((الناس في منامهم يعملون ويشاركون في احداث العالم)) هیراکلیت
ان استخدام العقل والمنطق الصوري كمنهج للمعرفة قوام العلم والتقنيات في الحضارات الغربية التي توجه غالب عنايتها الى النواحي العملية في الاشياء تجود به قرائحهم .
وقد اعتبرت مدنيات أخرى احداث المنام التى تطوح بالنفس في مجاهل اللامعقول علامة على حياة ثانية للمرء تستفيق فيها حواس مجهولة ، وعلقت على الحلم المنبىء عن المستقبل أهمية أساسية حتى انها اعلنت الحروب واتخذت القوانين بموجب ما جاءت به الاحلام . وقد كان من آلاف الناس طوال القرون ان توجهوا الى البقاع المقدسة للمنام حتى يحظوا بحلم ينبئهم عن الغيب .
وعند كثير من الشعوب العتيقة في مصر وفيما بين النهرين وفي الصين وفي الهند وفى اليونان القديمة لعب الحلم أدوارا عديدة في ميادين التنبؤ والعلاج والفلسفة . وفى العهد القريب ألم يصرح الدكتور مصدق المتوفى أخيرا انه قرر تأميم النفط بموجب رؤيا قال له فيها شخص عظيم ،(( قم واكسر قيود شعب ایران)) ؟ .
وحتى في عهدنا هذا لم تزل الاعتقادات القديمة تعتبر الاحلام تعبيرا عن المستقبل وترى ان في امكاننا التحاور مع مصيرنا عبرها . وعلى هذا الاساس ضبطت ( مفاتيح الاحلام ، لتأويل رموز الرؤيا .
ویری فرويد مؤسس التحليل النفساني ان الحلم الذي يعبر عن اللاشعور المتكون من رواسب اليقظة وخصوصا من كبت النزعات الجنسية يعبر عن رغبات الطفولة والاندفاعات والقوات الغريزية المعاكسة للمصالح الاجتماعية.
ولكن فرويد لم يستنفذ كامل جوانب القضية لان الحلم لا يقتصر على التعبير عن الافعال المكبوتة ولا هو تعويض عن الفعل الممنوع فى اليقظة . فهو ايضا نظرة اجمالية ومحاولة تعرف الى الحقيقة
الحلم موضوع بحوث المخابر :
وقد كان من ذلك النشاط الغامض الذي يمارسه الفكر البشرى ليلا والذي أوكل في الماضى تأويله الى السحرة وأصحاب ( مفاتيح الاحلام) ان جعل في السنين الاخيرة موضوع بحوث في المخابر بحيث احلت آلات القيس الإلكترونية محل الحدس بالغيب . وكان من علماء وظائف الاعضاء الذين قصروا حتى الآن دراساتهم على النوم فحسب تاركين تأويل الاحلام لعلماء النفس ان ضموا جهودهم الى جهود هؤلاء العلماء لاقامة الدليل على ان النوم ليس بحالة متجانسة في جوهرها لا تختلف الا فى عمقها وانما هو احدى الحالات الثلاث المتداولة في حياتنا . على أن حالة الرؤيا فى المنام كحالة اليقظة نفسها اذ نشاط المخ في مراحل الرؤيا تشبه شبها كبيرا حالته في اليقظة بحيث يمكن قياس الرؤيا باليقظة.
ومنذ سنة 1953 أجرى عدد من العلماء استكشافا تجريبيا شاملا عن كهوف النفس ، ولم يتركوا مجالا لاى حكم ذاتى وأقاموا دراسة الاحلام على أسس موضوعية حقا . وقد كان الفضل في أهم أعمال هذا الميدان للمدرسة الامريكية التي تزعمها کلایتمان و ديمنت الاستاذان بجامعة شيكاغو وجوفي الاستاذ بكلية ليون وكانت عمليات الامركانيين تجرى على البشر بينما كانت في فرنسا تجرى على الحيوانات خاصة منها القطاط . وكان من كلتا المدرستين ان اكتشفتا اكتشافات غريبة وجلتا جملة عظيمة من المعلومات الجديدة .
وكان كلايتمان يمارس منذ سنة 1928 بحوثا في وظائف الاعضاء عند النوم وفي سنة 1938 : أمكن له ان يحرم نفسه من النوم طيلة 120 ساعة داخل كهف ( مرموث) مع احد تلامذته لدراسة تداول اليقظة والنوم بمعزل عن تأثيرات المجتمع .
