- ٤ - كان موضوع الحديث في الحلقة الثالثة هو الكلام عن قرى الافلاج التاريخية الواقعة في جبال العارض ووقف بنا الحديث حتى نهاية وادى أكمة " الاحمر الان " . وفي هذه الحلقة الرابعة نكمل الحديث عما بقى من القرى التاريخية في العارض .
الهدار :
قرية الهدار من قرى الافلاج التاريخية . تقع في مزعة واد يعرف باسمه : " وادى الهدار " . ووادى الهدار يقع جنوب وادى أكمة " وادى الاحمر الآن " بمسيرة يوم للمطية ، ويفصل بينهما جبال وأودية لا تسير معها السيارة بل الرجل والابل
وهناك طرق للسيارات بعيدة نوعا ما أى مسيرة ساعتين للسيارة . . وجنوبا من الهدار واديا الشطبتين " سوف يأتي عنهما الحديث " . ووادى الهدار ينهد من أعالى جبال العارض غربا وينحدر شرقا حيث يسقي صداء ثم يصب في الجدول .
يقع وادى الهدار جنوب غربى ليلى الآن . وقرية الهدار التاريخية تبعد عن الفلج " ليلى " بمسيرة يوم وليلة للمطية " ١٠٠ كيل " . . وعندما كانت قشير وجعدة فى الفلج وأكمة والفيل وغلفل ، كان بنو عمومتهم بنبع الحرش - بفتح الحاء المهملة - ابن معاوية بن كعب بن ربيعة بن عامر ( ١ ) في وادى الهدار وقرية صداء . كما ذكر صاحب كتاب بلاد العرب ( ٢ )
وفي الهدار يقول بشار الحرشى :
لعمرى لواد قابل الرمل فأوه
وحيث على شطآنه حزق النخل
به لغط الشراب تسمع بينهم
مراء وقولا : انما غرفك القتل
أحب الى نفسى وأعجب ساكنا
وأجدر يوما أن يكون به الاهل
من الخيف والعبدان والزيمة التى
يحاط عليها ثم يغلق بالقفل ( ٣ )
فهل أشربن من ماء صداء شربة
بدلوين لم أشرب بكوز ولا صطل ( ٣ )
وعن الهدار تحدث الاصفهانى والهمدانى ، فمما قاله الهمدانى ما يلى :
" ثم رجعنا الى الطريق الاخرى - من الفلج - فتأخذ على الهدار : هدار بنى الحرش أول جزع فيه القطنية لبنى خلدة من الحريش ، ثم الاقطار لبنى خالد ، ثم الفرعة لبنى ربيعة ، والحشرج لبنى المجر - بتشديد الجيم المعجمة - ثم النتج وهى قارات في قابل فأو الهدار من قصد الدبيل . . " ( ٤ )
القطنية والأقطار : موردا ماء سوف يأتى عنهما الحديث عندما نتحدث عن موارد الافلاج التاريخية ، والفرعة - على ما أعتقد هى التى فيها حصن موسى بن نمير الحرشى وحصن أبى سمرة والتى قام عليها الآن قرية الهدار المعروفة اليوم .
وعن الهدار قال الهمدانى أيضا :
" فالحريش فى واد من الفلج يقال له
الهدار فيه نخل وزرع على آبار وسوان من
الابل . وقد قلت الحرش به وتفرقت وجاور
كثير منها باليمن . وبالهدار حصن موسى
ابن نمير الحرش ، وحصن أبى سمرة وحصن
زال عنى اسمه " ( ٥ )
ونص كلام الهمدانى هذا يدلنا على أن الحرش بدأت تضمحل من الهدار من سنة ٣٣٠ هـ تقريبا ، وخلاصة ما ذكر الهمدانى أن الحشرج كان لبنى المجر ، حيث اندثرت الحياة من الحشرج وصار الآن خرابا يبابا ، وما زال يعرف بالحشرج الى اليوم ، وهو الوادى الرئيسى لشعب الهدار ، والبقية روافد له ، وفى أعلاه عين كبيرة لا تغيض تسمى " الوطاة " سوف يأتى عنها الحديث بعده . أما الحصون التى ذكرها الهمدانى فقد اندثرت غير أن هناك في الهدار قصرا كبيرا مقاما بطين صرف بدون طوب قالوا :
أن مساحته تقارب ٣٠٠٠ م وقالوا : أن الحائط مكون من جدارين متلاصقين ، وحوله آثار آبار دائرة ، وفي وسطه أثر بئر أيضا يشرب منها وقت الحصار ، ومدخل القصر من الشرق . وقالوا : ان أسرة الصباح الأولى قد سكنت هذا القصر ، لذا فهو يعرف الآن باسم صبحي . والصباح المشار اليهم هم حكام الكويت اليوم لانهم كانوا في الهدار ( ٧ ) ثم انتقلوا منه ، وسوف يشمله الحديث فيما بعد . وصبحي اليوم مقام داخلها بيوت جديدة ، وقد تسمى " طفية " . وأنا أعتقد
أن صبحى هذه هى حصن موسى بن نمير الحرشى ، وعلى كل فوادى الهدار فيه أثر حياة قديمة حيث شاهدت فيه بعض بقايا الجدران المتداعية ، وبعض أثر الآبار المندثرة كما في عشيران والهلالى وحشيرج - على صيغة التصغير - وغنوى ، وكذلك كالآثار التى بشمال مورد القطنية وفي وادى الخلفية وبقية المواضع التى يوجد بها بعض الجدر والآبار التاريخية .
