الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الإيمان بالاختيار، معناه الشعور بالمسؤوليت

Share

نبهنا فى كلمة الشهر الماضى - فى صدد الحديث عن توجيه الشباب خاصة ، وسائر الناس مهما كانت أعمارهم واختلفت بيئاتهم بصفة عامه ، والبحث عن القيم التربوية التى من شأنها أن تحفزهم الى تجاوز الذات والبذل من أجل الغير والفوز بالسعادة - الى أن الآتجاه " العلموى " محدود الفائدة وأنه يفتقر إلى أخلاق سامية وعقيدة راسخة تسخر العلم ذاته ، والتكنولوجيا والتقنية ، الى خدمة الخير والعدل والوئام بين البشر لأن المعرفة العلمية من دون أخلاق خراب للروح ومفسدة للضمير ، كما ذهب الى ذلك عدد كسر من المفكرين قديما وحديثا ، وقد أجمعوا اليوم - أو كادوا - كما لاحظ ذلك بيار ايمانويل Pierre Emmanuel ، على أنه انتهى حلم الذين كانوا يؤملون وضع تخطيط علمى يجرد الانسان من إنسانيته ويحواله الى إنتاج كامل الصنع ، وأن الواقع خيب آمال الذين كانوا يلتمسون حلولا تقنية للمشاكل عوض البحث عن نمط حضارى جديد ، مما يبوىء الثقافة المنزلة التى تستحقها بوصفها لا مكيفة بالاقتصاد ، بل مكيفة له وضرورية لتوجيهه الوجهة المثلى . وأضاف هذا المفكر الفرنسى ، بعد أن لاحظ أن العالم الفرنسى أو الالمانى - مثلا - يشعران بأنهما أقرب الى زميلهما الامريكى أو البابانى منهما الى شاعر أو أديب من الناطقين بلغتهما ، أضاف أنه " أولى بالمسؤولين أن يصغوا الى الفلاسفة ورجال الفن والأدباء أولئك الذين ما زال يجهلهم كل من تشبث بالمظهر " الإيجابى " اللواقع فأهمل بذلك واقع الانسان ! " .

ونحب اليوم أن نتعرض الى خطا ثان كثيرا ما يقع فيه بعض المتمذهبين " الدغماتيين " ونفر من الشبان المنبهرين بالنظريات البراقة والشعارات الرنانة ، وهو الإيمان " بالقدرية التاريخية " وتفسير كل الظواهر والاحداث بل التنبؤ بالمستقبل بآسم " نواميس التاريخ " وطبيعة الأشياء ، مما يقعدهم عن العمل البناء ويحملهم على انتظار حكم التاريخ ، أو يزج بهم فى نمط من الثورية " اللفظية " أو الفوضوية أو الانكارية ... ترغى وتزبد وتشوه وتهدم ، فهى كالأفيون تخدر وتوهم بالفعل وفحولة الفعل بينما هى فى

الواقع ضرب من الهروب الى الأمام ، تفضى الى ضياع المتغرغرين بها أو استدراجهم فى شتى أنواع التورط والتواطئ أو الخمول والانكسار .

وحجة هؤلاء ، بل منطق الذين علموهم السحر ، هو ما يعتقدون أنهم آستمدوه من استقراء التاريخ ! وكثيرا ما يقولون الاحداث التاريخية اكثر مما تقول فى الواقع ، ويؤولون ويبرزون التافه من المعطيات ويغفلون الهام والحاسم منها ، لأنهم " ملزمون " إلزاما بمذهب ، يجب أن يخضع له كل شئ بعد أن خضعت له وتكيفت به شخصية ( ؟ ) المتمذهب أو المريد بصورة تكاد تكون مطلقة .

إن هؤلاء يظنون أنهم تخلصوا من المعتقدات الدينية وتساموا عن التحليلات الذاتية والدراسات الموجهة ، واعتمدوا الجدلية الموضوعية ، والمادية العلمية ، والعلوم الاجتماعية وهم لم يغيروا فى الواقع شيئا من " التمشى " السلبى لتفكيرهم ، لكنهم عوض أن ينسبوا الاحداث الى قوة ماورائية كما يفعل " الرجعيون " أو السلف حسب آدعائهم اخترعوا هم " التاريخ " وآعتمدوه برهانا فى التفكير ومرجعا فى الآتجاه والسلوك . والخضوع - عقليا وفلسفيا - هو هو فى كلا الحالين !

إن الاحداث التاريخية لا تنطق بوضوح أو تكشف عن معانيها بموضوعية مطلقة ، لأنها نسبية فى المكان والزمان ، ومكيفة بالشخص ( أو الجماعة ) الذى أقدم على صنع التاريخ وأفلح فى عمله ، بل هى معطيات " خام " وحيادية فى حد ذاتها ، خالية من المقاصد الفلسفية أو السياسية أو الجمالية ، وإنما يؤولها الناس فتنطق بلسانهم وتتأثر بمواقفهم وتؤيد آتجاهاتهم وتبرر أعمالهم !

