الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

الاثار وعناية الامم بها

Share

حينما وصلت إلى دمشق . بعد أوبتى من مصر ، صادفت جماعة من البادية يحمل بعضهم حقيبة مملوءة بالأثار ، يعرضها على بعض المتهنهن صناعة بيع الاثار فحاولت التطلع إلى حقيقة هذا البدوى ، والى حقيقة هذه الأثار التى يحملها ، وقد ادركت انه من بني عملية أهل وادى ( العلا ) وعلمت منه ان الأنار التى يحملها من ( الحجر) .

وقد دفعني إلى التطلع والبحث المستمر في الآثار ما أجده في نفس من حب الاستطلاع والاستكشاف والرغبة فى التنقيب على المندثر والمعمور ، وقد تحولت فى كثير من بلاد الله لهذه المهمة النبيلة ، وتاقت نفسي في المدة الاخيرة إلى الاياب للوطن العزيز بعد رحلات قمت بها طويلة في الشرق والغرب ، وصممت على ان أقف على الجزء الشمالي من صحراء بلادنا باجتيازها هذه المرة على ظهور الابل ، فبادرت إلى استئجار سيارة صغيرة تقلنى من دمشق إلى عمان العاصمة شرقي الاردن التى كان اسمها القديم ( البلقاء ) فوصلات اليها بعد يوم ، ومكثت بها مدة منقبا باحثا ، ومن ثم امتطيت السكة الحديدية الحجازية ، ثم انتقلت منها إلى " مؤتة الشهيرة وفي اثناء تجولى بهذه البقعة التاريخية غمرتني ذكريات المجد الاسلامى الذى شاده ابطاله الصناديد وقواده المحنكون امثال زيد بن حارثة وجعفر بن ابي طالب وعبدالله بن رواحة ، غمرتني تلك الذكريات الجميلة وتمثل لى جيش الصحابة منحدرا إلى هذه النواحي كالسيل المنهمر لينشر

دين الله القويم ، فيمن بادوا بالفشل والهاهم شيطان الجهل والضلال عن عبادة خلاقهم العظيم ، ومن " مؤتة " ارتحلت إلى " وادي موسي " وقد كان عاصمة دولة الانباط في التاريخ المعن في القدم ، ثم سرت قاصدا " معان " للسفر منها إلى تبوك ، ولما وصلت معان امتطيت صهوة سيارة خاصة حتى وصلنا ( الجفر) ومنه إلى المدورة ، والمدورة محطة من محطات السكة الحديدية المهمة بها قلعة ضخمة وقصر مشيد يدعى قصر المدورة ووديها فسيح عظيم تحيط به الجبال من جهاته الاربع . ومن المدورة اكتريت ذلولا مع اعرابي فعنيت بدراسة طبائع البدو هناك والمام بعاداتهم وتقاليدهم وأوضاعهم ، درست كل ذلك فى هذه الرحلة الموفقة وها انا اقدم لك ما وقفت عليه من أحوالهم فيما يأتي :

رأيتهم حينما يجتمعون لتناول الطعام . سواء كان ثريدا أو ارزا يأكلونه بايديهم وصفة اكلهم له انهم يصنعون لقمهم على هيئة كرات يفوقونها بابهاماتهم إلى أفواههم بصفة متقنة متمرنين عليها ، ويهشمون اللحم نضيف ويناولونه اياه بايديهم وكذلك صاحب البيت المضيف يتناول منهم مثل ما اعطوا للضيف . وبعضهم يغسل يديه بعد الفراغ من الطعام والبعض ينفر من ذلك معتقدا انه يسبب زوال نعمته ، ولذلك يمسح يديه على رأسه أو بدنه ، واذا استضافهم احد يحيونه خارج خيمتهم ويذبحون له كبشا ويطهونه ويقدمونه كاملا اليه ، فالكرم الذي هو من عناصر الخلق العربى لا يزال ماثلا فى اهل هذه الناحية من العرب والقاعدة المرعية عند عرب الشمال ان المضيف لا يتناول طعاما ما مع ضيفه بل يقدم احد اقاربه مع المدعوين أما هو فيقف بقدح الماء على رأس الضيف ، وهذا ايضا من الخلق العربي الاصيل ، فخدمة الضيف كان عندهم فيها الشرف العظيم

ويدعون المسافر ( درويشا). والتاجر الراحل ( طرقيا) . ومن اغرب عاداتهم ( ترجيع الكلام). فما يتكلم به المتكلم يعيده السامع واسم الملاقاة عندهم ( المناطحة ) فيقول لك احدهم : نطحت فلانا اي قابلته وميم الجمع لا ينطقون بها . وانما يبدلونها بالواو فيقولون : ( السلام عليكو ) واسم النعجة عندهم ( طلية ) والجمع طليات

ولباسهم الثياب الخشنة ، ويتزينون فى ابدانهم بنقش بشراتهم بمادة صبغية وهو المعروف بالوشم ، وبعض الواشمين منهم يشمون بدن الانسان من قمة رأسه إلى القدم بخطوط وصور لا تنمحي ابدا ، ويكلفهم هذا النقش مالا كثيرا ويؤلمهم ولا يستعمله منهم الاغنياء كتجار المواش والآبل ، واستحسانهم للوشم يسهل فى نظرهم تحمل آلامه ، وقد علمت ان هذه العادة متأصلة فيهم منذ القدم قالوا لي ذلك حينما خاطبتهم في شانه . ومما يدل على قدم الوشم فى العرب قول طرقة بن العبد الجاهلى

لخولة اطلال ببرقة ، ثهمد                 تلوح كباقى الوشم فى ظاهر اليد

وقول زهير بن ابي سلمي الجاه

ودار لها لها بالرقتين كأنها            مراجيع وشم فى نواشر معصم

واللحى عند عرب الشمال حلية الرجال ، ومما جرى به العرف العربي منذ القدم فى هذه الناحية معاقبة الرجل بحلق لحيته ، والمرأة بحلق شعر رأسها والقبض على اللحية فى عرفهم من اعظم دلائل الاهانة ، والاناشيد البدوية كثيرة عندهم ، وهم يهزجون بها وقت الحرث وعند رعي الانعام وجر الناعورة .

وعرب شمال الحجاز يقضون نهارهم في الكد سواء فى ذلك أهل باديتهم وسكنة قراهم فاذا دخل الليل التزموا الراحة ولاذوا بالاجتماعات المعتادة تحت الخيام أو حول النار للاستدفاء أو للشواء أو لطبخ القهوة ، وهم في اجتماعتهم هذه لابد ان يحيطوا باحد شعرائهم الذي يبيت ينشدهم من اشعاره أو يقص عليهم من قصصه مايبهجهم ويجلب نشوتهم وسرورهم

وملكة الشعر ، اعنى الشعر البدوي الملحون منتشرة فى بلاد العرب عامة . وفي شمال الحجاز خاصة ، حتى ان كثيراأ من لاعمل له يتكسب بالشعر ، يمدح هذا الشيخ أو ذلك الامير بقصيدة رنانة يجيزه عليها بما يقدره الله ويسد العوز الموقوت " يتبع "             مكه

اشترك في نشرتنا البريدية