تحدثنا فى مقالنا الماضي عن الوراثة والبيئة والارادة وحديثنا في هذا العدد عن الباعث على العمل . والخلق . والوجدان . والمثل الأعلى . وهو خاتمة المباحث النفسية
الباعث على العمل كب -
معنى الباعث أي الدافع للعمل ويستعمل هذا الباعث في معنيين فيما يدفعنا للعمل او للغاية التى تجذبنا اليه ومثال ذلك كالمعلم الذي يضرب التلميذ للغضب فى المعنى الاول وللتاديب في المعنى الثاني والذي يوجب بحثنا هو المعنى الثاني اي الباعث الثاني من العمل ثم ان اللذة التى تصحب العمل هي المقصود منها اللذة الشخصية وهي ما يعبر عنها بالاثرة او لذة الناس ومنفعتهم وهي ما يعبر عنها بالايثار فهناك خلاف بين علماء النفس وعلماء الاخلاق والذي ذهب اليه الاكثر هو ان الانسان قد يبعثه على العمل تحصيل لذته وخيره او نفع الناس وخيرهم فهو بطبيعته اثر مؤثر قد يبعثه على العمل هذا تارة وذاك اخرى وعمل الاخلاق تهذيب الناحيتين فكلاهما اذا بولغ فيه ضاع المقصود منه وفي الحديث الشريف عن ابن عمر رضى الله عنه ) ان لنفسك عليك حقا وان لربك عليك حقا وان لزوجك عليك حقا فاعط كل ذى حق حقه ، وقديما وضعت المبادى الاخلاقية لمحاربة الاثرة والحض على
الايثار وبه جاءت الشرائع السماوية وعنها ندبت الشفقة والرحمة وفرضت زكاة المال وفي الحديث الشريف : " حب لاخيك ما تحب لنفسك "
الخلق
والخلق : اعتياد الانسان عمل شئ ما ويسمى خلقا او تغلب ميل من الميول النفسية على حسب الاستمرار فالكريم من يغلب عليه ميل العطاء كلما وجد الباعث اليه والبخيل من يغلب عليه ميل المنع مع وجود باعث العطاء وبذلك لا يكون الرجل كريما ما لم يتغلب عليه ميل الكريم باستمرار اما الذي يميل الى العطاء مرة والشح اخرى مع وجود الداعى اليه فلا يعد كريما ولا بخيلا وليس له خلق ثابت يتصف به وكما ان الشجرة الطيبة التى تؤتى اكلها يانعا على الدوام فكذلك الخلق الطبيب فى الانسان لانه مولع بالتقليد والمحاكاة وكثير من النابغين عزى نبوغهم الى انهم وفقوا الى اختيار صاحب او رفاق اثروا فيهم اثرا صالحا ونبهوا قوى كانت فيهم كامنة ففي مطالعة سير الابطال والانبياء والصالحين والعلماء والزعماء ، قدوة حسنه فان حياتهم توحى الى القارى الاقتداء بهم حسب ميول القارىء وكثيرا ما دفع الانسان الى العمل حكاية قرأها عن رجل عظيم او عالم حكيم وحسبنا معشر المسلمين بمطالعة
سيرة الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم فقد جمعت اكمل الصفات واحسن العادات القائل في حقه جل وعلا : ) وانك لعلى خلق عظيم ( ومما يساعد الانسان في تربية الخلق الطيب ان يخصص لنفسه نوعا من اعمال الخير العامة فيتخير ما يلائم ذوقه واستعداده كنشر العلم بين الناس او تحرير المقالات الادبية الهادفة او تقوية ملكته الشعرية او الامر بالمعروف والنهى عن المنكر او السعى لرقي امته من ناحية اقتصادية او سياسية وفي كل هذا ينمو حبه لافراد امته والسعي لخير بلاده . واما علاج الخلق السيىء فمقاومته بضده فان احس بافراط في الشهوات فليقاومها بالزهد وان تغلب عليه ميل الغضب فليمل الى الحلم وان احب الحرب فليجنح للسلم وهكذا يقاوم سورة الاخلاق السيئة .
