هذه فصول في علم الاخلاق كنت لخصتها حينما كنت معلما لهذه المادة بمدرسة العلوم الشرعية والمدرسة السعودية قبيل ثلث قرن القيتها على تلاميذى بالامس واخوان اليوم ) ١ ( عثرت على هذه المسودة بينما كنت انبش اوراقي المهجورة فأحببت ان اتحف بها قراء المنهل تعميما للفائدة وليعلم نشء اليوم ما كان عليه نشء الامس في تلقي مثل هذه الدروس في اخر مراحله الإبتدائية التى تماثل المرحلة الثانوية اليوم وبالله التوفيق .
علم الاخلاق : علم يوضح معنى الخير والشر وما يلزم من معاملة الناس بعضهم لبعض من فعل الخير واجتناب الشر ويبين الغاية التى يقصدها الناس فى اعمالهم ومعايشهم .
وموضوعه : اعمال الانسان التى تصدر عن ارادة وعمد .
وفائدته : من عمل بتعاليمه كان من الخيار الصالحين .
وغايته : تنظيم اعمال الناس لاسعادهم وهذه التعاليم الاخلاقية تتجلى بأروع صورة فى الاخلاق المحمدية والشمائل المصطفويه والاوامر الشرعية الاسلامية ففي الحديث الشريف ) بعثت لاتمم مكارم الاخلاق ( وفي
الاثر ) اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ( والاخلاق الحسنة هى ملكات فطرية فى الانسان وجدت فيه يوم خلق تصقلها التربية والمعرفة وتقومها الحوادث الطارئة كما ان الرذائل صفات خبيثة فى النفس لا تؤثر عليها التربية والمعرفة الا عرضا لا جوهرا كالاخوين اللذين يولدا من اب وام واحدة ويدرجان فى بيت واحد فيكون هذا شجاعا كريما وذاك جبانا بخيلا وهكذا فى غير الصفات وقديما قال الشاعر
إذا كان الطباع طباع سوء
فلا ادب يفيد ولا اديب
انما هناك صفات كسبية لا تلبث ان تصبح طبيعية راسخة فى الانسان وتلك هى طبيعة بلاده وحالة بيئته ومعاشرة اصدقائه ولذلك كان التباين فى الصفات والنعوت بين مختلف الامم فالامة التى يتصف مجموعها بالكرم واللطف يؤثر في أفرادها ويقل ان يظهر فيها بخيل غليظ وان وجد يستر ويتخفي لئلا تسقط كرامته بينهم . الاخلاق من حيث هى تصلح وتفسد وترقى وتنحط تبعا لقوانين ثابتة لدى علماء النفس
والاخلاق واذا عرفنا تلك القوانين امكننا اصلاح اخلاقنا بقدر ملاءمة الطبيعة وتلك القوانين لم تكتشف كلها حتى اليوم ولما كان علم الاخلاق متعلقا ببعض فروع الفلسفه كعلم النفس من حيث بحثه فى قوى الاحساس والادراك والحافظة والذاكرة والاردة والخيال والوهم والشعور والعواطف واللذة والالم فهذه المباحث مقدمة لازمة علم الاخلاق ويتعلق علم الأخلاق ايضا بعلم الاجتماع لان دراسة اعمال الانسان تجر حتما الى دراسة الحياة الاجتماعية لاحتياج الانسان الى المجتمع . وعلم الاجتماع يبحث فى الجمعية الاولى من الناس ويبحث فى اللغة والدين والاسرة والقوانين والحكومات ويتعلق علم الأخلاق بعلم القانون من حيث موضوع العمليين اعمال الانسان وعلم الاخلاق أوسع دائرة فى علم القانون من حيث تأمر الاخلاق بكل ماله نفع وتنهى عن كل ما يضر من نتائجها الداخلية والخارجية وهنا لابد من المامنا ببعض المباحث النفسية فنقول :
كل عمل ارادى يسمى سلوكا ولهذا السلوك اسس نفسية يصدر عنها العمل كالغريزة والعادة ولانرى هذه الاسس وانما نرى اثارها وهي الاعمال الارادية والاخلاقي لا يقنع الى ظواهر الاعمال الا ذا عرف اساس تلك الاعمال ثم عالجها بما يناسبها واهم تلك الاسس هى الغريزة والغريزة ملكة يتوصل بها الانسان الى غاية عمل من غير سابق نظر إلى تلك الغاية من غير سابق تدريب عليها ويولد الانسان وفيه كثير من الغرائز منها غريزة حفظ الذات وحفظ النوع والخوف وكل كائن مهما كبر او صغر علا او سفل يسعى لان يعيش وينمو بكل ما اوتى من قوة الدفاع والمناعة وتلك هي حفظ الذات وغريزة حفظ النوع تظهر
