الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

الاحاسيس يبتلعها الزمن

Share

- عتبة الاحساس :

اللحظة الواهمة تنسحق فى صمت تحت ضغط أفكارك . . . رائحة الليل تذوب فى خياشيمك رطبة عفنة . . رائحة الليل والاشياء . . رائحة الزمن الحلقى . . كلها تبعث فيك احساسا معكوسا . . رائحة التبغ الذى تحشر دخانه فى أحشائك . . أشياء ساخرة تسند رأسك الى جدار القلق المؤرق . تنشق اللحظة الواهمة فتتدفق منها ثوان والهة ترطب حلقك . . . تتمزق اللحظة الزمنية الواهية فتحس بفيض شحيح من الطمأنينة . . من الخلود المؤقت . . تتراقص الاشياء أمامك فلا تبذل جهدا لحفز وعيك . . تغمض عينيك فى ارهاق فتعاف الظلام . . تتحرك فى مكانك . . تنهض من الفراش فى فتور . . تفتح النافذة . . تنظر الى الاسفل فتمثل أمامك صورة الشارع الذى يستفيق مفعما بالحياة . . محشوا بمفارقآت أبدية . . . تتقلص ملامحك رفضا . . ازدراء وشفقة . . تغلق النافذة فتذوب رائحة الحياة التى بدأت تتنفس فى الخارج وتتلاشى فى الصمت الذى يشملك . . فى الخرس الذى يعقد لسان الاشياء حولك . . حتى قوائم السرير لا تئن حين تلقى بجسمك فى اهمال ظاهر . . " أنا أدرك الزمن يمضى كالسهم فى الصمت ، ، اذن أنا موجود " . . كل الحقائق صامتة . . خرساء . . وحب البحث عن الحقيقة شهوة مفزعة . ارهاصات من الرغبة العنيفة

يتدفق شعاع الصباح الجديد عبر النافذة منعكسا على أرض الغرفة مكونا حزمة ضوئية . . تمد يدك . . تقبض على الحزمة بأصابعك . . الحزمة حقيقة فعلية . . ولكن القبض عليها غير حقيقى . . كاحساسك بتيار شعورى زمنى يضغطك من الداخل . . ان هذا التيار يمر سريعا ليترك أعماقك صحراء بلا أبعاد . . بلا أعماق . . ثم لا تتبين شيئا . . كل الذى تتبينه هو خيط دقيق يتلوى حول عنقك كأنما يحاول خنقك . . وتنسى حكاية الشعاع . . بل ترفسها فى اللاوعى .

الاحساس البشع :

تخرج بعد أن تغسل وجهك . . تغسله بغير صابون معطر . . بمجرد الماء . . ماء لا لون له . . بلا رائحة . . بلا طعم . . تحمل صندوق النفايات . . تفتح الباب الخارجى . . وما ان تشيع الرائحة العطنة حتى تحاصرك أسراب القطط . . كاللاجئين . . كأبناء آدم المشردين . . وتنظر اليك القطط . . تتعلق بك نظراتها الخابية . . النظرات المتكسرة فوق قشرة الحياة الصلبة كقشرة الشارع الرمادية . . تقلب الصندوق فى الزاوية مفرغا اياه من محتوياته وتهم بالعودة . . ولكن جلبة تشد أذنك . . تتجمد فى مكانك وتستدير الى مصدر الجلبة . . الى كومة البقايا . . فتعلق ابتسامة صفراوية ذاهلة باحدى زوايا فمك . . فى مستوى شفتيك . . القطط . . ما بالها ترغو كالثيران الهائجة ؟ ! . . الزبالة الغذاء . . الحياة تنمو من الزبالة ! ثمالة الحياة تنبت فى بقايا الحياة ؟ ! . . تركز احساسك . . فاذا المسرحية فى قمة الاكتمال ، ، واذا العيون المنكسرة الخابية تحمر وتزرق وتسود . . واذا الحنق يشتد ويتكثف . . والانياب المتوثبة عارية كمباضع الالم والخيبة . . ونظرت مليا .

