( * ) - 3 -
2 - الفرد الممتاز :
يبدو أن الفرد في الادب العربي عموما والشعر خصوصا لم يكن محل عناية لكن المتمعن في هذا الشعر يلاحظ أن هذا الرأى مردود لان الفرد هو العنصر الاساس في الشعر العربي بل ان الادب لم يكن ليهتم بعنصر الجماعة ولم بعضطها القيمة التى تستحق . فاغراض الشعر هى أغراض تحوم حول الفرد فالرثاء والمرح والهجاء والفخر والغزل الخ كلها تعتنى بالفرد وتوسع له المجال دون سواه . ولكن الشئ الذى ينقص الشعر العربي هو التغنى بالفرد على انه الانموذج فمدحه مثلا لا يكون بدافع مادى
لم يوحد نوع من هذا الادب الفردى فى الادب العربى القديم ولعل السبب فى انعدام هذا النوع من الافراد يعود الى طبيعة الاسلام الذي لم يخص فردا دون فرد فلا وجود لفرد وضيع ولا وجود لآخر رفيع . ثم ان الفرد الممتاز لم لكن متحذرا في التربة العربية لان العرب منذ جاهليتهم لم يعترفوا بالفرد بل منزوا الخارج عن الجماعة بالصعلوك اشارة الى رفضه ونبده والتعرى من الدفاع عنه . لعل هذين السين يفسران انعدام الفرد الممتاز من الساحة الاجتماعية ومن الساحة الادبية الا انه رغم ما قيل فيما تقدم فان الادب العربى وخصوصا الشعر لم يعدم وجود الفرد الممتاز . نعم لقد وجد هذا النوع من الافراد فى المستويين المذكورين الاجتماعى والادبى
أولا : لقد وجدفي الادب الشيعى ، فالتغنى بالامام والمهدى المنتظر يكشف لنا عن العقيدة فى الفرد الممتاز . وقد جسم هذا النوع من الادب الشاعر الافريقي ابن هاني ) 50 ( شاعر الفاطميين ومن ذلك ما قال مخاطبا به المعز لدين الله الفاطمي :
ما شئت لا ما شاءت الاقدار فاحكم فأنت الواحد القهار ) 51 ( الا ان هذا الفرد الممتاز يستمد ارادته المطلقة من معين ديني فهو اذن فرد لا يدخل فى نطاق الارادة البشرية التى تعنينا فى هذا البحث
ثانيا : عرف الشعر العربى شاعرا قد جعل التغنى بالارادة والقوة محور شعره بل جعل نفسه محور الكون . وقد عد هذه الشاعر من اشعر شعراء العرب . ومن منا لا يعرف أبا الطيب المتنب الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ) 52 ( ان أبا الطب قد ملأ دون ادراك منه فراغا كبيرا فى الادب العربى يتمثل فى هذا الجانب الانساني القوى . لقد تغنى المتنبى بالارادة وصاحبها الفرد الممتاز غناء مدويا :
واذا كانت النفوس كبارا تعبت فى مرادها الاجسام
أما إذا انتقلنا الى الادب العربى المعاصر فاننا نلاحظ أن هذا الفرد الممتاز قد محور عدة آثار أدبية وشعرية ولا شك أن العناية به تعود الى تاثير المتنبى فى الادباء العرب المعاصرين وتأثرهم بالادب الغربى الذى جعل من الفرد الممتاز محور تفكيره خصوصا فى القرن التاسع عشر مع نيتشه ) 53 ) حتى نسرب هذا التفكير الى السياسة والاقتصاد ) 54 ( . واذا نظرنا فى أدب الشابى موضوع بحثنا فاننا لا نحتاج الى جهد كبير لنعثر على هذه الفكرة بارزة ميطرة على جميع انتاجه : يومياته ورسائله وخصوصا ديوانه . فمن هو الفرد الممتاز فى نظر أبى القاسم ؟
ينطلق الشابي من تحديد خصائص الفرد الممتاز من ملاحظة حياة الافراد فوجد أن :
الناس شخصان : ذا يسعى به قدم
من القنوط وذا يسعى به الامل
وهذا الى الموت ، والأجداث ساخرة
وذا الى المجد والدنيا له خول ( 55 )
وبناء على هذه الملاحظة عمل أبو القاسم على تحديد خصائص الفرد الممتاز : 1- العزيمة : وهي الدافع المحرك لتحقيق طموحات الفرد الممتاز وبدونها يستحيل هذا الفرد هباء منثورا :
