الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

الأفلاج

Share

- ١ -        حمدا لله تعالى اذ أتاح أبو نبيه لى فرصة ليست قصيرة لأفتح للقراء الاعزاء نافذة واسعة على بقعة واسعة من أصقاع بلادنا العزيزة ، تلك هى المنطقة المترامية الاطراف: منطقة الافلاج فى حديثها وقديمها وقراها وشعابها وجبالها ومواردها ونحو ذلك مما هو هام .

سبب التسمية :   الافلاج مفردها فلج وبه عرف قديما (١) وحديثا والافلاج قديما اسم عام لما بين وادى برك ووادى الشطبة ورمال الدبيل وصحراء البياض .

والفلج قديما يخص مجموعة من القرى متلاصقة ببعضها شرقى جبال العارض مطلع شمس مسيرة ضحوة للمطية - ٢٥

كيلو - والقرى قديما المعروفة بالفلج هى : الهيصمية والزرنوق والمحطى وسوق الفلج والزهدحى ، وقرن والقاع وحصن مرغم والقصر العادى وسيح أطلس وسيح الرفادى .

وفى الافلاج قول امرؤ القيس الكندى :

بعينى ظعن الحى لما تحملوا

     على جانب الافلاج من بطن قيمرا

ويقول القحيف العقيلى :

سلوا فلج الافلاج عنا وعنكم

      وأكمة اذ سالت سرارتها دما

ويقول أيضا :

سقى فلج الافلاج من كل همة

         ذهاب ترويه دماثا وقودا

به تجد الصيد الغريب ومنظرا

      انيقا ورخصات الانامل خردا

والفلج - فلج - قال ياقوت بفتح أوله وثانيه وآخره جيم والفلج الماء الجارى من العين . قال العجاج : (( تذكر أعينا رواه فلجا )) أى جارية يقال عين فلج وماء فلج      وقال الجعدى :

نحن بنو جعدة أرباب الفلج

   نحن منعنا بطنه حيث انعرج

    نضرب بالسيف ونرجو بالفرج

وقال القحيف العقيلى :

وبالفلج العادى قتلى اذا التقت

        عليها ضباع الغيل باتت وظلت

هذه نصوص دالة على قدم تسميته بالفلج والافلاج وسببها كثرة الانهار الجارية فيه . . يقول المؤرخ عبد الله عبد العزيز الفالح: ان أنهار الفلج قديما بلغت ٣٦٠ نهرا جاريا وقد اندثرت جميعها ولم يبق سوى عدة عيون جنوب ليلى بعشرة أكيال تقريبا .

هذا ولا يعرف بدء تسميته بالفلج والافلاج ولعلها موغلة فى القدم كقدم الزمن وبالافلاج يعرف حتى اليوم .

الفلج قبل بعثة الرسول (ص) :     يقول صاحب كتاب (( مدينة الرياض )) في ص ١٠ : ( اليمامة وهو الاقليم الذى يشمل فى العهد الحاضر ما يدعى : العارض وسدير والمحمل والشعيب والوشم والخرج. والفرع - وهما الحوطة والحريق - والافلاج)

ويقول أيضا فى ص ٢٧ : ( ونقل الهمدانى عن زبور قديم ، ان قبليتى طسم وجديس من أبناء قحطان بن عابر ( الاكليل ج ١ ص ١١٩ ) وكانت طسم تسكن فى واديى العرض والوتر وما بقربهما الا ان نفوذها كان يشمل . . الخ . .

وهذه العبارة تدلنا على أن الفلج كانت تحت نفوذ طم وجديس وربما سكنها منهم أحد لان الفلج كان من اليمامة كما تدل عليه النصوص . . وبقيت اليمامة تحت نفوذ طم وجديس ومن ضمنها الفلج حتى قضى عليهما الملك اليمنى حسان أسعد أبو كرب وذلك عام ٤٢٠م تقريبا وبسط نفوذه على اليمامة كلها حتى شاء الله .

