أوفدني " اتحاد الكتاب التونسيين " الى يوغسلافيا للمشاركة فى الأمسيات الشعرية باستروغا " فسافرت اليها عبر روما وزغرب ووصلت الى بلغراد مساء يوم 1977/8/17 حسب التوجيهات التى أرسلها الى السيد " جوفان ستريزوفسكى " رئيس المهرجان فوجدت من استقبلنى فى نزل يوغسلافيا " الفخم مع بعض الوفود التى وصلت فى نفس ذلك اليوم . . وفي فجر اليوم الموالي سافرنا من بلغراد عاصمة صربيا وعاصمة يوغسلافيا بجمهورياتها الست الى " سكوبيا " عاصمة جمهورية " مقدونيا " التى وصلناها صباحا ومنها واصلنا سفرنا على حافلة ضمت كثيرا من الشعراء من مختلف الحنسييات . . وكانت الرحلة فى طريق منحوتة فى الجبال والمرتفعات الشاهقة . . وبعيد منتصف النهار وصلنا الى مدينة استروغا فاستقبلنا أحسن استقبال . . وفى مساء ذلك اليوم افتتح المهرجان من قبل المسؤولين فى نزل " دريم " الواقع على بحيرة " أوخريد " وعلى مصب النهر من هذه البحيرة . .
وفي المساء أقيمت أمسية شعرية قرئت فيها أشعار عن الحرية وعن تيتو فى ناد خاص بالادباء والشعراء مطل على النهر غير بعيد من النزل ، لشعراء يوغسلافيين ، وكانت القراءة من طرف ممثلين وممثلات مشهورين هناك فزاد حسن الاطار فى جمال الصورة
وفى صباح اليوم الموالى قدمت دراسات حول الشعر المقدوني والفريسى ودار حولها النقاش وذلك فى قاعة النزل . وفي المساء قرئت قصائد يوغسلافية
ومجموعة من الشعر الجزائرى ، فقد حضر ثلاثة من الشعراء الجزائريين للمشاركة فى يوم الشعر الجزائرى كما قرئت مختارات لكثير ممن لم يتمكن من الحضور من شعرائهم مترجمة الى اللغة المقدونية وهذه سنة من سنن المهرجان حيث يخصص كل سنة يوما لبلد من البلدان تقرأ فيه أشعار ذلك البلد فى أمسية خاصة تحمل اسمه وقد ابدى السيد " لوان ستاروفا " نائب رئيس المهرجان استعداده لاقامة يوم للشعر التونسى فى السنة القادمة وأرجو أن يتم ذلك بعد تنسيق طفيف بين اتحاد الكتاب التونسيين واتحاد الكتاب اليوغسلافين بالمراسلة أو بالزيارة . . وانى لاعتقد أن الشعر التونسى فى حاجة أكيدة الى أمثال هذه الدعاية للتعريف به فى الشرق والغرب . . عملا بالمادة رقم 4 من الفصل الثالث من القانون الاساسي لاتحاد الكتاب التونسيين والمادة 5 من الفصل الثامن من النظام الداخلى للاتحاد الداعيتين الى نقل الآثار التونسية الى اللغات الاجنبية للتعريف بالانتاج التونسى ونشره وتوزيعه فى النطاق العالمى
وفى اليوم الحادى والعشرين من أوت الماضى سافر المشاركون فى هذا المهرجان على سفينة عبر بحيرة أوخريد - التى تبلغ مساحتها ما يناهز 450 كلمتر مربع - الى شبه " جزيرة القديس ناعوم " . . فكان يوما رائعا فى جو رائع وطقس أكثر من رائع توفرت فيه لوازم المتعة وهناك تناول القوم الطعام فوق المروج وتحت ظلال الاشجار وعلى خرير المياه . . ورقصوا على انغام الموسيقى كأنهم فى يوم عيد وهناك على مقربة من ذلك المكان اكتظت الضفة بالمستحمين كأنهم على شاطئ بحر فسيح واثر ذلك عدنا الى النزل استعدادا " لليلة الجسر " وهى الليلة التى يلقى فيها الشعراء الحاضرون جميعا أشعارهم بلغاتهم ثم تترجم الى اللغة المقدونية . .
وقد سميتها ليلة الجسر لان المنصة التى تلقى من فوقها القصائد تقع فوق أول جسر يمتد على النهر النابع من البحيرة ، ويصطف الجمهور على ضفتى النهر وقوفا على مسافة كبيرة . . وقد نقلت التلفزة هذه الامسية مباشرة ، فقد أخبرنى أحد الاصدقاء انه رآنى على شاشة التلفزة فى مدينة " اسبليت التى تبعد كثيرا عن استروغا قرب ايطاليا ، مما يدل على انهم كانوا ينقلون الامسية على القناة القومية لا الجهوية . وكانت تلك الليلة من أروع الليالي وانجحها صفا فيها الجو ولم يتحرك خلالها الريح الا لماما بالمقدار الذي ينبهنا الى ان المنصة مزدانة بأعلام بلداننا فيرقصها ويجعلها تهتز من آن الى آخر ليجعلنا فخورين بها فى ذلك المكان النائى
وفي صباح اليوم الموالى وقع توزيع المشاركين على المدن والقرى التى يمكن ان يقع فيها نشاط ثقافى امتدادا لمهرجان استروغا وكان من نصيبى الذهاب مع الصديق الشاعر اليوغسلافى أدام بوسلوفيتش " Adam Puslojic إلى مدينة فينيتسا حيث أقمنا أمسية شعرية قرأت فيها ست قصائد مع ترجماتها الى اليوغسلافية وقرأ الزميل اليوغسلافى أدام ثلاث قصائد . وكانت أمسية شعرية ناجحة جدا حضرها كثير من المهتمين بالشعر وقد لمست بنفسي مدى ذلك النحاح الذى أكده لى السيد " بافلوف كيريل PavloV Kiril المسؤول هناك عن انجاح هذه الامسية الشعرية ولا يسعني فى نهاية الحديث عن أمسية فينيتسا إلا أن أقدم شكرى للاخت ناتاشا . T Nioso التى قرأت على الحاضرين شعري مترجما الى اليوغسلافية
واثر زيارة إلى مصنع الخيام بمدينة فينيتسا فى صباح اليوم الموالى عدنا الى سكوبيا فوجدنا بعضا من الشعراء فى طريقهم الى " البنك المركزى أو القومي لتقديم جلسة شعرية لم يشارك فيها الا الذين قضوا ليلتهم فى سكوبيا وقد بلغني انها كانت ناجحة ، حضرها جمهور غفير ، وفي المساء نظمت أمسية شعرية شارك فيها معظم الشعراء الذين شاركوا فى " ليلة الجسر باستروغا "ببناية عتيقة بدو أنها كانت مسجدا أو تكية من بقايا العهد التركي ولم يبق من الشعراء العرب غير الشاعر اللبنانى ميشال سليمان وكاتب هذه السطور . . وأثناء الخروج تقدم منى أخوان من العراق الشقيق ليشكرانى على هذه المشاركة . . وأكد لى واحد منهما نجاح الترجمة نجاحا كبيرا فى تأدية معني القصيدة اذ انه مقيم هناك وأما الثاني فهو فى زيارة.
وأعود الى الترجمة فأشكر الاستاذ المستشرق اليوغسلافى " داركو تاناسكوفتش " الذى ترجم تسع قصائد من شعري الى الصربية لغة العاصمة اليوغسلافية وهي مفهومة فى كامل الجمهوريات تقريبا . . وقد تزودت بمجموعة من نسخ هذه القصائد المترجمة ووزعتها ، وقد ابدى كل من اطلع على هذه الترجمة الاعجاب بها وسألوا عن المترجم ظانين انه شاعر يوغسلافى لصفاء لغته ودقة ترجمته
وبالمناسبة فانى اقترح - فى صورة ما اذا وقع الاتفاق على اقامة يوم للشعر التونسى فى السنة القادمة باستروغا - أن يقع تكليف داركو تاناسكوفيتش بترجمة القصائد التونسية لتكون الترجمة أمينة وأقرب ما تكون الى النص
العربى ، وذلك أفضل من اللجوء الى ترجمتها الى الفرنسية ثم الى اليوغسلافية فتضيع المعانى وتكون الترجمة مشوهة
والملاحظ ان السيد " داركو " بحكم اقامته فى تونس طيلة عشرة اشهر من سنة 1977 قد تعرف على معظم الادباء والشعراء التونسيين وكون معهم علاقة شخصية ودرس أدبهم عن كتب ودرس ملفاتهم الشخصية فى اتحاد الكتاب بحيث أصبح خير من يترجم لهم ويكتب عنهم
وبالاضافة الى كل ذلك فقد أبدى استعداده للقيام بهذه المهمة الهامة . وهو كأستاذ جامعي في جامعة بلغراد يستطيع نتيجة لعمله هذا أن يدرس او يعرف بالأدب التونسى فى بلاده
ولا يفوتني أن أشير الى " أمسية شعرية " هامة وقعت فى مدينة " أو خريد " التى تحمل اسم البحيرة المجاورة لها والتى تبعد عن استروغا " بحوالى 14 كلم . . وكانت الامسية الشعرية فى كنيسة عتيقة تعانق فيها الشعر والنغم الاصيل . . والرسوم العتيقة التى ظلت مطموسة طيلة العهد التركى واستفاقت مجلوة مع العهد الجديد : عهد الحرية . . والنور . . والالحان . . والشعر .
ولا يفوتنى فى النهاية أن أنوه بما بذله المنظمون لهذا المهرجان من جهد وما قاموا به من حسن تنظيم لانجاح المهرجان وجعله فى المستوى المشرف
واعتقد انه لا يجوز لى أن اتحدث عن جمال هذه الجهات وامكانياتها السياحية فذلك أكثر من أن ألم به في كلمات . . وهو ليس من مشمولات هذه الكلمة الخاصة بمهرجان الشعر باستروغا .
فى الختام شكرا لكل من وزارة الثقافة ولاتحاد الكتاب التونسيين اللذين حرصا كل الحرص على أن تكون تونس ممثلة في هذا المهرجان . . وان يسمع صوت تونس فى تلك الربوع . . وقد سمع فى السنوات السابقة أكثر من مرة على يد نخبة من الشعراء التونسيين وسيسمع هناك ، وفى شتى البلدان بفضل ما تبديه وزارة الثقافة واتحاد الكتاب من اهتمام بالشعر والادب فى شتى المناسبات

