، وإن محرفة مشوهة للحضارة الغربية ) لا يفتأ يتحسسها ، ويتطلع الى معرفة
حقيقتها ، ولا يزال يضعها على ميزان النقد والتجريح ، ويقيس نفسه اليها ، منجذبا اليها كالمسحور تارة ، مقاوما اياها نافرا منها تارة اخرى ، فى حركة مد وجزر وفى صراع معها لا ينتهى ، وحتى يصبح طيف مصطفى سعيد شغله الشاغل وكالهوس المستحوذ على فكره وضميره ، شبحا مخيفا يلاحقه مضايقة وإزعاجا لأنه رمز الفشل والاخفاق .. فشل المثقف وإخفاقه فى الاضطلاع بالمهمة الحضارية المنوطة بعهدته .
(( مات مصطفى سعيد منذ عامين ولكننى ما أفتأ أقابله من حين لآخر ، لقد عشت خمسة وعشرين عاما ، وأنا لم أسمع به ولم أره . ثم ، هكذا فجأة أجده فى مكان لا يوجد فيه أمثاله . واذا بمصطفى سعيد ، رغم إرادتى ، جزء من عالمى ، فكرة فى ذهنى ، طيف لا يريد أن يمضى في حال سبيله . واذا احساس بعيد بالخوف بأنه من الجائز ألا تكون البساطة هى كل شئ )) (9) .
(( ... وفى الخرطوم أيضا ، عرض لى طيف مصطفى سعيد ، بعد محادثتى مع المأمور المتقاعد بأقل من شهر ، كأنه جن أطلق من سجنه ، سيظل بعد ذلك يوسوس فى آذان البشر ، ليقول ماذا ؟ لا أدرى )) (10) .
(( ... الفكرة تبدو شاذة فعلا ، كما أن حياة مصطفى سعيد وموته فى مكان مثل هذا يبدو شيئا صعبا تصديقه ، مصطفى سعيد كان يحضر الصلوات فى المسجد بانتظام ، لماذا كان يبالغ فى تمثيل ذلك الدور المضحك ؟ هل جاء الى هذه القرية النائية يطلب راحة البال ؟ لعل الاجابة فى تلك الغرفة المستطيلة ذات النوافذ الخضراء )) (11) .
وهذا النفور والضيق والانزعاج هو فى الحقيقة تعبير عن احتياط الراوي وخوفه على ذاتيته من عدوى الحضارة الغربية .. الخوف ( ولكنه ليس خوف الجبان المستخدم ولا القاعد الخامل ) من أن يكون قد أصابه ( أو أن يصيبه ) شئ من سحر تلك الحضارة .. ذلك السحر القاهر ، جرثومة تسمم الكيان كالداء المزمن ، الذى أفشل تجربة مصطفى سعيد فى القرية الصغيرة بالريف السودان ، بعد أن كان كل شىء ينبئ بنجاح هذه التجربة ، وقد تبدل
مصطفى سعيد شخصا غير الذي كان ، واستطاع أخيرا أن يستأنف حياة جديدة ويصوغ ، بعد التشرد والافلاس والضياع مصيرا ثانيا ، وبدا كانه تجذر فى تربة بلده ، وانسجم خير انسجام مع بيئته الريفية . لقد كون أسرة ، وأنجب أولادا ، وأصبح له ، عن جدارة ، سمعة طيبة ومكانة عالية فى البلد بفضل ذكائه وجده ونشاطه ونزاهته ومهاراته فى تدبير الشؤون الاقتصادية فى القرية ، ومع ذلك فهو لم يستطع أن يصم اذنيه عن النداء الحافز للرحيل ، ولم يتمالك عن الاستجابة قسرا اليه ، فانسحب من ساحة الواجب والشرف والمروءة ، وقد اخفقت جهوده فى التخلص من براثن الشعور بالاغتراب والانبتات ، وفي مقاومة جاذبية الغرب وإغرائه .
