الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

الاتحاد العربي : أمنية ومشاكل

Share

" الوحدة العربية " شعار يرفعه كل قومى مؤمن بعروبته . فهو من الشعارات التى تعبر عن حقيقة القومية العربية . فلا معنى للقومية العربية ما لم تكن هناك أمة عربية واحدة . ان جيلنا الذى شب وترعرع بين الحربين العالميتين اعتنق مبدأ الوحدة القومية كحقيقة مسلم بها لا تحتاج الى جدل : حقيقة نابعة من وحدة الوطن العربى ووحدة التاريخ ووحدة اللغة والثقافة ووحدة الايمان بالله ووحدة المصالح ووحدة الآلام والآمال . كنا كشبان جامعيين نشعر بأننا جميعا ) مهما تعددت أقطارنا وتنوعت مذاهبنا ( أبناء أمة واحدة علينا أن نجاهد فى سبيل تحريرها من نير الاستعمار وان نعمل على الربط بين أقطارها وفي الوقت نفسه نسعى للقضاء على تخلف أبنائها عن طريق التربية والتعليم وتطبيق العلم والتقنيات على الحياة

اعود الى خبزاتى فى " جمعية العروة الوثقى " فى الجامعة الامريكية فى بيروت فى العشرينات من هذا القرن فاتذكر أننا كنا نلتقى كطلاب يمثلون أقطار المشرق العربى آنذاك من سودانى ) عبيد عبد النور واسماعيل الازهرى وعبد الفتاح المغربى ( الى مصرى فلبنانى ففلسطينى فسررى فاردنى فعراقى كنا نلتقى كابناء امة واحدة لا تفرق بيننا قطرية أو طائفية او عقائدية . لقد فوجئت فى السنة الدراسية 1925-1926 اذ جاءنى اخوان فلسطينيون ولبنانيون يرشحوننى فى انتخابات الرئاسة لجمعية العروة الوثقى ولم أكن ممن تصدوا للرئاسة فى تلك الجمعية بل كان أخ فلسطينى قد رشح نفسه للرئاسة ولكنه لم يحز رضاهم . نزلت عند رغبتهم فانتخبت للرئاسة لا بترشيح من اخوانى العراقيين بل من الفلسطينيين واللبنانيين . فالوحدة العربية كانت حقيقة عشناها ونحن طلاب . وما يقال عن العروة الوثقى

فى بيروت يصدق على " جمعية الطلبة العرب فى مدينة نيويورك حيث كنا نلتقى فى البيت الاممى ) من سنة 1929-1932 ( ممثلين لامة عربية واحدة ( على تعدد أقطارنا ( وكنا نجابه الصهيونية فى عاصمتها العالمية وهى فى عنفوان نشاطها الدعائى آنذاك

عدت من الدراسة فى امريكا الى العراق سنة 1932 وهي السنة التى حقق العراق فيها استقلاله السياسى وأصبح عضوا فى عصبة الأمم . ومن المعروف ان استقلال العراق كان ثمرة ثورة ) 1920 ( العراقية وكفاح العراقيين المستمر بقيادة المغفور له الملك فيصل الاول . ومن المعروف أيضا ان الملك فيصل الاول كان من قادة الثورة العربية فى الحرب العالمية الأولى وكان ملكا على سورية حتى استولى عليها الفرنسيون ودعى لقبول عرش العراق بعد ان خسر عرش سورية فقدم الى العراق مع نخبة من أعضاده العراقيين والسوريين من أمثال الاستاذ ساطع الحصرى ورستم حيدر حاملا رسالة التحرير والتوحيد للأمة العربية فى كل أقطارها . فعودتى الى العراق صادفت عهدا مملوءا بالآمال العذاب لأمتنا لتسير فى سبيل التحرير والتوحيد والبناء فوجدت الفرصة سانحة للعمل فى الحقل القومى . فأصبحت من الاعضاء المؤسسين " لنادى المثنى ابن حارثه الشيبانى وهو ناد كان يضم نخبة من القوميين من العراق ومن سائر الاقطار العربية عمل على بث الوعى القومى والعمل على تحرير البلاد العربية وتوحيدها . ثم أصبحت واحدا من المسؤولين من توجيه التربية والتعليم فى العراق . ولما كنا نعتبر التربية والتعليم أهم عامل على غرس الوعى القومى فى الجيل الصاعد عملنا على تنشئة جيل قومى متحمس فى الثلاثينات وأصبحت وزارة المعارف ) التربية القومية مركزا من مراكز الاشعاع القومى فى المشرق العربى . كنا نستقدم الاساتذة العرب من الاقطار العربية المتقدمة فى مستوى التعليم نسبيا ليتولوا التدريس كل حسب اختصاصه ولغرس فكرة الوحدة العربية في نفوس طلابنا . استقدمنا اساتذة عرفوا بنزعتهم القومية الصادقة من أمثال الاستاذ اكرم زعيتر والدكتور فريد زين الدين والاستاذ درويش المقدادى والشاعر الكبير بدوى الجبل والشاعر الاصيل ابراهيم طوقان والاستاذ فرحان شبيلات والاستاذ زكى الارسوزى والاستاذ شكرى شماس والاستاذ رفيق العشه والدكتور اسحاق الحسينى والدكتور انيس فريحة والدكتور فريد نجار والاستاذ اسكندر حريق والعديد من المدرسات الفضليات

ثم اتجهنا الى مصر فاستقدمنا منها اساتذة اجلاء من أمثال الدكتور عبد الرزاق السنهورى والدكتور عبد الوهاب عزام والدكتور زكى مبارك والاستاذ أحمد حسن الزيات والدكتور عبد الواحد على والدكتور حامد زكى والدكتور محمود عزمى والاستاذ عبد الحميد الوشاحى والدكتور محمد مظهر سعيد وزوجته الاستاذة نظله الحكيم وغيرهم مئات من المدرسين والمدرسات واساتذة الكليات . ولن انسى انى زرت مصر سنة 1941 لاستقدام ما يزيد على الثلاثمائة استاذ ومدرس ) من الجنسين ( كما القيت محاضرة على منبر كلية الآداب فى جامعة القاهرة ) وكانت تسمى جامعة فؤاد الاول ( عنوانها " الشباب الجامعى العربى ورسالته القومية " كما زرتها سنة 1942 لنفس الغرض ووقعت اول اتفاق ثقافى يعقد فى العالم العربى بين مصر والعراق مع المرحوم الدكتور طه حسين

ان استخدام الاساتذة فى معاهد العراق لم يقتصر على ابناء المشرق العربى . فلقد درس فى العراق أساتذة من تونس مثل الشيخ عبد العزيز الثعالبى ثم الاستاذ على البلهوان . ونحن لا نشك فى ان العديد من هؤلاء الاساتذة الاجلاء أصبحوا بعد عودتهم الى بلادهم دعاة وحدة قومية وترابط ثقافى بين العراق والبلاد التى جاءوا منها .

ثم اننا كنا نوفد الطلاب للدراسة الى جامعات بيروت ومصر كما ان بعض الشبان العراقيين كانوا يدرسون فى الجامعة السورية بدمشق . ومن الجهة الاخرى كنا نستقدم طلابا من الاقطار العربية كاليمن وحضرموت والخليج وشمال افريقية ليدرسوا فى العراق على نفقة الحكومة العراقية

نحن لا نشك فى ان توجيه التربية والتعليم نحو هدفنا القومى هو من افضل الوسائل وانجعها . ومن السهل ان ندرك بان الاقطار العربية ) ومعظمها كان تحت نير الاستعمار آنذاك ( كانت فيما بينها على غاية من الصفاء والتآخى وكان الشعور بالوحدة القومية بين قادة الشعوب ومفكريها أمرا طبيعيا وتلقائيا .

ولكن سياستنا القومية فى التعليم لم تمض بدون عقبات وبدون مقاومة . فقد كان الشيوعيون والصهاينة فى الثلاثينات يحاولون ايجاد الشغب واثارة الفتن تارة باسم " الطائفية " وتارة باسم " العنصرية " ثم باسم " النازية فقد نسبوا الى شخصيا النزعة النازية واعتبروا " نادى المثنى ابن حارثة الشيبانى النادى القومى " قلعة من قلاع النازية " وروجوا كذبا بأن زوجتى

المانية نازية الى ما هنالك من الدس والاكاذيب التى صدقتها الاستخبارات البريطانية وفى خلال الحرب العالمية الثانية وبعد حركة السيد رشيد عالى الكيلانى اصر الانكليز على اقصائى عن وزارة المعارف ) التربية القومية ( فنجحوا فى ذلك وحاولوا ابعادى عن العراق فلم يتيسر لهم ذلك

وهكذا فان فكرة الوحدة العربية التى عشتها خلال حياتى الجامعية وخدمتها خلال حياتى التعليمية ظلت امنية من أعز أمانى . فتحقيق هذه الامنية يتطلب عملا سياسيا متواصلا الى جانب العمل التثقيفى وهو ما لم يتهيأ لى بعد .

المحاولات :

بعد اقصائى عن وزارة المعارفية القومية (التربية القومية) حاول الانكليز دفعى الى خارج العراق للخدمة فى السلك الخارجى فلم يتيسر لهم ذلك فبقيت قابعا فى دارى نحو السنة محاطا بالمراقبة . وبينما أنا كذلك واذا بإرادة ملكية تقرر تعيينى مديرا عاما لوزارة الخارجية العراقية . ومع ان السلك الخارجى والسياسة ليست فى حقل اختصاصى الا انى شعرت بامكان توفر فرص محدودة لخدمة الاهداف القومية . بدأت بتتبع النشاط الصهيونى فى الولايات المتحدة الامريكية والتنبيه الى الخطر المحدق بفلسطين لا سيما بعد صدور قرارات مؤتمر بلتمور " الصهيونى وعزم الصهيونية على تأسيس دولة يهودية فى فلسطين . ثم اقحام موضوع فلسطين فى انتخابات رئاسة الجمهورية الامريكية . فقد نشطت وزارة الخارجية العراقية ) وكان وزيرها السيد ارشد العمرى ( فى الدفاع عن القضية الفلسطينية . ثم اتجهت وزارة الخارجية الى المزيد من السعى لدى الحلفاء ) بريطانية والولايات المتحدة ليساعدوا فى تحقيق استقلال سورية ولبنان وانهاء الانتداب الفرنسى على هذين القطرين العربيين

تأسست جامعة الدول العربية فى بداية سنة 1945 واعتبرناها بداية السير فى سبيل الوحدة القومية . وكان أول عمل قدمه العراق للجامعة هو مشروع عمل دعائى واسع للقضية الفلسطينية فى اروبا وامريكا على الاخص . وبعد تأسيس جامعة الدول العربية انعقد مؤتمر ) سان فرنسيسكو ( حيث كتب ميثاق الامم المتحدة وتأسست المنظمة الدولية . كان من نصيبى ان اكون عضوا فى الوفد العراقى فاشارك فى صياغة بعض فصول الميثاق كما كنت الموقع على الميثاق باسم العراق

وفي سنة 9461 عينت وزيرا للخارجية للمرة الأولى وفى تلك السنة ذاتها نحقق الجلاء الفرنسى عن كل من سوريه ولبنان فاستقلا وانتهى الانتداب الفرنسى . كما ان بريطانيا منحت الاردن استقلاله فى تلك السنة . كان الهدفان الرئيسيان لدى بعد الآن : انقاذ فلسطين من مخالب الاستعمار الصهيونى والسير فى سبيل الاتحاد العربى . والموضوعان مترابطان . ولئن كانت القضية الفلسطينية قد نزلت على رؤوس العرب من جراء سياسة الدول العظمى وفى مقدمتها بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى فان مشاكل السير فى طريق الوحدة هى مشاكل عربية داخلية فى الدرجة الاولى ودور الدول الاجنبية فيها يكون دور الاستغلال ووضع العصى فى العجلات لكى لا تسير فى طريق الوحدة . وها نحن فيما يلى نستعرض بعض الخبرات فى سيل الاتحاد .

ان محاولات الوحدة بعد الحرب العالمية الاولى اتخذت اشكالا ثلاثة :

اولها : اتحاد سورية والعراق . ففي سنة 1921 عقد مؤتمر قومى فى سوريه يضم زعماء سوريين وعراقيين ترأسه السيد هاشم الاتاسى اعلن عن وحدة سورية والعراق . ولكن المشروع لم يتحقق بسبب الغزو الفرنسى لسورية وفرض الانتدابين الفرنسى والبريطانى على كل من سورية والعراق .

ثانيها : مشروع سورية الكبرى وهو المشروع الذى دعا اليه الملك عبد الله ملك المملكة الاردنية الهاشمية فهو يدعو الى وحدة سورية بحدودها الطبيعية تحت عرش جلالته . وهذا المشروع قاومته الحكومة السورية

وثالثها : مشروع الهلال الخصيب وهو يشمل وحدة سوريا الكبرى . والعراق . وهذا المشروع خطط له السيد نورى السعيد فى كتابه " الازرق الذي قدمه خلال الحرب العالمية الثانية ) 1943 ( الى المستر كيسى وزير الدولة البريطانى المفيم فى القاهرة آنذاك ، هذا وقد سبق الحزب القومى السورى الذى أسسه السيد انطون سعادة فى لبنان السيد نورى السعيد الى فكرة وحدة الهلال الخصيب ونجمته قبرص . والفرق بين الفكرتين هو ان السيد نورى السعيد اعتبر الهلال الخصيب جزءا من الوطن العربى وان وحدته هى الخطوة الاولى فى سبيل وحدة كبرى . بينما الحزب القومى السوزى كان يعتبر الهلال الخصيب ونجمته قبرص وطنا للامة السورية والامة السورية امة قائمة بذاتها لها مزاياها الخاصة بها

لم تنته الحرب العالمية الثانية حتى بدأت حركات ودعايات واسعة فى المشرق العربى تروج لهذا الاتحاد او ذاك او تحارب وتقاوم هذا الاتحاد او ذاك . وها أنا أذكر على سبيل المثال لا الحصر وبكل ايجاز الحوادث التالية :

بعد استقلال سورية مباشرة 1946 سافر الرئيس السورى شكرى القوتلى يصحبه السيد محسن البرازى الى السعودية لزيارة الملك عبد العزيز وأشيع آنذاك بأن القوتلى اعطى الملك عبد العزيز وعدا قاطعا بعدم قيام اتحاد بين سورية والعراق . وعلى اثر هذه الزيارة حصل توتر فى العلاقات بين الرئيس القوتلى والامير عبد الاله ) الوصى على عرش العراق ( .

2 ( فى سنة 1946 ذاتها وجه الملك عبد الله منشورات الى الشعب السورى يدعوه فيها الى تحقيق وحدة سورية الكبرى بقيادته . الامر الذى اعتبرته الحكومة السورية تدخلا فى شؤونها الداخلية فتقدمت بشكوى الى مجلس جامعة الدول العربية وكنت رئيسا للمجلس آنذاك فبذلت جهودا مضنية لحل أول أزمة تحدث بين الدول العربية بعد تأسيس جامعتها

3 ) فى سنة 1948 دخلت الدول العربية حرب فلسطين . دخلتها مختلفة فيما بينها وخرجت منها أكثر اختلافا مع التراشق بالتهم والتنصل من المسؤوليات

فى سنة 1949 وقع أول انقلاب عسكري في سوريه على يد الزعيم حسنى الزعيم . وكنت آنذاك وزيرا لخارجية العراق فى وزارة السيد نورى السعيد . خطر لنا فى العراق ان الفرصة قد سنحت بعد تنحية الرئيس شكرى القوتلى ان نفاتح الشقيقة بموضوع اتحاد القطرين سوريه والعراق

ولما كان الزعيم حسنى الزعيم من أصل كردى فقد أوفدنا سياسيا كرديا لامعا هو المرحوم جمال بابان للاتصال به والتفاهم معه كما اوفدنا دبلوماسيا بارعا هو السيد عونى الخالدى ليقوم بدرس الاوضاع الاقتصادية ويقدم المقترحات مسترشدا بآراء الاستاذ فارس الخورى ) رئيس وزراء سوريه سابقا ) . وبينما كانت الامور تسير سيرا ابحابيا وكدنا نؤمل خيرا واذا بالملك فاروق يتدخل ويدعو حسنى الزعيم الى القاهرة واذا بعبد الرحمن عزام باشا : الامين العام لجامعة الدول العربية آنذاك ( يقدم الى دمشق ليحذر الزعيم من السير فى سبيل الاتحاد . مع ابداء ان المرحوم عزام باشا كان يعبر عن سياسة ملكى مصر والسعودية معا . ولم يقتصر الاعتراض على محاولة العراق

الاتحاد مع سورية على مصر والسعودية فان الملك عبد الله بدوره لم يكن مرتاحا من قيام العراق بالمسعى الاتحادى هذا . ان جلالته أوفد رئيس وزرائه السيد توفيق أبو الهدى ليعرب عن قلق جلالته مما يجرى بين العراق وسورية

فطمأنت جلالته بان العراق لن يقوم الا بما يحقق أهداف امتنا السامية فى الاتحاد وليس فى أهداف العراق ما يتضارب مع الاهداف التى تبنتها الثورة العربية الكبرى وهى عينها اهداف جلالته .

سافر السيد نورى على رأس وفد للاجتماع بالزعيم حسنى الزعيم فحصل اجتماع بين ممثلى القطرين ثم اختلى السيد نورى السعيد بحسنى الزعيم فوجد أنه غير متزن ولا مستقر فى آرائه وتصرفاته فنفضنا أيدينا من حسنى الزعيم .

( لم تمض سنة على حكم الزعيم حسنى الزعيم حتى حدث انقلاب عسكرى ثان فى سوريا قتل فيه الزعيم حسنى الزعيم كما قتل رئيس وزرائه المرحوم محسن البرازى . واستلم الزمام العقيد سامى الحناوى . كان العقيد الحناوى مؤمنا بمشروع اتحاد سوريا والعراق وكانت تربطه صلة قربى بالعراق وكان على علاقة حميمة مع سفير العراق فى سوريا الدكتور ابراهيم عاكف الالوسى . دب نشاط بين القوميين فى القطرين لأجل تحقيق الاتحاد حتى ان حزب الشعب الذى كان يترأسه السيد رشدى الكيخيا ) من حلب ( ضمن منهاجه مشروع الاتحاد بين سوريا والعراق . وكان اركان الحزب الوطنى من امثال السيد صبرى العسلى وميخائيل اليان على اتصال دائم بنا . وبينما نحن نتهيأ لتحقيق الاتحاد بالطرق الدستورية واذا بانقلاب عسكرى ثالث يحدث فى سوريا أطاح بالعقيد سامى الحناوى وجاء بالعقيد أديب لشيشكلى . ثم اغتيل العقيد الحناوى فى بيروت . رحمه الله !

6 ( لم يكن عهد العقيد أديب الشيخ عهد تقارب ووئام بين رجال الحكم فى سوريا والعراق . بل العكس هو الصحيح . كنت بعيدا عن العراق وفى الامم المتحدة لعدة شهور وفي غيابى تازمت العلاقات بين سوريا والعراق واستخدمت الاذاعة السورية للطعن ، بالحاكمين فى العراق فأصبح دخول السوريين الى العراق صعبا وصار السفير السورى فى بغداد يعامل كالرجل الغريب المنتمى الى جهة معادية فلا يدعى الى الحفلات الرسمية . فلما اطلعت على الحالة بعد عودتى الى العراق دعوت السفير السورى ) خليل مردم بك ( الى دارى وقلت له بان يعتبر دارى داره ودائرتى في وزارة الخارجية دائرته

وتحت تصرفه فى كل وقت فهو منا والينا فليعتبر نفسه من اهل البيت وقلت له ان العراق مفتوح للسوريين على مصراعيه فليقدم اليه عشرات الالوف للاعمال أو للزيارة . واصدرت التعليمات الى سفاراتنا في كل من سوريا ولبنان والاردن باتباع سياسة " الباب المفتوح " ازاء السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والاردنيين . صعق الشيشكلى من هذه المعاملة وغلب على أمره فعاد طلاب الاتحاد بين سوريا والعراق الى نشاطهم الدائب . وقدر العارفون انذاك بأن نسبة السوريين الذين يتوقون الى الاتحاد مع العراق تزيد على الثمانين بالمائة .

وفى صيف سنة 1952 قامت الثورة المصرية وفى أول اجتماع عقد للجامعة العربية في القاهرة بعد الثورة وكان التراشق بين دمشق وبغداد مستمرا استقبلنى رئيس الوزراء المصرى محمد نجيب ورجانى رجاء حارا بأن نصفى الجو مع سوريا . قلت له باخلاص بانا لا نريد لسوريا لا ما تريده سوريا لنفسها أى الخير كل الخير وان العقيد الشيخ هو المتجنى على العراق ومن القاهرة ذهبت مع السفير العراقى الاستاذ نجيب الراوى الى الاسكندرية لزيارة الرئيس السورى السابق السيد شكرى القوتلى حيث قضينا معه عدة ساعات وتناولنا على مائدته طعام الغذاء مستعرضين الاوضاع فى العالم العربى وخاصة فى سوريا . فوجدت الرئيس القوتلى يلح على الدول العربية عموما وعلى العراق خصوصا بأن تنقذ سوريا من حكم العقيد أديب الشيشكلى

وفى السنة التالية 1953 أصبحت رئيسا للوزارة العراقية . قبل استلامى مهام الوزارة اطلعنى المرحوم السيد على جودة الايوبى ) نائب رئيس الوزراء فى الوزارة المستقيلة ورئيس وزراء سابقا ) على مذكرة صغيرة كانت وصلت اليه من الرئيس السورى السيد هاشم الاتاسى يرجو فيها مساعدة السوريين ليتخلصوا من حكم اديب الشيتكلى . وبعد استلامي مهام الوزارة بأيام قليلة دعيت الى قصر الرحاب الامير عبد الاله ( فوجدت عنده السيد نورى السعيد وقد وصلته رسالة من الاستاذ معروف الدواليبي ) رئيس وزراء سوريا السابق ( يطلب فيها عون العراق للتخلص من حكم أديب الشيشكلى قررنا دعوته للقدوم الى العراق للتداول معه حول انواع المساعدة التى يطلبها . قدم الاستاذ معروف بصورة سرية واستضفناه في قصر بحاط بالبساتين فى ضواحى بغداد فلم يطلع على قدومه أحد ولم يتصل به أحد سوى نفر محدود من كبار المسؤولين . وبعد بضعة أسابيع من المداولات

اقترح الاستاذ معروف وضع عدد من الجنود العراقيين تحت قيادته ليدخل سوريا فاتحا ويزيح الديكتاتور الشيشكلى لم ننسب زج الجيش العراقى فى القضية تجنبا للمضاعفات الدولية وحقنا للدماء . غادرنا الاستاذ معروف الى لبنان وقد وعدناه بتقديم الدعم لاخواننا السوريين اذا تولوا هم من الداخل مقاومة الطغيان الشيشكلى وعملوا على التخلص من حكمه . وهكذا كان . فان تعسف الشيشكلى فى حكمه أوجد رد فعل من الشعب السورى فى شتى أنحاء سوريا ولا سيما فى جبل الدروز . كما ان قطاعات من الجيش السورى تحركت ضده . وكان العديد من ساسة سوريا وزعماء احزابها قد لجأوا الى لبنان . فأصبح لبنان قاعدة للعمل على ازاحة الشيشكلى . زرت لبنان واتصلت بالعديد من الساسة السوريين فاطلعت على آرائهم ووجهات نظرهم . عدت الى بغداد فاجتمعت بالامير عبد الاله بحضور وزير المالية الاستاذ عبد الكريم الازرى . فقررنا الذهاب ليلا الى بيت المرحوم السيد صالح جبر ) من ساسة العراق البارزين : رئيس وزراء سابق ومتحمس للاتحاد وكلفنناه بالسفر صباحا الى بيروت ليكون على اتصال دائم مع اخواننا الساسة السوريين ويقدم العون المادى والادبى الذى يطلبونه من العراق

وان يكون كل عمل يقوم به يتوجيه من رئيس الجمهورية السابق الشيخ الجليل هاشم الاتاسى . لقد قام المغفور له صالح جبر بالمهمة خير قيام

اذ انه كان على اتصال دائم بالساسة السوريين يقدم لهم العون المطلوب من دون ان يتدخل فى شؤونهم او قراراتهم . فالسوريون انفسهم تولوا تنظيم المقاومة ضد الديكتاتور . ولما تحركت قطعات الجيش السورى ضده غادر دمشق دون ان يمس بأذى . واستلم الساسة السوريون من الاحزاب الوطنية زمام الحكم . ولكنهم لم يستطيعوا مع الاسف الشديد توحيد صفوفهم ولا تنسيق خططهم . كما ان السياسة تسربت الى ضباط الجيش فأصبح البعض منهم ينحاز لجهة سياسية دون اخرى او لمذهب عقائدى ضد آخر

كنت أشعر بأن الواجب القومى يدعونا للاستمرار فى التعاون مع اخواننا الساسة السوريين المندفعين فى سبيل الاتحاد مع العراق ولكنى اضطررت الى الاستقالة لان المجلس النيابى كانت اكثريته من حزب السيد نورى السعيد والسيد نورى السعيد لم يكن مؤيدا لمشروع الاتحاد مع سوريا آنذاك . ولما كف نورى السعيد بتشكيل الوزارة من بعدى كلفنى بالاشتراك معه فى الحكم فاعتذرت كما اعتذر غيرى من الزملاء فلم يشكل نورى السعيد الوزارة . بل شكلها السيد ارشد العمرى فاشتركت معه وزيرا للخارجية

على شرط أن يستمر فى اتباع الخط الذى اتبعته فى موضوع الاتحاد بين العراق وسوريا .

لم تمض على تشكيل الوزارة الجديدة أيام عديدة حتى أصبت بالاغماء وانا فى وزارة الخارجية . نقلت الى البيت وبعد فحوص طبية ظهر بانى بليت بقرحة فى الاثناعشرى . تقرر سفرى الى بيروت للاستشفاء فى مستشفى الجامعة الامريكية وبدأ فصل جديد من الاتصالات السياسية بينى وبين زعماء سوريا المهتمين بشؤون الاتحاد بين سوريا والعراق . غادرت بيروت الى برمانا ( أوتيل الجبل الاخضر ( للنقاهة . فصار يتردد على المسؤولون فى الحكومة السورية وفى مقدمتهم رئيس الوزراء صبرى العسلى . بحثنا الطرق والوسائل التى تساعد على تحقيق الاتحاد بين القطرين كما بحثنا صيغة الاتحاد . واعد الدكتور عدنان الاتاسى مسودة اتفاقيتين احداها لاتحاد جزئى والاخرى لاتحاد أشمل . ولما كنت عازما على السفر للولايات المتحدة للفحوص الطبية ولنيل دكتوراه فخرية من جامعة كولومبيا ومقابلة الرئيس ايزنهاور كلفنى الاخوان بأن أفاتح وزير خارجية بريطانيا فى لندن ووزير خارجية الولايات المتحدة فى واشنطن حول موضوع اتحاد القطرين لمعرفة موقف الدولتين منه وهذا ما قمت به فعلا . فالمستر سلوين لويد وزير خارجية بريطانيا ابدى تحبيذه للاتحاد واقترح مشاركة الاردن أيضا . وقال لى انه سيعرض الامر على مجلس الوزراء البريطانى ليخبرنى بموقف الحكومة البريطانية . أما المستر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة فانه أبدى تحفظه بسبب القلق الذى سيحدثه هذا الاتحاد لاسرائيل وموقف الكونغرس الامريكى السلبى ازاء ذلك . ولكنه استدرك قائلا بان العراق لو دخل فى منظمة " الحزام الشمالل " الدفاعية فان العقبة ستزول . وهذا ما جعلنى اتحمس لدخول العراق " ميثاق بغداد "

عدت من امريكا وكانت وزارتنا التى يرأسها السيد أرشد العمرى قد استقالت وشكل السيد نورى السعيد الوزارة الجديدة ولم أكن عضوا فى هذه الوزارة . ولكننى بقيت أمثل العراق فى المنظمات العالمية وأشارك فى المهام القومية بوصفى عضوا فى مجلس الامة العراقى . وان اهتمامى بالاتحاد السورى العراق لم يضعف وكنت اكلف بالسفر الى لبنان لدرس التطورات فى سوريا والاتصال باخواننا ساسة سوريا الذى يهمهم أمر الاتحاد .

وفي صيف 1955 حين أقبل السوريون على انتخاب رئيس للجمهورية ذهبت أنا والسيد توفيق السويدى ) رئيس وزراء سابق ( الى لبنان

لمعرفة التيارات التى توجه سير الانتخابات فى سوريا . وفى احدى الليالى ذهبت الى دمشق فاجتمعت سرا برئيس اركان الجيش السورى شوكة شقير فى دار الاستاذ نذير قنصه . فاطلعت على وجهة نظره حول الاوضاع الداخلية فى سوريا وعرفت رغبته الملحة فى التعاون مع العراق . لقد شبه سوريا بالدولة العثمانية يوم كانت توصف " بالرجل المريض . فالدولة السورية أصبحت ساحة صراع وتنافس بين دول عديدة عربية وأجنبية . فالدول العربية التى يهمها مصير سوريا هي العراق والاردن ولبنان والسعودية ومصر والدول الاجنبية التى لها دور تلعبه فى سوريا هى : فرنسا وانكلترا وامريكا والاتحاد السوفيتى وتركيا واسرائيل فلكل من هذه الدول عملاؤها واتباعها فى سوريا . فالاتحاد بين العراق وسوريا يتطلب حكومات قوية مؤمنة فى كلا القطرين نستطيع التغلب على العقبات الدولية ولا سيما تلك التى تدبرها اسرائيل ! اعيد انتخاب الرئيس شكرى القوتلى للرئاسة فأبرقت له مهنئا . وبقيت أرقب الاحوال فى سوريا وبقيت على اتصال باخواننا من حزب الشعب والحزب الوطنى والتقيت بقيادة حزب البعث العربى الاشتراكى : الاستاذ ميشيل عفلق . الاستاذ صلاح البيطار

الاستاذ جلال السيد . كما اجتمعت بالاستاذ أكرم الحورانى . وفى 1055 قدم إلى بغداد وفد سورى بدعوة من الحكومة العراقية للاطلاع على مشاريع الاعمار . وبعد احدى الدعوات الرسمية اصطبحت الاستاذين اكرم الحورانى وصلاح الدين البيطار الى دارى فسهرنا سهرة طويلة بحثنا فيها موضوع الاتحاد . وكانت حجة الاستاذ صلاح ان الاتحاد بين القطرين لا يمكن ان يتحقق ما دام فى العراق نورى السعيد وما دام العراق متحالفا مع بريطانيا ! قلت له : إن نورى السعيد لن يعيش الى الابد والعلاقات مع الانكليز يمكن ان تتطور . واذا تحقق الاتحاد قد نتعاون على تطوير هذه العلاقات . أيدنى الاستاذ أكرم الحورانى فيما ذهبت اليه . وفي الحقيقة ان الدعايات المغرضة ضد الحكم فى العراق والتى كان يغذيها الاعداء قد تركت اثرها حتى فى نفوس الاصدقاء ! بقيت سوريا تتقاذفها تيارات متضاربة وفي مقدمتها الشيوعية حتى عجز ابناؤها عن مسك زمام الامور بأيديهم فقرروا التخلص من الحمل وذلك بدمج سوريا مع مصر 1958 بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر

يوم اعلنت الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا اعتبرت ذلك تحديا صارخا للعراق . اذ كيف يصح ان يهمل العراق في اى مشروع اتحادى وهو يعنى بالاتحاد ايما عناية ؟ هذا وانى كنت قدمت مشروعا لجامعة الدول العربية

فى جانفى 1954 يدعو لاتحاد البلاد العربية الراغبة فى الاتحاد ان تحققه بالطرق الدمقراطية . وقبل تقديم مشروعى هذا لمجلس الجامعة كنت عرضته على الرئيس محمد نجيب فى دعوة عشاء خاصة دعانى اليها فى منزله وقد حضر الدعوة تلك السيد جمال عبد الناصر . وفي الليلة التى تلتها دعوت السيد جمال عبد الناصر الى السفارة العراقية لتناول العشاء سوية وسهرنا وبحثنا فى شؤون قومية شتى وفى مقدمتها مشروع الاتحاد وخرجنا متفقين فما عدا مما بدا ؟ .

اتحاد العراق والاردن

بعد اعلان الوحدة الاندماجية بين سوريا ومصر ذهبت الى البلاط الملكى واقترحت الاسراع بانشاء اتحاد بين العراق والاردن . لا سيما وان المغفور له الملك عبد الله كان من دعاة الاتحاد بين الاردن والعراق وكان قيد اقترح مشروعا للاتحاد قبل استشهاده ولكن مشروعه لم ير النور بعد وفاته . وافق البلاط الملكى على الفكرة وطلب الى رئيس الوزراء السيد عبد الوهاب مرجان ان يفاتح الحكومة الاردنية بالامر فتم الاتفاق على تحقيق الاتحاد

وعلى اثر ذلك استقال السيد عبد الوهاب مرجان وكلف السيد نورى السعيد بتشكيل وزارة تعمل لتحقيق الاتحاد سنة 1958 . دخلت تلك الوزارة كوزير للخارجية . فقمنا بوضع دستور للاتحاد بالاشتراك مع السيد سمير الرفاعى رئيس وزراء الاردن . ثم قمنا بتعديل الدستور العراقى ليتماشى مع مطالب الاتحاد . ثم استقالت وزارتنا بعد ان تم تحقيق الاتحاد .