وقال أيضا ص ٣٥ : ( قال ابن خلدون : كانت اليمامة والطائف بيد بنى هزان بن يعفر بن السكسك الى أن غلبهم عليها طسم ثم غلبهم عليها جديس .. الخ )

وهذه دلالة أخرى على تعيين سكان اليمامة ومن ضمنها الفلج قبل طسم وجديس

والخلاصة أن الفلج سكنه نفر من بنى هزان وذلك قبل ١٧١٥ قبل الميلاد بأحقاب طويلة ، وعام ١٧١٥ - ق. م. هو العام الذى غزا فيه الملك اليمنى ذو جيشان بن أفريقس ، قبيلتى طسم وجديس وبسط نفوذه عليهما بسط طسم وجديس نفوذهما على الفلج ، ولعل بعضهم سكنها ، ثم بسط نفوذه عليهما وعلى الفلج الملك اليمنى حسان ابن أسعد أبو كرب وذلك عام ٤٢٠ م تقريبا ثم وجد بالافلاج بنو قشير وبنو جعدة وكعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ، ولا أستطيع تحديد نزول هذه القبائل بالافلاج ولعلها نازلت طسما وجديسا فى آخر عهدهما وبقيت حتى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسوف يأتى الكلام عنهم فيما بعد.

هذه نبذة تاريخية عن الفلج قبل نزول بني جعدة وبنى قشير وبنى كعب فيها أما بعد نزول هؤلاء القبائل بالفلج فلهم فيه تاريخ مجيد وعريق وطويل فقد عاشوا في الفلج أكثر من خمسة قرون حتى انقرضوا فى أوائل عهد بنى العباس أو وسطه .

أقسام الافلاج التاريخية :    الافلاج يتكون من عدة مواضع كثيرة تاريخية عرفت فى عهد بنى جعدة وبنى قشير وهى : الفلج والفيل وأكمة والمذارع والهدار وكل واحد من هذه المواضع يتكون من عدة أحياء وقرى وقلاع وحصون ما زال بعضها قائما الى الآن .

١ - الفلج : ذكره الاصفهانى - ص ٢٢١ - ٢٢٢ - (( وبالفلج نخيل ومزارع وأنهار وهو من قرى اليمامة بينه وبين حجر مسيرة عشر مراحل ))

والفلج يتكون من قرى آخذ بعضها برقاب بعض ويقع فى كبد صحراء واسعة غرب البياض وشرقى جبال العارض بمسيرة ضخوة للمطية ، وشمال الفلج وادى الغيل وجنوبه صحراء ممتدة حتى المذارع - البديع الآن - وقرى الفلج هى :

١ - الهيصمية : وهى كبراهن ، وهى حصن عظيم لبنى صهيب من قشير . وقيل هم موال فيهم ، وذكرها الهمدانى حيث قال - ١٦٠-١٦١ - : (( الهيصمية لبنى صهيب من بنى قشير وهى مدينة حصينة ركض على جدرها أربع من الخيل وجهد الغالى بالسهم أن ينال رأسها ))

هذا لفظ الهمدانى ولم يحدد موقعها وهى فى شمال الفلج وحدودها الآن شرقى مدينة ليلى قاعدة الافلاج الآن ويتطرقها طريق قرية السبح - جنوب شرقى ليلى - وتمتد شرقا ويحدها جنوبا محطى بنى جعدة - - طمته الرمال الآن - .

والهيصمية في زمانها وعنفوان شبابها بها كثير من الحوانيت والحدادين وصواغ الذهب وكانت تتسوق بها نزار واليمن ويدل على ذلك قول الرحالة الفارسى ناصر خسرو الذى زار الفلج عام ٤٤٣ ه : (( وأخيرا أتت

قافلة من اليمامة لاخذ الاديم وحمله الى الحسا فانه يحضر من اليمن الى فلج حيث يباع للتجار )) ص ٧٥ من كتاب مدينة الرياض - وما زالت حوانيت الحدادين واضحة الاثر حيث تدرك بالرائحة وحدث عن ذلك عبدالله الماجد فى مجلة العرب (٢)

وبذلك قال بعض كبار السن العارفون ، وهذه المدينة الزاهرة ذات البنيان الشامخ والحوانيت الكثيرة والتجارة الرائجة من كل نهج وصوب .

هذا كله تغطيه الآن أهلة من الرمال الكثيرة ومن بحث في الرمال عثر على الجدر المتداعبة .