الميل للجنس والعاطفة الابوية بين الذكر والانثى والعاطفة الابوية تظهر فى المرأة بصورة اقوى وهى سبب فى حياة العاطفة فى الانسان وميله الى الادب والفن وبهاتين الغريزتين عمر العالم وكان ميدانا للتزاحم والقتال وهما اساس لكثير من الاعمال
وخصائص الغريزة يختلف باختلاف الاشخاص فترقى وتضعف نظرا لرقى عقل الفرد وعقول الامة ومواعيد ظهور الغرائز ليس محدودا ولا منظما فى الانسان كما فى الحيوان وكثيرا ما تتعارض الغرائز ببعضها وقد تظهر فى شكل بواعث للعمل وهى قابلة تثبت وتنمو بالتربية كما انها قابلة لا تضعف وتفنى بالاهمال وفى كل هى المادة لتكوين الاخلاق وتربيتها يكون بمقاومة الحوادث اذا كانت سيئة او الترحيب بها إذا كانت حسنة
وغريزة الخوف متأصلة فى الانسان ايضا ملازمة له من حين يولد حتى يموت وان كانت الشرائع السماوية والقوانين ازالت كثيرا من اسباب الخوف بيد ان شبح الحروب
والعقاب مازالت ماثلة لكل انسان واذا تكرر العمل حتى صار الاتيان به سهلا سمى عادة واكثر اعمال البشر من قبيل العادة وتتكون العادة من ميل النفس الى الفعل واجابته باصدار العمل مع التكرار الكافى وكلما يشعر به الانسان او يعمله مرتبط بمجموعه العصبى سيما المخ ومن خصائص المجموع العصبى قابليته للتشكيل واذا تشكل واستمر عليه كان الورقة اذا اثنيناها اتخذت شكلا جديدا بعد الضغط الاول ثم تعود لحالتها اذا بسطت وكذلك الشأن فى الاعصاب كمن يعتاد ان يضع رجلا على اخرى فهو يميل الى ذلك الوضع إذا فعله باستمرار ومن اعم خصائص العادة سهولة العمل المعتاد وتوفير الزمن والانتباه وهي فى قوتها تكاد تكون طبيعية راسخة فى الانسان ومن نتائج هذه العادة المتأصلة جعل المسنين يرفضون الآراء الحرة المفيدة والمكتشفات العلمية الحديثة بينما الشباب والاحداث يسرعون للتصديق والايمان وعليه يلزمنا الاخذ بالعادات الحسنة والتجنب عن العادات السينة ومعرفتنا بتكوين العادة يغنينا عن التخلص منها بالعمل عكس ما تكونت وبمقاومة الميل الى العمل نستطيع اماتة العادة ولتغيير العادة السيئة يجب عمل ما ياتي :
العزم القوى الذى لا يشوبه تردد بعد ان يعلم ان ذلك فى المقدرة او اخذ النفس بالتدرج في الامر بقدر الاستطاعة حتى
ينتهى الامر او انتهاز فرصة لتنفيذ العزم واتباع كل انفعال نفسى يعين على التنفيذ والمحافظة على قوة المقاومة وابقائها حية تعين على تغيير العادة ومن القواعد المسلم بها عند علماء النفس ان الفكر يسبق العمل حتما فاذا اريد الاعتياد على عمل او العدول عنه وجب النظر الى اساس ذلك الفكر والفكرة اذا عرضت على المخ فقبلها ورحب بها طويلا انتجت العمل لامحالة فايجاد الفكرة فى المخ قبل البدء فى العمل هو ايجاد شعلة فيه فاذا تركت وشانها عمت النار المخ واشعلته كله واذا رفضت فى بادىء الامر ولم يسمح لها بالبقاء طويلا امن من شرها وطريقة اطفائه هو عدم السماح للفكرة ان تحل بالمخ بتاتا ونانيا اشغال المخ بشبه الفكر الاول ومن كل ما تقدم علمنا اهمية العادة فى الانسان فهو يكاد يكون مجموعة عادات تمشى على الارض وقيمته تعتمد كثيرا على عاداته ومع الاسف ان الطفل فى السنين الاولى من عمره عند تكوين العادات لا تكون له قوة تمييز بين الطيب والخبيت فكثيرا ما تعلق به عادات وطباع مرذولة من حيث لا يعلم المسكين عاقبتها فاذا كبر صعب عليه تغيير عاداته وطباعه وفي هذه الحالة لو كان له ابوان صالحان او رفيق طيب او بيئته حسنة استفاد كثيرا في تعلقه بالعادات المحمودة وتجنبه عن العادات الممقوتة فكل قرين بالمقارن يقتدى

