كتبت في بريد القارئ بمجلة المنهل الغراء عن جبل ( تخلى ) الذي كتب عنه السنوسى شاعر الجنوب في هامش الرحلة الى اليمن تحت عنوان : ( الجبل العجيب ) ونشر فى المنهل فى عدد صفر ١٣٩١ ه . ومع انه ذكر في مقاله اني قلت له : ان الاوصاف تنطبق على جبل ( كحلان ) وقد تساءل في آخر المقال عما إذا كان غيره ؟ وطلب من القراء خصوصا اليمنيين الافادة بما يؤكد ما قلت او ينفيه . وقد اتصلت بالمؤرخ المؤلف الحجة القاضي العلامة محمد بن علي الاكوع الحوالى الحميرى مؤلف " اليمن الخضراء " والمعلق على " الاكليل " الجزء الاول والثاني وقد أفادني خطيا ابقاه الله بان جبل ( تخلى ) هو جبل مسور ( ١ ) وارسلت الجواب كما ذكرته في بريد القارئ لنشره في عدد ربيع الاول ٩١ وقد نشر ، وان لم أتسلم العدد .
شاءت الاقدار بل شاء الله القدير أن أزور العلامة المؤرخ محمد الاكوع ، وأن أتصل به شخصيا ، وأن اكتب عنه سطورا في مجلة المنهل : اكتب عنه لمحة كواجب نحو علمائنا ، وهناك دوافع وحوافز يفرضان على كل ذى نفس حرة الاعتراف بالجميل .
ان القاضي محمد الاكوع ليس مؤرخا متضلعا منقبا باحثا متتبعا فحسب بل هو من اساطين العلم في المعقول والمنقول والفروع والاصول . وهو أديب لامع حفاظة راوية إذا كلمته عن شخصية تاريخية أو فاتحته عن مسألة فقهية أو عن نكتة نحوية يجيبك جوابا شافيا بل يشبع الموضوع ( تريك سناه أيسر اللمسات ) كما يقول
حافظ واصفا علم الامام محمد عبده . فالشيخ محمد الاكوع شيخنا ، استفدنا منه كثيرا كما افاد الكثير فى مدينة اب وذمار وذى سفال من رواد العلم وعبافرة الادب وافذاذ الشعراء ومن ظهروا نجوما نيرة في سماء الادب اليمنى.
لسنا في هذه المقالة المقضبة نريد الاستقصاء لتلاميذه او الاحاطة بفوائده فذلك مما يحتاج إلى كراريس بل كتعريف به ( و هو معروف ) وتقليد جيد العدد بشذرات من كلامه البليغ وأدبه الرفيع مما علقه على الجزء الاول من الاكليل وعلى غيره ان استطعنا بعد ذكر شئ من مؤلفاته التى طبعت والتي لا تزال تحت الطبع والتي هي في كراريسها مخطوطة مهيأة للطبع .
انا اذ نفخر بمؤلفي التاريخ في الجزيرة العربية كأمثال الانصارى والجاسر والعقبلى والقرشى والواسعى نفخر اشد الفخر باستاذنا الاكوع لانه قفز قفزة وصل بها القمة فبينما ( الاكليل ) في الكتب والمصادر كاسطورة خيالية أو كشىء غامض بين سمع الارض وبصرها ووارثة عن الانظار والايدى العابثة كما توارث ( ارم ذات العماد ) بينما كل أديب وعالم ومتطلع يتشوفون اليه ويتمنون العثور عليه ولو بأعلى القيم واغلى الثمن ولم يكن من هذا المؤلف الجليل الا الثامن والعاشر بينما الناس لا فى جزيرة العرب وحدها بل فى الدنيا كلها اذ بالشيخ الاكوع يخرج للناس كتابين جليلين بل سفرين يسفر القناع عن كل واحد منهما عن اضواء التاريخ القديم يترك المطالع سابحا فى بحر لجى بل فى حدائق عن ، وبساتين تشمل ما لذ وطاب من الفوائد الجديدة فى
ظهورها بعيدة المدى في حوادثها ، فكان الشيخ الاكوع نسج وحده وفريد عصره.
والقاضى محمد بن على الاكوع من بيت علم وفضل وتاريخ ومعارف واسعة . وكان ذلك من العلماء المؤرخين ، ومن حملة الآثار ، وحنطته ، وقد تتلمذ لأبيه ومن على شاكلته فطاحلة العلم في ذمار وصنعاء واب . فهو من وسط حافل بالمعارف ومن بيت يحتم عليه ان ينهل دوما من معينهم الصافي النمير . . فمن مؤلفاته :
- اليمن الخضراء ستة مجلدات تحت الطبع . - الجزء الاول والثاني من الاكليل طبع بمصر .