وقد واصل كليتمان بحوثه فلاحظ فى سنة 1953 حدوث ارتجاجات فى المقلتين تجد غير ما مرة فى الليلة الواحدة وتصحبها الاحلام .
كل الناس يحلمون فى منامهم :
وقد واصل كليتمان تجاربه على اناس ادعوا انهم لا يحلمون قط فايقظهم عندما اخذت مقلهم ترتج وأقام الحجة القاطعة لا على وجود علامة ملموسة فحسب وهي حركات المقل بل أيضا على ان كل الناس يحلمون بحيث ان الاحلام من شأن الانسان الاعتيادى أيا كان وان الانسان يحلم طيلة ليلته عن شعور أو عن غير شعور .
نوعان من النوم :
واصل الاستاذ دیمنت تجارب شیخه كليتمان وتصدى للبحث المنهجي عن مظاهر الاحلام . وقد انتدب ، مقابل ثلاثة دولارات لليلة الواحدة ، متطوعين وطلبة وبحاثين وخدمة منازل وشردا ، ليناموا في مخبر الاحلام مجهزين بمنافذ كهربائية دقيقة تسمح بتسجيل موجات أمخاخهم ورسوم تحركاتها وحركات عيونهم ورسومها وانقباضات واسترخاءات عضلاتهم .
وقد تتبع الاستاذ ديمنت بكامل العناية لوحاته ورسوم آلاته وعندما يظهر له ان الحلم قد اشرف على النهاية يطلق جرسا معلقا بسرير النائم ويفتح مسجلة تسجل حكاية الرؤيا وتلك الحكاية تملا عشرات الصفحات لليلة الواحدة.
وبعد تلك كل التجارب التي اجريت على أكثر من ألف ساعة من ساعات النوم تبين جليا خطأ تصوراتنا السابقة لاحوال النوم وان الاحلام من النشاط المعقد الضرورى الذى يلزم اعتباره من الوظائف الحيوية كالتنفس والتغذية
ذلك انه لا توجد حالة منام واحدة بل حالتان تختلفان عن بعضهما بعض من حيث نوعهما ومن حيث سيرتهما ايضا . فالاول ويسمى المنام البطىء سياق استراحة واستعاضة يتميز بهبوط سرعة دقات القلب والتنفس وبطء الامواج الصادرة من المخ على نسق « دلتا » حتى يستريح . وذلك السياق يشغل 80 في المائة من مدة النوم .
اما النوع الثاني ويسمى النوم الغريب ، فهو اغرق من الاول وفيه تنشط قشرة الدماغ نشاطا كبيرا فترسل امواجا سريعة من نوع ( الفا) لها شبه
كبير بموجات اليقظة ، وتصحبه سرعة في حركات القلب والتنفس تتصل بما تتضمنه الرؤيا من المحتوى العاطفى، كما تصحبه حركات سريعة في العقل حتى عند الكمه الامر الذي يدعو الى اعتقاد ان نشاط الاحلام نشاط عصبی قائم على أجهزة عتيقة كانت في الماضى مستقلة على ان حركات العينين تدل على الناحية التي ينظر اليها النائم عند الحلم
وهذه الحالة التى يصعب فيها ايقاظ النائم وتجعله عاجزا عن عمل منسق متلائم مع وضعيته لما يعرو عضلاته من الوهن الكامل ، تشغل خمس مدة النوم عند الكهل و 50 فى المائة عند الوليد .
وهكذا ترى ان المخ في النوم الغريب ينعزل عن العالم انعزا أشد مما يقع فى النوم البطئ ، ولا تصل اليه المؤثرات الخارجية الا عسيرا.
متى نحلم :
خلال ليلة اعتيادية قضيت منها ثماني ساعات نوما تطرأ الاحلام خمس أو ست مرات معدل كل حصة عشرون دقيقة تفصلها حصص نوم بطىء تدوم تسعين دقيقة ، على ان يدوم الحلم الاخير اربعة أمثال مدة الاول . وتسير العملية على النسق التالي :
في البداية يستهل المنام بحالة تمهيدية تكثر فيها صور مبهمة تتضاءل شيئا فشيئا فيخلفها نعاس عميق تنبعث عنه امواج من نسق (دلتا) بدون احلام ويدوم ساعة ونصفا.