الوجدان والضمير
هو تلك العادة الكامنة في النفس التى تحذر الانسان من فعل الشر وتحاول ان تصده عن فعله فاذا فعله احس بتوبيخ نفسه على ما فعل وإذا كانت القوة المذكورة تأمر بفعل الخير والقيام بالواجب فاذا فعله شعر بارتياح عظيم فتلك القوة هي الوجدان وقد اشار القران الكريم الى هاتين القوتين فى سورة لا اقسم بيوم القيامة : ) ولا اقسم بالنفس اللوامة ( فعني بالنفس اللوامة المعنى الاول وفي قوله تعالى ) يا ايتها النفس المطمئنة ( فعني بالنفس المطمئنة المعنى الثاني فدل ذلك ما لهاته القوة من الرفعة ومزيد
السر ويختلف الوجدان اختلافا بينا بين الامم المتبديه فيها والمتحضرة او المتمدنة والمتأخرة لان كل امة تختلف فى تقويم
بعض الخير والشر فنرى البدوى مثلا لا يانف ان يأتى بيت جاره في غيابه بينما الحضرى يعد ذلك خروجا على الادب والمالوف كما ان الرجل المتمدن لا يأنف ان يكتشف الطبيب على عورته بينما الرجل المتأخر يعد ذلك عيبا وشيئا غير مالوف . وقد يخطئ الوجدان في ارشادنا للحق والواجب لانه يامر دائما بما يعتقده واجبا واذا كان الاعتقاد خطا كان الوجدان مخطئا ولذلك يجب على الانسان ان يطلب حقائق الاشياء ليحكم عليها عن نظر وحسن اعتقاد ولا يلام المرء بعد الاجتهاد ومنه كان للمجتهد ان اصاب اجران وان
أخطأ اجر واحد وللوجدان درجات اولها شعور بعمل الواجب خوفا من الناس وثانيها شعور بضرورة ما تأمر به القوانين الوضعية الصالحة وشعور بما تامر به الاوامر الدينية وثالثها شعور بما تراه النفس حقا خالف الناس او وافقهم مع مراعاة القانون الالهي وذلك ارقى الوجدان وبشرط ان تكون تلك النفس بلغت من التربية والتعليم الغاية من الكمال كالانبياء والحكماء والمصلحين وللوجدان اهمية كبرى فى سعادة الانسان فى حياته لانه هو الذي يحمله على اداء واجبه واتقان صناعته واخلاص عمله بوجدانه الكامن فى نفسه وهو الذي يطالبه باعمال الخير على التوالى وكلما كانت الامة قوية الوجدان كانت الى الخير اقرب واذا فقد وجدانها فقدت سعادتها وهناءها
المثل الاعلي
اسلفنا ان كل ذى لب وتفكير له مبادئ ، وغايات فى حياته ومن عاش بلا مبدأ لهو خليق ان يعد فى عداد العجماوات وغاية كل شخص تتباين حسب فطرته وتربيته ومعلوماته
وميوله فهي ترقى وتنحط تبعا لبلوغ غايته وعمرو غايته ان يصبح مليونيرا فهو لا يفتا دائبا في استحصال الدرهم والدينار وخالد مناه ان يكون زعيما يشار اليه بالبنان بينما عرفة الخامل يكتفى ان يكون كابيه الزبال وعليه يجب على كل انسان ان تكون عنده صورة كاملة لما يود ان تكون عليه حياته المقبلة فالصورة التى في ذهنه ويود تحقيقها هي المثل الأعلى . وتختلف المثل العليا بين الافراد كما قدمنا حسب تربيتهم وتدرجهم فى العلوم والمعارف وللمثل العليا تأثير على النفوس فهو دائم المثول امام الانسان أمام الانسان المجد يجذبه لتحقيقه واعمال الانسان في سلوكه واعماله تدلنا على مثله الاعلى والمثل العليا كثيرة والصعوبة فى اختيار احسنها وليس في وسع الاخلاق والحكيم ان يرسم مثلا دقيقا يوافق كل فرد من الناس مع اختلاف الطبائع ودرجة محيط التعليم والممكن المعقول ان يكون المثل الاعلى للشخص صورة كاملة لخير الانسان فى كل شأن من شؤون حياته فى اعتقاده وعمله ودينه ومعاملته للناس . واهم عامل فى تكوين المثل المنزل والمدرسة والدين وبالجملة البيئة التى تحيط بالإنسان من حين نشأته الى بلوغه سن الرشد وغريزته الطبعية ، والمثل ينمو مع الانسان من صغره فهو ليس بالجديد عليه ليعرف من اين اتاه فاذا خرج الشاب إلى معترك الحياة جدد غايته ووضح مثله وكلما اتسع نظره كبر عقله وتمت اجزاؤه وهو عرضة للنقص والضيق لمن لم يجد سبيلا لتوسيع فكره وانارة عقله وتوسيع معلوماته وذلك ما نشاهده في طبقة العمال والصناع الذين يقضون سحابة نهارهم في عملهم الآلي غير ملتفتين في اوقات فراغهم لتحصيل علم أو حصول فائدة وحياتهم ليست الا عملا متكررا كالآلات الصماء . وفي ذلك من تحديد المثل ونقصه كما لا يخفى .
وها انا فى ختام مقالي
هذا ازجى نصحى لاخواني وبني وطني ان يتخذوا لنفسه مثلا ساميا يسعون اليه فى جميع اعمالهم وقد حض الرسول صلوات الله عليه وسلامه على معالي الأمور ونهى عن سفاسفها حيث قال : ) بعثت لاتمم مكارم الاخلاق ( وقال الشاعر العربى
ولو انما اسعى لادني معيشة
كفانى ولم اطلب قليل من المال
ولكنما اسعى لمجد مؤثل
وقد يطلب المجد المؤائل امثالى
وقيل ايضا :
بقدر الكد تكتسب المعالي
ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن طلب العلا من غير كد اضاع العمر في طلب المعالى
وقال المتنبي :
واذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الاجسام
فعلينا أن نسعى بجميع الوسائل للوصول الى المثل العليا فان كان من طريق العلم وجب علينا ان لا نأنف من الدرس والمطالعة وطلب العلم مهما كثرت اعمالنا وعلا مقامنا فطلب العلم من المهد إلى اللحد ، وان كان من طريق المادة وجب علينا ان نداب فى اعمال التجارة واقتناص كل فرصة تدر علينا بالربح الحلال متخذين الامانة شعارا وان كان من طريق الزعامة وجب ان نظهر بمظهر الاخلاق الوديعة والتحمل والصبر ومساعدة الناس وقضاء مصالحهم والسعى لجلب الخير لهم والدفاع عنهم وانصاف المظلومين منهم والتشنيع على الظالم بالحكمة والموعظة الحسنة .
وكم يسرنا اليوم ان نرى نخبة من شبابنا يزينون بعض كراسى الوزارة والادارات العامة ساعين لخير امتهم وبلادهم وانا نرقب المزيد من هؤلاء العاملين وفقنا الله واياهم الى سواء السبيل