٢ - الزرنوق : قاعدة بنى قشير بالفلج وبها مقر الحاكم وحاشيته وعنه قال الاصفهانى : ( ومنازل بنى قشير فى ناحية السوق على شط الوادى نخيل ودور وحيطان ويسمى منزلهم الزرنوق ) (٣)

والوادى المذكور هو وادى أكمة - وادى الاحمر الآن - وموقعه الآن واضح اذ يقع على جانب وادى الاحمر شمالا شمال قرية الخرفة مباشرة ، وبعض النخيل التى فى شمال الوادى قامت على بعض أنقاض الزرنوق ويبعد الزرنوق من ليلى قاعدة الافلاج ١١ كيلو مترا تقريبا ، وما زال قليل من الاطم البسيطة قائما وبعضها حرفته السيول .

٣ - سوق الفلج - موقعه شرقى الزرنوق مباشرة ولعل أحدهما ملتصق بالآخر وسوق الفلج شمال الوادى المذكور آنفا . والسوق شمال شرقى قرية الخرفة الموجودة الآن .

قال الهمدانى عن سوق الفلج : (( وسوق الفلج عليها أبواب الحديد وسمك سورها

ثلاثون ذراعا ومحيط به الخندق وهو منطق بالقضة (٤) والحجارة والشاروق قامة وبسطة خوفا أن يحصر أو يرسل العدو السيوح عليه وفى جوف السوق مائتان وستون بئرا ماؤها عذب فرات يشاكل ماء السماء ولا يغيض واربعمائة (٥) حانوت )) .

ويقول الاصفهانى عن سوق الفلح : (( وسوق الفلج ببطحاء واد يسمى وادى أكمة واسم الوادى كرز )) ص٢٢٤ ، والوادى المذكور هو وادى الاحمر الآن .

هذه النصوص تدلنا على عظم البناء وقوته وشدة تحرس أهلها من الاعداء وحيلهم وكل هذه جرفتها السيول وذهبت هباءا منثورا .

وحكى لى رجل من قرية الخرفة الآن حكاية تشبه الخرافة ولا أدرى مدى صحتها قال : ان حجاج الخرفة قبل ٤٠ عاما تقريبا قابلهم رجل هرم فى أحد شوارع مكة وقال لهم هل أنتم من أهل الخرفة ؟ قالوا . نعم . قال : أتعرفون الاثل الذى بشمال شرقى الخرفة؟ قال : نعم . قال : ان بين أثلتين منه بئرا صغيرة مملوءة بالذهب ومسقفة بسيوف ورماح وان أردتموها فاذهبوا بى معكم أدلكم على موضعها ولكن أشترط عليكم أن تردونى الى مكة ولو جنازة . فأبوا شرطه وتركوه .

وأردف الراوى أن الشركة التى أصلحت خط الجنوب المسفلت عثرت على حفرة واضحة الجوانب حتى انها وضعت حولها موانع من أن تقع فيها احدى السيارات ورصف فوقها الخط المسفلت . . ولعلها ما ذكره صاحب مكة المذكور فى سوق الفلج المندثرة الآن .

والحديث عن الكنوز التى يعثر عليها فى الفلج أو يعلم موضعها كثيرة جدا ولا نستبعد وجود الكنوز في الفلج فهو بذلك حرى ولكن أين الباحثون ؟

٤ - قرن : يقول الاصفهانى ص ٢٢٤ : (( ولبنى قشير أيضا قرية على فرسخ من الزرنوق يقال لها قرن فيها نخيل ودور ومزارع ))

وعنيت كثيرا بأن أجدها ولكن دون جدوى . فسألت الفلكى المؤرخ عبدالله الفالح عنها فقال هى شرقى قرية الصفو مباشرة ، وقرية الصفو قرية من قرى الافلاج جنوب ليلى بـ ١٢ كيلو مترا وقال ان خربتها ما تزال تدركها الانظار ، وهذا ليس ببعيد فالموضع يبعد عن الزرنوق بمقدار فرسخ كما قال الاصفهانى (٦) والآن أطمها وجدرها هامدة لا حياة فيها ولا رمق وما لميت من حياة .

٥ - قاع : وقيل القاع قال عنها الاصفهانى(٧) : والقاع أيضا قرية لبنى قشير حذاء قرن ((

ويقول أهل الصفو ان بالصفو بعض الجدر الاثرية وما زال مدخل القرية من الشرق موجودا لذا لعل الصفو قامت على أنقاض قاع لان الصفو حذاء قرن المذكورة وما ذلك ببعيد .

هذه بعض قرى الفلج وسوف نكمل الحديث عن بقية قراه وغيرها في حديث قادم ان شاء الله تعالى .

- للحديث صلة -

الافلاج - واسط-

اشترك في نشرتنا البريدية