ثم بعد رؤية تدوم قرابة تسع الدقائق ينغمس الحالم فى نوم اعمق من نومه السابق شيئا ما .
وفي أواسط الساعة الثالثة تبرز رؤية ثانية تدوم 19 دقيقة ويتلوها اندفاع آخر لمدة تسعين دقيقة فى منام تقطعه رؤيا ثالثة تدوم قرابة الاربع والعشرين دقيقة .
وأخيرا يفيق النائم نهائيا من سباته فيما بين الساعة السابعة والثامنة بحيث ان كل حصة من حصص الرؤيا تكون أطول من سابقتها من أول الليل
الى آخره . وهذا التداول لوحظ فى جميع المخلوقات الاعتياديين من ذكور وإناث.
وهكذا نشاهد ان الرؤيا نشاط أساسى تنقص أهميته بقدر ما يتقدم الفرد فى السن ولكنه لا يضمحل قط ولو عند الشيوخ .
الحلم شهادة دقيقة للاحداث :
عند قرب حصص الرؤيا يحرك النائم ذراعيه ورجليه ويتقلب ويحول رأسه كالمتفرج الذي عيل صبره قبل رفع الستار . ولكن عند بداية حصة الرؤيا يسكن جسمه باستثناء شفتيه واطراف اصابعه وخصوصا مقلتيه فانها تتحرك كانه يريد تتبع اطوار الحوادث ، ذك ان حركات المقلتين تدل على ان الحالم يعتقد انه يرى في منامه مشهدا
لذلك شبهت الرؤيا بمشهد مسرحي لا يراه اليقظان ، تتوالى فيه الاعمال والاشارات فى نطاق الوقت الحقيقى تبدا ازاء حركاتنا قبل رفع استار وتنتهي بتاتا عند بداية الاحداث الخيالية التى تسترعى كامل انتباهنا .
الرؤيا تستجيب الى ضرورة حتمية :
الانسان أشد اضطرارا الى الاحلام منه الى النوم ، والظاهر ، كما أكده العالم النفساني يونغ ، ان النوم وسيلة لدخول مجال الاحلام . وقد كان من العلماء ، عندما ضبطوا الحين الذى تبتدىء فيه الرؤيا ، ان اجروا تجارب لمنع النوم بمجرد انتهاء حصة من حصص الرؤيا .
فعندما يحرم المرء من الرؤيا يكون محتارا سريع الغضب عدوانيا نهما ميالا للسلوك الغريب يشكو اختلالا في ذاكرته وفى ادراكه للساعة التي هو فيها تأخذه اختلاجات ويبلغ به الامر احيانا الى هلوسة تنتهى الى ضياع شخصيته وانهيار نفسياته . ولا تظهر هذه الاضطرابات قط اذا وقع الايقاظ الجبرى عند النوم الذي لا رؤيا فيه .
على ان بدن النائم الذى ينقص نصاب احلامه يدافع عن نفسه فيحاول تدارك ما فاته من تلك الاحلام لاكتمال التسعين دقيقة المتمثل فيها نصابه اليومى فالحرمان من الحلم يترتب عنه تمديد أطوار النوم الغريب وراء حدوده
الاعتيادية أو تعديد حصصه . واذا منع المختبر من النوم العادى طيلة الليلة كلها فانه اذا كان في استطاعته غداة تلك الليلة ان ينام بصورة اعتيادية يتناول من زيادة مدة الحلم ما يجعل من كامل مدة نومه ستين في المائة مقابل عشرين في المائة من المدة الاعتيادية .. ولكن هناك أمر جدير بالاهتمام في هذا الصدد وهو ان تكرر الحرمان من الاحلام ينتهى الى تكوين نقص يستحيل تسديده تسديدا كاملا تؤول آثاره عند تجمعها بعد مدة اختلالات ذهنية خطيرة.
لذلك عدل عن تجارب الحرمان من الاحلام المجراة على البشر واستؤنفت على الحيوانات خصوصا منها القطط - لان الاحلام ليست من خصائص البشر فالحيوانات أيضا إذ بلغت مستوى معينا ، تحلم .
القطاط والجرذان تحلم :
شاهد الدكتور جوفى عند اجراء تجاربه على القطاط وتطبيق طريقة المقايس الكهربائية على المخ وتسجيل حركات المقل ، ان الحرمان الطويل من الاحلام ينشأ عنه سلوك غريب من تشنج عصبى سرعان ما ينقلب الى التحدى وتشدد شهية الاكل والشهية الجنسية . والطريقة التي سلكها تتمثل في حوض أقيمت وسطه مصطبة وضعت عليه الجرذان بحيث يكون لتلك الجرذان مجال كاف للنوم ولكنه غير كاف للتمدد على كامل طولها عندما تسترخي عضلاتها في حصة الرؤيا . واذ تفقد العضلات كل قوة عند مرور الرؤيا فالقطاط تسقط في الماء وتفيق ، ثم ترجع الى المصطبة ولكن بعد بضعة أيام تبقى الجرذان الساقطة في الماء لاستكمال حلمها بدون شك
وقد أجريت تلك التجارب على الجرذان وبعد مضي ثمانية ايام بلغت حاجتها الى الرؤيا الى درجة من الشدة جعلتها لا تغادر الماء وتموت غرقا.
الادوية المنومة تمنع من الحلم :
الادوية المنومة تساعد على النوم ولكنها تقصر بل تمنع احيانا الاحلام . وبذلك تدخل الاختلال على وظيفة الحلم والتوازن الجسماني النفساني الامر الذي يقتضى تجديد استعمال المنومات البربيتورية الا في الصورة التي يتحتم استعمالها حتما .
اكتشاف المركز العصبى المثير للاحلام :
امكن للدكتور جوفى بفضل تجارب دقيقة جدا ان يحصر فى الجزء المسمى بالجزء العتيق من المخ الكائن على مستوى الشبيكة البصرية كويرة حجمها كالجلبان وهى نواة نشاط الاحلام.
واذا اعدمت تلك النواة عند القط اضمحلت الاحلام . على ان الحيوان لا يظهر عليه اى مرض فهو يشرب ويأكل وينام ولكن بعد مضى ثلاثة أو أربعة أيام يتمطط انسان عينه وتداخله هلوسات ثم يموت بعد 70 - 90 يوما عاشها عيشا اعتياديا لا غبار عليه . وبتشريح جثثه تكتشف جروح في الكضران التي تصنع ( النورادرينالين)، وهو الهرمون اللازم لدفع التيار العصبي الامر الذي يبعث على الاعتقاد بأن الاحلام لها صلة مباشرة بالخلايا العصبية التي تستعمل هذا الهرمون
وتشتمل تلك النواة على جزئين . أولهما : يتحكم فى حركات المقلتين وعلامات المسجلات الكهربائية ، ورسوم المسجلات . والثاني : يتسبب فى سقوط قوة العضلات عند بداية الرؤيا.
واذا أعطى القطاط عقاقير معينة تبطل فاعلية الجزء الثانى وتمنعه من القيام بدوره المانع من انطلاق القوة العضلية بينما تستمر الرؤيا ويبقى القط كالمصاب بالهلوسة ( يعيش) حلمه بكافة عضلاته ويؤدى فعلا الحركات التي تصدر منه في خيال الرؤيا وهى حركات مرتجة غير مناسبة ولكنها على كل حال حركات .
كيمياء الاحلام :
اذا اطلقت على شبكات البصر المتمركزة فيها الاحلام شحنات كهربائية صغيرة بدأت حصة الرؤيا حالا وتدوم من 10 الى 15 دقيقة . ولكن اذا ارسلت شحنة اخرى عند انتهاء تلك الحصة فانه لا يكون لها أى أثر . الامر الذي يجعلنا نعتقد ان المخ في حاجة - الى اجل معين - لاعداد العناصر اللازمة للرؤيا وان النوم البطىء اذن يمهد الدخول في النوع الغريب كما أكده « يونغ » .
الا ترى أن الاف الحجرومين من النوم الغريب لا يتجاوزون، 60 فى المائة من مدة سباتهم اذا هم ناموا لتسديد ما فاتهم . لذلك يرى رجال البحث ان نشاط الرؤيا يتوقف على وجود حوامض مكونة للبروتانيات فى المخ تسمى
(مونو امينات دفاعية) تستعملها الخليات العصبية . والظاهر لان الطاقة اللازمة لنشاط الاحلام ناشئة عن انحلال بعض الحوامض الامينية عندما تختلط بخمار بعض الحوامض الامينية ومنها ( النوراد يشين).
والحصص الفاصلة بين حصص النوم البطىء قد تفضى في تركيب الحوامض الامينية والخمائر اللازمة لاحتراقها . ومن ( روائد) الرؤيا (النوارد يرينالين) أو (السورتوتين)( السوروتوتين) فدورها تقوية نشاط الرؤيا اذ من شأن مواد الكبت الموجودة في الخمائر ان تعطل ذلك النشاط أو تحذفه تماما .
لماذا ننسى أحلامنا ؟ ؟ .
كل منا يرى قرابة ألف رؤيا فى العام . غير ان غالب الاحلام تنسى حالا بل من الحالمين من يعتقدون انهم لم يحلموا قط ولا يتصورون الاحلام البتة.
ويرى علماء التحليل النفسانى اننا لا نألف من ايداع اسرارنا عند الغير فحسب بل اننا بحكم الرقابة النفسانية تؤثر جهل ما من شأنه ان ينال من نفوذ الاوضاع الفكرية الراسخة ونتعمد نسيان الاحلام المستنكرة أو العسيرة التفسير كما نقصى عمدا عن افكارنا في حالة اليقظة الحوادث المؤلمة.
ولكن الحالم اذا استنهض خلال الرؤيا أو بمجرد انتهائها يتذكر بكل دقة ما كان يشهد ويمكن التحصيل على حكاية دقيقة للرؤيا بنسبة 80 فى المائة من الاحلام الواقعة .
واذا نهض الحالمون بعد انتهاء احلامهم بما قدره دقيقة الى ثمانى دقائق كان فى استطاعة 35 فى المائة منهم ان يحكوا تلك الاحلام وفيما بعد الثمانى دقائق تسقط النسبة الى 5 فى المائة.
فالنسيان اذن يقع عند الحلم ولا يتذكر الحالم الا الاحلام التى يفيق بمجرد انتهائها ، ولكن لماذا تنسى بعض الاحلام حالا بينما غيرها يثبت فى الذاكرة ؟ ذلك ما لم يتوصل حتى الآن الى استجلائه.
الحلم علامة التطور :
ينمو مجال الرؤيا خلال التطور بقدر ما ينمو المجال النفساني بحيث يظهر انه علامة على التطور . من ذلك ان نشاط الحلم عند الحيوانات السفلى لا يبرز في الميدان الحيواني الا بداية من صنف الطيور وهو ظاهر كل الظهور في الحيوانات العليا ولكن عند أكلة اللحم أكثر منه عند أكلة النبات حتى انه يبلغ عند الاول 20 في المائة من كامل مدة النوم . وتلك الزيادة في مدة الاحلام موازية لتشعب الاجهزة العصبية
على ان الاحلام لها صلة - على ما يهظر - بالمستوى الذهنى فان ضعفاء العقل - بالحسون الدعى يشكل - على ما نشاهد - قليلة احلامهم وقصيرة بينما اصحاب اواهب الممتازة لهم نشاط عظيم فى ميدان الاحلام.
مصدر الاحلام ووظيفتها :
من أين تأتى الاحلام ؟ ما هي وظيفتها ؟ هل هي نتيجة الاثارات الخارجية (من أصوات وأضواء وحرارة) أو الخارجية ) من جوع وظماً وألم ( المسلطة على النائم والمفرغة عبر شخصيته في صورة رمزية . هل هي اشلاء ذكريات مبعثرة تعاودنا صدفة ؟ أم هى رسائل تبلغنا من اعماق مجهولة ؟.
فانه بالرغم من الجهود المبذولة طوال السنين العديدة فى درس الملاحظات الحاصلة عن آلاف ساعات الاحلام البشرية . لم يزل الغموض يشمل أصول تلك الاحلام ووظيفتها الاساسية بحيث اضطر الى اللجوء الى الافتراضات .
ويرى المهندس ( درن) والاستاذ ( هرفی دیسان دیني) ان الحلم قد يكون تنبؤا يتعلق باحداث ستجد فيما بعد . وذلك اعتمادا على ان الوقت يجرى عكسا وطردا . وقد كان من علماء التحليل النفساني . انطلاقا من مذهبهم المبنى على العناصر النفسانية ، دون غيرها ان اعتبروا من الممكن الاعتماد على فرض بروز الرؤيا من العدم عن ذهن النائم . وهم يحاولون تفسير كافة العوارض بنسبتها الى سوابق الحياة اى الى الماضى الشخصي الذي يكيفه اللاشعور تكييفا دقيقا . ذلك اللاشعور المعبر عن حركات انفسنا العميقة ویری اتباع ( فروید) ان الرؤيا وظيفتها تحقيق الرغبات التي تعترضها رقابة المجتمع وذلك عن طريق الرموز .
