الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

الأصالة والمعاصرة في، (( موسم الهجرة إلى الشمال ))

Share

ج ) النقد الاجتماعى ( الوعي المتمرد ) :

على ان هذا الوعى المتأجج الثائر فى صمت - نتيجة الكبت والعسف - لم يبلغ حد الانفجار المأسوى العنيف ، ولم يتخذ شكل المواجهة الصريحة والتحدى السافر الا على الصعيد الاجتماعى .

فلئن عاب الراوي على (( الطبقة البرجوازية )) ( وعلى حضارة المدينة عموما ) تقليد الغرب فى غير تحفظ ولا تمييز - مقرا مع ذلك مبدأ التفتح والتحرر - فقد نقم عل الريف انطواءه على ذاته وتحجره وانغلاقه تجاه الحياة المتجددة المتطورة .

فقرية الراوي ، شأنها فى ذلك شأن الريف السودانى كله ، تحيا ، وهى فى القرن العشرين على نفس النمط وبنفس العادات والتقاليد والقيم التى عاشت عليها منذ مئات السنين ، وما حدث فيها من تغيير محدود ( مثلا المدرسة ، اقتناء الآلات العصرية ) لم يمس جوهر الشخصية أعنى عقلية القوم ونوعية نظرتهم الى الحياة وموقفهم الخاص منها .

(( . . . الدنيا لم تتغير بالقدر الذى تظنه : تغيرت أشياء : طلميات الماء بدل السواقى . محاريث حديد بدل محاريث الخشب . أصبحنا نرسل بناتنا للمدارس . راديوهات . أوتومبيلات . تعلمنا شرب الويسكى والبيرةبدل بدل العرقى والمريسة . لكن كل شئ كما كان )) ( 21 ) .

لقد بلغ من تحجر أهل الريف وتشبتهم بالماضى على علاته أن أصبح للعادات والتقاليد قداسه وأى قداسة ، على ما فيها من جور وإجحاف بحق المرأة خصوصا ، وانتهاك لحرمتها وكرامتها .

إن أفدح عيب بل إن أخطر عاهة وأبشع صورة من صور استغلال الانسان للانسان ( الى جانب هيمنة الأغنياء على الفقراء ) فى هذه البيئة الريفية انحطاط منزلة المرأة وتدهور حالها حتى كأنها الأمة المغلوبة على أمرها ، لا حول لها ولا قوة ، بضاعة تباع وتشترى ، لا معنى لها ولا اعتبار الا بالنظر الى الرجل ، ومن حيث هى تقوم على سد حاجاته وتلبية رغباته كائن سخر تسخيرا لمجرد الخدمة والمتعة والنسل ، أو كانها الحيوان ( ولأمر ما تكررت كلمة (( حمير )) فى الرواية نعتا ، أو تشبيها ، للنساء ) ( 22 ) اذ هى يستبدل بها بأيسر ما يستبدل الحيوان .

يقول الراوي معترضا على فكرة زواج ود الريس من حسنة ، أرملة مصطفى سعيد ، وهو يكبرها بأربعين عاما :

(( قلت له ( لمحجوب ) : ((  ولكن اذا كانت لا تريد الزواج . . . )) وقاطعنى قائلا : (( أنت تعرف نظام الحياة هنا . المرأة للرجل ، والرجل رجل حتى لو بلغ أرذل العمر )) ( 23 ) .

(( قال ( ود الريس ) : (( لن أتزوج غيرها . ستقبلنى وأنفها صاغر . هل تظن أنها ملكة أو أميرة ؟ الأرامل فى هذا البلد أكثر من جوع البطن . تحمد الله أنها وجدت زوجا مثلى )) ( 24 ) .

وأدهى ما فى الامر رضى المرأة ( الريفية ) بحالها ، واستسلامها الى قدرها ، ونظرتها الى جبروت الرجل وتصرفه المطلق فى مصيرها عل أنه وضع طبيعى مسلم به ، مفروغ منه ، لا يتصور بديل سواه ، كما لو كان أساس الخلقة وفي الصميم من طبائع الاشياء ، تقتضى الحكمة والمصلحة وسنة الحياة الالتزام به والاذعان اليه .

ويبلغ من جهلها وقصر نظرها وانعدام الوعي لديها أن تصبح مناصرة للرجل على نفسها ، شريكة له متواطئة معه فى تأكيد رقها وتبعيتها ، عدوة لذاتها ، حربا على نفسها ، دون علم منها .

وقد تجلت هذه الظاهرة فى موقف أهل القرية الجائر المنجاز من قتل حسنة لود الريس ، وفى إجماعهم - رجالا ونساء ( 25 ) - على تحميلها وحدها مسؤولية الفاجعة ، دون تفهم لوضعها الخاص ( فلقد تهذبت حسنة وتطورت شيئا ما ، يفضل معاشرتها لمصطفى سعيد ، وصارت كأنها من (( نساء المدن )) ) ، ودون اعتبار لرأيها وحريتها الشخصية ؛ فمثل هذا الاعتبار لا حق للمرأة فيه ، ولا يمكن ، بحال ، أن يعد مبررا مشروعا لرفض الزواج من ود الريس ، ولا تفسيرا معقولا مقنعا للجريمة .

ومن تعصب القوم وحماقتهم لغلبة النزعة الرجعية عليهم أن عزا بعضهم ( وهو مجحوب ) الجريمة إلى الجنون . . جنون حسنة وود الريس ، وذهب بعضهم ( أعنى الجد ) وهو أعقلهم أو المعروف عنه أنه أعقلهم ، وكان - قبل إرغام حسنة على الزواج وحلول الكارثة - محل إكبار واجلال حفيده الراوي يرى فيه مثالا رائعا للأصالة الحق ، ذهب الجد الى تفسير الواقعة تفسيرا غيبيا يقوم على التفرقة العرقية ، زاعما ان المرأة عنصر شؤم لأنها من قبيلة غير رفيعة النسب .

(( . . . وبعد انتظار طويل قال ( الجد ) يخاطب سقف الغرفة : (( لعنة الله على النسوان . النسوان أخوات الشيطان . . . ليته سمع كلامى . ينتهى هذه النهاية . لا حول ولا قوة الا بالله . أول مرة يحصل شئ مثل ذلك فى هذا البلد منذ خلقه الله . محن آخر الزمن . . . تلك القبيلة لا يجئ من ورائها الا الشر . قلت لود الريس : هذه المرأة شؤم أبعد عنها . إنما الاجل )) ( 26 ) .

وتقول بنت مجذوب للراوي : (( هذه مصيبة كبيرة حصلت في البلد . طول حياتنا تحت ستر الله . آخر الزمن يحصل علينا مثل هذا . أستغفرك وأتوب اليك يا رب . . . )) ( 27 ) . (( . . . البلد كلها كانما حل عليه الشياطين فى

تلك الليلة . منظر لا أراك الله مثله يا ولدي ، يفطر القلب ، يشيب الوليد . وكله بلا سبب ولا طلب . إنها قبلت الرجل الغريب ( أى مصطفى سعيد ) لماذا لم تقبل ود الريس ؟ )) ( 58 ) .

لم تكن فعلة حسنة ، فى نظرهم ، جريمة عادية . . مجرد قتلة ، بل مروقا . . ضربا من الغدر والخيانة لقانون الجماعة . . انتهاكا فادحا وتحديا فظيعا لحرمة التقاليد وقداستها .

فلا عجب أن يقول محجوب ، ذلك الشاب الذكى المتعلم ، الخاضع رغم ذلك لسلطان العادات وجبروت التقاليد تلك الكلمات العنيفة اللاذعة : (( إنها لم تكن تساوى مليما . لولا الحياة ما كانت تستأهل الدفن . كنا نرميها فى البحر أو نترك جثتها للصقور )) ( 29 ) يقولها بحضرة صديقه الراوي وقد علم ، مع ذلك ، حبه للفقيدة ومدى تحسره عليها ؛ وهو ، بذلك ، يعبر عن موقف القرية بأسرها ، ويقوم رمزا ودليلا على ما تؤول اليه الأصالة المنغلقة - بحكم التعصب والتطرف - من قسوة وعنف يبلغ حد التوحش والتنكر لفضيلة الانسانية ولربما الانسلاخ عنها ، ودليلا فى الآن نفسه على ان المعاصرة ضرورة حيوية . . . شرط لا بد منه لصيانة انسانية المرء وتأكيدها واستمرارها .

فلا بدع اذن أن جعل الكاتب علاقة الرجل بالمرأة ، أو بالأحرى قضية استلاب المرأة بمكان المركز أو المحور ، أحد المحاور الرئيسية فى روايته ، وبمثابة القلب النابض منها ، لارتباط هذه القضية الوثيق برؤيته الحضارية ، وما تنطوي عليه هذه الرؤية من أبعاد إنسانية ، فلا معاصرة ولا حضارة دون إسهام المرأة فيها ، منظورا اليها بصفتها إنسانا ، فى أتم معنى الكلمة ، كائنا حرا مسؤولا وليس جسدا فقط ، أو مجرد (( جنس )) وقد انصفت ومارست حقوقها : وما احترام المرأة ، وهو من المعانى الضمنية التى ترمى اليها الرواية - الا استكمال لانسانية الرجل وسبيل لتزكيتها والمحافظة عليها ، اذ المرأة منه فى الصميم . . جزء لا يتجزأ من الانسان الذى هو الرجل والمرأة على حد سواء ؛ حتى لنكاد نقول : إن الكاتب قد يرى فى نوعية علاقة الرجل بالمرأة وكيفية معاملته لها مؤشرا ودليلا على مدى رقى المجتمع ودرجة الحضارة فيه ، ومقياسا صادقا لهما .

كانت هذه الأشياء ( أعني امتياز الرجل وسيطرته المطلقة على المرأة فى جميع الظروف والاحوال ) مألوفة فى البلد حتى كأنها من طبيعة الحياة البشرية . . . من سنن الوجود رسوخا وحتمية واستمرارا ، ولم يكن الراوى - لما رأينا من حبه لقريته وتجذره فيها وانسجامه معها - انسجام السمك فى الماء - مدة طويلة من الزمن إثر رجوعه من انكلترا ، لم يكن الراوي ليستنكر هذا الوضع استنكارا ينقلب - فى أيام قليلة - تمردا صارخا على وهذا النظام الاحمق الجائر الذى دفع به الى القطيعة والعزلة والضياع لو لم يصب فى العمق من كيانه ، فى لحمه ودمه ، فى حبه للمرأة الوحيدة التى أحبها فى حياته ، والتى شاءت سخرية الاقدار أن تكون تلك التى عهد اليه زوجها بالوصاية عليها وعلى ولديها .

لم ير أحد فى القرية من بأس فى هذه الزيجة الشاذة البشعة ، وقد باركها أعيانها وعقلاؤها ، بل وجد الخاطب مناصرا وسندا قويا فى شخص الجد ، وهو , كما نعلم ، أحب الناس الى الراوي ، وأحظاهم بالأكبار والتقدير لديه ، واذا بالراوي - بعد الألفة والوئام - يصطدم لأول مرة بالقرية صفا واحدا . . كتلة عدائية جبارة يفصله عنها خلاف جوهرى حول مصير امرأة فى ريعان شبابها ربة أسرة توشك أن تكون ضحية لمجرد نزوة شيخ (( مزواج مطلاق )) كالوحش المغتلم لا يعرف شبقه شبعا ولا ريا ، أو كمصاص الدماء لا تشفى غلته أبدا .

(( . . . امرأة نبيلة الوقفة ، أجنبية الحسن ، أم أننى أتخيل شيئا ليس موجودا حقيقة ؟ امرأة أحس حين ألقاها بالحرج والخطر ، فأهرب منها أسرع ما أستطيع . هذا هو القربان الذى يريد ود الريس أن يذبحه على حافة قبره ، ويرشى به الموت فيمه عاما أو عامين )) ( 30 ) .

واذا الراوي يجد نفسه فى موقف حرج . . فى أشد مازق مقسما متأرجحا من قطبين متعارضين يتجاذبانه : الجماعة ، من ناحية ، بثقلها التاريخى , وتراثها الحر ، وما يشده اليها من جذور قوية ضاربة فى أعماق الكيان هى جزء من الذات ، وبعض من جوهرها وحقيقتها ؛ ومن ناحية أخرى : الحب ، وما تقتضيه ثقافة العصر من إيمان بحق الانسان - أى انسان ، امراة كان أو رجلا - فى الحرية والكرامة ، فينتابه ، وبعض ذاته يأكل بعضا وبعضه لبعض

عدو ، شعور بالغربة والضيق بين أهله وذويه وأقرب الناس اليه ، ولا يلبث هذا الشعور أن يستحيل نفرة ونشازا ، غضبا ونقمة .

" . . . أحسست بغيط حقيقى أدهشنى اذ ان هذه الأشياء مالوفة فى البد . قلت لجدي : إنها رفضت رجالا أصغر منه سنا ، إنه يكبرها بأربعين عاما )) . ولكن جدي أصر على أن ود الريس شاب وأنه ميسور الحال ، وأنه متأكد أن أباها لن يمانع ، ولكن المرأة قد ترفض ، ولذلك ارادوا أن يجعلونى واسطة خير . حبس الغضب لسانى فلذت بالصمت . وأتصور حسنة بنت محمود ، أرملة مصطفى سعيد ، فى الثلاثين من العمر ، تبكى تحت ود الريس الذى بلغ السبعين ، ويتحول بكاؤها الى قصص من قصص ود الريس المشهورة عن نسائه الكثيرات ، يتندر بها رجال البلد ، فيزداد الغيظ فى صدري ضراوة . ولم استطع البقاء فخرجت ، وسمعت جدي . ينادي ورائى فلم التفت . وفى بيتنا سألنى أبى عن سبب غضبى ، فحكيت لها القصة . ضحك وقال : (( هل هذا شئ يثير الغضب ؟ )) ( 31 ) .

وأشد ما فى هذه الحال إيلاما وحزا فى النفس وتنغيصا ، وهو ما يكسب صراغ الراوي بعدا مأسويا حقيقيا - مأساة الحب المستحيل - عجزه عن نصرة هذه المرأة المهددة المسكينة التى يحبها ، بأكثر من المعارضة اللفظية ، يستهويه داعى الحب فيهم بالبوح ويحلم بالوصال ولكن هيهات !

سرعان ما تعتريه الهواجس ويعذبه الوسواس ، وينبري الضمير لمحاسبته وتقريعه أشد المحاسبه والتقريع . من أدراه بأن المرأة تبادله نفس الشعور ، وتحس نحوه بنفس الميل ؟ فاذا لم يكن هناك تجاوب وتعاطف كان الزواج بمثابة الاغتصاب لا فرق بينه وبين زيجات ود الريس ومغامرات مصفى سعيد المجونية فى أوربا ؟ ولو تم هذا الزواج لأساء الى سمعتهما معا , واكتنفتهما الشبهة والظنون ، ويكون ذلك سببا فى شقائها والمزيد من تعاستها ؟ ثم إنه الوصي المؤتمن ، فى نظر الجميع ، على هذه المرأة وعلى ولديها . . ثم انه متزوج وأب . . . كيف تطاوعه نفسه وتسوغ له ما يكرهه ويأباه بحكم نشأته ( 32 ) وثقافته . . هذه العاهة - تعدد الزوجات - التى يمثلها ود الريس أكمل تمثيل بتصرفاته السمجة السخيفة ، فيزيدها بذلك شناعة وخزيا .

إنه المأزق لا مخرج منه ، والدوامة لا تني تعصف بعقله وقلبه لا يستطيع لها ثبوتا .

ولم يكن أحد فى القرية ( حتى ولا الراوي ) يتوقع ، أو يتصور مجرد تصور حدوث الكارثة . فكأنه - وإن صرحت له حسنة بعزمها ، لو أرغمت على الزواج من ود الريس ، على قتله وقتل نفسها - لم يأخذ قولها مأخد الجد . حتى هو قد فاته ، فى حالة الذهول والاضطراب التى كان يعيشها ، أن التطور قوة قاهرة . . تيار لا يرد ولا يعكس ، كالسيل الجارف يتلف ما يعترض سبيله .

فكأنه شغل عن ذلك بنفسه . . بهذا الحب (( الآثم )) الذى كان فى الآن بنفسه كشفا رائعا لذاته . . لجانب من ذاته ظل حينا من الدهر معطلا مكبوتا ، قد تنازل عن حريته واختياره خضوعا لآلية العادة وهيمنة التقاليد . . هذا الحب الذى استشرى وطغى دفعة واحدة فملأ عليه كيانه عند مجرد الاحساس بالخطر . . . خطر الحرمان من حسنة حرمانه نهائيا ، منعا باتا ، فى حال زواجها المحتمل , فسافر ( إلى الخرطوم ) وكأنه يفر فرارا من مواجهة حقيقته ، إشفاقا على نفسه من نفسه .

وتحدث الفاجعة فتنقض كالصاعقة على القرية الهادئة ، تغط فى نومها الدهري ، مطمئنة الى استقرارها الوهمى ، وسكينتها الكاذبة . حادثة بسيطة عادية وقع مثلها مرارا من قبل فى القرية ، فلم يحدث ما يسوء أو ينكر , واستمرت الحياة لم يتغير مجراها كشأنها فيما مضى .

أما هذه المرة بالذات ، فقد كانت كالاعصار هز البلدة هزا ، فاقتلعها من جذورها وتركها قاعا صفصفا .

إنها جرثومة التطور والحضارة استخفوا بها ، وتجاهلوا شأنها ، سفها وحمقا ، فعالجوها بالكبت والمحق ، فتمردت ، واستفحل أمرها ، ولم تلبث حتى سممت حياة الناس جميعا .

وتشتد أزمة الراوي - بعد هدنة خادعة عابرة - وقد اصطربت فى نفسه أحاسيس وعواطف شتى : الحزن ، والحسرة ، والندم ، والغضب ، واليأس , والرغبة الشديدة الجامحة في الاخذ بالثار ، والشعور بالغربة والعزلة . . أقصى الغربة ومنتهى العزلة التى تتجاوز نطاق البيئة والمجتمع فتشمل الدنيا بأسرها والوجود باكمله , حتى الطبيعة فى الريف ، وهو من عشاقها ، قد أنكرته فانكرها ، ولم تعد ، على فتنتها وجمالها ، تحرك فى نفسه ساكنا .

(( الحقول نيران ودخان . هذا أوان الاستعداد لزراعة القمح . ينظفون الارض ويجمعون أعواد الذرة والجذوع الصغيرة ، ذكريات الموسم الذى انتهى , ويكومونها أكواما وسط الحقول ويحرقونها . الارض سوداء مبسوطة تستعد للحدث القادم . الرجال قاماتهم منحنية على المعاول وبعضهم خلف المحاريث . قمم النخل ترتعش للهواء الخفيف وتسكن ، وبخار حار يتصاعد من حقول البرسيم المروية ، تحت وطأة الشمس فى منتصف النهار . ومع كل هبة ريح يفوح أريج الليمون والبرتقال واليوسفندي . خوار ثور أو نهيق حمارا أو صوت فاس فى الحطب . ولكن الدنيا قد تغيرت )) ( 33 ) .

