الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الإرادة فى ديوان أغاني الحياة

Share

- 2 -(*) ان معاشرة الشاعر لشعبه وسكونه اليه وشعوره العميق بالانتماء اليه والالتزام بقضاياه - رغم الصراع الظاهرى - قد مكنته من التعرف على المانع الحقيقي من الانطلاق والانعتاق . ان السبب في ذلك هو انعدام القائد السائس الذي يأخذ بيد هذا الشعب ويسير به الى نهج الخلاص

أنت في الكون قوة لم تسسها فكرة عبقرية ذات بأس ( 17 ) لقد استقرأ أبو القاسم التاريخ واستنتج أمرين اثنين :

أ = ان الشعوب مهما كانت ضعيفة مستكينة متخاذلة قانعة هى رغم ذلك قوى أو هي بركان فى حالة خمود

ب - وانه لابد من قيادة رشيدة مستنيرة لتفجير هذه القوة وتوجيهها وقد شرط الشابي أن تكون هذه القيادة ذات تفكير نادر حتى تكون مدركة لصيرورة التاريخ وتحول الاحوال الاجتماعية ، وأن تكون هذه القيادة معتمدة على القوة المادية والمعنوية لتحقيق ارادتها التى هى ارادة الشعب

وقد نتعجب من الحاح الشاعر على بأس هذه الفكرة العبقرية ، ولكن تعجبنا يضمحل عندما نتذكر أن الشعب المتحدث عنه هو محتاج بطبيعته الى القوة لتفجير قوته الكامنة اذ لا يمكن أن تحرك الروح الغبية وأن ننبه الطفل إلى الدور الحياتي المطالب به الا بشئ من القسوة بل بكل القسوة ، انه لا يمكن

أن تتحرك الشعوب الا اذا كشفنا لها نقاب واقعها بدون مداورة أو مراوغة ( 18 ) انها مسؤولية تاريخية ، ولذا الح الشابي على أن تكون هذه القيادة واعية مدركه مسؤولة ومواجهة ( بالكسر ) لان دورها هو تخليص الشعب من ظلمات " العصور التى كبلته " ، دورها هو اخصاب هذه التربة البور وايقاظ الحياة فيها .

وبعد هذا التفجير لواقع كان يعتقد أنه مقرر مقدر توجه الشابى فى الحديث عن ارادة الشعب الى تهيئة الظرف المناسب لظهور هذه القيادة ولا شك أن أبا القاسم قد ناضل نضالا حقيقيا لاعداد الارادة الشعبية للانفحار والانعتاق والسعى ، فما هى الوسائل التى توخاها ؟

1) كشف طبيعة العبودية أ - الاستعمار : ولا يعنى به الشابى تسلط شعب على شعب انما يعنى به نسلط الظلم على الحق ( 19 ) فهو ضد طبيعة الحياة وهو معارض لسنتها ونوامسيسها ولذلك صب عليه جام غضبه . وكشف عن طبيعته الخبيثة فهو " طاغية " ( 20) وهو " صرح المظالم " ( 21 ) وهو " الظالم المستبد حبيب الظلام عدو الحياة " (12) وهو سادر " فى غيه " وهو واقف " فوق الجباه " وهو " جبار " ( 23 ) وهو صاحب " المجد والاثراء " ( 24) .

ب " أهل الحل والعقد " : ولم يكونوا فى ذلك الوقت الا عقبة كاداء في وجه هذه القوة المتفجرة فالجهل منتشر ( 25 ) وهم غافلون عن التاريخ وهم نائمون

نوما ممغنطا " بل هم ساكتون " سكتة واجم " عن " مواكب الحاد " و فضاء مآثم " . انهم يفرطون فى الدين

لحا الله قوما لم يبالوا بأسهم               يصوبها نحو الديانة ظالم (26)

ولا غرو أن يفرط هؤلاء في القيام برسالتهم فى الدنيا لانهم لم يكونو ، مدركين لتلك الرسالة ولم يدركوا أن المفكر له وظيفة عظيمه بل هي وظيفة بدونها لا يستقيم حال الشعب . ان واقع هذه الفئة المفكرة واقع مؤلم يجسم انها هى الاخرى لم تدرك واجبها . فاذا :

الشاعر الموهوب يهرق فنه        هدرا على الاقدام والاعتاب

ويعيش فى كون عقيم ، ميت      قد شيدته غباوة الاحقاب

والعالم النحرير ينفق عمره         فى فهم ألفاظ ودرس كتاب

يحيا على رمم القديم المجتوى       كالدود في قمم الرماد الجابي ( 27 )

واذا كان الامر كذلك فلا عجب فى أن

الشعب بينهما قطيع ضائع دنياه دنيا مأكل وشراب (28)

ج - الشعب : ولم يكتف الشابي بتوجيه الخطاب الى الاستعمار وأهل الحل والعقد بل عمد الى توجيه الخطاب أيضا الى هذه القوة المكبلة وهى قوة الشعب فكتب قصيدة " الصيحة " ( 29 ) و " نظرة فى الحياة " ( 30 ) و " سر مع الدهر " ( 31 )

و"يا ابن أمي " ( 32 ) و " سر النهوض " ( 33 ) و " للتاريخ " ( 34 ) و " ارادة الحياة " ( 35 ) و " الى الشعب " ( 36 ) الخ . .

