بمناسبة الذكرى المائوية لوفاته
ان ديوان « نزهة الخاطر فى قريض الامير عبد القادر » تأليف الامير محمد نجل الامير عبد القادر الجزائرى قسم كاف يعطينا صورة واضحة عن قيمة الامير وقوته الشعرية ومقدرته الفنية فى الفخر والتهنئة والعتاب والشوق والتوسل واللغز والتصوف والمدح والتغزل وغيرها بدأ ينظم الشعر ويتعاطى قريضه وهو دون الخامسة والعشرين من سنه ولم يسبق له ان تعلم موازين الشعر ومقاييسه ولم يتلق أصول ومبادئ الشعر على استاذ ما خبير فى فنون الشعر وأصوله ، ولقد جمع بين كفاح السيف والقلم - فهو أول شاعر في المغرب العربى الكبير الكبير كله وفى الجزائر خاصة ففي 23 فيفري 1847 م . عندما وصل الى مقام سيدي ابراهيم الذى سبق منذ عامين ان انتصر فيه على الجيش الفرنسى وهزمه شر هزيمة فى ذلك المكان وجد فى انتظاره ( الدوك دومال ) ابن الملك والجنرالين ( لاموسيار ) و ( كافنياك ) وغيرهم من الاعيان فسلم نفسه اليهم بعد ان صلى ركعتين فى المقام وكان ذلك فى 23 ديسمبر 1847 وفى تلك الساعة التى سلم فيها الامير نفسه ردد شعرا جادت به قريحته وفاضت به نفسه هو ابن اللحظة قال :
قلدت يوم البين جيد مودعى دررا نظمت عقودها من أدمعي
وحدا بهم حادى المطايا فلم اجد قلبي ولا جلدى ولا صبرى معى
ودعتهم ثم انثنيت بحسره تركت معالم معهدى كالبلقع
ورجعت لا أدرى الطريق ولا سبيل رجعت عداك المبغضون لمرجعى
يا صاح ، ع . . وانصت لاخبار الهوى حاشا لمثلك ان يقول ولا يعى
أنى احدث بالهوى بغرائب وعجائب حتى كان الاصمعى
يا نفس قد فارقت يوم فراقهم طيب الحياة ففي البقا لا تطمعى
ولنستمع اليه كيف يقول مفتخرا :
لنا فى كل مكرمة مجال ومن فوق السحاب لنا رجال
ركبنا للمكارم كل هول وخضنا ابحرا ولها زجال
قضى سبعة عشر عاما من الكفاح التحريرى للوطن ونلمس صدق قوله فى حكمته فى فصل قضية تفضيل البدو على الحضر اذ يقول :
يا عاذرا لامرئ قد هام في الحضر وعاذلا لمحب البدو والقفر
لا تذمن بيوتا خف محملها وتمدحن بيوت الطين والحجر
لو كنت تعلم ما فى البدو تعذرنى لكن جهلت وكم فى الجهل من ضرر
ثم يقول الشاعر الامير عبد القادر الجزائرى :
سفائن البر بل انجا لراكبها سفائن البحر كم فيها من الخطر
لنا المهاري وما للريح سرعتها بها وبالخيل نلنا كل مفتخر
وفى قوله :
ما فى البداوة من عيب تذم به الا المروءة والاحسان بالبدر
وصحة الجسم فيها غير خافية والعيب والداء مقسوم على الحضر
من لم يمت عندنا بالطعن عاش مدى فنحن اطول خلق الله فى العمر
اما بقية اغراضه الاخرى الشعرية غير الحربية والفخرية نجد شعره الغزلى وشعره الصوفى : يقول متغزلا بزوجته :
أقاسي الحب من قاسى الفؤاد وارعاه ولا يرعى ودادى
اريد حياتها وتريد قتلى بهجر او بصد او بعاد
وابكيها فتضحك ملء فيها واسهر وهي فى طيب الرقاد
الى أن يقول :
اذا ما الناس ترغب في كنوز فبنت العم مكتنزي وزادى
اما شعره الصوفى :
فمكة ذى خير البلاد فديتها فماطاولتها الشمس يوما ولا النسر
بها كعبتان : كعبة طاف حولها حجيج الملا بل ذاك عندهم الظفر
وكعبة حجاج الجناب الذي سما وجل فلا ركن لديه ولا حجر
لقد امتاز الشيخ الامير الشاعر عبد القادر الجزائرى بتصويره الصادق لحالة وطنه تصويرا واقعيا عبر عنه فى روائع اشعار وقصائده لقد طرق كل أبواب الشعر من مدح وعتاب وفخر وتوسل وشوق وتغزل وتهنئة ومطارحة وما الى ذلك من الاغراض الشعرية المختلفة الاخرى فجاء شعره صورة طبق الاصل لما يقوله الادباء والكتاب اليوم فى تعريف الشعر من انه تعبير وتصوير صادق أصيل على غاية من الدقة والحسن والجمال .