". . . لا جدوى من خداع النفس ، ذلك النداء البعيد لا يزال يتردد فى أذني ، وقد ظننت أن حياتي وزواجي هنا سيسكتانه .. لكن أشياء مبهمة فى روحي وفي دمى تدفعني إلى مناطق بعيدة تتراءى لى ولا يمكن تجاهلها . . . " ( 12 ).
ويعلق الراوي في سخرية لا تخلو من لذع ، على قرار الرحيل الذى ختم به مصطفى سعيد وصيته : " إذا كان مصطفى سعيد قد اختار هذه النهاية ، فانه يكون قد قام بأعظم عمل ميلودرامي في رواية حياته . . . " (13) .
وما مصطفى سعيد فى الحقيقة ( وهنا عبقرية الطيب صالح الروائية المتمثلة فى تجسيده للافكار والرموز شخصيات حية من لحم ودم أو بالاحرى ، فى تحميله شخصياته النابضة بالحياة ابعادا ودلالات رمزية ) إلا الوجه الآخر لشخصية الراوي - أحد وجوهه الثلاثة على الأصح - كالوحش القابع فى أعماقه ، المترصد المتحفز للبطش والفتك ، أعني العنصر الاجنبى الدخيل الذي بدأ يفرض نفسه ، ويلح فى إثبات وجوده ، وإملاء مطامحه وميوله ، ويشرع فى " الشغب " بعد الفترة التى قضاها الراوي في صفاء وانسجام ومسالمة ووئام مع البيئة الأم ، يقابله العنصر الاصيل وهو شخصية الجد ، يتردد الراوي موزعا مقسما بينهما ، رافضا إياهما رفض الحياة والفكر النير البصير لكل تطرف وتعصب ، جاهدا في تأليف ما لا يكاد يتفق ، لا يقر له قرار حتى يصب ويصهر الثلاثة فى واحد ، حتى يبتلع الثالوث ويتقمصه فى شخصه الواحد .
ويبلغ هذا الوعى المرهف عند الراوي من القسوة إزاء الذات حد السخط والنقمة والتجنى والتحامل عليها .
" ... وتركته وذهبت ، وإن كنت قد أيقنت من حقيقة ستأخذ كثيرا من راحة بالى فيما بعد . إنني بشكل أو بآخر ، أحب حسنة بنت محمود ، أرملة مصطفى سعيد . أنا مثله ، ومثل ود الريس وملايين آخرين ، لست معصوما من جرثومة العدوى التى يتنزى بها الكون " (14) .
وطبيعي أن يؤول مثل هذا الوعي الحاد الصارم الى الرفض ثم التحدى والتمرد والقطيعة ، وذلك يتجلى فى موقفه ( أى الراوي ) من الواقع السياسي، وبخاصة ، من الوضع الاجتماعى فى بلاده .
ب ) النقد السياسي ( الوعى الرفض ) :
لقد اختصت رواية " موسم الهجرة الى الشمال " دون سواها من الروايات والقصص السابقة لها المشتركة فى نفس الموضوع (15) ( أعني قضيه الاصالة والمعاصرة ) بميزة هامة جدا هى سر أو بعض من سر تفوقها عليها جميعا . وتتمثل هذه الميزة التى عمقت صلتها بالواقع وأثرتها إثراء ، شكلا ومضمونا ، وأكسبتها بعدا انسانيا رائعا فريدا ، تتمثل فى تجاوزها نطاق الفرد والمستوى النفسانى ( والأخلاقي ) للصرف الى دنيا المجتمع الزاخر بالمطامح والاهواء ، وألوان الصدام والصراع التى تشمل الناس جميعا ولا يكاد يمتنع منها أحد ، متصدية لأخطر مشكلاته، مشهرة بأفدح عيوبه ، ومعرضة ، فى الآن نفسه ، عن التحليق في اجواء التفكير المجرد والتأمل الفلسفي المطلق فى الانسان والحضارة .
ذلك ان المعاصرة ، فى جوهرها وحقيقتها ، تفتح وإشعاع ، وهي لذلك لا تتحقق ولا تكتمل الا بأن ترتبط ارتباطا وثيقا بالجماعة وتتفاعل معها ، تؤثر فيها وتتأثر بها .