وفي العزيمة قوات مسخرة يخر دون مداها الشامخ الجبل ( 56 ) ولا يمكن ان تتحقق هذه العزيمة الا بامرين
- أن يسعى الفرد الى ادراك منزلته من الكون ومن الحياة ومن المجتمع وان بدرك ضرورة تغيير واقعه ووجوب السيطرة على الكون - أن يعمل الفرد على تجسيم ذلك الوعى فى واقع جديد يقترحه ، بعد أن يختاره على نفسه ثم على الناس . ولا يمكن أن يتصف الفرد الممتاز بالارادة الا اذا : أ ( امن بأنه حر طليق من كل القيود التى تمنعه من التفكير ثم من التطبيق خلقت طليقا كطيف النسيم وحرا كنور الضحى فى سماه ) 57 ( ويستمد هذا الفرد حريته من الله تعالى دون سواه
كذا صاغك الله يا ابن هذا الوجود وألقتك في الكون هذى الحياة ) 58 ( ويتحتم حينئذ على الفرد أن يرفض جميع القيود
ب ( امن بضرورة مسايرة الزمن وعدم التوقف اثناء السير لان ذلك يتنافي - قطعا - مع طبيعة الحياة :
سر مع الدهر لا تصدنك الاهوال أو تفزعنك الاحداث
سر مع الدهر كيفما شاءت الدنيا ولا يخدعنك النفاث ( 59 )
ولهذا تحت السير فانه بتحت ضرورة - عدم الخوف من متاهات الحياة وشعابها ومتاعبها لان الفرد الممتاز فرد مريد طريقه ذو اتجاه واحد
فالذى يرهب الحياة شقي سخرت من مصيره الاجداث ( 60) 2 - الشوق :
والشوق لفظة تكررت كثيرا في ديوان الشابى ، فهى لفظة محورية لانها جوهر الحياة وعنصرها الاساسي . ويستعملها الشاعر مقابلا بينها وبين العدم ، فالشوق هو الكيان
ومن لم يعانقه شوق الحياة تبخر فى جوها واندثر
فويل لمن لم تشققه الحياة من صفعة العدم المنتصر ( 61 )
وهذا الشوق هو الذي يرفع الفرد الممتاز الى المحاولة والاصرار شأن المؤمن بحدوى الحياة ، انه يؤمن بان العمل الذى يقوم به هو العمل المجسم لانسانية الانسان لان الانسان هو الكائن المهيأ بطبعه الى عالم الكمال :
ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر ) 62 ( وهذا الشوق هو صراط الانسان وهو يتناقض مع التردد أو الشك وهذه الطبيعة الارادية تحتم على الفرد ان يتصف بالصفات التالية :
أ - الاتصاف ببعض صفات الالوهية : وقد عبر الشابي عن هذا الرأى فى رسالة بعث بها إلى صديقه محمد الحليوى يبين فيها " أن الالوهية وما نصرف منها هو رمز للمثل العليا التى نصبو اليها بأرواحنا ونشخص اليها بأبصارنا في هاته الحياة " وهي ما تتصوره الانسانية من جمال المثل الاعلى ، وجلاله " ) 64 ( وينفي أبو القاسم الشابى أن يكون الارتداء برداء الالوهية كفرا ، هذا ما يفهمه الناس " ولكن الى الجحيم بهم " ) 65 ( وليس على الفرد المريد فى هذه الحالة الا ان يسعى الى تحقيق ارادته
ب - الاتصاف ببعض صفات النبوة : وهذه الصفات لها علاقه بصفات لالوهية ، وهي تدل على أن الفرد الممتاز يحمل فى جوانبه طموحات ليست ارضية ولا عادية ولذا تراه صامدا مصرا معاندا . وقد عبر الشابى عن هذه الصفات فى قصيده " نشد الجبار او هكذا غنى برومثيوس " تلك الجديرة بان تعتبر نموذجا لتصوير فلسفة القوة التى يؤمن بها الشاعر . واهم صفات النبوة التى مركز عليها الشاعر هى الصبر وعدم الانثناء أو التراجع بل وحتى التوقف .
من جاش بالوحي المقدس قلبه لم يحتفل بحجارة الفلتاء (66)
وهذا الصبر أساسه الايمان بضرورة تبليغ " رسالة الدنيا التى خلق لها هذا الفرد الممتاز . فما هى اذن هذه الرسالة وما محتواها ؟ - يتبع -
