الليل مغطش يسوده السكون .. والكون ساج تكتنفه العتمة وقد نامت العيون فلا تسمع همسا ولا تحس لاحد ركزا . . ولا يشق هذا الصمت المطبق الا صفارة العسس وهى تجوس خلال الديار وتمزق كبد الليل الوسنان . .
وهناك فى حجرة مهجورة حفيره مسقوف نصفها وباد من النصف الباقى اطراف السقف المهيض كانها امعاء ضامرة مندلعة مزقتها سكين الخراب . . هناك فى تلك الحجره المهجورة الصغيرة كأنها شق الثعابين من اطلال ذلك البناء القديم المتهدم كانت تسكن وتنام اسرة كاملة العدد قوامها الاب ( برهوم ) والام ( سكرة ) والابن ( مطر ) والبنت ( معتوقة ) وكان ( برهوم ) رب الاسره كسيحا لا يقدر على الوقوف فكان عمله ان يجره ابنه الى حيث يجلسه على مفرق الطريق يمد يده الكسير للمارة مستجديا . . أما الام ( سكرة ) فقد اصيبت بالعمى منذ ثلاثين عاما وهي على عاهتها تدبر البيت وترتب امور العائلة واكثر شغلها رتق الفتوق .. ورفو الخروق التى يتركها الزمن على ملابس افراد الاسرة . .
واما الابن ( مطر ) فهو بطل الاسره فى مجال الكسب اذ يخرج منذ الصباح
المبكر فيتقمم لها من ( الحلقة ) . . ثم يغدو على متعهد توزيع الجرائد فيعاونه كموزع جوال ويكسب من ذلك بضعة قروش فى اليوم حتى اذا دلف الليل فانه يجلس مع ابيه فى مفرق الطريق يعاونه على تأدية مهمته ويحرك عطف المحسنين عليها بأسماله المهلهلة التى طالما رتقت من فتوقها ربة البيت . .
اما ( معتوقه ) فانها تغدو وحدها مرتدية ( جامة ) رمادية ممزقة تطل من ثقبيها عينان زئبقيتان . . وتقوم بجولة يومية تمر فيها على كافة دكاكين السوق وحوانيته فاذا توسمت فى شخص ما . العطف والاحساس وحسن البزة تابعته بصوتها المرتعش ملحة فى سؤالها حتى يرثى لها فينفحها بحسنة او يغلظ لها الرد فتتوقف عن السير فى طريقه . .
وكانت هذه الاسره سعيدة ببرنامجها اليومى الذى تؤديه فى نشاط ملحوظ دون ان يبدو على احد افرادها كلل او يعتوره سأم او ملل
وسار موكب العمران في انحاء البلدة يتفحص اساريرها ويزيل من وجهها ما علق به من كلف الخرائب والاطلال وكان الركب مد اعجه كثيرا توقع الخرابة التى تجثم في احضانها الاسرة فتوقف يجيل الطرف طويلا ثم همس
لصاحبها ان عليك ان تسارع الى تعميرها لتضمن لك مالا مدرارا لا سيما واجور العقار واثمانه قد بلغت أوجها واعتلت قيمتها . .
وفي يوم تاريخي كريه صبحت الاسرة معاول الفعلة تهدم من كيان الخرابة ما تبقى فيه . . لتزيل منظرها الكئيب من الشارع الذى باركته يد العمران فاذا به نضير متجدد يميس فى صف من الابنية الانيقة الرشيقة وابصرت الاسرة صرح آمالها وصرح احلامها يتهاوى ولمست الكارثة الماحقة تصب على رأسها قرارها القاسى .. وتجلوها عن موكنها ووكرها دون رحمة او شفقة . .
الا ما اقسى صولة الزمن انه لباطش غدار . . . منذ متى واسرة برهوم تقطن هذه الحجرة التى تبعدها الاقدار عنها الآن أى ابعاد . . ؟
ان السنين والشهور ليس لها فى حساب هذه الاسرة أية قيمة فهى لا تدرى كم من الوقت مضى عليها وهى تسكنها ولكنها شهدت على أية حال مولد ( مطر ) كما ولدت فيها أخته معتوقة ، وشامت الاسرة فيها ايام شظف ومسغبة كما لقيت ايام فرح وميسرة . . نعم لطالما تتابعت فيها اوقات عسر وشدة وساعات فرح وخير ولكن هذا اليوم هو بلا شك اقسى يوم يمر بهذه الاسرة المنكوبة اذ يزيلها عن عشها الذى درجت فيه فيلقى بها بكف جاسية لا ترحم الى عرض الشارع . .
ماذا جنت اسرة برهوم حتى تلقي هذا المصير السئ ويطوح بها الى عرض الطريق كما يطوح بالخروق الرثة البالية ؟ . .
الا ان هذه الدار لدارهم ، وان مالكها لظالم غاشم مستبدل فما من حقه ان يغتصب منهم بيتهم الذى لم يعرفوا سواه منذ امد بعيد ولو كان بيده صك ملك له . .
ولماذا ما دام انه سيفجؤهم بهذا الحرمان المرير ويفجعهم فى بيتهم المحبب لماذا لم يسارع الى تعمير داره من أول الامر حتى لا يذيقهم علقم هذه الكأس بكل هذه القسوة الجائرة . .
ولكن زمجرة المعاول لم تدع للاسرة بدا من الجلاء السريع واختارت مفرق الطرق مكانا وقتيا لسكناها . .
وقضت الاسرة ليلتها الاولى فى بكاء وعويل على ما فقدته من عز وما شملها من بؤس . . وفي الصباح ارتكمت حاجيات الاسرة الكثيرة . . واحتلت مساحة كبيرة من وسط الطريق . . وحينئذ كانت موضع اهتمام شاويش البلدية ( سلمان ) الذي تعود النظام منذ أمسك بعصاه ، وقد نهد فى أول الامر متلطفا يدعو الاسرة الى اخلاء الطريق للمارة . . وحينما شكوا اليه غدر الزمان وافلات الخرابة من ايديهم لم يزده ذلك الاتحديا وعنادا وتشديدا فى النكير وغلظة في الانذار . . فقد قرر ( سلمان ) الا يراهم آخر النهار فى مكانهم والا صودرت امتعتهم جميعا وفي صناديق القمامة متسع لمواعينهم الصدئة القذرة وخروقهم الرثة الممزقة
ضاع الرجاء من رحمة سلمان . . ولا بد من هجرة الى مكان بعيد . . وحينئذ كيف يتسنى للاسرة ان تحصل على رزقها اذا نأت عن موطن الخير ومراد المتصدقين . . ؟
وهاجرت الاسرة الى اقصى مكان
يمكن للبؤس ان يخيم فيه خارج البلدة واستطاعت بمجهود تبكى له صم الجلاميد ان تقيم لنفسها عشة تقيها حرارة الشمس وتسترها عن الانظار
وتصرمت سنون ..
ومات برهوم . . واعقبته زوجته الثاكلة سكرة . . وتركا مطرا واخته معتوقة بدون نصير او معين لعبة فى يد الاحداث . .
وكأن الزمن ابى ان يترك للفرخين المهيضين عشهما الحقير ينعمان فيه بالراحة والظل بل جاءت العاصفة عصر يوم كالح مغبر الاسارير فاقتلعت كوخهما وارسلت كل قصبة من قشة فى مدارها تدور مع الريح العقيم كل مدار فى اودية وقفار . .
وحين اطبق اليأس على الشقيقين كانت رحمة الله منهما بمقرب فقد دلهما بعض اهل الخير على دار سرى شهم يفتقر الى خدم لداره . . وما ان رآهما السرى حتى الحقهما بخدمته فاظهرا من الاخلاص والكفاية ماجعلهما موضع رعايته الدائمة . .
وحين توفيت زوج ذلك السرى . وكانت معتوقة قد جلتها النعمة التى استشعرتها فى دار مخدومها وروت عودها النضير فابرزت منها بعد البؤس والفاقة صورة رائعة جميلة يعتز بها أى أطار . . كان قرار ذلك المخدوم النبيل قد استقر على ان تخلفها كزوج له وسيدة للدار . .
ويمعن الحظ السعيد فى سيره فهذا ايضا مطر تمسه النعمة من صهره مسارفها ويجتمع له من المال فى يديه ما ينطلق به مرقلا الى . . الى صاحب
الدار التى تقتعد مكانا كان لهم يوما حصنا ووكنا . . وحينئذ يسارع مطر الى شراء الدار بكل ما يملك . . ويسكنها فرحا مبتهجا وان كان فى قرارة نفسه يود لو عادت طللا باليا وخرابة دائرة على ان ترجع الايام القهقرى فتسكن فيها على بؤس ومتربة اسرته التى سبق ان فدحها رب الدار والتي يتزعمها ابوه برهوم . وامه سكرة . . يعيش فى كنفها الظليل على ضالته ابنتهما معتوقة ، وابنهما مطر ولكن الايام عبر ..
