الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

الاتجاهات الفكرية فى مجلة (( الفكر ))

Share

تمهيد :

لقد نيف عدد صفحات مجلة الفكر على الاربعين الفا فبلغت بمجلداتها الثلاثين حجم الموسوعات الكبرى . وهى بذلك تعد من أبرز عينات الفكر العربى المعاصر فى القطر التونسى قضاياه وهمومه ، معاركه وطموحه .

لذلك فانه ليس من السهل أن نحدد ، فى هذا الخضم من الدراسات والقصائد والقصص والمسرحيات ، الاتجاهات الفكرية التى ينتظم بحسبها الانتاج الغزير الذي ضمته المجلة بين دفتيها ، خلال سنيها الثلاثين الماضية .

واذا لم يكن سهلا ، فانه ليس متعذرا ، خاصة إذا انحصر طموحنا فى وضع الخطوط الاولى لدراسات متعمقة تتلو هذا المدخل ، ويكون هدفها البحث فى الاتجاهات الفكرية من خلال اجناس المضمون الفكرى والادبى المنشور فى المجلة (1) .

نسعى اذن ، فى هذه الدراسة التمهيدية ، الى تحديد الاتجاهات الفكرية التى سادت المجلة خلال عقودها الثلاثة الاولى ، وبصورة ادق الى تحديد السبل الكفيلة باستخراج هذه الاتجاهات من التشاجن العارم الذى يطغى على الاعمال المنشورة فى مجلتنا .

1 - ففى مرحلة أولى سنحاول تصنيف أعداد المجلة تصنيفا يساعد على تعيين المضمون الممثل لهذه الاتجاهات أحسن تمثيل .

2 - وفى مرحلة ثانية سنربط هذه الاصناف بمحددات الاتجاهات الفكرية التى طغت على المجلة .

3 - أما المرحلة الثالثة فنخصصها لتحديد هذه الاتجاهات الفكرية وابراز أهم خصائصها .

4 - وننتهى فى المرحلة الاخيرة الى تعريف المجلة وتحديد طبيعتها علنا بذلك ندرك سر هذه الظاهرة التى جعلت مجلة الفكر تتميز عن غيرها من مجلات بلادنا : طول نفس ، وصمودا ، وثراء مضمون ، وانفتاح فكر .

ولا يمكن أن نحدد الاتجاهات الفكرية فى مجلة الفكر فى عقودها الثلاثة بدون أن ننتهى الى هذه النتيجة ، أعني بدون أن نحدد طبيعة مجلة الفكر بالمقارنة مع مثيلاتها سعيا الى تفسير خصائصها بالاضافة اليها وتجاوزا لتعجب البداءة (2) وللتفسيرات المنحازة للمجلة أو عليها (3) . كما أن تحديد الاتجاهات الفكرية يتطلب حصر المضمون الذى سنعتمد عليه فى هذا التحديد، أو على الاقل ترتيب أصناف الاعمال ترتيبا نستند اليه فى تعيين مدى تمثيل الأعمال الواردة فى المجلة للمجلة : اذ ليس كل ما ينشر ممثلا أو على الاقل ليس هو ممثلا بنفس الدرجة .

فاذا تم لنا تحديد ترتيب المضمون ، ترتيبه فى تمثيل المجلة ، أمكن لنا ، اعتمادا على محددات المضامين المتراتبة ، البلوغ الى حصر الاتجاهات الفكرية وتعيين مميزاتها الاساسية فنسبها الى المجلة نسبة اقرب ما تكون الى اليقين .

وتبقى دراستنا هذه ، مع ذلك ، بحاجة أكيدة إلى دراسة أعمق تكملها ، وتتعلق بفحص الجوانب الاقتصادية والاجتماعية من المجلة بما هى ظاهرة ثقافية اجتماعية فى قطرنا : ذلك أن التعرف على بيانى مبيعاتها واصناف قرائها

وطبيعة علاقتها بما يكتب فيها ومدى ارتباطها بالنظام الحاكم ومقدار اعتمادها أو عدم اعتمادها عليه ، هذا التعرف هو الذى يمكن من تقويم الدراسة الفكرية التى نقدمها فى هذا البحث بما يوفره لها من رد عمن يتهم المجله فينفى عنها مزاياها من خلال نسبة خصائصها الى الدعم الحكومى والسند الرسمى ، مما قد يجعل صمود المجلة وحيويتها راجعين الى انتماء أصحابها الى السلطة القائمة ، لا الى خصائصها بما هى ظاهرة ثقافية صلبة أو الى ثبات أصحابها وصمودهم (4) .

1 - تصنيف أعداد المجلة :

تنقسم أعداد مجلة الفكر الى صنفين متميزين : الاعداد الخاصة أو الممتازة ثم الاعداد العادية . والاولى تتصف بوحدة الموضوع الذى خصصت له فى حين تكون الثانية أكثر تنوعا وتحررا من وحدة الموضوع .

1 . 1 - الاعداد الممتازة :

ويبلغ نسقها تقريبا عددين فى السنة مما يرفع نسبة هذه الاعداد الى خمس مادة المجلة تقريبا كما نبينه فى الكشف الجزئى الملحق بهذه الدراسة (5) وينقسم هذا الصنف الى نوعين ، نوع الاعداد الممتازة ذات الموضوع الذى اختارته المجلة ودعت الدارسين الى الاسهام فيه ، وصنف الاعداد الممتازة التى خصصتها المجلة لبعض الشخصيات الفكرية فى مناسبات نظمتها هيآت لاصحاب المجلة بها اتصال ، وهى مناسبات قطرية او قومية (6) .

ويبن أن النوع الاول من صنف الاعداد الممتازة أكثر دلالة على اتجاهات المجلة الفكرية من النوع الثانى لكونه من اعداد أصحابها ومن وحى هموم أسرتها . لكن النوع الثانى يبقى ذا دلالة ، اذ أن المجلة لم تنشر أعمال كل المناسبات ولا حتى كل الاعمال فى المناسبات التى اختارتها (7) . واذن فان

نشر هذه الاعمال مفيد لامرين : فهو يثبت انفتاح المجلة وتحررها ويثبت عدم تنافى هذه الاعمال مع المجلة فيكون المنشور بذلك دالا على اتجاهات المجلة وان بدرجة ادنى من النوع الاول : ذلك أننا لا نصدق التحامل القائل بأن المجلة فعلت ذلك بحثا عن المادة لتحقيق الاعداد العشرة سنويا .

ان الاعداد الممتازة بنوعيها تدور حول مسائل قطرية أو قومية فى مجالات الفكر العامة والادب والسياسة والاجتماع . وكلها عينات من الاتجاهات الفكرية التى سادت الساحتين الوطنية والقومية خلال العقود الثلاثة الاخيرة .

1 . 2 . الاعداد العادية :

أما الاعداد العادية فهى الصنف الاغلب ، اذ هى تمثل أربعة أخماس مئاتها الثلاثة ؛ وأغلب مضامينها قطرية الهموم بحوثا وابداعات وقطرية الباحثين . وهى تنقسم مثل الصنف الاول الى نوعين : الأول يتضمن الاعمال التى تعتبر مجلة الفكر منبتها الاصلى وسبيل بروزها وعلة وجودها لان أصحابها نشأوا فى مجلة الفكر وتدرجوا معها وأصبحوا كتابا فى أحضانها وذلك بفضل مساعدتها لهم وانفتاحها عليهم فى خطاهم الاولى ، والثانى يتعلق بالاعمال التى نشرت فى المجلة اما لمجرد كون أصحاب المجلة استحسنوا نشرها تنويها بأصحابها أو ربطا للصلة بهم ، وهى فى أغلب الاحيان بحوث وابداعات مرتبطة بمناسبات قطرية او قومية او دولية .

وهكذا يكون صنف الاعداد العادية منقسما الى نوعين أولهما يغلب عليه طابع المحاولات التكوينية لباحثين ومبدعين تونسيين خلال تدرجهم الفكرى ، وللمجلة فى ذلك فضل اكتشاف المواهب ورعايتها لدرجة أن العلاقة الوطيدة معهم جعلت المجلة ذات أسرة مفتوحة دائما اذ هى كل من انضم الى المجلة خلال تدرجه الفكرى الى أن صار كاتبا لامعا . وثانيهما يغلب عليه طابع الزيارات أو الضيافات التى يؤديها بعض المفكرين أو المبدعين العرب والاوربين للمجلة ببعض أعمالهم ينشرونها فيها .

وبين أن النوع الاول من هذا الصنف أكثر تمثيلا لاتجاهات المجلة الفكرية من النوع الثانى : ذلك أن الباحثين والمبدعين الذين تنتسب اليهم هذه الاعمال المتدرجة النضج اصبحوا من أسرة المجلة وهم بالتالى ممثلون لاتجاهاتها الفكرية أما أصحاب النوع الثانى من الاعمال فهم ضيوف وجلهم من الزائرين غبا . ويصح حكمنا هذا بالنسبة الى جميع الاجناس الادبية الواردة فى المجلة

أعنى المقالة والقصيد . والقصة والمسرحية والرواية . لكن ظاهرة الاسماء الزائرة تغلب على جنس المقالة ، ويتلوها الشعر .

2 - ربط الاصناف بمحددات الاتجاهات الفكرية السائدة عليها .

تخضع الانواع الاربعة التى ذكرناها الى عوامل اساسية تعين خصائص مضمونها وتجعلها تكون ما هى . وهذه العوامل يمكنها ، بوصفها محددات اتجاهات المجلة الفكرية . أن تساعدنا على حصر هذه الاتجاهات وابراز معالمها : ذلك أن هذه المحددات هى الشروط التى حتمت الاحداث والمضامين التى تعرضت اليها الاعمال الواردة فى المجلة فى بعديها الدراسى والابداعى خاصة فى افتتاحياتها وأعمال المشرفين عليها وهى أعمال وثيقة الاتصال بالحدث الهام الذى تعالجه المجلة أو بالظرف الذى صدرت فيه .

وتمثل هذه المحددات دوائر أربعة متحدة المركز : الدائرة القطرية والدائرة القومية والدائرة الاوروبية ثم الدائرة الانسانية أما المركز فهو هم المجلة الرئيسى : كيف يسهم الفكر ورجاله فى تشخيص الازمة ومعالجتها ، أزمة الانسان الحديث الذى يراوده الاستسلام امام الاخطبوط العنكبوتى لمكبلات حياته الروحية الفكرية والسياسية الاجتماعية . والمحدد الاول هو ما يجرى فى الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية بالقطر التونسى ؛ والمحدد الثانى هو علائق مكونات المحدد الاول بالساحة العربية والمحدد الثالث هو تفاعلات مكونات المحددين السابقين بالغرب أما المحدد الرابع والاخير فهو تفاعلات المحددات الثلاثة السابقة بهموم الانسان عامة بصرف النظر عن الظرفيات القطرية والقومية والاجنبية .

ولما كانت أصناف المجلة متمايزة بالخصائص التى أشرنا اليها ، فانه من المفيد ربطها بهذه المحددات ؛ ذلك أن الفحص العميق لمضامين الاعداد الخاصة يبين أنها تخضع بصورة عامة الى المحدد القومى . فالاعداد التى موضوعها واضح القومية عديدة مثل تلك التى تعلقت بالادب العربى والبطولة والاسلام أو ببعض الآداب القطرية العربية الاخرى . والاعداد الخاصة بالقطر التونسى عربيا أيضا : إما تكون حول الشخصيات الفكرية والأدبية عربية الثقافة باطلاق (8) أو بكونها - ان كانت من المعاصرين - قد تجاوزت الساحة القطرية فسادت على الساحة العربية كما هو الشأن بالنسبة الى الشابى والمسعدى (9)

مبرهنة أن الفكر التونسى ليس الا رافدا هاما من روافد الفكر العربى فى كل عصوره .

ويغلب الجانب القومى كذلك على الدراسات والابداع الذي نسبناه الى الكتاب الضيوف ، وذلك لان الضيوف يسعون ، خلال الحوار مع الرافد التونسى ، الى وضع الحوار فى مرتبة تلاقى الروافد العربية : وبذلك تكون نقطة الالتقاء فى نفس الوقت الاعتراف بالتنوع فى الهوية الواحدة والارتفاع الى تجاوز القطريات الضيقة ، وذلك هو دليل وحدة الحضارة العربية وحيوية فكرها .

أما الجانب الابداعى فى المجلة فجله قطرى الهموم ؛ أجنبى الاشكاليات المضمونية ؛ عربية الاشكاليات الشكلية ؛ ذلك أن الادباء الناشئين ومن صلب عوده منهم يعكسون محددات الابداع فى تونس المعاصرة ، أعني عوامل المصادر الثلاثة التى ينصتون اليها : هموم القطر ومعاناته ؛ المعارك الفكرية والأدبية فى ثقافة الآخر ثم عطالة التراث وعدم طواعية أدوات التعبير وأولاها اللغة وأشكال التعبير الفنى شعرا ونثرا ؛ تلك هى سمات المضامين الواردة فى الاعداد العادية فى جانبها الاغلب أعنى فى النوع الاول من الاعمال الوارد فيها والمنتسبة الى اسرة المجلة المفتوحة .

ان لهذه المحددات الأربعة جميعا بعدين : عملى نظرى ؛ ثم ابداعى جمالى .

والبعد الاول يتعلق بالمسائل الاجتماعية والسياسية المباشر منها (عملية) وغير المباشرة ( نظرية ) ، وهذا البعد هو العامل السائد على جنس المقالات والدراسات والبحوث فى جميع أنواع الاعداد . أما البعد الثانى فيتعلق بالمسائل الابداعية الجمالية وهو العامل السائد على الشعر والقصة وما يدور حولهما من نقد وخصومات فكرية وأدبية .

غير أن التمييز بين الانواع وبين المحددات لا يعنى نفى تواصلها وتفاعلها : بل هو تمييز منهجى يفيد أنها أنواع متواصلة ومحددات متفاعلة : فالمحدد السابق ليس الا درجة من المحدد اللاحق أو هو بصورة أدق ظرفياته الأشمل والادق : فالمحدد القطرى هو ظرفيات المحدد القومي والاجنبى والكونى ، أى ان المسائل التى يتعلق بها تكون قطرية فى خصوصياتها وقرائنها وظرفياتها ولكنها تحافظ على ابعادها الثلاثة الاخرى : ولنضرب مثالا على ذلك : مسألة التعريب قطرية فى ظرفياتها ، قومية فى هدفها ؛ أجنبية فى سببها ؛ وكونية فى طبيعتها ( علاقة الانسان بلغته الأم ) وفى حلولها النظرية والعملية .

ومسألة الشعر قطرية فى خصوصيات خصوماتها عربية فى اشكاليات شكلها ووظيفتها ؛ أجنبية فى نوازع التعبير واتجاهاته وكونية فى عوامل الثورة الجمالية وحركيتها .

واذا كان المحدد القطرى يعمل دائما وبصورة غنية عن التعليل ، فان المحدد القومى بحاجة الى التحليل : ذلك أنه يعمل بصورتين طريفتين وقابلتين للتحديد الدقيق ، فالتراث بما هو الماضى الذى ما يزال حاضرا بقى فاعلا فى الدراسات العملية والنظرية من خلال المعارك التى قابلت بين النظام التونسى والحركات الوحدوية ؛ وبقى فاعلا فى الاعمال الابداعية والجمالية من خلال معارك الشكل واللغة وأجناس التعبير والتواصل الفكرى فى الحضارة العربية بعد ثورات التحرير العربية فى كل شعوب الامة .

ويعمل المحدد الاجنبى فى الجانب العملى النظرى من خلال معارك التحرير المباشرة لحركات سياسية وغير المباشرة كسعى للاستقلال الفكرى والثقافى ؛ لكنه فعال خاصة فى معارك التجديد الشكلى والمضمونى للأبداع والفن عامة ؛ وهو يجمع الفاعليتين فى معركة نموذج الحياة الغربى والفرنكفونية بما هما سعى الى طرح المعادلة الزائفة التى تجعل التراث الآخر الماضى ؛ والغرب الآخر المستقبل والتونسى العدم الذى مات ماضيه ولم يولد مستقبله ولا يمكنه أن يوجد الا اذا تنكر للماضى فتفرنس ويكفى مجلة الفكر فخرا أنها كانت مجال حياة الماضى الذى ما يزال فاعلا وحاجز المستقبل المستلب مما جعل التونسى يدرك معادلته السليمة : التراث حاضر الماضى وجذور المستقبل والمستقبل تفجير الماضى من الداخل لا باستعارة ماضى الآخر مستقبلا لنا .

وهكذا يكون مدار المعارك فى تونس كما هو الشأن فى جميع أقطار الوطن العربى ، السعى الى الحصول على مسؤولية تحمل الهوية والتحرر من عقدة الاجنبى وعلى مسؤولية تحمل الخصوصية والتحرر من عقدة التنامى بين القومية والقطرية . لذلك كانت المجلة فى منزلة حرجة ، اذ ان القوميين غير الجديين يتهمونها بالانفصالية لكونها تسعى الى الدفاع عن الخصوصيات التونسية والى تنميتها والمتغربون يتهمونها بالرجعية والسلفية لانها تسعى الى الدفاع عن الهوية العربية والى تنميتها .

أما المحدد الرابع فانه يعطي للمجلة بعدها الكونى فيجعلها فى البعض من الاعمال مجلة علمية تشرف الفكر العربى بتونس : ذلك أن المحدد الكونى يتعلق بجانب الدراسات الاكاديمية العلمية العامة التى تتجاوز الظرفيات القطرية

والقومية والاجنبية وترتفع الى هرم الانسان عامة  ويمثل هذا البعد علماء اجلاء وأدباء كبار نذكر من المفقودين منهم حسن حسنى عبد الوهاب والفاضل بن عاشور وطه حسين وبلاشار .

3 - الاتجاهات الفكرية فى مجلة الفكر :

و هكذا يصبح بوسعنا أن نحدد أهم مميزات الاتجاهات الفكرية التى طبعت المجلة خلال عقودها الثلاثة . ذلك أن تراتب المضامين بحسب الاصناف التى حددناها يبين أن الاعمال الواردة فى الاعداد الخاصة التى نظمتها المجلة والاعمال الواردة فى الاعداد العادية والتى ليست للكتاب الضيوف تعتبر أحسن ممثل لاتجاهات المجلة الفكرية . أما الاعداد الخاصة الاخرى ، وأعمال الضيوف فهى قريبة من اتجاهات المجلة لكونها لا تتنافى معها وهى بالتالى تعين مدى انفتاح المجلة على الساحتين التونسية والعربية خارج أسرة المجلة الضيقة (الهيئة) وأسرتها الموسعة (الكتاب الذين نشأوا ونضجوا مع المجلة) .

ولذلك يمكننا أن نميز بين أعمال أسرة المجلة فى المعنى الضيق وأعمال أسرتها فى المعنى الموسع وأن نلحق ما عدا ذلك بهذين المحورين المزدوجين وذلك من خلال تحديد قرابتيهما من اتجاهات المجلة الفكرية .

فأما اتجاهات أسرة المجلة المضيقة فان الاستاذين محمد مزالى والبشير بن سلامه يمثلانها أحسن تمثيل ، وأما اتجاهات الاسرة الموسعة واللواحق يمثلها أحسن تمثيل مضمون الاعداد العادية والاعداد الخاصة التى نظمتها المجلة بالنسبة الى الاولى والاعداد الخاصة الاخرى ومقالات الضيوف بالنسبة الى اللواحق .

3 . 1 . الاتجاه الفكرى الاساس : اتجاه الاستاذ مزالى

ليس الاستاذ محمد مزالى مؤسس المجلة بالمعنى المادى فحسب ، بل تعد اراؤه ونظرياته الاساس الفكرى والنظرى الذى يمكن أن نشتق منه الاتجاهات الفكرية التى طبعت المجلة خلال عقودها الثلاثة . ويتألف هذا الاساس الذى جعل من المجلة مدرسة فكرية وادبية عامة وحركة سياسية واجتماعية ، خاصة من أربع مرتكزات هى اساطين فلسفة المجلة وأعنى نظرية طبيعة الانسان ونظرية طبيعة فعله فى التاريخ ونظرية فعل الكتابة وأخيرا نظرية طبيعة الازمة الانسانية الراهنة والتى تعتبر مجلة الفكر أداة مجابهتها الفكرية والعمل السياسى المباشر أداة علاجها العملية .

