قصة
( الفن الخالص لوجه الجمال الفنى هو الارقى والابقى )
أمام دكان الحاج مبروك كانوا يتحدثون أحاديث لم يعرفها الحي من قبل . فرغم ما في أصواتهم من قوة وحرارة . فقد كانت تعلو وجوههم سمات حزن عميقة . أما النسوة فقد كن يجئن ويرحن أمام الدكان . يرمقن في حيرة رجالهن . فما عساهم أن يفعلوا هذا اليوم .. وتضع امرأة جرتها الثقيلة فوق كتفها ، ولكن عندما تشعر أنها قد استقرت فوق ظهرها ، تمر تتبع جارتها ولكن لا تنسى أن تتمتم في غيظ :
- آه ، عملتها فينا يا بهيم يا كلب ... وعندما تصل هذه الكلمة اسماع جارتها تثير في نفسها أحاسيس كامنة فترد عليها وهى تكتم غيظا كان باديا على وجهها :
- آه يا روحي على (( بهيمنا )) ، حتى الحكومة ما استطاعت أن تفعل شيئا ...
الحكومة ... كان لفظ الحكومة ما ينفك يتردد على السنة الرجال أمام دكان الحاج مبروك وكان الحاج مبروك يضع أصابعه فوق أذنيه - يجذب خيط نظارته التي تحطم أحد طرفيها ثم يقول في وقار :
- دعكم من الحكومة يا ناس ... وهل الحكومة أقدر من ربنا ... ويصمت الرجال ولكن فلاحا شابا أجاب الحاج مبروك قائلا في تهكم :
- وربنا أيضا ... ماذا صنع لنا ...
فرمقه الحاج مبروك بنظرات ثاقبة . فخشي الحاضرون أن يسلط عليه لسانه ولكن سرعان ما القى نظراته بعيدا على شيخ الحي الذي يقبل من بعيد على دراجته ، فسكت الرجال ينتظرونه فماذا عسى أن يقول هذا اليوم ...
أوقف شيخ الحي دراجته ثم أخذ ينزل في بطء ولكن رغم ذلك كان الفلاحون ينتظرون منه شيئا خطرا لا بد أن يفوه به ، فما انفكت نظراتهم تتبعه وهو يمضي اليهم كأن شيئا لم يحدث . ولكن الحاج مبروك مضى يسأله كعادته ولما يصل بعد :
- هل من جديد يا شيخ ... وأما الشيخ فلا يريد أن يتكلم قبل أن يصل اليهم وينهض أحدهم فيترك له الكرسي الذي كان جالسا عليه . وكان لا بد للفلاح الشاب أن ينهض احتراما للشيخ خوفا من أن يسلط عليه الحاج مبروك نظرات تجمده فى مكانه ... ولكنهم اليوم قد وقفوا جميعا ولم يدعوا الشيخ يلقى جسده الثقيل على الكرسي ... فأخذوا يمطرونه بالاسئلة :
- ماذا صنعت الحكومة ؟ - هل من جديد ؟ - ماذا قرر الطبيب ؟ ومكث الشيخ قليلا صامتا ريثما يعود الهدوء . ثم قال : - أمرنا لله ... مامن دواء ياجماعة ...
كان عليهم أن يسكتوا قليلا لان الاهم لم يقله بعد . كان يريد ان يقول أشياء أخرى خطرة . ولكن الحاج مبروك لم يدعوه يتم حديثه فقد عجل قائلا وهو يصفق تصفيقا ينم عن سخط :
- أمرنا لله ... حتى الحكومة عاجزة ... وعاد الرجال يتذمرون ويسخطون ... أما الشيخ فقد ظل صامتا ينتظر عودة الهدوء حتى يتم حديثه ، ولما تيقن ان الحاضرين قد عاودهم الهدوء وأنهم ينتظرون كلامه . قال لهم :
- الحكومة تأمركم باخراج أحمرتكم خارج المدينة حتى لا تستتب العدوى.
وعادت الجماعة الى التذمر والسخط ، فقال الحاح مبروك في غيظ : - أقسم بالله ما أخرجت حمارى من البيت ..
وأحس الرجال أن للحاج مبروك قوة لا تنهار هذه المرة ، فأقسموا ألا يخرجوا أحمرتهم من دورهم ولكن الفلاح الشاب قام مرة أخرى موجها كلامه الى الحاج مبروك :
- حمارك هو السبب لكل ما حدث . فألقى عليه نظراته الثاقبة ، ولكنه لم يستطع أن يكبت جماح غيظه وقد شعر أنه أهين أمام الرجال فصرخ قائلا :
- ما هذا الكلام ياسي (( الشبيب )) - ألم يكن حمارك في البادية ؟
وعند ذلك علا وجه الحاج مبروك اصفرار وشعر بهزيمته ، فظل صامتا بينما قام الرجال صارخين :
- ألا لعنة الله على حمارك يا حاج مبروك ... لعنة الله على حمارك يا حاج مبروك ...
ظل موضوع الاحمرة محور الحديث مدة طويلة في الحي ... فمنذ انتشر الوباء واستتبت العدوى لم يعد للفلاحين حديث سوى عن الاحمرة ولكن امرأة لا تنفك تقول كلما وضعت القلة الثقيلة فوق ظهرها :
- خرب الله بيتك يا حاج مبروك ... ولكنها لا تجرؤ أن تتم حديثها عندما تمر أمام دكان الحاج مبروك . ودكان الحاج مبروك يظل دائما يستقبل فلاحي الحي رغم ما ألم بهم . وقد ظلوا اليوم جالسين كعادتهم ، والحاج مبروك أمامهم يحادثهم
ولكنه يحاول دائما ان يتجنب موضوع الاحمرة خشية أن ينطلقوا في وجهه يلوممونه ... ولكن لا بد له من أن يكف عن الحديث عندما يسمع صياح الاطفال الصغار وصراخهم . فيمسك نظراته فوق أنفه ، ثم يطل برأسه في الشارع الطويل ولكنه لم يستطع أن يكبت صرخته الحادة :
- هذا حمار يا رجالة ... لا يستطيع سكان الحي أبدا أن يكفوا عن الضحك ، كلما رأو الخالة سليمة . فقد كانوا يقولون عنها إنها مجنونة ولكنهم كانوا يقولون عنها أشياء أخرى . أما العجوز فقد ظلت اليوم تتهادى فوق حمارها وهي تمر في شارع الحي خارجة من دارها الملقاة في مكان ما من الحي ... كانت تعلم أنه لا بد أن تكون الاشياء قد تغيرت في الحي ولكن لا بد أن تذب بمقودها الطويل على ذيل الحمار أو تلقى به في وجوه الاطفال الصغار الذين يصيحون وراءها :
- خالة سليمة راكبة على بهيمة ، خالة سليمة راكبة على بهيمة ولكن لا بد لها أن تلتفت اذا ما أعياها الامر فتبصق في وجوههم قائلة فى غلظة :
- يا أولاد الحرام وتظل جالسة فوق الحمار ولكن الحمار عليه ان يقف : يبحث عن مكان ينفذ منه الى الطريق فلم يجده فقد تجمع الرجال يتقدمهم الحاج مبروك الذي صرخ
- انزلوها وأخرجوا هذا الحمار الكلب من الحي .. ولكن الخالة سليمة ، تريد دائما أن تبقى جالسة فوق حمارها ، ثم ابتسمت قائلة :
- ماذا تقول يا حاج العفاريت . فانقض الرجال عليها ينزلونها ولكنها أخذت تصيح صياحا فأقبلت النسوة والاطفال الصغار الذين تجمعوا صائحين :
- خالة سليمة راكبة على بهيمة ... خالة سليمة راكبة على بهيمة فتراجع الحاج المبروك قائلا :
- لننتظر قليلا ريثما يقبل الشيخ .. وسرعان ما أقبل الشيخ على دراجته العتيقة . أما سليمة فقد ظلت جالسة فوق حمارها ووجهها يفصح عن مكر ودهاء . ولكن شيخ الحي بادرها قائلا بلهجته الآمرة :
- انزلي يا عجوز .. انزلي ... انزلي ... والعجوز تجيب بلهجة ساخرة :
- انزل .. انزل الى أين .. الى دارك أو دار أبيك ... فانطلقت ضحكات الفلاحين قوية فأثارت غيظ الشيخ الذي قال صارخا :
- قلت انزلي .. ودعى الحمار ، هذا أمر الحاكم .. والعجوز لا تريد أن تكف عن السخرية والمجون :
- الحاكم ... آه ، اسمعوا .. ماذا يقول شيحكم .. يقول الحاكم .. وضاق الشيخ بها ذرعا فأحس أنها تهين صميم شرفه الحومي . فقال مزمجرا في حدة :
- اخرسي .. ياساقطة ... يا سافلة .. يا ... ورأى النسوة واقفات مع الاطفال ينظرون الى هذا المشهد الطريف فأحس أن جبينه يندى عرقا ..
والعجوز تظل تضحك ثم تقول :
- لا تغضب يا شيخ المجانين ، قلت لن أنزل .. وعندئذ رأى أنه لم تبق الا طريقة واحدة ، فالتفت الى جماعة الفلاحين آمرا :
- انزلوها وخذوا الحمار ، هذا أمر الحاكم وانقضوا على العجوز يأخذونها من فوق الحمار بينما أخذت تصرخ عاليا وعلى شفتيها كلمات بذيئة ، فلم تستطع النسوة أن تكتم
ضحكاتهن الرقيقة ولما وجدت نفسها فوق الارض نظرت الهم ثم قالت ساخرة :
- الحاكم ، آه الحاكم ، الحاكم يحكم في رقابكم فعاود الضحك الجميع ، ثم أخذت طريقها الى دارها في آخر الحى ، والاطفال يتبعونها وهم يصيحون قائلين :
- راحت (( البهيمة )) يا خالة سليمة ... وعندما أقبل المساء لم تزل بعض النسوة واقفات أمام الحنفية أو غاديات رائحات في الشارع الطويل الذي جلس عنده الرجال أمام دكان الحاج مبروك يثرثرون كعادتهم وامرأة تمر في الشارع فترفع رأسها لتقول محدثة نفسها :
- عملتها فينا يا حاج مبروك ، خرب الله بيتك ... وظل الشيخ جالسا على الكرسي في الدكان ، أمامه الحاج مبروك الذي قال متندرا :
- وبعد ... ماذا ستصنع الحكومة ... وأثار السؤال تهكمات الحاضرين وضحكاتهم الساخرة ، ولكن الشيخ قال متصنعا الوقار :
- ألا يكفيكم أن الحكومة أنقذت لكم بقية حيواناتكم . وهذا الكلام لم يقنع الجماعة فلم يرد أحدهم أن يقول شيئا ، غير أن صياح الاطفال تعالى من بعيد في الشارع ، فقام الحاج مبروك كعادته ولكن ما أن نهض حتى صرخ قائلا :
- الاحمرة .. الاحمرة ، يا جماعة ... وقام الرجال وظلوا واقفين أمام الد كان ، وقد غلبهم الضحك ينتظرون قافلة الاحمرة الآتية ناهقة من البعيد . والاطفال وراءها يتصايحون ولم يمض وقت طويل حتى صاحوا قائلين في استنكار :
- هذه بهيمة سليمة ... بهيمة سليمة وأتان الخالة سليمة تضرب بحوافرها على الارض ووراءها حماران
عظيمان يتنافسان يحاولان اللحاق بها . وقافلة الاحمرة تدخل الحي تتناهق والاطفال الصغار يتصايحون خلفها فيختلط النهيق بالصياح ولم يستطع الشيخ أن يكبت غيظه فقال ساخطا :
- لعنة الله عليك يا سليمة يا ساقطة ... والاتان تقف فيعلوها حمار كبير . ذلك هو حمار الحاج مبروك ، فيضحك الاطفال ويقهقه الرجال . أما الحاج مبروك فيغلبه الحياء ولا يستطيع أن يقول شيئا سوى أن يتمتم :
- هذا عبث... الاحمرة تعبث في الحي.. هذا عبث.. عبث .. ولم تمر لحظة حتى أخذت بقية الاحمرة تتوافد ... وأخذت تجول في شوارع الحي مع الاطفال الصغار تتبع الاتان ناهقة . ومال الحاج مبروك الى شيخ الحى قائلا :
- لعنة الله على سليمة وعلى أتانها .. ولما لم يرد عليه صاح فى الفلاحين والاطفال الصغار :
- هذا كفر .. الحجر على من كفر .. الحجارة على رأس سليمة الساقطة ...
وبلغ صوته اسماع الفلاحين وانطلقوا يعدون في الشارع ، يلتقطون الحجارة ... ولكن الشيخ حذرهم قائلا :
- رمي سليمة بالحجارة يعتبر مخالفة للقانون ... وتحديا للحاكم ..
ولكنهم لم يأبهوا لكلامه ، بل أجابه الحاج مبروك قائلا : - دعك يا رجل ...
قابس (2 اكتوبر 1969)