- صفة جزيرة العرب مع التعليق الوافي تحت الطبع . - تاريخ عمارة مع التعليق عليه طبع بمصر .
- تاريخ الربع مع التعليق عليه تحت الطبع . - تفسير الدامغة للحسن بن احمد الهمدانى المشهورة تحت الطبع ( ٢ ) .
- معجم واف لجميع اليمن لا يزال كراريس ومواد متفرقة ويهتم به اهتماما كبيرا .
هذه بعض المؤلفات الجاهزة غير الفوائد والفتاوى والمجموعات المقيدة . والمؤلف - بفتح اللام - الاخير وهو المعجم لم يظهره لي
الشيخ الا بعد ان اهدينه المعجم الجغرافي للمخلاف السليمانى للاستاذ المؤلف الاخ محمد بن احمد عيسى العقيلى . سمته فتناوله مسرورا وكرر البحث فيه واطلع على بعض المواد التى كان يبحث عنها وعندما هدأ ناولني كراريس بقلمه الجميل الذى لم أر أقوى حظا وأوفى استقامة ووضوحا منه . ناولني كراريس من معجمه ، فوجدته من أوفى المعاجم وأتقنها وأصحها فهو في بعض الاسماء من الجبال والآثار والقرى العامرة والاطلال والأودية والسهول والهضاب لم يرض براو أو رواة حتى يشاهد أو يعرف انه قد وقف على الحقيقة وسيخرج بحول الله مع غيره من مؤلفاته الى المكاتب العامة ليستفيد منها الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين مشاربهم واختلاف وجهات انظارهم .
فمن كلام القاضي محمد الاكوع فى الجزء الثاني من الاكليل يصف ما كان يلقاه من تعب وما يقاسيه من سهر وتعب شأن المجيدين الذين يكرسون أوقاتهم فى نفع الناس . قال في الصفحة ٨ :
وقد قضيت في تنقيحه وتصحيحه الليالي الطوال ، والابام الطوال ، وقطعت في تحقيق كلماته وتدقيق ألفاظه ، وقتا ، كنت انحته من نفسي نحتا ، وأفنيت في ضبطه وتحريره ومقابلته على اصوله ومراجعته ، أعز أوقاتي ، وأنفس ساعاتي . وقد كنت استشعر الدنى في بعض الاحايين ، وان اعصابي قد خارت ، وان فكرى قد احترق ، فألقي الاوراق والقلم بين يدى ، بدون علم ولا شعور ، واسند رأسى الى وسادة بجانبي ، حتى يذهب عنى الوجال ، ويزول ما كنت اخاف واحذر، وهكذا دواليك .
كل ذلك علم الله خدمة للعلم وأمانة للنقل ، وحرصا على حفظ روح الاصل من التحريف والتصحيف ، واخراج الكتاب بصورة تروق للناظرين ، حاملا بين طياته الاجيال السالفة ، والامم الخالية ، والاسلاف والامجاد .
الى ان يقول حفظه الله بعد ذكر ما عاناه من قلة المراجع والبحث عن اسماء البقاع التى درست أو تغيرت اسماؤها :
فاذا أظلم ليل الشبهات ، واستغلق عن الامر المعنى ، اهتديت بعد تفكير عميق ، وفي هجعة من الليل ، وفي دعة وسكون وخلو بال واستجمام فكر ، الى حيلة هى اقرب وانفع الوسائل لرفع الاشتباه والالتباس ، الا وهي الرجوع الى اسماء البقاع والاماكن ، ولو كانت مندرسة ، فاستنطقها واتساءل معها في صمت وتاسى ، فأجد عندها بغيتي ، وفك محنتي ، وازاحة علتي ، فأرجع في كثير من المشاكل ، الى من تبقى من نسل هذه القبائل ، أو من هذه الاسر ، ولو كانت قد تناست اهلها ، او عفى الدهر على رسمها ، فسرعان ما يتحرك في عروقها الدم ، ويجرى في محياها ذكر ماضيها .
تم ما ذكره . وله في وصف الكتاب الاول والثاني وتقريظ المؤلف الهمدانى ما يعد من أبلغ الكلام ولاسيما بالنسبة الى تعقيد الكلام في بعض مؤلفي العصر فاستاذنا كاتب بليغ لا يهتم بالسجع والمحسنات البديعية الا ان تأتيه عفوا كثر الله في العلماء من أمثاله وبارك لنا وللمسلمين فيه .
