الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

الاجازة الشعرية

Share

الاجازة الشعرية لون من الوان الادب العربي أنيق ولطيف وطلي ومشوق ومطرب تتبارى في ميدانه جياد القرائح فتثير اعجابك بما تعرضه عليك من ضروب البراعة والاناقة والجمال والرقة والتجاوب العميق الممنني عن وحدة الشعور ورونق البيان بسلاسة الاعراب عما في الضمير وتبرز لك ذلك في صور ممتعة جذابة فاتنة تخيل إليك كأنك تشاهد معركة في القديم تكافأ أبطالها فيروقك منظرها ويطيب لك مخبرها وتسحرك موسيقاها ويحلق بك الخبال في آفاق جميلة تطل بك على اروع المناظر

وقد عرف هذا الضرب من الادب الشعراء في الجاهلية والاسلام وقال عنها علماء المعاجم اللغوية الاجازة ان تتمم مصراع غيرك وتحدث عن حول اللون الادبي الحسن بن رشيق في عمدته فقال وأما الاجازة فانها بناء الشاعر او قسيما يزيده على ما قبله وربما أجاز بيتا او قسيما بأبيات كثيرة فأما ما أجيز فيه قسيم بقسيم فقول بعضهم لابي العتاهية

أجز ! برد الماء وطابا فقال : حبذا الماء شرابا

وأما ما أجيز فيه بيت فقول حسان بن ثابت وقد أرق ذات ليلة فقال : متاريك أذناب الامور إذا اعترت أخذنا الفروع واجتنبنا أصولها وأجبل أي أفحم ( ولم يقدر على الزيادة فقالت له ابنته : يا أبت ألا أجيز عنك فقال أو عندك ذاك ؟ قالت بلى : قال : فافعلي فقالت :

مقاويل خرس عن الخنا                 كرام يعاطون العشيرة سولها

إلى آخر ما تحدث عنها ابن رشيق :

قلت : ولم أر من أبدع فى هذا الفن المرفه المسلي كشعراء الاندلس الذين احرزوا قصبات السبق في مضماره شأنهم في كل فن طريف .

وسنعرض هنا بعض اجازاتهم المطربة فمن ذلك ان المعتمد ابن عباد الملك الاندلسي الاديب الذي كان شاعرا مطبوعا رقيقا ومولعا بالاجازة الى ابعد حد . جلس هذا الملك يوما وبين يديه جارية تستقيه فاتفق ان لعب البرق بحسامه وأجال سوطه المذهب يسوق به ركامه فارتاعت الجارية لخطفته وذعرت من خيفته فقال المعتمد بديها

روعها البرق وفي كفها                 برق من القهوة لماع

واستدعى شاعره عبد الجليل بن وهبون فانشده البيت مستجيزا فقال عبد الجليل

ولن ترى أعجب من أنس                من مثل ما يمسك يرتاع

فقال المعتمد

عجبت منها وهى شمس الضحى             كيف من الانوار ترتاع

وأبدع من هذا وأطرف وأرق وأنبل أن المعتمد خرج يوما ومعه وزيره أديب الاندلس ابن عمار فوقفا على شاطئ نهر يمتعان النظر بحماله وبالقرب منهما غسالات والريح تعبث بالنهر وتزرده أى تصنع منه ما يشبه الزرد الذي يكون في الدروع الحديدية فقال ابن عباد لابن عمار

أجز يا ابن عمار :

صنع الريح من الماء زرد

فأطال ابن عمار الفكرة ولكنه أفحم وكانت من بين الغسالات فتاة رائعة فتانة تغسل بالنهر فبادرت الامير بن عباد قائلة

أي درع لقتال لو جمد

فأخذ من ابن عباد الاعجاب ماخذه وأكبر هذه البديهة من تلكم الفتاة التى تجاوبت معه في إجادة وبراعة لا نظير لهما مع عجز ابن عمار شاعر الاندلس وأدبيها وإفحامه في ذلك الموقف وحدق المعتمد إلى الفتاة ليتعرف إلى صباحتها بعد أن عرف فصاحتها فرآها صبيحة فصيحة فبادرها بالسؤال قائلا :

أذات زوج أنت ؟ قالت : كلا . فتزوجها وأسماها ) اعتماد ( وولدت له أولاده الملوك النحباء وسجنت معه باغمات بالمغرب ودفنت بجانب قبره باغمات .

وكثيرا ما يصف شاعران من شعراء الاندلس الطبيعة على طريق الاجازة فيأتي الوصف بديعا رائعا وناطقا حيا متدفقا بالفصاحة زاخرا بالرقة فما وقع لابي جعفر بن سعيد والشاعر الاندلسي المعروف بابن سيد فانهما اجتمعا لما قاربت الشمس للغروب فقال أبو جعفر لرفيقه

أنظر الى الشمس قد الصقت على الارض خدا

فقال ابن سيد

٥ -

هى المرآة لكن من بعدها الافق يصد

فقال أبو جعفر :

مدت طرازا على النهر عندما لاح بردا

فقال ابن سيد :

أهدت لطرفك منه                  ما للاكارم يهدى

فقال أبو جعفر

درع اللجين عليه سيف من التبر مدا

فقال ابن سيد :

فاشرب عليه هنيئا               وزد سرورا وسعدا

ثم لما طلع الفجر قال أبو جعفر :

نثر الطل عقوده                      ونضا الليل بروده

فقال ابن سيد :

وبدا الصبح بوجه               مطلع فينا سعوده

فقال أبو جعفر ؛

وغدا ينشر لما فتر الليل بنوده

واسترسلا على هذا النمط الساحر الفتان يفتنان كل من لم يفتتن بروعة الابداع فى التجاوب والبيان ووصفا جمال الطبيعة وصفا دقيقا

ومن لطائف الاجازة ما يقع بين شاعر وشاعرة كما وقع لنزهون بنت القلاعي الشاعرة الماجنة التي قالت لابى بكر بن قزمان الزجال وقد رأته بغفارة صفراء وكان قبيح المنظر . أصبحت كبقرة بني اسرائيل ولكن لا تسر الناظرين ؟ وذلك أن نزهون الشاعرة هذه كانت تدرس على الاعمى المخزومي الاديب الاندلسي المشهور فدخل عليهما الكتندي فقال لاستاذها المخزومي أجز

فأفحم الاستاذ الاعمى ولم يحر جوابا . فقالت نزهون مجيزة :

لغدوت أخرس من خلاخله              البدر يطلع من أزرته

                      والغصن يمرح فى غلائله

ومن روائع الاجازة المنعشة المطربة المشوقة المؤثرة الطريفة التالية التي وقعت بين شاعرين بارعين نال منهما البؤس منالا وادركتهما حرفة الادب فنغصت عليهما عيشهما وهما الشاعر المشهور بعنق البرة والشاعر المعروف باليكي هجاء المغرب الذي فاق العطيئة في الهجاء لما لقى فى حياته من الحرمان فاطلق لسانه في الهجاء والشتم واتفق ان هذا الشاعر دخل الى فاس في ليلة شديدة الظلام وكثيرة الامطار والسحب فضاقت به السبل وعبست الدنيا في وجهه فالتجأ الى فندق دواب ودخل توا الى بعض البيوت

فارتمى على الارض على حالة يرثى لها وظل يندب حظه ولم يقم له خادم الفندق وزنا ولا أعاره أدنى اهتمام وبعد لاي أتى شخص آخر يلوح عليه الشقاء وتتقاذفه الهموم وتعبث به الاحزان فاتجه الى البيت الذى دخل فيه اليكي والقى بنفسه على الارض مثله فادركت خادم الفندق رقة وهزته شفقة ورحمة انسانية فذهب الى السوق واشترى لهما خبزة وشمعة ودخل الى بيت البؤس وما كاد يقدم لهما الشمعة فى القنديل حتى انتفض اليكي قائلا :

وقنديل كأن النور منه

فانتفض صاحبه انتفاضة المجنون قائلا

محيا من أحب إذا تجلى

فقال اليكي :

أشار على الدجى بلسان أفعى

فقال عنق البره :

فشمر ذيله فرقا وولى

وبعد أن تعارفا قال أحدهما للآخر هيهات أن يجمعنا هذا السقف ولابد أن نقترع لنتفرق خشية أن يدرك أهل فاس الغرق من شؤمنا ونفذا ما اتفقا عليه وقد تستخدم الاجازة لاختبار الشاعر ومعرفة كنه ما يتمتع به من قريحة وقادة وبيان رائق وشاعرية فياضة كما وقع بين المعتمد وشاعرنا الذائع الصيت المبدع في البنان والاشعار ابن حمديس الصقلي عند وفوده على المعتمد عباد بالاندلس بعد خروجه من تونس قال ابن حمديس وافدا على المعتمد بن عباد استدعاني وقال افتح الطاق فاذا بكير زجاج والنار تلوح من بابه وواقده يفتحهما مرة ويسدهما أخرى ثم أدام سد أحدها وفتح آخر فحين تأملتها قال لي أجز

أنظرهما في الظلام قد نجما

فقلت

كما رنا في الدجنة الاسد

فقال :

يفتح عينيه ثم يطبقها

فقلت

فعل امرىء في جفونه رمد

فقال

فابتزه الدهر نور واحدة

فقلت

وهل نجا من صرفه أحد

قال : فاستحسن ذلك وأطربه وأمر لي بجائزة وألزمني الخدمة وبالتالي فان هذا اللون من الادب المبعثر والمنتثر في كتب الادب يحتاج الى مجلد ضخم يجمع شتاته ويبرز رقته وسلاسته وبلاغته وتأثير وقعه وطرافته وفكاهته .

اشترك في نشرتنا البريدية