تعرضنا فى حديث سابق بعنوان " من مفاهيمنا للثورة " (1) الى الدوافع الاخلاقية للثورة وقلنا انها " احساس بالحق تولد عنه احساس بالواجب " ابان المعركة التحريرية أو بعدها فى عهد البناء والتشييد بغير تحقيق الكرامة والازدهار فى كنف الاشتراكية .
وخصصنا حديثنا قبل ذلك بعنوان " نحو اخلاق جديدة " (2) لاهداف الثورة وهى التخلص من النظرية الفردية واحلال روح التعاون لبناء المجتمع الجديد .
كما خصصنا حديثا اخر فى السنة الماضية بعنوان " المكانة الحقيقية للفرد التونسى فى المجتمع " (3) حاولنا فيه تحديد الواجب ، واجب الفرد نحو نفسه ونحو المجتمع على السواء .
ونعود الى الموضوع محاولين التعمق فى الصلة المتينة التى تربط بين الاخلاق والثورة " . فلا ثورة بدون اخلاق ولا اخلاق بدون ثورة . فكلتا الناحيتين سبب للاخرى ونتيجة لها فى آن واحد . وكل تغيير فى احداهما لا ند له من تأثير على الاخرى . وكل محاولة لتغيير احداهما يجب ان تعمل على تغير الاخرى حتى يتم الانسجام بينهما ويحصل التغيير وتتحقق الغاية المنشودة .
ان المثل الاخلاقية العليا الخالدة ، وخاصة منها الواجب والضمير ، قلما تتغير بصرف النظر عن المذاهب الفلسفية الاخلاقية المتعددة والمتعلقه أغلبها بالسعادة ومعلوم ان السعادة هى الغاية القصوى للحياة وهى التى تحرك جميع الناس للعمل . على ان السعادة نوعان : سعادة شخصية تحمل الانسان على العمل طلبا لاكبر سعادة لشخصه هو ، وسعادة عامة تحمله على العمل لفائدة المجتمع ويدخا هذا النوع الثانى من السعادة فى مذهب المنفعة L,utilutarisme على انه لا تناقض بين هاتين النظريتين فكلتاهما متممة للاخرى بما جبل عليه الانسان من فطرة انسانية - فالانسان مدنى بالطبع كما يقول ابن خلدون -
ولما وهبه الله من عواطف تجعله يميل الى الخير اكثر من الشر وما وهبه من عقل يميز به بين ما هو خير وبين ما هو شر ويحكم به لفائدة الخير دون الشر . ومن هنا جاءت نزعة الانسان الواعى بانسانيته الصالح لمجتمعه ان لجعل لحياته هدفا يرمى اليه ومتعة يتلذذ بها . ومن هنا ايضا جاءت " متعة الكفاح " التى تتبعها " لذة الحياة " التى كثيرا ما يتحدث عنها المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة .
ولئن كانت المثل الاخلاقية العليا ، من واجب وضمير وسعادة ، لا تتغير ، فان فهم هذه المثل العليا من جهة ، وتطبيقها من جهة اخرى ، رهينا الاحوال التى تفهم فيها وتطبق . والعلاقة بين المستوى الخلقى وأحوال المجتمع عامة ، ليست علاقة سبب ونتيجة . وبعبارة أخرى فان المستوى الخلقى ليس سببا وحيدا ولا نتيجة وحيدة للاحوال العامة والاقتصادية السائدة وانما هى سبب ونتيجة فى آن واحد . ولذا فكل تغيير فى احدهما لا بد مؤثر فى الاخر وكل محاولة لتغيير احداهما يجب ان تعمل على تغيير الاخر حتى يتحقق النجاح ويتم التغيير .
ومن المؤكد ان القيام بالواجبات بأنواعها ينبع من الشعور بالمسؤولية ، وان هاثه المسؤولية نفسها ليست نابعة من الخوف من القوانين والانظمة فحسب بل هى ناابعة ايضا من الشعور بارضاء الضمير وراحته ذلك الشعور الذى هو اوسع واعمق من الخوف من القوانين والذى عليه تعتمد الاخلاق .
والضمير المقصود هو ضمير المواطن الواعى المسؤول الذى يعلم ان له حقوقا وان عليه واجبات وان تمتعه بالاولى يحتم عليه الثانية .
ومن المؤكد أيضا ان هناك صلة متينة بين مستوى الاخلاق والاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية . فلا سبيل لارتفاع الاولى بدون ارتفاع الثانية . ولا بد للعمل والجهد فى الصعيدين على حد السواء ليتحقق الرقى المنشود .
كما ان الاخلاق لا تأتى بنتيجة للنصح والارشاد فحسب بل تأتى ايضا نتيجة للرفع من المستوى الفكرى والاجتماعى والاقتصادى فى آن واحد .
وذلك ما بوليه المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة عنايته المتواصلة . فقد قال فى خطابه أمام اطارات الامة يوم 19 جانفى 1964 : " اننا نواصل هذه المعركة ( المعركة التحريرية ) لا فى الميدانين الاقتصادى والاجتماعى فحسب بل وكذلك فى الميدان الاخلاقى لانها ترمى الى رفع مستوى الفرد لا فى الناحية المادية فقط بل وفي جميع النواحى بما فيها الناحية الادبية حتى يصبح الفرد التونسى مواطنا صالحا بأتم معنى الكلمة ... "
فالاخلاق حينئذ هى نتيجة لتفاعل النفس مع المجتمع وتجاوبها ومعاناتها للحياة . وان فهم المجتمع للاخلاق وتطبيقه له مستمد من أحوال هذا المجتمع وبصفة عامة فان الاخلاق صفة من صفات المجتمع تنحط بانحطاطه وتسمو بسموه .