وارهفت السمع  . . فاذا المعركة رهيبة . . عواء حزين وآخر متنمر . . مواء ضعيف خافت وآخر حاد يمزق الفضاء . . كلها أصوات تشارك فى سريان الحياة فى الشارع . . فى انبثاق احساسك بوجودك . . فى خلق شعور لديك بنوع الحياة الرابضة فى كل لحظة زمنية . . وفى كل مكان . . وينفلت تفكيرك من البؤرة المحلية الى فضاء كونى فسيح . . الى شمولية مطلقة . . حيث الاحساس بعمق الوجود . . بقعر أغوار الحياة . . وتنسى القطط . . أو تتناساها . . ويعود وعيك من رحلته الى السطح . . تعود الى غرفتك وتقوم فى صمت أبيض بأعمالك الصباحية الميكانيكية . . ثم تنزل الى الشارع . . تنزل وبين شفتيك سيقارة غير مشتعلة انها السيقارة نفسها التى تضعها كل يوم .

يعتريك الذهول وانت تسير لانصباب الحياة دفعة واحدة وهجومها المباغت . . ولكنك تظل تسير دون أن ترى أى معنى للتعليق على الاشياء . . الاشياء هى الأشياء . . وتظل تبحر على الارضية المسطحة . . ثم تتوقف . . لا لشئ الا لان من معك قد توقفوا . . وتدور عيناك فى المكان فى لقطة بانورامية ذاهلة فترى فى وسط مفترق الطرق شرطيا فى بزته الرسمية وقد أخذ يلوك صفارته الرمادية بين أسنانه . . ثم ترفع رأسك فترى نورا . . اشارة من اشارات المرور . . ضوء أحمر فى لون الدم القانى . . وتتنهد . . تطفر منك اهة عفوية صادرة من الاعماق ، الموت ، خطر ، ، خطر ، ، الموت الاحمر . . وتجرأت . صممت على اقتحام الطريق . . ولكن الهدير المتواصل يجمد أعصابك . . يشل

فيك كل منبع للحركة . . تقف مكانك وظاهرك هادىء بينما فى أحشائك يعوى اعصار كنمر جرريح . . ويتحرك بك السيل العارم . . ولكنك تقاوم حركتك بنفسك هذه المرة .. تقف فى اصرار . تدفعك المناكب ولكنك تقاوم حركتك صلب كعمود فولاذى فى وجه العاصفة ، ، ويمر السيل ويتجاوزك . . وتبقى وحيدا . . وينطفئ الضوء الاخضر . . ويشتعل الاحمر . . وتتقاطر الجموع حولك مكونة حشدا . . حصارا تتنفس داخله بصعوبة . . تبصق زفرة مرة . وتحس بساقية الزمن الضخمة تدور . . تدور حسب لفات جهنمية مقيتة .

فلا تحمل من باطن الارض غير العدم والمرارة . . ثم يهمد الضوء الاحمر ويغور وتدوى صفارة الشرطى . . وترتفع يده باشارة مبهمة لديك . . ويتحرك السيل الجديد . . وتغطس فى الذهول وتقاوم . . ولكن السيل جارف . معربد . . وتتسمر عيناك على مكان الضوء الاحمر . . وتحاول أن تصرخ . انك تريد أن تراه دائما . . الضوء الحقيقى . . الضوء الذى يمثل الحقيقة الوحيدة الثابتة فى الزمكانية . . غير أنك تجد جسدك منتصبا على الرصيف المقابل . . وفجأة ترفع يدك اليسرى . . تنحسر سترتك وقميصك عن ساعتك . . تجحظ عيناك . . لكنك تبتسم . . الزمن ، الهروله الازلية ،

هرولته الغبية نحو لا شيئية عقيمة . . . تغور ابتسامتك لتطفو ابتسامة أخرى لكنها باهتة أكثر . . شاحبة أكثر . . باردة أكثر من اللزوم . . بل ابتسامة عاقر كهرولة الزمن هذه . وتصل الى مبنى الادارة . . تحرك رأسك يمينا وشمالا . . تدقق فى ساعتك مرة ثانية . . هه . . يا للشقاوة الزمن صبى مهمل يلعب بعقارب ساعتك . . انه طفل جامح ما يفتأ يعبث بالعقارب . يديرها وكأنه يدير مراوح ناعورة . . أو كأنه يضعها عمدا فى فم العاصفة . فتدور . . تمعن فى الدوران حتى تذوب فى اللفات السريعة .