يقول المؤرخ الانكليزى E.H. Carr فى كتابه : " ما هو التاريخ ؟ " : " أن الاحداث لا تشبه فى الحقيقة سمكا معروضا على رف البائع ، بل هى شبيهة بسمك يسبح فى محيط فسيح الأرجاء ، صعب المراس ، وما سيصيبه الصياد منه متوقف على الصدفة ولكن قبل كل شئ على جهة المحيط التى يكون قد اختارها وعلى الآلات التى يستعملها ؛ وعلى كل فان المؤرخ سيصيب الاحداث التى كان يؤمل الفوز بها " .

لذلك يشبه ج . ف . كاهن J.F. KAHN  المؤرخ - والمتمذهب ؟... _ الكاهن الذى يتولى قراءة الاحداث التاريخية كما يقرأ الرموز ، فيستمد منها ما يتماشى مع ما يؤمن به أو ما يدعو إليه .

ولو نظرنا فى الثورة الفرنسية - على سبيل المثال - لاحظنا أنها أولت

تأويل مختلفة متضاربة ! منها تأويل المتشيعين الى الملوكية مثل المؤرخ فاكزوت (Gaxotte) وتأويل انصار " الجيروندان " مثل لامرتين ،  Lamartine ، وتأويل أشاع " المنتانيار " مثل ماتييز Mathiez والتأويل الاشتراكى ( جوريس ) Jaures ، والتأويل الماركسى ( سوبول ) Soboul والتأويل المحافظ المتحرر ( تان ) Taine وهكذا يتأثر كل  يستقرئ التاريخ فيختار من الاحداث ما يروق له ويتناسب مع ما يؤمن به ثم يؤولها بحيث تخدم الهدف الذى رسمه لنفسه ، من دون أن يشعر بذلك فى كثير من الاحيان .

إن الاحداث التاريخية يصنعها الانسان العامل المسؤول ، الذى يتوكل على الله ولا يتواكل أو يتعاون مع إخوانه فى الانسانية ولا يذوب فيهم ، ويستهد الطاقة على العمل والانجاز والمثابرة والصمود من نفسه الكبيرة وطموحه الواسع وعزيمته الفولاذية ، ولا يصيبه الغرور أو يتملكه الزهو ، أو يعتريه اليأس والفتور .

إن هذا الانسان العامل ، المسؤول ، الخلاق ، كثيرا ما تحدى ما كان يؤمن الأكثرية ويعتبرونه " سنة " من سنن التاريخ الثابتة ! لذلك استهدف العلماء والمفكرون ورجال السياسة الأفذاذ إلى ردود الفعل السلبية التى يواجههم بها معاصروهم وحتى " زملاؤهم " فى الاختصاص او " رفاقهم " فى الكفاح .

هذا ما يجب أن يعرفه شبابنا حتى يفلتوا من هذه " القدرية " العصرية ، ويعتمدوا على أنفسهم ويثقوا بها وبذلك يقفون حياتهم من أجل ما يرونه حقا وخيرا وعدلا ثم يعملون ويغامرون ويركبون الصعاب ، ويضحون بالتافه الفانى ويتمسكون بالجوهر الباقى ويخلصون دوما الى مثلهم الاعلى فى الحياة .

فلا يقولن الشباب إن الحظ أو الصدف أو الأقدار أرادت لهم المنزلة التى هم فيها وأنه لا حول لهم ولا قوة أمام نواميس الطبيعة وقوة الأشياء . ولا يكونن من القعدة الذين قال أبو نواس فى أحدهم : " قعدى يفضل التحكيما ! " ولا يردن أن التاريخ يجرهم جرا الى مستقبلهم كما تدفع الرياح بالمركب التائه بين الأمواج المتلاطمة ، بل ليتذكروا أن الحياة عقيدة وجهاد وأن تاريخ تونس الحديث دليل على أن القدر يستجيب دوما لمن يؤمن ويعمل ويجاهد ويصمد .

أليس فى نبذ التواكل و " القدرية " التاريخية العصرية والو تزيت بزى العلم والموضوعية ما يبدد أوهام الشباب ، ويقهر قوى اليأس والخمول التى تترصدهم ، ويساعدهم على تبين رسالتهم والتزام النضال الصادق الشجاع من أجلها والفوز بالسعادة الحق عند البذل والتضحية فى سبيلها ؟

أليس الايمان الحى بالاختيار ، أى الشعور الواعى بالمسؤولية كفيلا بأن يمكن الأجيال الصاعدة من أن تنتصر على حيرتها وتتجاوز متناقضاتها وتصنع مستقبلها قبل أن يصنعها فتصبح له صنيعة ؟ !

اشترك في نشرتنا البريدية