الشطبتان
الشطبتان : مثنى شطبة ، تقعان جنوب الهدار ، وهما واديان ينخرطان من أعالى العارض كالهدار في المبدأ والنهاية حيث يصبان في الجدول .
وفي هذين الواديين آثار قصور وآبار تاريخية أحدثت بطريقة فنية حيث أحسن حفظها من دهم العدو وأحصنت جوانبها من السيول الجارفة فيقول من رآها : ان جانبى الوادى الذى يجرى معه السيل مرصوصان بالحجر والجص " أو الجبس " وقال انه رأى آبارا صغيرة جدا في داخل البيوت حيث لا تتسع الا للسطل ، طولها قريب من المتر ، مغطاة ، ويلاحظ أن الشطبتين كانتا غيلا وما زالتا كذلك .
وعن الشطبتين يقول الهمدانى ص ١٥٢ :
" ثم رجعنا الى الفلج تهب الجنوب منه
المذارع مذارع بنى قشير . . ثم الشطبتان
وهما نخل ومياه لبنى الحريش "
وعنها قال الاصفهانى ص ٢٢٦
" وحذاؤه - أى الهدار - الشطبتان
وهما واديان فيهما نخيل وهما للحريش
وقشير "
وهنا تناقض بين كلام الهمدانى والاصفهانى ، حيث قال الهمدانى :
ان الشطبتين لبنى الحريش وحدهم . أما الاصفهانى فجاء بزيادة هى : أنهما للحريش وقشير ، وأرى أن كلام الاصفهانى هو الحق لأنه ينقل عن كلام أبى الازهر الجعدى . وأهل مكة أدرى بشعابها خلافا للهمدانى فلعله يسوق الكلام من معلوماته الخاصة أو مشاهداته القصيرة .
والشطبتان الآن تعرف الجنوبية منهما بـ " الضبعية " والشمالية منهما تعرف
بـ " الشطبة " وفيهما الآن بعض النخيل القليل ويلتقى سيلهما شرقى الخط المسفلت في موضع يسمى : " المقرن " وشرقى الخط المسفلت بقدر ٢٥٠ مترا تقع بئر قديمة ، ما زالت موجودة تعرف " بالعجلية " وهى في الافلاج أشهر من نار على علم . . وفي أعلى وادى الشطبة توجد " قلتة " ( ✶ ) تسمى القدر ، يلبث فيه الماء بعد السيل طويلا ، واذا تتابعت السيول على الشطبة والضبعية غالت بطحاؤهما - أى صارتا غيلا -
ويسكن الآن في الضبعية جزء من قبيلة الوداعين من الدواسر . وفي الشطبة الخضران وأحدهم خضرانى من الدواسر ، والوداعين الخضران تغلب عليهم حياة البداوة ولا يفوتنى أن أبين أن الشطبة والضبعية هما الحد الجنوبى لمنطقة الافلاج قديما والآن أيضا .
وبعد ، فهذه نبذة تاريخية عن قوى الافلاج التاريخية التى كانت قبل ألفي عام والتى اندثرت قريبا من القرن الرابع الهجرى . وقلت قريبا من القرن الهجرى على وجه التقريب لأن مؤلف كتاب صفة جزيرة العرب " الهمدانى " توفي سنة ٣٣٤ هـ بعدما أكمل تأليف كتابه ، ولانه في آخر القرن الخامس انساح في الافلاج قبائل متعددة من طئ وقحطان وسبيع ، على ما يأتى بيانه فى الحلقات القادمة ان شاء الله .
والى اللقاء في الحلقة الخامسة حيث نتحدث فيها عن موارد الافلاج التاريخية باذن الله ، وتحياتى لعبدالعزيز العمار .