لقد وفق الراوي الى تصوير بل تمثيل الحالة السياسية فى بلاده فى صفحات معدودة ، قوية الايحاء ، مشحونة بالدلالات والاشارات ، تصويرا غاية فى التركيز والايجاز ، وهو لذلك مثال موفق لازدواج النقد - اجتماعيا كان أو سياسيا - بالنسق القصصى دون اخلال بالطابع الدرامي للرواية ، ففضح فساد سياسة الحكام ، آخذا عليهم التقصير والترف والدجل ، فالسلطة
بدلا من أن تكون أداة لتحقيق حياة أفضل لمواطنيهم .. السلطة عندهم غاية في ذاتها ، أو هي وسيلة للأثراء والمتعة بفضل استغلال بني قومهم استغلالا فاحشا ، ولا سيما أهل الريف .. ذلك الريف المهمل المنسى الملغي من حساب الساسة ، لا يكاد يذكر أو يحفل به الا فى الحملات الانتخابية ، فيتملق وتبتز بالدجل والمكر أصوات أهله بعد أن يخدروا بالوععود الجوفاء ؛ يضحك عليهم ، وبفضلهم يترقى الى السلطة وتقوم الحكومات (16) ، ويبقى الريف على حاله أو شبه حاله ، وقد حشرت الطاقات فى العاصمة ، وغيرها من المدن ، كما لو كان أهل الريف مواطنين من درجة ثانية .
قال محجوب منددا بسياسة التبذير الخرقاء التى دعت الحكومة الى إقامة مؤتمر لتدارس توحيد أساليب التعليم في القارة الافريقية كلها ، وقد كلفتها قاعة المؤتمر مليون جنيه ، ومنددا ، فى آن ، بتخليهم عن القيام بالمهام الحيوية العاجلة ، والمصالح الضرورية الاكيدة . لقد عكسوا نسق الاولويات وانشغلوا بالبهرج والفضول عن جوهرى الامور .
" فليبنوا المدارس أولا ثم يناقشوا توحيد التعليم . كيف يفكر هؤلاء الناس ؟ يضيعون الوقت فى المؤتمرات والكلام الفارغ ونحن هنا أولانا بسافرون كذا ميلا للمدرسة . ألسنا بشرا ؟ أليس ندفع الضرائب ؟ أليس لنا حق فى هذا البلد ؟ كل شئ فى الخرطوم ، ميزانية الدولة كلها تصرف فى الخرطوم . مستشفى واحد فى مروى نسافر له ثلاثة أيام ، والنساء يمتن أثناء الوضع . لا توجد داية (17) واحدة متعلمة فى هذا البلد . وأنت ماذا تصنع فى الخرطوم ؟ ما الفائدة أن يكون لنا ابن فى الحكومة ولا يفعل شيئا " (18) .
ويتمثل دجل هؤلاء الساسة ، وما يمارسونه من غش وخداع فى كونهم يقولون ما لا يفعلون ، تبلغ وقاحة الضمير عندهم الى حد إيهام الشعب بعكس حقيقتهم ، وخلاف واقع سياستهم وسيرتهم يحثون مواطنيهم على الاقتصاد والتقشف ، تحذيرا من انبعاث طبقه برجوازية تحل محل الاستعمار وتكون أشد خطرا منه ، فى حين ان هذه الطبقة البرجوازية موجودة بالفعل قد تكونت بعد ، هم وأمثالهم ونظراؤهم من الوزراء وكبار المسؤولين والموظفين كل هؤلاء دعائم هذه الطبقة التى يتظاهرون بالاشفاق من خطرها - مشهرين بها فى حماس بالغ - كما لو أنها لم توجد بعد . يدعون - كذبا ورياء - الى ملاءمة واقع البلد واعتبار ظروفه وامكاناته .. يدعون الى الاصالة وهم أبعد الناس عنها وأشدهم استخفافا وكفرا بها .
"... كيف أقول لمحجوب (الراوي يتحدث) : إن الوزير الذى قال في خطابه الضافى الذى قوبل بعاصفة من التصفيق : " يجب ألا يحدث تناقض بين ما يتعلمه التلميذ فى المدرسة وبين واقع الشعب . كل من يتعلم اليوم يريد أن يجلس على مكتب وثير تحت مروحة ، ويسكن فى بيت محاط بحديقة ، مكيف بالهواء ، يروح ويجئ فى سيارة أمريكية بعرض الشارع . إننا اذا لم نجتث هذا الداء من جذوره تكونت عندنا طبقة برجوازية لا تمت الى واقع حياتنا بصلة ، وهي أشد خطرا على مستقبل افريقيا من الاستعمار نفسه " . كيف أقول لمحجوب : إن هذا الرجل بعينه يهرب أشهر الصيف من افريقيا الى فيلتة على بحيرة لوكارنو ، وان زوجته تشتري حاجياتها من هرودز فى لندن تجيئها فى طائرة خاصة ، وأن أعضاء وفده أنفسهم يجاهرون بأنه فاسد مرتش ، ضيع الضياع وأقام تجارة وعمارة ، وكون ثروة فادحة من قطرات العرق التى تنضح على جباه المستضعفين أنصاف العراة فى الغابات ؟ هؤلاء قوم لا هم لهم إلا بطونهم وفروجهم . لا يوجد عدل فى الدنيا ولا اعتدال . . . " (19) .
ومن أخطر وأسمج ما يؤخذ عليهم من عيوب تقليدهم الغرب لا فيما تقوم عليه قوة للغرب ، وتقدم حضارته المطرد ، وحدة نشاطه الابداعى ، بل في نواحى الترف والبذخ من لباس وأزياء وزينة وبهرج وتبذير ، وهي مظاهر طبيعية ، تكاد أن تكون حتمية فى البلاد الاوربية ، اقتضاها الرقي الحضاري ونوعية الاقتصاد وازدهاره ، ولكنها فى البلاد المتخلفة إثم وجريمة ، وهي من
ابشع صور النشاز ، فيها تحد صارخ لمشاعر الشعب ، واستخفاف بخصاصته وحرمانه ، واستهانة بحاجاته ومطامحه الاكيدة .
لم يأخذوا من الغرب الا المظاهر ، القشور دون اللباب ، أخذوا ذلك مجانا ، دون أن يدفعوا الثمن وهو جانب الجد والكد والجلد والمثابرة والاخلاص فى خدمة المجتمع والقدرة على الانتاج والابداع ، وحسن التدبير والتنظيم في إطار اجتماعي متوازن ووضع اقتصادى قوي مزدهر . ثم ان أكثر هذه المظاهر يتنافى وشخصية الشعب وعاداته وتقاليده ، ولا ينسجم مع أذواقه وميوله ، ولا يلائم مذهبه فى العيش وأسلوب معماره، ويسئ الى أصالته وعبقرية تراثه.
" لو كان الزمان أحسن مما هو عليه الآن ، لأضحكته وأغضبته بقصص ذلك بالمؤتمر . لن يصدق أن سادة افريقيا الجدد ملس الوجوه، أفواههم كأفواه الذئاب ، تلمع فى أيديهم ختم من الحجارة الثمينة ، وتفوح نواصيهم برائحة العطر ، فى أزياء بيضاء وزرقاء وسوداء وخضراء من الموهير الفاخر والحرير الغالي تنزلق على أكتافهم كجلود القطط السيامية ، والاحذية تعكس أضواء للشمعدنات تصر صريرا على الرخام ، لن يصدق محجوب أنهم تدارسوا تسعة أيام فى مصير التعليم فى افريقيا فى " قاعة الاستقلال " والتي بنيت لهذا الغرض ، وكلفت أكثر من مليون جنيه ، صرح من الحجر والاسمنت والرخام والزجاج ، مستديرة كاملة الاستدارة ، وقع تصميمها فى لندن ، ردهاتها من رخام أبيض جلب من ايطاليا ، وزجاج النوافذ ملون . . . المنصة حيث تعاقب وزراء التعليم .. من رخام أحمر كالذى فى قبر نابليون في الانفاليد ، وسطحها أملس لماع من خشب الابنوس . . "(20) .