وهو ما نشاهده فى مختلف أطوار النهضة التونسية منذ مؤتمر البعث المنعقد بقصر هلال فى 2 مارس 1934 وما تسعى اليه هاته النهضة من تقدم مستمر لبناء الاشتراكية التى وضع أصولها التخطيط والتى سيوضح سبلها المؤتمر المقبل للحزب المقرر عقده فى بنزرت فى الصائفة المقبلة .
وقد كان الجبل الذى عاش قبل بداية عهد الحزب الحر الدستورى التونسى الجديد قائما فى معظمه بما كان يفرضه عليه اولو الامر فى ذلك الوقت ، عملا بقوله تعالى " وأطيعوا الله والرسول وأولى الامر منكم " ، وهى كلمة حق أريد بها باطل ، اذ كان أولو الامر فى الواقع ليسوا منهم فى شئ . . كما كانت الاخلاق غالبا جملة قواعد فردية وسلبية تنحصر فى " الامر بالمعروف والنهى عن المنكر " بصفة تكاد تكون فارغة المحتوى من حيث بناء المجتمع القويم الصالح . وحتى النخبة الواعية فى ذلك الوقت التى كانت منضوية تحت لواء الحزب القديم فانها لم تهتد الى اخلاق بناءة من حيث هى دافع يقوم على خدمة الحق ومن حيث هى قوة تعصف بالظلم ، اذ لم تحاول مناقضة أسس المجتمع الذى كانت تعيش فيه والذى كان يسوده الاستسلام والخضوع .
فجاء المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة الذى " اكتشف الداء الذى جعل الشعب التونسى ضحية للاستعمار بما أظهره من استسلام للظلم وبما ركبه من يأس كاد يذهب به الى الفناء ... وثارت ثائرته ففضح الباطل وأعلن الحق ونشر الوعى وبعث الامل فى النفوس . فتجاوب معه الشعب والتف حوله وانتظم فى الحزب ودخل النضال . . . " (1) وهكذا اقترنت التوعية بالنضال كما اقترن بث الاخلاق الجديدة بتغيير نظرة الفرد للمجتمع وبالتالى بقلب الاوضاع الاجتماعية نفسها . . . وهكذا لم يكتف المجاهد الاكبر بالوعظ والارشاد فحسب بل عمد أيضا الى تنظيم الشعب والزج به فى المعركة حتى كان التحرر والانطلاق . ثم كانت النظرة الاشتراكية التى ستساعد على بناء المجتمع الجديد .
وتواصل الثورة زحفها مدفوعة بعوامل اخلاقية جديدة وهادفة الى قيم اخلاقية جديدة فى آن واحد مردها دائما الكرامة التى كانت الغاية السياسية للكفاح التحريرى والتى أصبحت غايته الاقتصادية والاجتماعية .
فلا بد فى هذا الطور الجديد من حياة الامة ان تتطور الاخلاق وتنسجم مع الاوضاع والتغييرات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة ، من ذلك مقاومة نفسية الصبر على الحرمان والقناعة بالدون والسعى الى حياة الرفاهية والازدهار . ومقاومة التواكل والتحريض على العمل والكد ، ومن ذلك أيضا التخلص من النظرية الفردية المبنية على الانانية والتنافس والعمل من أجل الربح التى يسود المجتمع الراسمالى على ان تحل محلها نظرة تعاونية يعمل بمقتضاها الانسان بقصد العمل اكثر منه بقصد الاثراء باعتبار العمل وظيفة اجتماعية قبل كل شىء وهى ميزة النظام الاشتراكى .
وخلاصة القول ان الثورة والاخلاق متلازمان . وهما يعتمدان الوعى بالقهر الاستعمارى والتخلف الاقتصادى والظلم الاجتماعى ثم ارادة قلب هاته الاوضاع أى القيام بالواجب نحو الوطن بمقاومة الاستعمار ونحو المجتمع بتحقيق الازدهار والعدالة الاجتماعية . كل ذلك بدافع من الاخلاق التى ترمى الى الحرية الكاملة ، الحرية التى تجعل الفرد فى مأمن من الضغط ومن القيود التى تشده عن السعى الى الكرامة الادبية والمادية فى آن واحد ، على ان تعتمد الاخلاق القيم الانسانية السامية والعقل النير الحصيف وحب الخير لا فى سبيل الجزاء بل ارضاء للضمير وللسمو بالانسان الى اعلى مراتبه .
وان المجتمع لا يستقر ما لم نتعلم ان نعيش معا على أساس الاخوة والتعاون النزيه . فالحياة التى يتطلبها العصر الحديث هى التى تؤمن بكرامة الانسان وتمكنه من ان يعيش حرا سعيدا فى مجتمع متعاون . والاخلاق والانسانية متلازمان وهى تنبذ حرب الطبقات والانانية والغرور والبغضاء والفساد . وان الشعور بحاجتنا الى تقويم البناء الاخلاقى ضرورى لنجاح ثورتنا وهذا يتطلب اهتمام الوالدين ورجال المصالح والاعمال والفلاحين الذين يجب عليهم جميعا ان يساهموا فى نشر الفضائل الاخلاقية وغرس روح الامانة والايثار والمحبة والطهارة بين الناس ، تلك الفضائل الضرورية للامم ، وصدق من قال :
وانما الامم الاخلاق ما بقيت فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا

