عجبا لهذا الدهر كيف يصرف ! (**)
مهما عرفتم حكمه لم تعرفوا *
تمضي بنا الأيام في دورانها
كالريح تجتاح الحياة وتعصف
والمرء في كف الزمان كريشه
يرمي بها في عالم لا يعرف
ما اقصر الأعمار حتى تشترى
ويسومها بالبخس من لا ينصف
والناس إن حكموا عموا ، فتراهم
لا يأمنون إذا مشوا أن يزحفوا
والناس إن خافوا يخافوا جاهلا
لكن شر الظالمين مثقف
فإذا اشتهى لا يرعوى ، وإذا اشتفى
لا يرتوى ، وإذا قسا لا يرأف
يحتال في الفعل الأثيم بعلمه
كالراهب المرتد حين يجدف
اقرأ تواريخ الشعوب تجدبها
كتبا بأفعال الطغاة تؤلف
فيها من الفكر العميل صحائف
يندى لها الحق الهضيم ويرجف
قد كان في ماضي الزمان جبابر
جاروا كما شاء الزمان وأسرفوا
حقنوا العقول بظلمهم وبسمهم
حتى يذل خصومهم أو يتلفوا
والسم يسقاه رجال امنوا
أن الحياة عقيدة وتصوف
لكنما الأفكار ينمو غرسها
وإذا نمت فزهورها لا تقطف
تمتد أيدى العابثين لغضها
وتدوسها الأقدام حين تفوف
حتى إذا قالوا : ذوت و تفتت
وغدت على صفحات نهر تجرف
طارت وقد نشر الربيع أريجها
سربا طليقا فى الفضاء يرفر ف
يا أمة (1) لا تنتهى أوجاعها
ودموعها من ألف عام تذرف
قد كنت شمسا بالضياء سخية
ماذا دهاك فعدت نهبا ينتف ؟
نجم الخلاف وانت طفل يافع
وبقي الخلاف وانت شيخ يهرف
أغنية ؟ لا شك مالك وافر
لكنه في غير سوقك يصرف !
أكبيرة ؟ لاشك أرضك رحبة
لكنها في كل يوم تخطف
أكثيرة ؟ لا شك نسلك عارم
لكنه مثل الأسير مكتف !
لم يقلب التاريخ ظهر مجنه
إلا وحظ الفكر فيك تعسف
كم من عظيم عاش فيك معذبا ؟
كذبوا عليه بالمزاد و أرجفوا
كم من كتاب لم يجد قراءه ؟
قد زوروا أفكاره أو حرفوا
حتى عرفنا محنة في محنة
حتى غدا تاريخنا لا يوصف
وإذا السياسة حركت اهواءنا
فالحبر يصبح تهمة ويجفف
وطبيعة السلطان تأبي أن ترى
جيشا من الأقلام لا يتوقف
يمضي إلى غاياته متعجلا
ويظل يمشى فى الزمان ويزحف
فاستأجروها كى تحطم نفسها
وتكون أول من يقول ... ويخلف
والمرء أقسى فى عداوة نفسه
مما يكون به العدو وأعنف
ذاك انتحار العاملين بفكرهم
إن أعجز الحكام قتل أشرف
ما دام هذا الدهر سيد أمره
فالدهر لا يبقى ولكن يتلف
هلكت شعوب في طفولة عزها
لما استبد بها الغشوم المجحف
الأنبياء مضي زمان ظهورهم
وأتى زمان بالرداءة مقرف
ما رقعة إلا عليها واحد
يدعو إليه وفي يديه مصحف
ما بالهم سرقوا السماء فلا ترى
إلا مسيلمة يصيح و يهتف
قالوا : خلقناكم ! فقلنا : مالكم
- إن صح قولكم - بنا لم ترأفوا ! ؟
قالوا : رزقناكم ! فقلنا مانا
- إن صح قولكم - بكم نستنزف ! ؟
فرصاصكم بصدورنا ، ورماحكم
بظهورنا ، ودموعنا تتكثف
لم يعرف التاريخ منذ قدومكم
حالا كحالتنا تسوء وتؤسف
الشرق مشتعل يمج دماءه
والغرب بركان أراه سيقذف
والحكم حب ليس فيه تملك
والحب صدق ليس فيه تزلف
فدعوا الشعوب على حقيقة طبعها
عفوية .... تعطي ولا تتكلف
عهد الطوائف لم يزل متواصلا
أفما عزمتم بعد أن تتألفوا ؟
فيعود للأفق الكئيب رواؤه
ونسير فى امن .... ولا نتخلف
... فانحصر دور الشعر اذن فى تذكير الانسان بانسانيته اكثر من غيره من الفنون ولا مفر له ، ان هو رام البقاء ، من ان يدفع عن انسان هذا العصر هذا الغول المادي الذي اجتاح مشاعره وشنجها الى حد التصلب والجفاف .
وان تيه الشعر وما طرأ عليه من غموض واسفاف وحقارة انما هو مرده هذه الغفلة عن الغول المادي او الانقياد له او الانبهار بأساليبه بالتبنى والمحاكاة فدخل هذا الفن في دوامة ليس له الا ان يفقد فيها توازنه وكنهه .
