الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الإمامة والزعامة الدينية

Share

واجه الرسول صلى الله عليه وسلم فى بداية بعثته نوعين من المعارضة ، معارضة سياسية ومعارضة دينية . ونعتقد ان المعارضة السياسية كانت أشد وأسبق من المعارضة الدينية . وكانت المعارضتان ربما تتحدان أحيانا ، وأحيانا أخرى تفترقان .

وكانت المعارضة السياسية شخصية فى بعض الحالات ، كما فى حالة ابي سفيان خصوصا أثناء فتح مكة ، وفي حالات أخرى معارضة قبلية ، كما فى حالة المواجهة بين قريش ، قبيلة الرسول المستظهرة بالدعوة ، وبين القبائل المكية الاخرى المنافسة لها فى السلطة ، وفى بعض الحالات الاخرى معارضة قومية بين القبائل المضرية ، التى منها قريش والقبائل القيسية،  أى بين عرب الشمال وعرب الجنوب . وبطبيعة الحال كانت هناك مستويات اخرى دون ذلك من المعارضات السياسية ولدها الوضع القبلى فى الجزيرة على عهد البعثة النبوية .

وما واجهه الرسول ( ص ) واجهه تقريبا قادة الفتح الاسلامي في سائر الامصار والممالك التى دخلها الدين الجديد صلحا أو عنوة .

ولا نستطيع فى الحقيقة أن نتحدث عن معارضة دينية خالصة للاسلام الا من خلال معارضة أتباع الاديان السابقة لاتباع الدين الجديد ، لان الاديان فى حقيقتها السماوية لا تتعارض ، وانما تتناسخ وتتكامل ويسلم بعضها الى بعض .

ولذلك فالمعارضية قائمة في حقيقة الامر والواقع فى أشخاص قادة تلك الديانات القديمة لاستحكام نزعة التسلط والنفوذ فى نفوسهم - وهي نزعة بشرية - الى جانب ظاهرة اجتماعية نفسية تتمثل فى صعوبة انقياد السلف للخلف ، أو بعبارة أخرى اذعان المتقدمين للمتأخرين ، الا ان يكون ذلك بسبب نزول أديان أو حدوث ثورات كبرى فيقع عندها خرق القاعدة العامة .

وكان لا بد للتغلب على المعارضة السياسية من أن يستظهر الرسول ( ص ) تباعا يعصبيته فى بيته وفي عشيرته وقبيلته وقومه ، ذلك أن العصبية هي أمر قدره الله في طبيعة الاجتماع الانسانى وما كان للرسول أن يقضى على قوة ضرورية للعمران البشرى ، بل يسره الله الى اخضاع تلك العصبية لعصبية أقوى وأشمل هي العصبية الدينية ، او الرابطة الدينية المقدسة، وتمثال ذلك فى حركة المواخاة التى قام بها صلي الله عليه وسلم لبناء مجموعته الانسانية الجديدة المتجانسة ، التى هى الامة الاسلامية .

ومعلوم ان نواة الامة الاسلامية، نشات بنشأتها الدولة الاسلامية خصوصا بعد ان تحددت دار الاسلام ودار الكفر بحدود جغرافية وسياسية هي حدود الفتح الاسلامى التى كانت دائرته فى توسع مطرد ، وبعد أن أصبحت تلك المجموعة ينتظمها نظام واحد متميز يسير شؤونها الدينية وغير الدينية .

ومن الثابت ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشاور اصحابه فيما يعرض للمسلمين فى شؤون حياتهم ، وكان يفضل بعضهم على بعض بما قدموا لنصرته على أعدائه غير ان جماعة منهم على رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى - رضهم - كانوا جميعا فى المقام الافضل عنده . وربما لم يمنع ذلك من شعور كل منهم بزيادة فضل له على واحد أو أكثر من الآخرين ولذلك فعندما عرض المسلمون ، بعد وفاة الرسول ( ص )، للخوض فى تقديم أحدهم للخلافة افترقوا ، فقدم بعضهم عليا وقدم بعضهم أبا بكر وقدم آخرون غيرهما .

ولقد كتب أدب كثير حول ما حدث فى سقيفة بني ساعدة بعد موت الرسول ، أغلبه قائم على التهويل والمبالغة وأقله لا يخلو من التوجيه والمعارضة

ومهما يكن من أمر فالمؤكد فى نظرنا أن اجتماع السقيفة يمثل قيام أول معارضة سياسية بين المسلمين أنفسهم ، معارضة سياسية ومعارضة دينية كذلك .

اشترك في نشرتنا البريدية