الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

الإخلاق

Share

٢

قدمنا ان علم الاخلاق يوضح معنى الخير والشر وما يلزم من معاملة الناس بعضهم  لبعض ويبين الغاية التى يقصدها الناس  فى اعمالهم ومعايشهم .

وموضوعه اعمال الانسان التى تصدر عن ارادة وعمد .

وفائدته ان من عمل بتعاليمه كان من   الصالحين الاخيار .

وغايته تنظيم اعمال الناس لاسعادهم ، والتعاليم الخلقية تتجلى باروع صورة في  الاخلاق المحمدية والأوامر الشرعية بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ) بعثت لاتمم مكارم الأخلاق وقد سبق منا ان تكلمنا في مباحث نفسية تتعلق بعلم الاخلاق كالغريزة  والعادة وموعدنا هنا في بحث الوراثة   والبيئة والإرادة

الوراثة والبيئة : يقول القانون الطبعي  أن الفرع يشبه أصله والاصل ينتج مثله  وفي الاثر : الولد سر ابيه ، وورد ايضا : تخيروا  لنطفكم فان العرق دساس ، وقديما قالت العرب :

بأبه اقتدى عدى في الكرم

ومن يشابه أبه فما ظلم

وقال آخر :

اعرف منه قلة النعاس

وخفة في راسه من رأسي

وقد اصبح قانون الوراثة من الاصول المسلم بها ولا مجال للشك فيها وانما الاختلاف فيما يورث وما لا يورث . فالمورث

كالحواس والشعور والعواطف والعقل والارادة وطبيعة الاب وشكله وكفاءته وصحته  وضعفه ، والمختلف فيما لا يورث كالعاهات من العمى والعرج والصمم . وانواع العلوم كالألفه والادب والطب والهندسة او خلق من  الاخلاق كالكبر والذل والجبن والشجاعة الى غير ذلك من الصفات مع ملاحظة اننا  لا نرث من الاصول غرائز نامية ولا ملكات ناضجة وانما نرث الاستعدادات والجراثيم والا لكان ابن العالم عالما وابن الطبيب طبيبا . والتربية العالية والتعليم هما اللذان  يساعدان في ظهور تلك الغرائز والملكات . والبيئة تطلق على الأشياء المحيطة بالانسان من بلاد ومجار وأنهار واشجار وجبال وقوم وهى اما مادية كما ذكرنا او اجتماعية  وهى ما تشمل النظم  الاجتماعية المحيطة  بالرجل من منزل ومدرسة ومهنة وحكومة وشعائر دينية وطقوس موسمية ومعتقدات وعلوم وأخلاق فالبيئة الصالحة تساعد كثيرا فى نمو الغرائز الحسنة كما أن البيئة الفاسدة تثير السيئة منها فالوراثة والبيئة  يحددان قيمة كل انسان ويقدران خيبته  ونجاحه وفي هذا المعنى يقول الشاعر

عن المرء لا تسل وسل عن قرينه

فكل   قرين بالمقارن يقتدى

على أن أكثر المواهب الانسانية يعتمد  على البيئة اكثر من الوراثة .

والإرادة : قوة من قوى النفس كالبخار والكهرباء فهي المحرك للانسان ، وعنها تنشأ

جميع الأرادات ، فملكة الانسان وقواه تكون  كامنة في النفس حتى توقظها الارادة فكل  الصفات النفسية لا اثر لها فى الحياة ما لم  تدفعها الارادة القوية لتظهرها الى عمل فى الوجود . والارادة قد تكون دافعة بان تدفع الانسان الى عمل او مانعة كأن تحرم عليه  القول او الفعل وهي بنوعيها منبع للخيرات  والشرور ، والإرادة القوية في الاعمال المحمودة  هى سر النجاح وهى عنوان عظماء الامة  ونوابغها وقد قيل عن بعض الحكماء انه كان يقول لكل من فشل فى عمل : انك لم تكن  ذا ارادة قوية . واذا كانت الارادة ضعيفة كان  لا يستطيع الانسان عمل الخير والكف عن الشر ثم لا يلبث ان يتماهل عن عمله كسلا  أو بخلا او يستسلم للشرور عند وجود المغريات أو قد تكون الارادة قويه ولكنها متجهة نحو عمل الشر كما يساعد فى المجرمين يغرمون على نوع من الأجرام فلا  يثني عزمهم شئ فتظهر قوة ارادتهم باقوى مظاهرها .  

والعلاج للارادة المريضة هو الزام النفس اعمالا تطلب جهدا او مشقة وبذلك  تكتسب الارادة قوة وعلينا ان لا نترك ارادتنا تتبخر من غير انن ننفذ ما عزمنا  عليه لانه بذلك يكتسب الانسان فشل التنفيذ والكثير منا يضع في قائمة اعماله أعمالا طيبة ليقوم بها او يتفوه بانه سيقوم  بعمل كذا وكذا ثم لا يقوم بشئ منها كسلا وتجاهلا ثم لا نجد لتلك الاعمال اثرا يذكر  واذا سئل فى ذلك أجاب بلا خجل ولا  استحياء : ) انما الاعمال بالنيات ( وتناسي قوله تعالى : ) يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون ( فالواجب علينا دائما محاولة ما أردنا عمله من الامور الحسنة ولا نسمح لارادتنا ان تتلاشى سيدي . وأما علاج الارادة

المتجهة نحو الشر فعلاجها تعريف النفس طرق الخير والشر ونعلمها بنتائج ذلك وما يترتب على عمل الشر من الجزاء والعقاب وبذلك نلزمها اطاعة بواعث الخير واجتناب بواعث الشر وهنا علينا ان نعلم هل ارادة الانسان حرة فى اتيان العمل او مجبورة  بالرغم عنها ففي هذا خلاف كبير بين علماء  الدين والفلاسفة . فذهب بعضهم الى ان الانسان مجبور على اعماله وليس له ارادة  حرة بل  القدر يصرفها كما يشاء وذهب فريق اخر قائلا أن أعمال الانسان حرة وفي استطاعته ان يفعل ما يشاء والصحيح فى هذا ان الانسان مجبور نوعا ما بمعنى انه قدر عليه فى الازل ماياتيه فى دنياه من اعمال ، وحر نوعا ما من الحرية بمعنى ان الله  منحه قوة لمزاولة الاعمال وهذا هو الجزء الاختيارى المعروف لدى العلماء وهو المترتب  عليه الثواب والعقاب ولولا ذلك لكانت الاوامر الخلقية والشرعية ضربا من العبث  ولما وجد المدح والذم ولما كانت جنة ولا نار

وجاء في الحديث الشريف أن الرسول صلاة الله عليه وسلامه كان يوما مع اصحابه فذكر مسألة القدر وقال : جف القلم بما هو  كائن الشقى شقي والسعيد سعيد " . فقال  الصحابة : اذن نتكل يا رسول الله ! فقال :  اعملوا فكل عيسر لما خلق له

والحقيقة ان مسألة القضاء والقدر تعلو عن متناول عقول البشر القاصرة  وجلها يقضي ان يعلم الانسان تفصيلات عنها من عالم  الغيب والشهادة ولذا كان الخلاف قديما  وحديثا بين الفلاسفة وعلماء الاديان ونحن هى بحثنا هذا لانطيل الكلام عملا  بقوله عليه السلام : ) إذا ذكر القضاء فامسكوا (

للبحث صلة

اشترك في نشرتنا البريدية