الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

الأصالة

Share

أيتها السيدات ، أيها السادة ، ايها الاصدقاء الافاضل ،

إن الحقيقة مذاقها - كما تعلمون - منعش فلن أسكت عنها ، حتى ولو كانت تتعلق بى أنا وكان (( الأنا )) على حد قول باسكال ، بغيضا فى بعض الاحيان .

وفى هذا المساء لن املك نفسى لأعبر عن ابتهاجى لوجودى بينكم فى هذا الاجتماع اللطيف ( * ) .

وانه لمن حسن الطالع أن يلتئم هذا الحفل ، حفل الصداقة ، مع اطلاله العام الجديد . وانى لاغتنم هذه الفرصة لأعرب لكم ولذويكم ، وكذلك لتونسنا  الجميلة ، العريقة فى المجد عن أجمل التمنيات والأمانى .

انما الى بلدى يتجه تفكيرى عندما تجد مؤلفاتى أو اقوالى أو اعمالى من العناية ما يستوجب الاهتمام ويلفت الانتباه .

ذلك أننى قد تعلمت شخصيا من خلال حوارى العميق والمتواصل مع جذور شعبنا الحضارية كيف أتجذر وأن أكافح بكل قواى ضد كل أشكال الاجتثاث الثقافى .

وهكذا تعلقت ببلادى منذ أن فتحت عيني على شواطئها الرائعة الخلابة يهدهدها نغم ينبعث من الاعماق وقد سحرنى بشدوه وجعلني استطيبه منذ عهد الصبا الباكر ، حينما كنت أجوب شاطئ (( القراعية )) بالمنستير ، وعندما كانت ايقاعات الارض تتمازج فى اتساق مع موسيقى الامواج .

تعلقتها أيضا عبر تجربتى فى الحياة ومن خلال تنوع مناظر طبيعتها بملامحها الهادئة ونزوعها الى الصفاء والاشراق ، كلما كانت بمنجاة من غضب الطبيعة وعنف الانسان .

ثم انى تعلقتها أيضا ( وسأبقى على ذلك ما دمت حيا ) اثناء تأملاتى فى تاريخ هذا البلد الأمين وهى التى أملت علي جملة من الحقائق تضاهى قيمتها قيمة القرون التى تجلت فيها .

ومهما يكن نوع الحضارة وسواء كان صاحب العبقرية يدعى اغسطينوس أو يدعى ابن خلدون أو يوغرطا أو بورقيبه ، فان تونس لا يكتب لها أن تكون بلادا تعيش الرخاء والازدهار الا اذا أنشعت ثقافتها اشعاعا لا مثيل له .

لكن كلما طغت نزعة التعلق بالمصلحة الفردية على مقتضيات التضامن الاجتماعى فان المواجهات تطل بقرونها والاضطرابات تلوح بوادرها فى الافق والقلق تجاه المستقبل يسود العقول ويساور النفوس .

وأود ، ان سمحتم ، أن أورد حقيقتين أخريين لا تقلان أهمية عما سبقت الاشارة اليه استجليتهما من انصاتى الى تراوح ايقاع موسيقى القرون وهما :

- أولا : الوطنية ، وهى تتمثل فى التبصر الدائر اليقظ ، والشجاعة فى ممارسة الحياة اليومية وتحدى ريب الدهر وفى الايمان الذى لا يتزعزع بمصير الأمة .

- ثانيا : العظمة الكامنة فى اقامة هذا التوازن الذى لا يبقى فى نشوء مستمر بين ما تقتضيه سلطة الدولة من روح رصينة متزنة وبين ما تفرضه الحريات الاساسية من ممارسة مسؤولة .

ولا إخالنى ميالا ذات يوم الى تناسى هذه العبر البليغة التى استخلصتها من الماضى . على أن الماضى ان هو بقي بالنسبة إلي مرجعا حيا الا أنه لم يفض بي البتة الى الارتباط به وتقديسه تقديسا أعمى بل إنه بقدر ما كان يمثل حاضر الامس ، فانه لم يحد بي اطلاقا لا عن حاضر اليوم ولا عن التزاماتى التى يفرضها السلوك اليومى ولا عن المجهود المتجدد كل صباح لاعداد المستقبل .

واسمحوا لى بأن أؤكد أمامكم : ان هذا هو الذى أسميه بالذات : (( الأصالة )) .

وفى الحقيقة فان الامر يتعلق بترابط مثمر بين الزمن الماضى ( الذى أورثنا أفضل ما عنده أى طاقته الخلاقة ) والزمن القادم الذى يتطلب منا طاقة متجددة على الدوام ، وعزما ثابتا ، ويقتضى التعلق بصفاء الامور وشفافيتها بعيدا عن المظاهر الخادعة .

ها أنتم ترون فى هذا اليوم رجلا لا يخفي تأثره حين تقدم له باقة زهور . وان هذه الزهور - وهو ما أود تأكيده للسيد المنصف القيطوني وللفريق الكندى النشيط الذى يحيط به - ستبقى يانعة فى نفسى ، عالقة بذهنى أبد الدهر .

وما ذلك الا لانها عابقة بشذا ذكرى عهد محبب الى قلبى كنت فيه مدرسا ومربيا . ولانها عابقة بذكرى مراحل حياتى النضالية وبالافراح التى أضفتها على مختلف المسؤوليات التى تحملت أعباءها .

وانى لأجد فيها سحر قصة ترويها على مر السنين ملامح الاشخاص وتضاريس الاشياء . وانها لتتيح لى فرصة اللقاء بخلان أعزاء على عرفتهم فى عهد الطفولة أو المراهقة وبرفاق زاملتهم فى الدراسة وبتلاميذ بقوا عزيزين علي ، وكذلك باخوان عملوا معى أثناء النضال وبعدد من معاونى الاوفياء , كما أنها سمحت لى أيضا بالالتقاء باخوان لا يشاطروننى الرأى لكنهم يقبلون النقاش المثمر .

ولعمرى فان فى كل ذلك ما يشرح الصدر ويقدح بالفكر قادح .

فشكرا جزيلا لتلميذى الاسبق المنصف القيطونى وكذلك للآنسة صولنج دى لورم .

وشكرا جزيلا ايضا لكل الذين أقدموا على تحمل المشاق لحضور هذا الحفل الذي لا يقبل عليه من اثروا القبوع فى عقر دارهم ومن فترت عزيمتهم، وشكري مجددا لمن تجرأوا على تقديم أجل شواهد الصداقة والمودة الا وهو: الاصداع بالحقيقة .

اشترك في نشرتنا البريدية