وأشد هذه الاحاسيس والانفعالات وأقساها الشعور بالافلاس . . إفلاس الجميع ، وإفلاسه هو خاصة . فلقد تردد وأحجم ، وانساق واستخدام حين كان ينبغى أن يبت ويحسم . لقد تردد وأحجم عن أخذ القرار ، وتهيب الاخلاق والرأى العام ، فأودى حذره وتوانيه بنفس عالية نبيلة ظلت على نبلها حتى فى ساعات المأساة وفى أشنع لحظات الانتقام ، ولم يعرف قدرها سواه ، ولكنه فرط فى حقها ، وقصر فى الحفاظ عليها والذود عنها . فلا الأصالة - متمثلة فى (( حكمة )) قومه ومسلكهم فى الحياة أجدته شيئا ، ولا أسعفته ثقافته المستعارة لانه أراد ، لمثاليته ، أن يؤلف ما لا يتفق . . أن يوفق بين طرفى النقيض . . أصالته وثقافته ، ويرضيهما معا ، كما هما ، على حالهما . . صفاء عنصر وسلامة كيان ، بدلا من تطويعهما ، وكسر شوكتهما ، وإرغامهما على التنازل - كلتيهما - بالقدر الذى يلائم الواقع ( بل يقتضيه الواقع ، ويفرضه فرضا ) وينسجم مع الحياة الحق - الحياة الضاربة فى أعماق القدم ، النامية , على ذلك ، المتجددة على الدوام .

لقد ظل يفكر ويقلب النظر ، ويحاسب النفس ويناقش ويسيح فى أحلامه تأملاته - وهو فى ذلك ، يشبه (( هملت )) ( Hamlet ) شيئا ما ، مع اعتبار الفارق - بدل أن يتصدى للواقع ، ويمارس الفعل ، (( فيجتهد )) ويختار ، ويشق طريقا بكرا ويفرض ذاته وإرادته ، وينشئ الحياة إنشاء ، فكانت الخيبة المرة والهزيمة النكراء ، وكانت القطيعة مع الاهل والعشيرة ( وتمثل ذروتها ، رمزا بليغا ، فى شجاره مع صديقه الحميم محجوب ) . لقد باخت أسطورة اصالتهم ، وتكشفت حقيقتهم ، فازدراهم لتفاهتهم وسخفهم , ومجتهم نفسه ، وانسلخ عنهم بجسده وروحه ، واذا هو يحس بكيانه المعنوى

ينهار ، وهو (( الغريب فى غربته )) , قد انفصمت عراه ، وانبتت جذوره ، فتملكه الضياع .

(( أنا الآن وحدي ، لا مهرب لا ملاذ ، لا ضمان ، عالمى كان عريضا فى الخارج ، الآن قد تقلص وارتد على أعقابه حتى صرت العالم أنا ولا عالم غيرى . أين إذن الجذور الضاربة فى القدم ؟ أين ذكريات الموت والحياة ؟ ماذا حدث للقافلة والقبلة ؟ أين راحت زغاريد عشرات الأعراس ، وفيضانات النيل وهبوب الريح صيفا وشتاء من الشمال والجنوب . . )) ( 34 ) .

ويحاول أن يثأر من ثقافته الدخيل كما ثأر من أصالته العقيم ، فيهم بحرق غرفة مصطفى سعيد . . أبلغ رمز للحضارة الغربية وما تورثته عند من لم يحسن مراسها ، ولم يقو على رياضتها والتحكم فيها ، من انبتات واستلاب . . أو بعبارة أخرى ، يهم بأن يهدم الشق الثانى من ذاته ، فيتم بذلك الانتحار المعنوى ، ولكنه يتراجع ويعدل عن فعلته ، مستشعرا عبثية جهده وانعدام جدواه ، وقد أدرك انه هو نفسه المسؤول الأكبر عن الكارثة ، وما هذا الحقد القاتم وهذه الرغبة الشرسة المجنونة فى الاخذ بالثأر الا مغالطة وتمويه . . نزعة هروبية . . محاولة للتنصل من مسؤولية الجرم الذى اقترفه ، اذ تقاعس عن أداء الواجب المناطق به وحده دون الناس كافة ، والمتمثل فى مواجهة المعضلة الطارئة فى البلد مواجهة شجاعة كفئة مقدرة لم يؤهل أحد لها غيره ، ولا قبل لأحد بها سواه .

وتقوده قدماه الى النهر ، فيسبح (( تنفيسا عن غيظه )) شوطا ، ويغلبه التيار فيستسلم الى قوته العارمة ويوشك أن يغرق ، وكأنما أتيحت له الفرصة الكبرى للانتقام لولا أن ثارت غريزة البقاء فيه ، وانتفضت عزيمته ، فاختار الحياة ، حبا ووفاء لقومه ، على الرغم من كل شئ ، استشعارا للواجب الذى لابد ، وعلى أية حال ، من القيام به .

وما الصيحة : (( النجدة ! )) التى اختتمت بها الرواية الا رمز للحمة القوية التى تربطه بأرضه وقومه - كالتحام كيانه بالحياة , وكحاجته الملحة القاهرة اليها - بحيث لا حياة بدونهم ، ولا غنى له عنهم, أيا كانت الحال التى هم عليها ، اتحادا بهم وفناء فيهم الى الأبد .

(( درس )) آخر من (( الدروس )) والمرامى المتعددة الكثيرة التى تزخر بها الرواية ، أعني وفاء المثقف الحق وإخلاصه لأرضه وشعبه ، تضامنا وصمودا مع إخوانه ، فى السراء والضراء ، وإن فى الدرك الاسفل من التخلف ، لانهم منه ، وحدة لا انفصام لها ، فهناك شرفه وحرمته ومعنى حياته .

وبعد ، فلعلنا نستطيع أن نستخلص من أهمية المضمون الاجتماعى السياسى الذى عرضنا له ، وأنه لم يكن مجرد إطار او مسرح للاحداث بل هو لحمة الرواية وسداها يرتبط بالشخصيات والاحداث ارتباطا عضويا تستمد القصة منه قوتها وروعتها الدرامية ، أن الكاتب يرمي ، من وراء ذلك ، الى أن المعاصرة الحق ، فى جوهرها وحقيقتها ، ظاهرة اجتماعية حضارية تتسم بالعمق والشمول ، وليست عمل افراد معدودين . . نخبة ضئيلة منطوية على ذاتها تعيش فى برجها العاجى ، ولا بد أن تهم وتشمل جميع فئات المجتمع ,  وأن تستقطب كافة الجهود والامكانات ، لا فرق بين مختلف طبقات الشعب ، ولا ميز بين المدينة والريف ، فالريف ( وطبقات الشعب المتوسطة والدنيا عموما ) خزان القوى ، ومستودع الطاقات الحية ، وسادن الأصالة الخام ، ولا تقوم المعاصرة الصحيحة السليمة الا على صراع بين قطبي الحضارة : المدينة والريف يؤول الى تفاعل مثمر ومشاركة بناءة .

كما أن المعاصرة ليست مجرد طلاء أو قشرا ، ولا يمكن أيضا أن تنحصر فى الجانب المادى من الحياة ، فترقية وسائل الانتاج واصلاح نمط العيش أمر واجب ، على أن الاهم من ذلك تغيير العقلية تغييرا جذريا ، وتقويم النظرة الى الحياة ، وتهذيب أساليب التعامل والتفاهم والتعايش .

فاذا كان الامر كذلك ، فمن العبث - وهذه الحقيقة المرة والاجابة السلبية التى انتهى اليها الكاتب ، ولكنها منطلق الفعل ومبعث الامل - من العبث أن ننتظر أو نؤمل أن تتحقق المعاصرة فى مثل هذا الوضع السياسى الاجتماعى السقيم المتردى الذى نقلت لنا القصة صورته .

وما رواية (( موسم الهجرة الى الشمال )) آخر الامر ، الا تحسس لسبيل المعاصرة ، ومحاولة مضنية لتبين شروطها ومقتضياتها . إنها رواية البحث والطلب والشوق والجهد ، وتبقى المعاصرة ، بعد ذلك ، مجرد (( مشروع )) ونقطة استفهام ، ولكن من ورائها اشارات وإيحاءات .

اشترك في نشرتنا البريدية