ان المتأمل في هذه القصائد وفي غيرها يلاحظ أن علاقة الشاعر بشعبه هى علاقة غير عادية ان ابا القاسم قد نهل من معين الارادة حتى تمل فهو مؤمن بها مقدس لدورها فى حياة الانسان . فلم يسترض شعبه ولم يسترحه ولم يتملق اليه ولم يحاول أن يجامله ويغرر به ويذكره بالماضى السعيد أيام كان العرب المسلمون سادة العالم . ان الشابي رفض أسلوب المغازلة فعاشر شعبه معاشرة قسوة لانه يؤمن من أن العشرة الصادقة يجب أن تكون صريحة لا خداع فيها ولا نفاق . انه كان عنيفا وعنيدا ولا مباليا بما ينتج عن تلك القسوة وذلك العنف والذي جعله يتحدى عواطف الشعب هو ايمانه بمكانة الانسان على هذه البسيطة فابن آدم خليفة الله فى الارض قال تعالى : ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " ( 37 ) وهذا الايمان بمكانة المسلم خصوصا جعله لا يتورع عن مصادمة شعبه وتشريح وضعه ثم ان التاريخ والواقع جعلا الشاعر يستنتج ان الحياة ، حياة اى مخلوق ، لا يمكن أن تسقيم اذا لم تكن مبنية على الاستعداد المادى او الفكرى أو المادي والفكرى فى آن واحد . فأبو القاسم هو قائل :

ان الحياة صراع      فيها الضعيف يداس

ما فاز في ماضغيها        الا شديد المراس ( 38 )

ان شاعرنا لم يؤمن بغير القوة وقد عبر عن ذلك تعبيرا صريحا او تلميحا واشارة فى عدة مناسبات فالحياة " صراع " ( 39 ) و " الحياة عزم " ( 40 ) و " الحياة شوق " ( 41 ) و " الحياة طموح " ( 42 ) و " الحياة شوق وعزم " ( 43)( . . والحياة صيرورة وتحول (44) .

واذا كان الشابى مؤمنا بمبدأ القوة فمن أين استمده ؟ ان الناظر فى ديوان " أغاني الحياة " يكتشف أن مصادر هذا المبدأ كثيرة ومتنوعة وهي :

- تأمله فى تاريخ البشرية : فقد لاحظ أن الاقوى هو المسيطر دائما فالحضارات تتعاقب وذلك اعتمادا على هذا القانون ( 45 ) - تأمله فى تاريخ البشرية : فقد لاحظ أن الاقوى هو المسيطر دائما حوارا صادقا وطرريفا بين الشاعر والارض وقالت الارض لما تساءلت أيا أم هل تكرهين البشر أبارك فى الناس أهل الطموح ومن يستلذ ركوب الخطر (46)

- ثقافته ولها معينان : أ - الثقافة لعربية : فقد طالع الشابي اشعار المتنب ولا شك أنه تأثر بها وقد عبر عن احترامه لهذا الشاعر فى يومياته وأقر أن " المتنبى قد كان عزيز النفس شاعرا بعزته وكرامته رغم امتداحه الملوك " ( 47 ) ويعتبر المتنبي أقوى الشعراء العرب - على الاطلاق - تمجيدا للقوة وافتتانا بها .

ب - الثقافة الغربية : واننا لنجد صدى لهذه الثقافة فى بعض الصور التى اعتمد عليها الشاعر لتصوير عنصر القوة والارادة في أدبه ذلك أن صورة " سيزيف " لم تغب عن ذهنه عندما قال :

ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر ( 48 )

ان " سيزيف " محسم الارادة في الفكر اليونانى وهو يرفع الصخرة الى قمة الجبل فتتدرج ويستمر فى المحاولة . . . ولم يكتف الشابى بإيراد بعض الصور بل عنون احدى قصائده باسم اله القوة عند اليونان وهي : " نشيد الجبار أو هكذا غني بروثيوس " ( 49) . واذا كان الشابى مؤمنا بارادة الجماعة فهل هو مؤمن بإرادة الفرد ؟

( يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية