كاتب هذا البحث هو السائح الحجازي الاستاذ محمد عبد الحميد مرداد وقد زرناه فى منزله بدار مروان بن الحكم امير المدينة حوالى منتصف القرن الهجري الاول ، فاخرج لنا الاستاذ فيما اخرج من الآثار دانقا اثزيا ضرب ايام الخليفة عبد الملك بن مروان صاحب هذه الدار فعجبنا لهذه المصادفة التاريخية العجيبة : دانق عبد الملك نشاهده فى دار أبيه مروان ونحن فى حوالى منتصف القرن الرابع عشر الهجري . ونحن نقدم الاستاذ السائح لقراء المنهل بمناسبة بحثه المنشور فيما يلى : -
يهمنى ان ازف الى القراء الكرام بعض مشاهدتى فى رحلاتى التى طالما تكبدت فى سبيلها المشاق وقاسيت من أجلها المتاعت الجسام ، تتويرا للفكر ، وتهذيبا للروح ، وترقية للمدارك . ولقد شجعنى على كتابة هذه البحوث ونشرها زميلى فى البحث والتنقيب صاحب كتاب " آثار المدينة المنورة " الاستاذ عبد القدوس الانصاري ، اكثر الله من أمثاله ، ونفع الأمة بتأليفه وعرفانه .
وقبل كل شئ اقول : ينبغي ان يتفهم القارئ حقيقة معنى الآثار ، حقيقة لمراد من العناية بها فالآثار هي الأشياء التى تبقى فى عالم الوجود من مدنيات الامم السالفة ، لتدل على مجدها المندثر وحضارتها الغابرة .
أما معنى العناية بها فندل عليه الآية الكريمة : ( أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اكثر منهم واشد قوة وآثارا فى الارض ) . والحقيقة انك لا تسلك طريقا فى الارض ، ولا تمر على بقعة من بقاعها الا وتجد هذه الآثار ؛ فمنها المستخرج المصون ، ومنها المطمور المعنى باستخراجه والامم المتمذنة اليوم شديدة الحرص على استخراج آثار بلادها ، شديدة الحرص على حفظ ما استخرج منها ، وهي تراقبها تمام المراقبة لئلا يضيع شيء منها . وقد وضعت الحكومات الجزاءات الصارمة على من يتجاصر باخراج اي أثر من بلد الى آخر للاستغلال . ومتى وجدت اى اثر من آثارها عند غيرها من الحكومات بادرت الى استرجاعه ، ولو اقتضاها لأمر أن تنفق فى سبيل ذلك الاموال الطائلة .
وان زائر متاحف تلك الآثار لتأخذه الدهشة ازاء ما يشاهده فيها من عظيم ما احتوته من الآثار الناطقة بمجد الاوائل وعلو همة الاواخر . ويشاهد بعينى رأسه الحقائق التى كان التاريخ وحده يقص علينا انباءها . واذا كان التاريخ قام بمهمة اطلاعنا سماعيا على مزايا الامم السالفة واحوالهم وتطوراتهم فان علم الآثار قام بمهمة اسمى الاوهى إراءتنا تلك المزايا ، وجعل تلك التطورات والاحوال امام أبصارنا وامام الواقع المحسوس فنرجو ان نصل فى المباحث الاثرية الى ما وصلت اليه الامم الراقية فى هذا العصر ، لنجعل مسموع أمجادنا ملموسا . وفى ذلك عبرة لمن اعتبر وبصيرة لمن استبصره , ( يتبع )