لم يكن السيد نورى السعيد متحمسا لمشروع الاتحاد اذ انه كان يعتقد ان تكاليف الجيش الاردني الذي كان يتلقى المساعدة المالية من انكلترا وامريكا ستقع على كاهل العراق . فاتجهت النية الى دعوة الكويت لينظم الى الاتحاد فيشارك فى النفقات . ولما مر المستر سلوين لويد وزير خارجية بريطانيا ببغداد اجتمعنا به فى قصر الرحاب ) مسكن الامير عبد الاله ومعه الملك فيصل الثانى ( وفاتحناه بموضوع انضمام الكويت الى الاتحاد على ان تمنح الاستقلال فورا . اقترحت أنا ان تستقل الكويت ويسمى اميرها ملكا ليكون الاتحاد من ملوك ثلاثة هم ملك العراق وملك الاردن وملك الكويت

فوعد المستر سلوى لويد بعرض الاقتراح على مجلس الوزرء البريطانى ولم يتحقق استقلال الكويت الا بعد ان قامت الثورة العراقية 14 تموز ) جويلية ( 1958 وبقيامها انتهى امر الاتحاد بين العراق والاردن .

عقبات فى سبيل الوحدة العربية :

لو سئلنا عن العوامل المعيقة لتحقيق الاتحاد على ضوء خبرتى لذكرت بايجاز العوامل التالية على سبيل المثال لا الحصر

1 ( ان مبدأ الوحدة كمبدأ قومي أساسى لم يوضح ولم يحدد محتواه . كما لم يعن بتعيين الوسائل والمراحل المطلوبة لتحقيقه

أ ( فهل ان الوحدة التى نريدها هي وحدة اندماجية ام انها " اتحاد فدرالى " ام انها تقتصر على منظمة جامعة الدول العربية ؟

ب ( هل ان الوحدة العربية تتحقق بقوة عسكرية كاسحة اى تفرض فرضا على الشعوب يفرضها ديكتاتور من فوق وهذا ما ندعوه بالطريقة " النازلة أم انها تتحقق باسلوب ديمقراطى مؤسس على قناعة الشعوب ودخولها الوحدة طواعية ومختارة وهو ندعوه بالطريقة " الصاعدة ؟

ج ( هل ان الوحدة العربية تتحقق دفعة واحدة وهذا ما يفرضه " ديكتاتور " ام انها تنشأ تدريجيا وعلى مراحل وهذا ما تفترضه " الدمقراطية " ؟

ان الباحثين والسياسين العرب حين يتناولون موضوع الوحدة لم يتفقوا على الصورة التى تمثل الوحدة كما لم يتفقوا على الاسلوب والوسيلة . فهناك بلبلة ترافقها أو تعقبها خيبات

2 ( ان اكثرية الشعوب العربية ما تزال تشكو من الجهل والامية تتقاذفها الدعايات والاشاعات وقد لا يحسب لها حساب في توجيه سياسة البلد القومية . فهى مسيرة لا مخيرة فى الكثير من الحالات . ولذلك فالاتحاد قد يبنى على أساس من رمل .

3 ) ان العديد من رجال الفكر والسياسة فى العديد من البلاد العربية هم فى معزل عن ساحة الكفاح القومى يعوزهم التنظيم وتوحيد الاتجاه القومى والاستعداد لتحمل المسؤولية والتغلب على الانانيات . وعذرهم المقبول هو عدم توفر الاجواء الحرة للاجتماع وابداء الآراء فى معظم البلاد العربية .

4 ) ان الدول العربية يحكمها حكام مختلفو الثقافات والعقائديات وهى ذات نظم فى الحكم متفاوتة . فمن انظمة يسارية إلى انظمة يمينية الى انظمة وسطى وليس من السهل تحقيق الاتحاد بين أقصى اليمين وأقصى اليسار . ولذلك

فكل نظام حاكم يريد الاحتفاظ بكيانه اذا لم يكن يفكر فى فرض نظامه على الآخرين

5 ( ان ارتباط بعض الدول العربية بمعسكر دولى معين وارتباط بعض آخر بمعسكر دولى معاد او وقوفه على الحياد باسم عدم الانحياز يجعل من التقارب والاتحاد امرا صعبا فى بعض الحالات

6 ( ان تبنى الدول العربية " اسطورة الزعامة " او التفكير فى مبدأ توازن القوى " بين الاقطار العربية لما يعيق السير فى سبيل الاتحاد .

فان تفكير بعض حكام مصر بأن اتحاد سوريا والعراق قد يفقد مصر زعامتها او ان العراق يزاحم مصر على الزعامة لمن الامور التافهة الضارة التى لابد من التحرر منها . كما ان تفكير البعض بأن اتحاد سوريا والعراق قد يخل بميزان القوى فى العالم العربى لمن الامور التى يروجها الاعداء فيصدقها بعض الاصدقاء

7 ) استخدام وسائل الاعلام أحيانا فى الترشق والتشتيت بدل استخدامها للتعريف والتوحيد بين البلاد العربية .

8 ( عدم استقرار الحكم واللجوء الى الثورات والانقلابات العسكرية فى بعض البلاد العربية . وكل نظام جديد قد يهدم ما بناه من سبقة فى سبيل الاتحاد . فمن يريد الاتحاد اليوم قد يطاح به غدا فيحل محله من يهمل الاتحاد او يعارضه .

9 ( تفشى العصبيات القطرية أو القبلية أو العنصرية أو المصلحية أو المذهبية فى العديد من الاقطار العربية . وكل واحدة من هذه النزعات الضيقة قد تصبح عقبة فى سبيل تحقيق الاتحاد

10 ( مقاومة الاستعمار والصهيونية مباشرة او بالطرق الخفية لكل محاولة اتحادية . فالاستعمار هو المسؤول الاول عن تجزئة الامة العربية واقامة الحدود الحاضرة بين اقطارها . فالدول الاستعمارية غربية كانت أم شرقية تريد أن تبقى الدول العربية ضعيفة ومتفرقة لتستطيع استغلالها سياسيا واقتصاديا وعسكريا . ولكل واحدة من الدول العظمى صاحبة المصالح الاستعمارية اعوان من اهل البلد ومن رجال السياسية مستعدون لايقاف عجلة الاتحاد . فهم يخدمون اغراض المستعمر من حيث يعلمون او لا يعلمون

ان المقاوم العنيد لكل اتحاد عربى هو اسرائيل . فاسرائيل تعتبر كل اتحاد عربى خطرا عليها . ولذلك فهى تسعى جهدها مباشرة أو بالواسطة على قيام القلاقل والفتن فى داخل كل قطر عربى وفيما بين الاقطار العربية . وقد خبرت بنفسى موقف المستر جون فوستر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة الاسبق حين فاتحته حول اتحاد سوريا والعراق . انه كان صريحا معى حين ابدى عدم استعداد امريكا لتأييد الاتحاد فى الظروف الراهنة بسبب مخاوف اسرائيل وتأييد الكونغرس الامريكى لاسرائيل . وربما كان السيد نورى السعيد واقعيا فى عدم تشجيعه مشروع الاتحاد حين قال لى " ان الاتحاد لم يعد موضوعا كماليا أو عاطفيا يمكن التغنى به وتركه للظروف وفرنسا على الاخص تعارض ذلك انى أرى انه مخطئ فى تخصيص فرنسا وكان الاصح ان يضع " اسرائيل " موضع فرنسا .

كيف السبيل وما العمل ؟

1 ( ان الاتحاد العربى لا يتحقق ما لم يقتنع ساسة العرب ومفكروهم بان الاتحاد لم يعد موضوعا كماليا أو عاطفيا يمكن التغنى به وتركه للظروف والمناسبات . فالاتحاد اليوم يمثل ضرورة حياتية اذا شاء العرب العزة والبقاء

فهذه اسرائيل على صغر رقعتها الجغرافية وقلة عددها تهزا بأمة عربية تعد اكثر من عشرين دولة وعدد أبنائها يقارب المائة والخمسين مليون . كما أنها تتحدى عالما اسلاميا يعد نحو الثمانمائة نسمة . ذلك لان الصهيونية العالمية متحدة قوية متسلحة بالعلم والتقنيات والعرب والمسلمون متفرقون ضعفاء يغمرهم الجهل والامية .

2 ( ان العرب لو حققوا الاتحاد لاصبحوا من أعظم أمم الارض قوة ماديا ومعنويا . فالثروات الطبيعية والمواهب البشرية - التى يهدر الكثير منها عبثا فى يومنا هذا - يمكن أن توجه توجيها موحدا فى خدمة الامة العربية لتصبح من اغنى الامم واقواها . فلا يبقى قطر عربى يستجدى المال من الشرق او الغرب او يستجدى حماية الشرق او الغرب

3 ( ان ما نحتاج اليه اليوم هو نظرة جدية جديدة الى موضوع الاتحاد نظرة تبنى على الايمان والاخلاق والعلم والعمل . وهذا يتطلب وضع اسس جديدة لتربية شعوبنا وقادتنا تربية تؤسس على فلسفة موحدة وموحدة

للثقافة وللتربية والتعليم . كما يتطلب اعمال الفكر والتخطيط والتنظيم والى تنمية الضبط الذاتى والاخلاق الاصيلة فى نفوس الحاكمين والمحكومين على السواء طالبين الهداية من الله تعالى

4 ( التأكيد على العلاقة العضوية بين الاسلام والعروبة وبين القومية والدين . فقد بدت في السنوات الاخيرة ظاهرة خطيرة فى بعض أوساط شبابنا . ظاهرة افتراض التناقض والتضارب بين العروبة والاسلام . والحقيقة ان العروبة والاسلام متكاملان بينهما علاقة عموم وخصوص الدين اوسع من القومية فهو يشمل العديد من القوميات ويؤاخي فيما بينها . وفضل الاسلام على العروبة قائم بفضل القرآن ، اذ لولا القرآن لتفرق العرب الى قوميات متعددة ، فالقرآن هو أساس متين لوحدة العرب . وللاسلام الفضل العميم فى تعريب أكثرية أبناء الشمال الافريقى . اذن فكل جدل بين الاسلاميين والعروبين هو جدل سقيم لا يخدم العروبة ولا الاسلام ويضر بوحدة العرب ووحدة المسلمين على السواء

وأخيرا أود أن نفكر جميعا فى مضمون الفقرة التالية التى نقلتها من الصفحة ) 775 ( من دائرة المعارف البريطانية ) الطبعة الرابعة عشر ( فى موضوع " الصليبية " ان تفرق أمراء سوريا والانقسام بين العباسيين والفاطميين هو الذي جعل من الممكن فتح المدينة المقدسة وتأسيس مملكة القدس . و قامت قوة فى الموصل حوالى سنة 1190 واستطاعت ان توحد سوريا ولما توحدت سوريا بدورها مع مصر على يد صلاح الدين انتهى أمر المسيحية اللاتينية فى المشرق

ولو وضعنا الصهيونية موضع لمسيحية اللاتينية فى هذه الفترة لصح القول ما أشبه الليلة بالبارحة .

فانقاذ فلسطين يتطلب منا " الاتحاد " أولا ثم الاستعداد والجهاد .

ومن الله التوفيق

اشترك في نشرتنا البريدية