ولكن نظرية الكبت مهما كان عظم قيمتها ونظرية تلميذه (ادلر) التى تحل نزعة القوة محل النزعة الجنسية لا تحلان المشكلة حلا شافيا
اما ( السوريا ليسم) ( أى مذهب ما فوق الواقع) الذي يتزعمه أندرى بريتون فهو يرى ان الحلم وسيلة للمعرفة وانه يلزم اعتبار ما قد تكشفه لنا الاحلام . وهو يعتمد اللامعقول بما فيه من مناقضة منهج (ديكارت) وينتهى الى رأى يقضى ( ان هناك عقلا أوسع وأفسح يشمل عوالم الحلم والحقيقة . .).
واما الدكتور جوفى فهو يفترض افتراضا مخالفا لما سبق على خط مستقيم وهو تتناول الحلم من ناحية الاعصاب ووظائف الاعضاء ويؤكد ان لكل من حالات اليقظة والنوم والحلم دورا فى سير الهيكل العصبى وخصوصا فى سير الذاكرة .
ففي حالة اليقظة يتقبل المخ الاخبار الجديدة ثم يرتبها فى حالة الحلم يفضل المواد المصنوعة اثناء النوم البطئ.
وهكذا اذا اعتبرنا النظريات التى انتهى اليها العلماء الذين يمارسون المنطق الشديد والمفكرون الذين يستدلون بالحدس يمكننا القول ، على سبيل التقريب ، بان الوظيفة الحيوية التي يقوم بها الحلم تتمثل في تنسيق الماضي مع الحاضر وتحقيق التعايش بين الرغبة والحقيقة والربط بين الواقع والخيال وبين العالم الداخلي والعالم الخارجي .
أهمية المعلومات المكتشفة :
أصبح الآن من الممكن القبض على الرؤيا في حين لم تزل صورة واضحة وقبل أن يمضى من الوقت ما يسمح لنزعتنا الى حماية أنفسنا بتحويره ، فطبيب الامراض العقلية في استطاعته تحليل احلام المريض المسجلة بمخبر المنام ومقابلتها بالرواية المنقحة التي يقدمها غالبا ذلك المريض والكشف بهذه الطريقة عن مصدر مرض عصبي ، كما ان فى امكان الطبيب ان يكتشف دون صعوبة سواء عند حالة اليقظة أو حالة الحلم بداية المرض ، لانه من المقرر ان المرض السائر في طريق التعكر تبدو بواكره في النوم وانه من الايسر التعرف على المرض بمقتضى مرئيات الرؤيا قبل ظهوره وبذلك يمكن معالجته بما يحقق المزيد من الجدوى.
على ان دراسة الاحلام لا تفيد المرض فحسب . فان « بركسون ، يعرف الرؤيا بانها « الحياة الذهنية كلها ، وان جوفى يغلب على ظنه انها أداة استساغة وحفظ ما يبلغنا في حالة اليقظة وفى الاستطاعة استخدامها لا للعلاج الطبي فحسب بل أيضا لاغراض ثقافية اذ تشمل زيادة على ذكريات واستدلالات ، ضروبا من الحدس وتنسيق الافكار . والاغرب ، كما يراه العالم يونج ان النشاط الفكرى العام وطاقة الانتاج النفسانى صادران عن اللاشعور والشعور معا .
وقد كان من الاحلام ان سمحت احيانا بالتشوف الى حلول قضايا كانت تظهر غير قابلة للحل فى حالة اليقظة فكانت منطلقا واكتشافات من الاهمية بالمكان الاعظم . ولنا في صورة ديكارت وفى صورة « كارتولی » و « انیالس بوهر » ـ وهما اقرب منا عهدا - دليل على ان الرؤيا تمتزج فيها حركية اندفاعاتنا اللاشعورية مع محصولات شعورنا لتيسير انطلاق جلائل الافكار ، فان الثاني اكتشف في رؤيا الوضعية الزرية الخاصة بالبنزين والثالث نظرية السحاب الزرى في رؤيا أيضا .
حلم لانسان انه يطير قبل ان يركب متن الطائرة - وقد قال ( بيشن) : ان الافراد والشعوب التى أصبحت لا تحلم هى الافراد والشعوب التى اصبحت لا مستقبل لها فهى من الاموات الاحياء.