الاحساس المنعكس

وتدخل . . تلج مبنى الادارة . . . أقدامك ثابتة فوق أرض المكان أكثر من أى شئ فى هذا الكون . . انك تدرك هذا . . بل وتؤمن به كبديهية لا تقبل الشك . . ولا حتى الشك المنهجى " الديكارتى " . . أقدامك هى الشئ الفريد النابت فوق المربعات الرخامية الباردة . . تتقدم قليلا . . تواجهك أوراق معلقة فوق خشبة سوداء مستطيلة . . المنشورات الادارية المعهودة . . وتدقق ٠٠ تلاحظ أن هناك ورقة زائدة . . هناك صفحة معلقة أخرى . . لم ترها أمس . . ولا أول أمس . . ولا فى الايام الماضية . . ويمر بك الموظفون ، يحيونك باقتضاب . . بهزة غير واضحة من رؤوسهم . . برعشة باهتة من شفاههم . . وتتقدم رويدا رويدا من المنشورات . . تتعلق عيناك بالورقة

الزائدة . . وتكاد تقهقه بل تقهقه فعلا . . كيف ؟ ! ألم تستغرب نبأ فصلك عن الوظيفة . . لم تستغرب لانك كنت تنتظر ذلك منذ أيام بعيدة . . فصلت عن وظيفتك لكثرة تغيبك غير الشرعى . . وتأخرك المزمن عن وقت الافتتاح المحدد . . أليسوا مغفلين ! هل أنت تتأخر فعلا . . هل أنت السبب . طبعا انه ذلك الصبى الشقى . . الطفل العابث الذى يلقى بعقارب ساعتك فى فجاج العاصفة . . انه احساسك بالزمن . . احساسك البطئ .

تستدير برأسك الى اللاشئ . . الى الفراغ . . تخاطب أعماقك الجدران والسقف ، والمربعات الحمراء المثلجة . . وتمرق من حناياك زفرة شاردة . ويستحيل الوجود واللاوجود فى باطنك فى لحظة زمنية الى شىء واحد . . الى كائن شائه . . تعصف بك فى وقفتك شتى المشاعر والانطباعات تختلج فى أعماقك أحاسيس . . انعكاسات . . ردود فعل غبية . . بلهاء ، ، مبهمة ، وبغتة يداعب أذنيك همس فاح متقطع . . وتصغى . . ثم تنتقل من موقف الاصغاء الى الرؤية البصرية . . فى المدارج المنزوية على شمالك كان البواب " عم عمر " نعم انه هو بعينه . . انه يفح من بين أسنانه أحرفا تعرج . . مشاعر زائفة . . انه يتغزل " بمبروكة " المكلفة بمسح الزجاج وأرضية الادارة . " مبروكة . . اسمعينى جيدا ، ، اننى ، اننى ، نعم ، ، يا مبروكة . . لقد . .

تصورى . . منذ خمس سنوات وأنا على الشوق " وتتساقط حبات رصاصية مميتة داخل أمعائك . . تسمع ضحكة رياء باردة . . تافهة . . تافهة جدا كنبأ فصلك عن الوظيفة . . . أو كالانعكاس الذى يحاول أن يتكثف ليشعرك أنك تعود من جديد الى الماضى الدفين محمولا على أجنحة همسات الحب : أحمد كم أحبك . . كم أهواك سرا دفينا داخل قلبى . . كم أشتهيك زنبقة أزلية فى مزهرية وجودى " وتغمض عينيك ويختلط الانعكاس بالعاكس . . رد الفعل بالفعل ذاته : " خمس سنوات . . هذا ليس بقليل على عاشق يعانى الصبابة المرة . . لا ٠٠ لا يا أحمد . . لن أحتمل الفراق ولو طرفة عين ، ، مبروكة ،

ألا تشاركيننى شعورى ؟ . . أحمد هل تصغى الى نبضات قلبى المتدفقة فى انصباب حيوى لاحتضان حبك العارم . . أنت عمرى يا مبروكة . . يا سر وجودى يا أحمد . . يا حياتى وكينونتى " . . . وتعج حولك الاطياف القذرة المجهزة بأجنحة ذبابية مضمخة بعصارة القمامة . . بسخف السخف . . بروح السخف العجفاء . . وترتسم فى خيالك رسالة والدك . . انه يريد أن يسترد شبابه . . نصف شبابه . . ربع شبابه على الاقل . . ألم يقل لك فى الرسالة أنه طلق أمك وتعلق بامرأة أخرى . . جميلة . . ريانة . . ديناميكية . . تطفر الحياة المتدفقة من وجنتيها الورديتين . . من جسدها الشهي البض .

وتفغر فاك . . تستدير بكل سرعة مع حركة من يدك . . آه . . إخ خ خ ، ، تففف ، ذبابة وقحة ، ، ما أغبى الذباب ، ، الذباب ، ، الذباب .

- عتبة اللاإحساس :

وتنزلق الى الخارج . . تصل الى شارع " باب البحر " . . الناس كثيرون . . ولكنك تراهم . . ولا تراهم . . موجود بينهم ولا موجود . . فيهم ولست فيهم ٠٠ انك عار مجرد . . سافر الحقيقة . . وهم ، ، هم مقنعون ، ، وتمضى فى مشاهدة المسرحية . . أنت المتفرج الوحيد الذى يوجد أمام الخشبة . . بعيدا . . هناك . . منفصلا عن الركح . . وتغوص بين الاشباح المقنعة وهى تهرول قلقة متوترة كحزم من البلاستيك . . فتدرك أنهم لا يرون شيئا . . ان أقنعتهم سميكة . . رمادية . . سوداء داكنة لا تسمح بنفاذ النور . . ولكنك أنت ، بلا قناع ، ، تحيا ضمن ديمومة زمنية لا تفتر . . تحس بكل لحظة تمر . . بكل ثانية تمضى . . انك لا تهرب وراء الاقنعة الواهمة . . ان نظراتك ورؤاك تنفذ عبر جلدة الزمن الكالحة المدبغة . . عبر حراشف الوجود . .

ولكنك ككل انسأن . . تعجز عن المواجهة الفذة الابدية ككل كائن حى . يحتضنك دوار رهيب وأنت تحاول أن تثبت . . أن تتبع الزمن فى كل نبض من نبضاته . . أن تمسك الوجود من أعماقه الى الابد . . يعتصرك الدوار . . ثم لا تشعر بشئ . . تفقد أعصابك . . فولاذية أحاسيسك . يجرفك التيار الى السطح . . يصيبك قناع طائش . . تندمج فى دورك الرهيب . . فتحاول فسخ دورك . . اقتلاع القناع . . بكل قواك تحاول . . ولكن لا فائدة ، القناع شىء ضرورى . . والتجربة الساذجة ضرورية أكثر . . وينزل كل شئ فيك . . كل شئ حقيقي فيك الى أعماق جب . . ينزلق داخل بئر بلا حدود . . بلا قاع . . وتهدأ فى حناياك المشاعر . . وتخمد الاحاسيس فى أحشائك . . وينطفئ اللون الاحمر القانى . . ثم يتدفق اللون الاخضر .

اللون الاخضر عين كئيبة ترقب الناس فى الرصيف المقابل . . ويتحرك السيل بهدوء عجيب . . هدوء المواكب الجنائزية . . ويحمل التيار فلا تقاوم . لا تتقلص ملامحك . . وتنسى الحزمة الضوئية . . والقطط . . و " عم عمر و " مبروكة " . . وحبيبتك القديمة . . وأباك . . تنسى كل شئ ، ، حتى نفسك . . ويفر الزمن . . يسرق منك حياتك . . وجودك . . وتبقى متخبطا فى مستنقع الوهم الكبير . . وهم أنك موجود فى الزمن

اشترك في نشرتنا البريدية