ويمثل طبيعة الانسان فى منظار الاستاذ مزالى خصائصه الروحية وقدرته على تجاوز ظروفه المادية والتاريخية . ان خاصية التجاوز الروحى والسيادة على الوضع المادى هما جوهر الانسان : (( والواقع أن الانسان - منظورا اليه من وجهة علم التشريح أو الوظائف أو المقارنة مع الطبيعة ونواميس الاقتصاد - كائن ضعيف ، واية صدمة بالطبيعة العمياء والقوة المادية الهوجاء قادرة على الفتك به والقضاء عليه . ولكنه على ضعفه المادى يملك عقلا وروحا وشعورا ووعيا وعزما ويملك بالخصوص قدرة على تجاوز منزلته الارضية وتكسير أحقاده الاجتماعية بما يراه خيرا وحقا وجمالا )) .

ان العبارة الأخيرة - الخير والحق والجمال - اشارة واضحة الى القيم الفلسفية الثلاثة القارة ومقابلة جلية بين الثوابت الانسانية والظرفيات المعيقة لها . أما الموازنة بين منزلة الانسان المادية وقدرته على التجاوز من حيث هو عقل وشعور ووعى ، فانها دليل بين على التمازج الحى بين تلك القيم الفلسفية القارة والقيم الدينية الخالدة مما يجعل هذه الارادية عند مزالى فلسفة وجودية مؤمنة ، والمثالية الارادية التى تحدد هذا الموقف الوجودى المؤمن تجعله صراعا دائبا مع الواقع المادى ومع نوازع الخدلان والهروب منه

ويمثل هذا الموقف الذى حددناه ايجابيا بكونه فلسفة وجودية مؤمنة ، معارضة دائمة ، من وجهه السالب ، للفلسفات المادية فى بعديها الطبيعى والاجتماعى كما بينته بيانا جليا الاشارة إلى الحتمية العضوية والحتمية الاقتصادية المزعومتين قيدا لحرية الانسان فى الفلسفات التى يرد عليها الاستاذ مزالى بهذه القولة الجامعة .

وينتج عن هذا الموقف الوجودى المؤمن النافى للفلسفات المادية نظريا والمصارع للخذلان والاستسلام عمليا نظرية فى الفعل التاريخى كانت المجلة تجسيده الفكرى وكان النضال السياسى للاستاذ مزالى تجسيده العملى أما شواهده فهى مستوحاة دائما من رموز القوة الروحية للانسان المعاصر .

أعنى ثورات التحرير ضد الاستعمار . ان الانسان الكائن الروحى المتجاوز هو الفاعل فى التاريخ ؛ أما الظروف المادية والشروط الاقتصادية فهى محددات هذا الفعل احيانا كعوائق وأحيانا كأدوات وأسباب : (( اذ التاريخ ليس تعبيرا عصريا جديدا عن القضاء والقدر ونواميس الاشياء . وانما هو جماع جهد الرجال الذين يعيشون من أجل هدف أسمى ويضحون فى سبيل مثل أعلى . وهو ثمرة جهادهم ودليل حريتهم وعنوان مجدهم وسر عظمتهم )) .

تؤكد هذه العبارة المكثفة على الموقف الوجودى المؤمن من خلال الرفض القاطع والثورة الدائمة على الايمان الاستسلامى (القضاء والقدر) واللامبالاة الرواقية (نواميس الاشياء) : ذلك أن التاريخ يعرف هنا بوصفه ملحمة الحرية الانسانية المتجاوزة . الحرية الفردية والجماعية التى تتعين فى هذا الفعل المتجاوز والذى تعتبر حرب التحرير التونسية خير دليل عليه . اذ ان شعبا عربيا أعزل استطاع بالتجاوز الروحى للمكبلات المادية التغلب على أكبر القوات الاستعمارية فى عصرنا ، فرنسا امبراطورية الاستعمار الاستيطانى .

لكن هذا الفعل التاريخى المباشر لا يستطيع بما هو عمل مباشر أن يعين التجاوز الانسانى ما لم يسبقه فعل غير مباشر يعد اليه ويهديه ، أعنى فعل المثقف ورجل الفكر الملتزم بقضايا الانسان من خلال التحامه بقضايا شعبه : وهذا الفعل اللامباشر هو فعل الكتابة والابداع : (( وكذلك لا معنى للعبودية من حيث انها عبودية - عند الاحرار والعبيد أنفسهم - ما لم يسمها انسان ويحددها وينعتها بأنها شر ... الكتابة اذن ابراز للوجود ، وتحقيق للممكن وكشف عما كان مجهولا ودعوة للعقل حتى يفكر فيما لم يكن يفكر فيه من قبل ويدرك من الاشياء ما لم يدركه ولم يخطر له أن يدركه )) (10) . الكتابة هى اذن التجسيم الفعلى لفعل التجاوز عند الانسان . ولعل فى خاصية التسمية فى الفعل التجاوزى اشارة واضحة الى تميز آدم وتجاوزه لرتبة الملائكة بهذه القدرة على التسمية . التى هى كشف ووعى وعقل بدونها ينحط الانسان فلا يكون الا جسما ماديا بين المواد ، ولا يمكنه عندئذ أن يبلغ الى الفعل التاريخى المباشر . الفعل التاريخى المباشر أصبح اذن غير مباشر : اذ هو مسبوق حتما بفعل الكتابة لذلك كانت مجلة الفكر محاولة لتحقيق هذا الشرط ليكون الفعل التاريخى فى تونس متحررا من رد الفعل العشوائى فيصبح فعلا متجاوزا يهديه فكر واع وملتزم .

واذا كان هذا الفعل من جوهره تسمية وتحديدا ، فان أول عمل يقوم به سيكون تحديد طبيعة الازمة التى يعانى منها الانسان فى عصرنا الحالى ، أعني تحديد خصائص الموقف الانهزامى الذى آل اليه الانسان المعاصر رضوخا لجبروت المادة وتقبلا للفلسفات المادية . ذلك أن هذه الفلسفات بما تنادى اليه من نزعات تجعل التاريخ وليد حتمية اقتصادية تؤدى عمليا الى التواكل والاستسلام أو الى الثورة التهديمية لا غير .

لذلك كانت الازمة فى نظر الاستاذ مزالى عامة فى ميدانى التاريخ المعاصر : العالم المتقدم والعالم المتخلف ؛ وهى تتميز بأربعة وجوه بشعة ستكون مجلة  الفكر فى كل مراحلها ترصدا دائما لنتائجها الوخيمة وسعيا دائبا للاطاحة بها . فاما الميدانان فهما العالم الغربى بشقيه حيث اتخذت  أزمة الانسان شكل الضلال فى المادة فزالت الروح واستحالت عنجهية تدعى انها عقل علمى ثم العالم الثالث الذى اتخذت الازمة عنده شكل الضلال فى العالم الغربى الضال : فزالت الذات وعوضها الاستلاب واستحالت الاصالة تقليدا أعمى وعصرانية جوفاء .

أما الوجوه البشعة التى تبدت بها الازمة والتى يمثل الصراع معها برنامج مجلة الفكر نفسه ، فهى الوجه الخلقى أعنى استسلام الفرد ، والوجه التربوى اعني موت المؤسسة التربوية التى صارت تكوينا مهنيا بلا روح ؛ والوجه الثقافى أعنى أدب الهزيمة والخنوع والاستسلام للقدر . ويجمع هذه الوجوه الثلاثة وجه رابع هو الوجه السياسى أعنى انعدام الرؤية الشاملة لهذه الازمة ولحلها اى الموقف المؤمن بالانسان وبقدرته على التجاوز والتحرر وهو موقف وصفناه بكونه وجودية مؤمنة .

تلك هى الاسس التى ركز عليها الاستاذ مزالى مجلة الفكر فكانت خلال عقودها الثلاثة سعيا دائبا لمعالجة وجوه هذه الازمة بالاستناد الى النظريات المحددة لطبيعة الانسان وطبيعة فعليه المباشر (العملى) وغير المباشر (الكتابة) ذلك أن المجلة كانت وما تزال ثورة خلقية فى دعوتها الى تحرير الفرد ، وثورة تربوية فى دعوتها الى اصلاح التربية وثورة ثقافية فى رفضها لادب الهزيمة وثورة سياسية فى تنصيعها للرؤية الشاملة التى يجب أن تهدى بناء الدولة والمجتمع فى تونس المعاصرة .

3 . 2 . الاتجاه الفكرى الهيكل : اتجاه الاستاذ بن سلامه :

اذا كان الاستاذ مزالى هو المؤسس للمجلة فى المعنيين القانونى والنظرى والواضع لمبادئها وفلسفتها ، فان الاستاذ البشير بن سلامة الذى واكبه فى هذه المهمة يعتبر الساهر المباشر على تحقيق هذه الفلسفة فى بعديها النظرى

والعملى ادارة للمجلة واسهاما فكريا وذلك للتوافق النظرى والابداعى بين الاستاذين ولطبيعة علاقتهما الشبيهة بعلاقه عبده بالافغانى (11) .

ونظرا الى عسر التمييز بين فلسفتيهما فى العمل الفكرى والعمل السياسى لكونهما فلسفة واحدة ، يبقى علينا أن نحدد طبيعة الرسالة التى أداها الاستاذ بن سلامه بحثا وابداعا لمواصلة عمل الاستاذ مزالى ولاضافه ما يتميز به عنه . ولعل أهم ميزة يمكن أن نقابل بها بين الرجلين هى انتقال الثانى من مرحلة التأسيس الى مرحلة التحقيق لثمرات فلسفة الاول فى المهام التى ذكرناها خلال تحليلنا لاتجاه المؤسس .

لكن التوافق والمواصلة لا ينفيان الاختلاف والتنوع . فعلى المستوى النظرى تميز عمل الاستاذ بن سلامه بالاهتمام بالتشخيص العينى مركزا على أزمة الهوية العربية فى تونس استنادا الى التشخيص العام الذى نسبناه الى الاستاذ مزالى : ويتمثل هذا التشخيص فيما نعتقد أنه سر وحدة أعمال الاستاذ بن سلامة الذى ظل خفيا على كثير من القراء فلم يدركوا وحدة التنوع وتعدد الاهتمامات فى كتاباته وظنوها محاولات منفصلة لا يربطها رابط : تحديد اتجاه الاستاذ بن سلامة هو عين ادراك وحدة عمله .

فسواء نظرنا فى أعمال الاستاذ بن سلامة الدراسية أو فى أعماله الابداعية يبقى خيط أريان فيه هو مكونات هوية تونس العربية وتعيناتها فى التاريخ ثم أدوات وعى هذه الهوية الفكرية والأدبية وتطوراتها فى الزمان : ذلك أن مسألة اللغة وطرق تعلمها ودور العائق الكتابى فى ذلك ليست أمرا معزولا لا صلة له بمسألة الهوية ؛ بل هى جواب عن سؤال ظل مضمرا فى أعمال بن سلامة : كيف تصبح مكونات الهوية التى تعينت فى التاريخ وتكونت خلال

المعاناة السياسية والاجتماعية والجمالية الادبية سبل ادراك الذات لذاتها ؟ من هنا تأتى ضرورة اصلاح اللغة والكتابة .

لكن هذا الجانب النظرى العملى (كيف نعمل ؟ اذ أن سؤال : ما العمل حددته مرحلة التأسيس) ليس الجانب الاكثر طرافة فى فكر الاستاذ بن سلامه : اذ رغم أهميته يبقى هذا الجانب من صنف العمل الفكرى المتحدث عن العمل وكيفياته ولكنه ليس بعد عملا ابداعيا كما هو الشأن فى عمل الاستاذ بن سلامة الابداعى المباشر (الشعر المنثور والقصة) واللامباشر (النقد الادبى والمعارك الادبية والفكرية) .

فاذا كان كتابا : (( الشخصية التونسية )) و (( النظرية التاريخية فى الكفاح لتحرير التونسي )) يمثلان أحسن تمثيل ما اصطلحنا على تسميته بالتشخيص العينى لازمة الذات التونسية من خلال عسر قيام الهوية التى تبدو متقطعة ( تعدد الحضارات ) ومنجذية بأقطاب متقابلة بعضها يظن ماضيا الى موات وبعضها يظن مستقبلا دخيلا . وكان هذا التشخيص ساعيا الى تحديد ثوابت الهوية وازاحة التشويش ( الشخصية التونسية ) والى بيان طفراتها التاريخية وتخلقها خلال الكفاح ( النظرية التاريخية ) فان الاعمال الابداعية والنقدية ستجاوز هذه المرحلة الشخصية العلاجية الى مرحلة التحقيق والبناء ، الى مرحلة اقامة الهيكل وفى ذلك يكمن سر عنوان هذه الفقرة (12) .

فلقد نتج عن مرحلة التشخيص العينى أن وعى الهوية وادواته أعنى وسائل التعبير والاتصال بالذات بما تطرحه من اشكاليات مضمونية وشكلية تمثل جوهر الفعل الابداعى بدرجتيه ابداع مباشر (شعر وقصة) وابداع غير مباشر (نقد الادب والتنظير له) . لذلك كان مضمون العمل الابداعى بدرجتيه ليس شيئا آخر غير اشكاليات وعى الهوية .

ان التحليل الفلسفى للعمل الابداعى المباشر الذى قدمه الاستاذ بن سلامة شعرا منثورا (اللوحات) وقصة (عائشة) قد يكون مخلا بهذه الاعمال اذا اقتصر الهم فيه على تحديد اتجاه الكاتب الفكرى : اذ عندئذ نهمل الجانب الاهم أعنى

الجانب الفنى فلا نركز على الجانب العقائدى وهو خطأ لن نقع فيه فى دراستنا هذه (13) لذلك فنحن سنركز على الجانب الابداعى اللامباشر ، أعنى النقد والنظرية الادبية حيث لا يعد تحديد الاتجاه الفكرى اخلالا بالعمل المحلل .

والإبداع اللامباشر أعنى نظرية الابداع نقدا للادب وتنظيرا له تدور كلها حول وعى الهوية وادواته : أن وعى هوية الشعب تفترض علاقه حيه بينه وبين اداة التواصل مع الذات الوطنية فى مراحل تكونها ونضجها وتعينها فى الاطار لحضارى الذى تنتسب اليه : مشكلة الازدواج اللغوى الاهلى والازدواج التعبيرى الاهلى هى المنبع الرئيسى لنظريتى الاستاذ بن سلامة فى الكتابة وفى التطعيم (14) .

ولا يمكن أن نفهم علاقة نظرية الكتابة بمسألة الازدواج اللغوى الاهلي الا إذا أدركنا ضمائر هذه العلاقة : وندرك هذه الضمائر اذا تساءلنا عن علة عدم زوال الازدواج اللغوى الاهلى رغم انتشار التعليم وتقدم وسائل الاتصال والمناهج التربوية ؟ . والجواب البين هو أن الازدواج اللغوى الاهلى جعل العربية الفصحى لا تتعلم الا بالقراءة لا بالسماع ، أعنى بالعين لا بالاذن .

لكن الكتابة العربية لا يمكن أن تحمل القراءة أداة تعلم للغة وهى لا تكون ممكنة الا لمتعلمها . وبذلك ندرك أن الحل هو اصلاح نظام الكتابة .

قد يعتبر البعض هذه المسألة من الجزئيات الفنية التى تهم المطبعة وقد يكون تقدمها الفنى تجاوز هذا الاشكال ؛ لكن النتائج المعرفية والتربوية والنفسية لنقائص الكتابة العربية هى العلة الاساسية فى تكريس الازدواج اللغوى الاهلى وفى عدم القدرة على ازالته أو حتى التنقيص منه . وما تكريس هذا الازدواج الا تغييب للوعى بالهوية وفصام لها ؛ وهو قتل لقدرات الابداع يكون الازدواج عائقا : ويبرز هذا العائق فى المدلول الحقيقى للنظرية الثانية نظرية التطعيم الايقاعى ، ذلك أن هذا التطعيم يعنى فى جوهره قدرة عظماء المفكرين والادباء على تجاوز الازدواج اللغوى الاهلى بالتوحيد بين اللغتين الفصحى والعامية والقضاء على الازدواج فى ابداعهم .. تجاوز الازدواج

الاهلى قضاء على انفصام الشخصية وتعبيد لارضية الابداع : ذلك أن تحول اللغة العربية الى لغة أم حية هو الشرط الضرورى والكافى لكى تصبح اداة وعى الذات وأداة الابداع فى نفس الوقت فتستقيم هوية الامة وعقل المبدعين .

لا شك أن الاستاذ بن سلامة لا ينكر أهمية العائق الظرفى المتولد عن الازدواج الدخيل بين العربية والفرنسية ، وما يتولد عن التقابل فى منزلة اللغتين من عقد نفسية عند المغلوب لكن هذه المسألة تنتسب الى البعد العملى من مهام مجلة الفكر ، مهمة الذود عن الهوية ضد الاستعمار الثقافى وهى بالتالى دون مسألة الازدواج الاهلى أهمية . أما إذا قضينا على عقبات اداة تعلم اللغة فان العربية تصبح لغة أم وعندئذ تزول عقدة استعسار العربية واستيسار الفرنسية فى بلد يطمح المستعمر الى فرنسته بدءا بأداة وعيه بالذات وختما بطمس معالم الهوية .

تجاوز الانفصام فى الهوية والازدواج الاهلى فى أداة الوعى بها يجعلان الابداع الفكرى والادبى ساريا فى خضم الحياة اليومية للشعب وبلغته الأم فيزول التقابل بين الادب الشعبى الذى يزعم البعض انه مضمون حى بشكل دنئ ، والادب الفصيح الذى يزعم البعض انه شكل رفيع بمضمون ميت .

ان نظرية التطعيم الايقاعى ليست الا الدحض الملتزم لهذا الفصام الادبى الذى يرفضه التزام بن سلامة القومى : وبالفعل فان نسبة مسألة الكتابة والقراءة الى مسألة الهوية وغيابها هى عينها مسألة التطعيم الى التعبير الفنى عن الهوية تحقيقا لها وتجسيما للوعى بها : ان ابراز التواصل المستمر بين لغة لادب والفن ولغة الحياة والفعل وذلك هو جوهر نظرية التطعيم . ان هذا التواصل المستمر الذي أثبته الاستاذ بن سلامه بالحجة التاريخية من خلال نماذج من الادب العربى الفصيح فى كل عصوره يبين حركة الادب بما هو وعى بالمقوم الجمالى فى هوية آلامه . ومعنى ذلك أن الادب ليس عملا صناعيا تعده فئات منفصلة عن الحياة مثل كتبة الديوان فلا يعبر عن ذات الامة ؛ بل ان فتراته العظمى تستمد عظمتها من التلاحم بين لغة التعبير الادبى ولغة الحياة اليومية أى من تجاوز الازدواج اللغوى الاهلى والاجهاز على الانفصام فى الهوية وفى ادراكها . وما أعلام الادب الكبار الا اولئك الذين حققوا أكثر من غيرهم هذه المعادلة التى يمكن أن تصبح حقيقة المواطن إذا تعاضد العمل

التربوى السياسى والعمل النظرى الابداعى للقضاء على الازدواج اللغوى الاهلى (15) .

ذلك هو على حد اجتهادنا مدلول الاتجاه الفكرى الذى يمثل الاستاذ بن سلامة والذى تتكون منه وحدة اعماله الفكرية . وهذا الاتجاه هو فى عمومه تحقيق عينى للوجودية المؤمنة من موقع الالتزام القومى الذى غلبت عليه سمات أربع هى : نظرية عملية (الهوية) وما ينجر عنه ذرائعيا أو نظرية رفع واقع الهوية الى واجبها بفضل ازالة الازدواج اللغوى الاهلى (اصلاح الكتابة لتسيير القراءة وتعلم اللغة الأم) ثم نظرية ابداعية جمالية (الشعر المثور والقصة) وما ينجر عنها ذرائعيا أو نظرية رفع واقع التعبير الى واجبه بفضل ازالة الازدواج التعبيرى الاهلى (التطعيم الايقاعى بما هو سر الابداع التعبيرى) (16)

3 . 3 . الاتجاهات الفكرية التى لغير أعضاء الاسرة والمضيقة :

وتبرز الاتجاهات الفكرية التى لغير اعضاء الهيئة على شاكلتين احداهما تمثل الاعداد الخاصة التى لم تنظمها المجلة وأعمال الضيوف ؛ والاخرى تمثل الاعداد الخاصة التى نظمتها المجلة وما تبقى من الاعمال الواردة فى الاعداد العادية .

ففى الاعداد الخاصة غير التى من تنظيم المجلة تكون الاعمال على غرار أعمال الكتاب الضيوف فى الاعداد العادية متصلة بالمناسبة التى هى موضوع العدد الممتاز أو مقالة الضيف أكثر من اتصالها بهموم المجلة التى حللناها فى الفصول السابقة . ومعنى ذلك أن هذه الاعمال ، بحوثا وابداعات ، غير مرتبطة بالدائرة الاولى ، الدائرة القطرية ، الساحة التونسية لنفس درجة الاعمال التى طبعت الصنف المتبقى من الاعمال حيث تكون الدائرة التونسية هى المنطلق وما عداها من الدوائر توابع لها .

لكن الاعداد الخاصة التى نظمتها المجلة وأعمال أسرة المجلة الموسعة فى الاعداد العادية تتميز دراسة وابداعا بعاملين احدهما يتمثل فى التعددية

البديعة التى نادرا ما عرفتها بلادنا ، اذ أن المجلة متفتحة على جميع الاتجاهات الفكرية التى اعتمدت في الساحة التونسية وعلى جميع الاجناس الادبية التى ترعرعت فى النهضة الادبية المعاصرة بتونس . وثانيهما يتمثل فيما تضمن المجلة لكل مراحل تكوين جل المفكرين والادباء التونسيين : ومعنى ذلك أن كتاب المجلة وأسرتها المضيقة من تكوين المجلة نفسها ، فهم قد بدأوا فيها وتطوروا الى درجة النضج مقالة وقصيدا وقصة ومسرحا . وما من كاتب عربى بتونس بدأ الكتابة فى الخمسينات وواصلها الى الآن الا وللمجلة عليه من الفضل الكثير . وليس افضل عرفانا من كونهم قد أصبحوا أسرة المجلة الموسعة رادين اليد البيضاء بالمثل .

3 . 4 . مجالات فعل المجلة وعناصر التجديد فيها :

ويمكن أن نستعرض باجمال وتنسيق العناصر الجديدة التى طبعت المجلة وأسرتها الموسعة فى المجال التربوى والعمل والتعليمى والسياسى والمضامين الابداعية الموازية لذلك .

فللمجلة فلسفة تربوية تهتم بتحديد شروط تكوين الانسان العربى بتونس تكوينا يحقق مقومات القوم التى هى الهوية العربية والثقافية الاسلامية والانفتاح الانسانى وهى مقومات استقرت فى الوعى التونسى خلال مراحل تاريخه وتتمثل هذه الشروط فى جعل انتاج الفكر العربى بتونس مادة التكوين العاطفى والوجدانى والذوقى الاساسية بدون تناف مع التراث العربى فى الاقطار العربية الاخرى .

وللمجلة فلسفة اقتصادية تهتم بتحديد شروط تكوين الثروة استنادا الى أسباب الثروة فى تونس ، أعنى الارض والانسان وسعيا الى تحرير الاقتصاد الوطنى من التبعية فى معنييها : التبعية الاقتصادية المادية والتبعية المتولدة عن نمط النمو الغربى الساعى الى تحويل المواطنين الى عمال وبروليتاريا عوض جعلهم اصحاب انتاج للثروة ومالكين لوسائلها : اقتصاد المهن الصغرى والمتوسطة الرافض للضخامة الساحقة .

وللمجلة فلسفة علمية ومعرفية تهتم بتحديد شروط جعل العقل العربى عامه والتونسى خاصة قادرا على انتاج المعرفة وتتجاوز مرحلة الاستهلاك للاسهام فى مغامرة الخلق العلمى معرفة وتكنلوجيا .

وللمجلة أخيرا فلسفة سياسية تتمثل فى تأليف وحدة الفلسفات الثلاث السابقة أعنى الفلسفة الداعية الى تحقيق المجتمع الانسانى المتعادل الذى يكون فيه الانسان سيدا لا مسودا ، وذلك المضمون الحقيقى للوجودية المؤمنة حيث يكون المواطن شخصا واعيا لا مجرد اداة أو لولب فى آلة اقتصادية عمياء .

4 - تحديد طبيعة المجلة :

ان الثمرة الاساسية لهذه المحاولة هى تعريف مجلة الفكر وتحديد طبيعتها بما هى ظاهرة ثقافية هامة فى تاريخ الفكر العربى الحديث ببلادنا التى تعتبر احدى المنارات الكبرى فى الوطن العربى خلال كل فترات تاريخه .

4 . 1 . والمجلة هى ماديا هذا العمل المتصل الحلقات الذى نما فبلغ مرحلة الرشد بسنيه الثلاثين واعداده الثلاثمائة ومضمونه الموسوعى . ولا يمكن تقويم هذا الحجم المادى تقويما سليما ما لم نميز فيه بين البعد الاعلامى الذى تقتصر فيه المجلة على نشر المادة التى ليست من ثمرات عملها المباشر ؛ وهي عندئذ مجرد مرآة لاحداث عصرها . ثم البعد الابداعى الخلاق الذى تكون المجلة فيه بأسرتيها المنتج الحقيقى للحدث الفكرى والادبى وللتعبير المتصل به وعندئذ تكون المجلة أحد فعلة التاريخ الحديث متجاوزة دور المرآة الغالب على البعد الاول .

ويتطلب هذا التعريف المادى للمجلة الاشارة الواجبة للرابطة الوثيقة بين هذين الدورين ومنزلة صاحبيها فى الحياة السياسية والفكرية فى تونس : ذلك أن المجلة تكون فى ذروة الابداع والاسهام كلما كان دور الاستاذين مزالى وبن سلامة السياسى ثانويا ؛ وكلما أصبح دورهما رئيسيا فى السياسة تغلب الجانب الاعلامى على المجلة . ولعل تفرغهما الفكرى فى الحالة الاول وانشغالهما السياسى فى الحالة الثانية هما السبب فى هذه الظاهرة .

4 . 2 . ويقودنا هذا التعريف المادى الى تحديد السمات الغالبة على مضمون المجلة : فالمضمون الدراسى والبحوث تكاد كلها تكون من جنس البعد الاعلامى الذى تكون فيه المجلة شاهدا على عصرها فى دوائره الاربعة الاقليمية والعربية والغربية والعالمية . واذا ما استثنينا اتجاهى رئيسها ومباشر أمورها اللذين اطنبنا فى تحليلهما نستطيع القول بأنه لم يبرز فى المجلة اتجاه آخر يجعل البحوث والدراسات متجاوزة للبعد الاعلامى .

لكن البعد الابداعى - قصة وشعرا ومسرحا - كان وما يزال جامعا لكل ما صدر فى تونس من أعمال ثابتة : بل أن المجلة كانت وما تزال موطن المخاض لكل الاتجاهات الابداعية فى الساحة التونسية .

4 . 3 . وهكذا يتيسر لنا أن نعرف المجلة عقائديا . اذ أن الدور الاعلامى جعل المجلة منجذبة الى طرفين يتنازعان جانبها الدراسى وبحوثها : فالمجلة تتفرغ الى الالتزام المذهبى الصارم كلما كان دور صاحبها السياسى ثانويا بدرجة تجعلهما فى حل من تمثيل رأى آخر غير رأيهما ؛ وهى تقتصر على عكس العقيدة الرسمية للنظام كلما أصبح دور صاحبيها لا يسمح لهما بتقديم موقفهما الشخصى على الموقف الرسمى .

أما الدور الابداعى فانه يتضمن كل الايديلوجيات التى تداولت وتصارعت فى الساحة الفكرية التونسية : وفضل المجلة فى ذلك مضاعف ؛ انفتاحها على جميع التيارات وحماية حرية الرأى فى كل الظروف ، اذ لا أحد يستطيع ان يتهم صاحبيها بمناوأة النظام مما يجعل المجال سدا منيعا ضد كل من يريد اسكات الاقلام رفضا للتنوع والاختلاف .

4 . 4 واذن فمجلة الفكر كانت وما تزال أداة كفاح سياسى اجتماعى وأداة خلق فكرى ادبى . انها مجلة العمل الفكرى المباشر : مجلة الذود عن الهوية القومية بالمقابل مع الاجنبى وعن الخصوصية التونسية بالمقابل مع نقادها من الاندماجيين ومجلة التعددية الفكرية بحثا والتنشئة الجمالية ابداعا ، وهى اذن من عناصر الفخر بالنسبة لحياتنا الفكرية العربية فى تونس .

الخاتمة

لقد كان تصنيف اعداد المجلة وحصر محدداتها فى المرحلتين الاولين سبيلا الى تحديد الاتجاهات الفكرية وطبيعة المجلة فى المرحلتين الاخيرتين : وبذلك نعد دراستنا هذه مدخلا تمهيديا لفهم ظاهرة مجلة الفكر بما هى ظاهرة فكرية ثقافية وبما هى ظاهرة اجتماعية سياسية .

ذلك أن خاصيات هذه المجلة جعلتها تكون فى نفس الوقت أداة كفاح اجتماعى وسياسى فى جانبها الاعلامى المواكب للاحداث والملابسات القطرية والقومية والغربية والعالمية ، وأداة خلق تربوى وابداعى فى جانبها الفكرى المنشئ للمواهب والمنمى للخلق .

لقد جعل البعد الاول مجلتنا اداة ناجعة لتحديد هوية الشعب العربى فى تونس ذودا عن قوميته ضد الفرنكفونية والمسخ الحضارى وإبرازا لخصوصياته ضد الهيمنات الاندماجية الساعية الى التوحيد بالنفى لا الى التوحيد باحترام الخصوصيات الثرية لكل شعوب الامة العربية .

لكن هذه الطرافة جعلت المجلة وعقيدة اسرتها عرضة لسوء الفهم من قبل طرفى النزاع اللذين فضلا الحلين الاسهلين : نفى الهوية القومية أو نفى الخصوصية القطرية . بل أن صاحبى المجلة قد تعرضا الى أكثر من مجرد سوء الفهم فى دفاعهما عن هذه المعادلة الصعبة التى تمثل الفهم الاسلم لمنزلة تونس فى علاقتها بماضيها وحاضرها اذا أردناهما أن يظلا حيين ليولدا مستقبلها ووعي علاقتها بحاضرها ومستقبلها اذا اردناهما أن لا يكونا مسلوبين مفروضين عليها مؤديين الى نفى تواصلها الذاتى ماضيا وحاضرا ومستقبلا .

وحتى لا يكون هذا الكفاح العقائدى مقتصرا على الخصومات الايديلوجية الخالية من ثمراتها الابداعية ، جمعت المجلة الى هذه المهمة الدفاعية مهمة أعمق منها أعنى الرسالة التربوية الابداعية : فهى التى نشأت أجيالا من المفكرين والادباء يجسدون هذه العقيدة بأعمالهم الفكرية والأدبية ، مما جعل المجلة ، خلافا لمثيلاتها ، لا مجرد لسان ناطق باسم حزب أو فئة ، بل هى كانت مدرسة فكرية وعقائدية حاولت بصورة مرحلية غزو الساحتين السياسية الاجتماعية والفكرية الادبية فى البلاد : فلم يبق اليوم فى تونس من يستطيع أن يكون فرنكفونيا الى حدود نفى الهوية القومية أو اندماجيا الى حدود نفى الخصوصية القطرية .

وبذلك يكون للمجلة فضل احياء الرافد التونسى فى النهر العربى ، لا فقط بمجرد الكلام عنه أو الدعوة اليه بل بخلق تيار من الاعمال والآثار الفكرية الادبية اسمه موسوعة الفكر وبتنشئته أجيالا من المفكرين والادباء هم أسرة الفكر الموسعة .

لقد نجحت الفكر فى رسالتها الاولى اذ أن عقيدتها صارت عقيدة الاجماع فى تونس ، كما أن الرافد التونسى قد فقد عقده ازاء نفاة الهوية القومية فصار لا يخجل من عروبته وازاء نفاة الخصوصية القطرية فصار محاورا لشعوب أمته بخصوصياته وبما يشاركها فيه . لكن نجاح هذه الرسالة يحتم على الفكر رسالة جديدة تكون منطلق انقلابة نوعية فى عمل المجلة نفسه : لقد

بات من الضرورى الآن بعد نجاح المهام العملية . تقديم المهام النظرية . آن الاوان لكى تصبح المجلة ذات فروع مختصة يكون كل منها لسان حال لمؤسسة مختصة تكونها المجلة :

1 - مؤسسة البحوث السياسية والعقائدية ؛

2 - مؤسسة البحوث الاجتماعية والنفسية .

3 - مؤسسة البحوث الفنية والجمالية .

4 - مؤسسة الابداع بجميع أصنافه .

وبذلك تكون مجلة الفكر بمؤسساتها هذه أولى الجامعات الشعبية التى أدت الدور الطلائعى بحق قبل أن تحمل الاسم . وعليها الآن أن تعطى هذا الدور حقه من التنظيم والتنسيق : وأولى هذه المهام هي تكوين معهد البحوث ومكتباته المختصة بتمويل من المجلة وباسهام من اسرتها الموسعة . أما المهمة الثانية فهى تكوين النشريات الفرعية المختصة فى المجالات التى اشرنا اليها .

أما المهمة الثالثة فهى طبع ما سبق نشره بحسب أصناف الاختصاص .

والمهمة الرابعة والأخيرة هي تكوين جمعية أسرة الفكر الموسعة لتمكين أعضاء هذه المدرسة الفكرية من التواصل والعمل المشترك فى جميع المجالات التى أسهمت فيها المجلة .

اشترك في نشرتنا البريدية