الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الإرادة فى ديوان "أغا فى الحياة"

Share

قد وعدت بالعودة الى شعر الشابى على حدة (1) لأنظر فيه وأبين انه شعر صادر عن شاعر مؤمن أصدق الايمان (2) مقدس للجهد البشرى مبشر باسترداد المسلم مكانته فى العالم . ان هذا الجانب بقى مهملا إذ ان الدراسات التى اعتنت مؤخرا يديوان " أغاني الحياة " (3)  لم تحاول أن ترى فيه غير ما رأت . ولا نتحب من هذا الامر فالمنطلقات التى نعتمدها لدراسة أدبنا - القديم منه والحديث - هي منطلقات غريبة فى منهجها ومحتواها . أما من ناحية المنهج فنحن لا نعتني به ولا نناقش أمره ، لان هذا المنهج المسمى بالعلماني هو منهج قديم اخترعه حكماء اليونان وطبقوه فى حكمهم وادبهم ، ثم كشف عنه المسلمون ، من بعدهم ، بعد أن درس أو كاد ، وجعلوا منه ركيزة اعمالهم

الأدبية والعلمية ، ونحن نخطئ عندما نتجاهل طرق البحث والتقييم عندهم وأما من ناحية المحتوى فان جل الدراسات التى اعتنت بشعر الشابي متغربة  - وكأن الفكر والابداع وقف عليهم دون سواهم . وما على القارىء الا ان ينظر فى أى دراسة حتى يجد صاحبها يقارن بين فلان الشاعر العربي وغيره من شعراء الغرب ، بل قد ينقلب الأمر الى اهمال شأن ذلك الاديب العربى لينقلب حديثنا حديثا عن الاديب الغربى الذى قصدنا المقارنة به . وهذا الامر دفعني الى أن انظر فى شعر أبى القاسم من أرضية عربية اسلامية اذ أنى لا أعتقد أن يتأثر فنان تغذى بالثقافة العربية الاسلامية (4) وتربي في عائلة وثقافة عربية اسلامية وعاش فى بلد عربي اسلامي ، وخاطب عربا مسلمين ، لا أعتقد ، قلت ، أن ينقطع هذا الفنان عن هذا الماضى وهذا التأثير ليرتمى فى احضان ادب أو نمط من الادب دخيل هو الرمنطبقية ، وحتى ان سلمنا بأن الشابى قد تأثر بهذا فلا يجب أن نسلم بأنه قد قلب ظهر المجن لشعبه وأمته وأصله . بل أنا اعتقد أن الشاعر قد كان - وما زال - قلب الامة النابض . وقد عبر عن ذلك فى مستويين اثنين : مستوى الارادة الجماعية الشعبية ومستوى الارادة الفردية . فكيف يمكن اعتبار " أغاني الحياة" ديوان الارادة من الزاوية الاسلامية خصوصا والزاوية الانسانية عموما ؟ وماذا تعنى الارادة عند الشابى ؟ وهل يحق لنا اعتباره فيلسوف الارادة فى هذا القرن وفى هذه البلاد العربية ؟

1 الشعب : أو الارادة الجماعية :

ان مفهوم الشعب مفهوم محدد فى شعر الشابي ، فهو يعنى به البلاد التونسية بحدودها السياسية المعروفة وبشعبها العربى الاسلامى الاصيل وبتاريخها القديم والحديث (5) فما هى طبيعة هذا الشعب ؟

1 - الشعب المتخاذل :

ان السنين القليلة التى عاشها الشابى هى سنين يقظة واحساس ووعي وادراك ، هي مكثفة ومكتظة بالتأمل فى طبيعة الشعب وفي عاداته وفي تقاليده وفي ماضيه وفي حاضره وفي مفهومه للحياة ونظرته الى المستقبل تفكيره ومعتقده ورؤياه للحضارة ، فلاحظ أن القناعة ، والسلبية والرضا بالدون هي أسس النمط الحياتي الذي يعيشه . انه شعب مستكين الى ثلاثة أدواء : الفقر والجهل والاستعمار وهذه الادواء متمكنة منه مسيطرة عليه . هو مغلول وراض بالغل ، انه قانع بتلك العبودية الشاملة الجامعة ، وهل أبغض من العبودية الجماعية ؟ ! انه يرى واقعه أمرا محتوما ارتضاه له الله وقدره فالامور بمشيئته تعالى . انه شعب خرافى التفكير اسطورى التصور ماضوى الارادة . هو شعب دفين لا احساس له ولا عاطفة ولا ادراك . هو شعب لا  يؤمن بالتاريخ ، انه يرفض التاريخ انه " شعب الاصنام الخشبية أو امساخ القديم " انه شعب ألف " الحياة في أكناف الدهور الغابرة " (6) ولذا ازدرى الحق واحتقره ، ومات فيه حب الأخذ بالثأر . انه شعب لا خير فيه :

كل قلب حمل الخسف وما        مل من ذل الحياة الارذل

كل شعب قد طغت فيه الدما      دون أن يثأر للحق الجلى

خله للموت يطويه . . . فما      حظه غير الفناء الانكل (7)

ان الشاعر قد انتبه الى أن هذا الكائن مريض وهو يجهل انه مريض . فما الدواء ؟ وما هو موقف أبى القاسم من هذه الحال ؟ هناك حلان : - أن يترك الشعب يعاني داءه فيفني شيئا فشيئا وببطء كمن يعاني السرطان ينهش صاحبه دون شعور منه : اننى ذاهب الى الغاب يا شعبى     لأقضى الحياة وحدى بيأسي (8)

ان ابا القاسم قد فقد كل أمل فى شفاء وطنه . انه طبيب كشف عن الداء ولكنه سرعان ما كشف عن جبنه وعدم ايمانه بالحياة لان الحياة تدعوه الى المحاولة وهو يرفض المحاولة ما دام قد فقد الرجاء

- أن يحاول استئصال الداء بتنبيه الشعب الى خطر الداء عليه . ان الشاعر - فى هذه الحالة - يبقى متذبذبا بين أن يفعل أو لا يفعل : انه يعيش ازمه فى اعنف مظاهرها فهو غريب " وكان هذا الشعور بالغربية عنه قاسيا جدا بالنسبة للشاعر " (9) لقد سعى ان يضع حدا لهذه الأزمنة العنيفة :

ليت لى أن أعيش فى هذه الدنيا      سعيدا بوحدتى وانفرادي

لقد اختار :

عيشه للجمال والفن ابغيها        بعيدا عن أمتى وبلادى

لا أعني نفسي بأحزان شعبى     فهو حي يعيش عيش الجماد (10)

إن كان الشابى قد قرر حياته الخاصة واختارها فلماذا لم يجرب هذه الحياة ولم يحيها ؟ ثم لماذا يستعمل هذا الحرف " ليت " ثم ان كان قد اقتنع بوجاهة نظره فلماذا يذكر أحزان " شعبه " ؟ ولماذا ذكر أنه " حي يعيش عيش الجماد ؟ ثم متى كانت الوحدة تسعد الانسان ؟ (11) ثم ان تخلى أبو القاسم عن شعبه ، وهو كاشف دائه ، وفاحص أمره ، والملتزم بقضيته فمن سيسعى للاخذ بيده ؟ ومن سيعوضه ؟ ومن سيؤدى - عوضا عن الشاعر - رسالة الحياة ؟ وإن تخلى الشاعر ، أو أى مفكر ، عن وطنه وشعبه ألا يكون ذلك خيانة للتاريخ وكفرا بالدين وجحودا ونكرانا ؟

انه صراع باطني عنيف . سيسعى الشابى الى القطيعة والخلوة ، ولكن ذلك لم يحدث ولن يحدث أبدا . واننا اذا نظرنا فى الأشعار التى تبدو فيها الاشارة أو التصريح بالقطيعة

فاننا لا نعدم أن نحد الرجل يصارع بين أن ينعزل فعلا وان يحاول القيام بتأدية الرسالة التى يؤمن بها . ان الشابى سرعان ما يتراجع فى قراره ليعيد النظر فى أمر شعبة ويتفحصه لعله تسرع في اتخاذ قرار التخلى عنه (12)

2 - الشعب قوة :

تظهر على شعر الشابي غشاوة من اليأس والانهزامية الا ان الامر ليس كذلك . فهو رغم هذا الظاهر لم يعش بعيدا عن شعبه بعد القطيعة والغربة انه نعومة اظفاره - كان يحاول أن يستكنه طبيعة هذه الشعب . فكان يعايشة ويمارس معه حياته حتى استطاع بتلك المعاناة وتلك المقاساة - أن تكتشف جوهر الشعب وماهيته فوجد أن :

أ - الشعب روح : وانه لكذلك وقد رأينا سابقا ان ابا القاسم اشار الى وجود عنصر الحياة فالدم الذي ذكره ينم عن وجود روح تسرى فى هذا الكائن ، انه كائن حي

لكنها روح غير طبيعية لان الحياة - فى جوهوها - تقتضى الحركة والتطور بينما حياة الشعب هذه لا تماشى التاريخ ولا تساير الزمن

أنت روح غبية تكره النور وتقضى الدهور في ليل ملس (13) فالتاريخ يعنى مسايرة الحياة والاقبال على النور والتاريخ يعنى المعاصر والمعاصرة تعنى التحول التصاعدى واذا أعرض الكائن الحي عن ذلك التحول ورفضه فانه كائن شبيه بأهل الكهف . فالمسألة فيها تناقض غريب : الشعب له روح ، لكن روحه تكره النور ولذلك فهى غبية اذن كيف يمكن توجيه الروح توجيها وكيف يمكن أن نرفع عنها الغباوة ؟

لقد تقدم الشابى فى تحديد ماهية الشعب تقدما هاما جعله يقر أن : ب - الشعب طفل :

ان رؤية الفرد لمادة يريد ضبطها لا تحصل الا شيئا فشيئا . وهذا هو شأن أبى القاسم مع شعبه . لقد بدأت تتبلور هذه الرؤية وتتضح فالروح الغبية أصبحت تسعى الى الوجود الفعلى والكيان الاجتماعى اذ أن الطفل يرجى منه الخير كل الخير . ان الطفولة مرحلة لابد منها للادراك وهي تعتمد بطبعتها على المس والجس . والطفل لا يصل الى الحقيقة ، أو لا تتجلى له ، الا بعد التمرس بالواقع والتصادم معه والاقبال عليه والادبار عنه . . فلابد من التجربة .

أنت لا تدرك الحقائق ان طافت       حواليك دون مس وجس  (14) 1

وهذه الحالة التى كان عليها هذا الشعب الطفل خطرة لان الظرف ليس ظرفا عاديا وهذا تعبير صادق عن ادراك الشابي لحقيقة الظرف التاريخي :

أيها الشعب أنت طفل صغير    لاعب بالتراب والليل مغس (15) فالحالة التى كان عليها هذا الشعب الطفل هى حالة تدعوه الى أن يدرك قبل

الأوان (16) انه ظرف عصيب عليه أن يشب عليه أن يتكهل عليه أن ينضج قبل الأوان ليواجه مصيره فحياة الشعب فى نظر الشاعر لا يمكن أن تكون حياة الطفل ، حياة لا مبالاة واهمال وسهو عن واقع يجب تغييره فى اسرع الآجال . وهذا يدفعنا إلى محاولة تحديد مفهوم الزمن عند أبي القاسم : انه زمن لا يقاس بالساعة الدقاقة انما يقاس بمحتوى ما نحققه . وهذا يدل في رأيي على مفهوم التاريخ عند الشاعر ، فالتاريخ من عمل الانسان ومن تحقيقه وانجازه ، هو من صنع ارادة الانسان هو الذي يدفعه الى الامام وهو الذي يدحره الى الوراء . وهذا المفهوم للتاريخ يتعارض تماما مع ما هو شائع في مجتمعه من إيمان - خاطئ - بالقضاء والقدر وأن كل شىء فى الدنيا هو " مكتوب " .

ان الشابي قد أدرك في هذا المستوى التأملى الفكرى الى معرفة حقيقة الشعب وادرك سبب تخاذله ورفضه لاى حركة . فالى أى شئ يحتاج الشعب ؟

- يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية