الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

الاخوة العربية الاسلامية

Share

اعتزم في هذه الدراسة تقصى مفهومين ( * ) اصبحا بارزين فى العالم العرب الاسلامي وهما من جهة الوطنية أى الارتباط بالوطن الذي له كيانه القانوني والواقعي ومن جهة اخرى الرابطة التى تصل بين أفراد المجموعة العربية الاسلامية فى تطورها وتقمصها أشكالا متنوعة بحسب المكان والزمان ، خاصة وأن هذا المفهوم الثاني مرتبط بشعور ما زال غامضا اذ تراكبت عليه مدلولات مختلفة وتجسم فى صور متعددة وتسمى تارة بالأمه وطورا بالجامعة الاسلامية وأخرى بالخلافة ورابعة بالقومية وخامسة بالوحدة . وهى كلها مدلولات تبرز شعورا واحدا وهو الانتساب الى مجموعة أخرى غير المجموعة الصغيرة التى يرتبط بها الفرد موضوعيا من حيث مصالحه المجسمة الواقعية .

الأمة والخلافة والجامعة الاسلامية :

هذا الشعور الدفين الذي رباه الاسلام والحضارة الاسلامية فى نفس كل مسلم هو الذي جعله يحن الى الانتساب الى مجموعة أخرى غير مجموعته التى يرجع اليها أولا وبالذات ناهيك أنه برز حتى في الفترة الاخيرة من كفاحنا التحرير اذ أوجد زعماء افريقيا الشمالية فى فترة انحلال العالم الاسلامي مفهوم المغرب العربي الذي لم يجد بعد المجال للتغلغل فى جماهير الناس بل صنعته أفهام النخبة التى كانت تكافح فى سبيل تخليص هذه الشعوب من نير الاستعمار وهي حاجة أحس بها من هم أكثر الناس تقمصا لشخصيات الشعوب الممثلين لها .

يقول عباس محمود العقاد : " آمن المسلمون بالحق الالهى فجعلوا الامة مصدرا لجميع السلطات ومرجعا لجميع المسؤوليات ، وهذا هو الحق الالهى اذا فهم على سوائه ولم تنحرف به الاهواء الى غير معناه خدمه للمطامع وتزجية للمآرب عند ذوى السلطان " (1) .

وأوجد المسلمون من أول الامر من يكون عمليا مصدرا لجميع السلطات ومرجعا لجميع المسؤوليات فكان الخليفة الذى هو خليفة للنبئ ليس الا ولكنه يرمز إلى هذا الكيان الجديد الا وهو الامة ومن هنا أصبحت الخلافة هى الرمز وهي كما قال شكيب ارسلان : " ليست بملك ولا سلطنة ، وانما هى رعاية عامة للامة لاقامتها على الشرع الحنيف وردع القوى عن الضعيف فى الداخل وصيانة الاسلام ودفع المعتدى على المسلمين من الخارج وهى لا تنعقد الا بارادة الامة والسلطان الذي يؤتاه صاحب الخلافة هو من الامة لا سلطان له عليها الا منها " (2) .

وهذا بالضبط ما قاله الصدر الاعظم لخير الدين قبل ان يتولى هذا الاخير الوزارة عندما زار اسلامبول : " ان السلطنة العلية لا حاجة لها بمال من تونس ولا يتغير حالتها الاصلية وانما الامر الواجب على الجميع هو تقوية الربط الديني وجمع كلمة الامة المحمدية حتى لا تتوجه نحوها الاطماع وخبر ما فعله قنصل الفرنسيس بتونس شاع وذاع وتوقع المسلمون منه المكروه " (3) .

ثم لما تقهقر أمر الخلافة أحيى القوم فكرة الجامعة الاسلامية التى هى ليست فى اعتقادهم وعلى مختلف حالاتها وتطوراتها : " حركة سياسية دفاعية محمولة على الغرب ردا لاعتدائه ودفعا لجوره فحسب بل ان منشأها الاصلى هو المشاعر النفسانية الوجدانية العميقة فى المسلمين لصيانة الوحدة وتوثيق عرى الجامعة العامة فان هذه الجامعة ليست دينية فقط بل انها بحقيقة المعنى والمراد اجتماعية خلقية تهذيبية وان القوانين والقواعد التى تتألف منها وتقوم

عليها حياة الاسرة الاسلامية على مختلف العادات والاقاليم لا تتغير فى موضع عنها فى موضع آخر فى جميع المعمور الاسلامى " (1) .

ويظهر جليا ان فكرة الجامعة الاسلامية جاءت لتوسع فى مفهوم الخلافة حتى ان شكب أرسلان يقول : " لا ينكر ان الخلافة ما برحت رفيعة المكانة فى عيون المسلمين بلا ريب غير ان قادة الجامعة الاسلامية الحديثة ذوى العقول الثاقبة والذكاء المتوقد ما فتئوا منذ عهد بعيد يجدون فى سبيل الجامعة الاسلامية فى نطاق أوسع وافق أبعد وقد أيقنوا كل الايقان ان القوة الكبرى التى تستمدها الجامعة الاسلامية اليوم ليست من مركز الخلافة ولكن من بيت الله الحرام حيث الحجيج اذ يأتمرون كل عام مؤتمرا عظيما " (2) .

ثم ان هذا المفهوم نفسه يتطور ليصبح بارزا فى عبارة اخرى سيكون لها وقع وأى وقع فى الخمسينات ثم الستينات وهى الوحدة وابرزها منذ زمان شكيب ارسلان عندما قال : " الجامعة الاسلامية بمعناها الشامل ومفهومها العام هى الشعور بالوحدة العامة والعروة الوثقى لا انفصام لها بين جميع المؤمنين فى المعمور الاسلامى " (3 ) . ثم يزيد قائلا : " ان الوحدة الاسلامية انما هى قائمة على ركنين هما أساساها لا ثالث لهما : الحج الى بيت الله الحرام فى مكة المكرمة والخلافة " .

ولكن هذا الركن الاخير اى الخلافة قد انهار ولذا يضطر الشيخ الطاهر ابن عاشور الى ان يقول : " ان ايجاد الجامعة الاسلامية لما كان حادثا جديدا فى تاريخ الجامعة البشرية ولم يكن مألوفا للعرب ولا لغيرهم وكان مرتكزا على أصل نفسانى محض يخفى وجوده ولا يمكن شهوده كان بحاجة الى تأييد يبرزه فى النفوس فى مبدا أمره وعلى ممر العصور والى مظهر محسوس يكون به شاهدا للناس والثانى تقريبا وتمثيل مألوف عند البشر من قديم التاريخ . اما المظهر الاول فهو ايجاد المجتمع الاسلامى واما الثاني فهو رابطة الاخوة الاسلامية " (4) .

ووجد كذلك مفهوم الدولة الاسلامية ويعتقد احد الكتاب الباكستانيين : " انه لا توجد اليوم دولة يمكن ان تتصف بالدولة الاسلامية " (1) لان : " الغاية من قيام الدولة الاسلامية هى ايجاد الجهاز السياسى الذى يحقق وحدة الامة الاسلامية وتعاون أفرادها " (2)

القومية والوطنية والوحدة : 1 ) القومية :

نرى كيف أن هؤلاء الزعماء والمصلحين والمفكرين لم يبلوروا هذه المفاهيم ولم يتفقوا عليها بل بقيت غامضة فى اذهان الناس ترتكز على مشاعر حقيقية لا محالة ولكنها لم تصل الى درجة الوعى والمفهوم المعقل فضاعت القضايا المصرية بالنسبة للشعوب الاسلامية فى هذه المتاهات وقاست هذه الشعوب من ويلات الاستعمار وآثار الفرقة والتطاحن ما كان يمكن تلافيه لو استند هؤلاء المفكرون والمصلحون الى واقع الشعوب .

ثم انه لم يكف هذا بل انه اختلطت الامور بعد سقوط الخلافة وبعد ان كان المسلم في أى بقعة من الرقعة الاسلامية يعتبر نفسه مواطنا عثمانيا ناهيك ان : " الباب العالي احتج بتاريخ 12 / جوان / 1881 وأعطى أمرا لموظفيه بمعاملة التونسين على أساس انهم مواطنون عثمانيون وليسوا تحت الحماية الفرنسية " ( 3 ) . بعد هذا زادت الحيرة فى صفوف المسلمين وسجله شكيب ارسلان عندما قال : " بهذه الايام نجم عندهم كما عند غيرهم من الامم الاسلامية فئة تدين بالقومية وتحارب الجامعة الاسلامية ولكنها لا تزال ضعيفة بالقياس الى السواد الاعظم الذى عمدته الاسلام " ( 4 )  . بينما فهم الافغانى

المستنير لمبادئ الاسلام وافكاره جعله يرفض التناقض المزعوم ما بين الاسلام والقوميات ومن ثم فان نضوج الفكر القومى لديه لم يكن يعنى ادارة الظهر للتضامن الاسلامي بل ولا الرفض للجامعة الاسلامية والخلافة الاسلامية " (1) ويعود شكيب ارسلان نفسه ليبين قائلا : " انه ينبغى لكل أمة ان تتمسك بجامعتها القومية فى صدور ابنائها وان ذلك لا ينافى الاسلام " ( 2 ) . فى الحال الذي نجد محمد أسد الباستاني يقول : " ان القومية فى كل صورها وازيائها المختلفة تتنافى مع المبادئ الاسلامية للاسلام هذه المبادئ التى تقوم على المساواة بين الناس ولهذا يجب ان تنفي القومية كأساس تقوم عليه وحدة المسلمين ، ان تعاليم القرآن والسنة تنادى بأن تكون هذه الوحدة ذات طبيعة ايديولوجية تسمو فوق اعتبارات الجنس والنشأة واللغة أخوة عامة تنبثق عر أمر واحد هو اشتراك الناس فى عقيدة واحدة ونظرة اخلاقية واحدة " .

لأزيد توضيحا لهذا الخضم من المفاهيم والافكار التى غرق فيها العالم الاسلامى ولم تعنه على القفزة الواضحة وان حفظت كيانه من الابتلاع أريد ان ارجع الى اقوال بعض الزعماء والمفكرين المسلمين فى معنى القومية ثم الوطنية فالقومية التركية الطورانية مثلا تقول بأن : " الترك هم من أقدم أمم البسيطة وأعرقها مجدا وأسبقها الى الحضارة وانهم هم والجنس المغولى واحد فى الاصل ويلزم ان يعودوا واحدا ويسمون ذلك بالجامعة الطورانية ولم يقتصروا فيها على الترك الذين فى سبيريا وتركستان الروس وتركستان الصين وفارس والقوقاز والاناضول والروملى بل مبدؤهم مد هذه الرابطة الى المغول فى الصين والى المجار والفنلانديين فى اوروبا وكل من يقال انه ينتمى الى أصل طورانى وهم يقولون بخلاف ما يقول الاولون فهم ترك اولا ومسلمون ثانيا وشعارهم عدم التدين واهمال الجامعة الاسلامية الا اذا كانت خادمة لنفوذ القومية الطورانية فتكون عندئذ واسطة لا غاية "  (3) .

هذه فكرة القومية التى تطورت فيما بعد وارتكزت على قومية اللسان انطلاقا مما قاله الافغاني لان هذا المفكر المصلح قد عالج هذه المفاهيم كلها في

تشابك للآراء وغزارة عجيبة اذ قال : لا جامعة لقوم لا لسان لهم ولا لسان لقوم لا تاريخ لهم ولا تاريخ لقوم اذا لم يقم منهم أساطين تحمي آثار رجال تاريخها فتعمل عملهم وتنسج على منوالهم " (1) .

ولقد انبثقت من هذا كله القومية العربية بفروعها ومفاهيمها المتعددة البعثية والناصرية وغيرها وتولد عنها مفهوم الوحدة الذي سنرجع اليه بعد ان نمر على مفهوم الوطنية .

2)  الوطنية والوحدة :

لقد بقيت رواسب عديدة عند كثير من المثقفين من الفترات السابقة التى سيطر فيها محمد عبده وجمال الدين الافغانى وشكيب ارسلان وعيرهم من المصلحين العرب المسلمين ولكن ما جد من احداث فى الرقعة العربيه وما قامت به الحركات التحريرية من صهر للشعوب غربل كل الالتباسات ونزع عنها غشاء الغموض وأصبح لا يهم الجماهير العربية فى الفترة الحاضرة الا التوفيق بين شعورين اثنين : الانتماء الى الوطن اى الوطنية فى معناها العصري والتعلق بالوحدة سواء العربية أو الاسلامية .

ورغم هذا فانه مازلنا نجد فى المغرب الاقصى مثلا فهما موسعا للوطنية والوحدة . فالوطنية عند علال الفاسى : " تعنى العمل لتحرير الوطن بكل ما تعنى كلمة التحرير من مفاهيم " (2) وهي تعنى عنده " الوطن بكامله " لان المغارية " ورثوا مغربا لا يشعر فيه المواطن بانه فى وطن الا من خلال المدينة او القرية او القبيلة او الحومة التى يعيش فيها وأصبح الوطن عنده موريطانيا وتوات وتندوف والساقية الحمراء ووادى الذهب وسيدى افنى " (3) وهي تعنى عنده ايضا : " التحرر من الاستعمار الفكرى وهى جهاد لا ينتهي

بالاستقلال السياسي " (1) وهى لا تعارض عنده الاسلامية لان الوطن عنده لن يكون له مفهوم حقيقي الا فى ظل الاسلامية : " فلا يفهم الوطن على انه ارض وسماء او مجموعة من مواطنين تجتذب كلا منهم قيم وعقيدة وانما يعتبر الوطن وحده بأرضها وسمائها وبحارها ومواطنيها الموحدين عقيديا العاملين فى اتجاه واحد فى ظل عقيدة واحدة " " فمن شرط الوطنية عنده الاسلامية " (2 ) .

ولهذا فان مفهوم الوطنية عند علال الفاسى هو امتداد لهذه القيم المتداخلة الغزيرة التى كان يصدع بها المصلحون فى أوائل هذا القرن وهذا مقبول نظرا الى الوضع الخاص الذى يمر به المغرب الاقصى ورغم صهر الحركة التحريرية له ، وليس من الغريب اذن ان يقول احد الكتاب : " ان فضل الحركات التحريرية هو انها كانت سببا فى بعث الوعى الوطنى فى صورته العصرية ، ويظهر ان البلاد التونسية ومصر هما الوحيدتان من بين البلدان العربية التى لهما شخصيات وطنية بينة المعالم " (3) .

ولكن ما هى الوطنية فى معناها العصرى ؟ هي كما حددها بعض الكتاب الاميركان بالصورة التالية : " ان جوهر الوطنية هو الاعتقاد بأن مصالح صنف اجتماعي ما ، أى الوطن ، أهم من مصالح أى فرد وان الحكومة هي العنصر الاساسي للتعبير عن هذه المصالح " ( 4 ) . ويزيد موضحا الوطنية قائلا : " ان المشكل هو ان الوطنية هى ديمقراطية أساسا وان ارادة الشعب ليست محافظة بالضرورة ، وان اخص خصائص الوطني الحق هو ان يكون مستعدا للتضحية بكل شئ بما فى ذلك القيم التقليدية فى سبيل عزة الوطن ووحدته " ( 5 ).

ويتجلى من هذا  ان الوطنية الحق هى التى تعتبر مصالح المجموعة أهم من مصالح الفرد اى المصالح التى لا يشترك فيها مع غيره وان الممثل لهذا المصالح المشتركة هى الحكومة وبالنسبة الينا خاصة فى تونس فان مصالح

المجموعة اتسعت من الفهم الضيق للقرية او المدينة او الحى او محط رحال العرش أو القبيلة إلى الرقعة الجغرافية التى تسمى البلاد التونسية او تونس، وان هذه الحكومة التى تمثل مصالح المجموعة كانت قبل الاستقلال الحزب الجديد ثم الحكومة الوطنية التى انبثقت عنه بعد الاستقلال .

وبهذا  تكون الحركة الوطنية اضفت فى الواقع مفهوما عصريا للوطنية خاصة إذا اعتبرنا ان الوطن هو : " هذه المجموعة التى تكون واعيه بالخصائص التى تميزها عن غيرها مهما كانت الاسباب والتى لا ترضي بحكم الاجانب وتطالب بدولة ذات سيادة خاصة بها " ( 1 ) .

وهذا بالضبط ما لم يكن موجودا قبل الاستقلال اذ كان التونسيون  يرضرون في آخر الامر بحكم الاجانب من ترك وغيرهم وان على مضض اذ كان فى تونس كما قال الاستاذ عبد الوهاب بوحديبة : " وطنية بدون وطن (بمعنى الأمة ) لان هذه لم تبرز قوية الا مع بعث الحزب الجديد سنه 1934 على يد بورقيبة " (2) . ولعل الاجدر أن نقول : كان هناك مجرد حب للوطن فقط لان الوطنيه تقتضى وجود الامة ما فى ذلك شيك .

لذا فان الشعور التونسي اليوم مثله كمثل المصرى والجزائرى والمغربى قد ارتقى الى المرتبة التى تجعل منه يعى انه ينتمي بوطنه الصغير الى امه بأتم معنى الكلمة فهو يذود عنها ويضحى من أجلها بكل شئ مثلما تم اثناء الحركة والقبيلة لتتسع الى الامة الاسلامية بأجمعها - الى وطنية بالمفهوم العصرى التحريرية فتحولت تلك الوطنية - التى تقتصر على الحي والعرش والمدينة تضم البلاد التونسية مع تقلص الشعور الثاني الذي لم يبق من يمثله اذ كانت الخلافة هي الممثلة له ولكنه تضاءل رغم بقائه فى صورة أخرى سنرجع اليها .

والدليل على ذلك هو ان هذه الوطنية التى اصبحت لها محتوى مرتبط بالامة التونسية قد مالت شيئا ما الى التضحية ببعض القيم التقليدية التى هى فى الواقع ليست من مقومات الشخصية التونسية العربية الاسلامية بل هى دخلت على القيم الاسلامية الاصيلة وحجرتها مثل الفروق الموجودة بين موقف الاسلام من المرأة وبعد ذلك موقف المسلمين منها والمجتمع الاسلامي بصورة عامة وكذلك الفرق بين النظرة الاقتصادية فى تطورها فى أول الامر وحركيتها وبين جمودها وانحطاطها فيما بعد .

فالمظاهر التى اصبحت منسوبة الى الاسلام وارتبط بها المجتمع الاسلامى فى أيام انحطاطه أصبح المجتمع الوطني فى معناه العصري لا يرضاها بل هو يضحى بتلك المظاهر فى سبيل عزة الوطن ووحدته اى عزة تونس ووحدتها .

ويعترض المعترض قائلا : إذا كانت الوطنية فى مفهومها العصرى قد اتسعت الى الحد الذى به تضحى ببعض القيم التقليدية فى سبيل عزة الوطن ووحدته اى فى سبيل الامة التونسية مثلا او المصرية او غيرها فان هذا قد تم من دون شك على حساب الشعور الثانى الذى كان فى الاول شعور الانتماء الى الامة الاسلامية فى مفهومها القروسطي ثم الجامعة الاسلامية ثم الجامعة العربية ثم الوحدة بمفهوم القومية سواء كانت بعثية او ناصرية ، اقول نعم لان المشكل بالنسبة لكل الشعوب العربية هو ان هذه المفاهيم كلها التى هزت البلاد العربية من أوائل هذا القرن الى انطفاء عبد الناصر قد تلاشت وتجاوزتها الاحداث وتعداها الزمن .

الأخوة العربية الاسلامية :

نعم بقيت رابطة الأخوة العربية والأخوة الاسلامية واقعا ملموسا موجودا فى نفس كل عربى سواء كان تونسيا او مصريا او غيره وهذا الشعور هو الذي يجعل التونسى مثلا يتجاوب بصورة حادة مع الشعب الفلسطيني أكثر مما يفعل مع الشعب الانغولى ويتألم للاحداث التى جدت بلبنان أكثر مما يـأسف للحرب الاهلية الموجودة بأنغولا ، هذا واقع لا شك فيه .

ولكن مشكلة المشاكل هو تجسيمه لان اخر مفهوم كان يرمز لهذه الأخوة ويتوق الى تجسيدها هى الوحدة ، ومفهوم الوحدة قد تبخر مع عبد الناصر وهو في سبيل التلاشى مع تهافت نظريات أخرى لان الاحداث تدل على ان الشعوب العربية بدأت تصل الى درجة من الوعى لا يسمح لها بأمرين باتا وكأنهما مستحيلان : ألا وهو استقطاب هذه الأخوة والتضحية بمصالح المجموعة الوطنية فى سبيل هذه الأخوة .

فأما استقطاب هذه الأخوة فهو يعنى أن ينتصب بلد من البلدان العربية وصيا على العروبة وعلى القومية العربية وعلى الوحدة ، فمن حق أى بلد آخر عربى ان ينازعه ذلك ويقول له بما انه لم يبق من يرمز الى هذا المفهوم بعد الخلافة وبعد فشل عبد الناصر فلماذا لا استقطب أنا ذلك دونك وبأى حق

تزيد أن تفهم هذه الأخوة فهمك هذا وتفرضها على ، انى أرى رأيا أخر وهو الاصلح .

ولهذا فانه من الصعب اليوم ان ينتصب زعيم فى اى بلد من البلاد العربيه ويدعى ، من دون ان يثير الابتسام ، انه هو الممثل والرمز لهذه الاحوه وان نظرته هى التى من الواجب أن تشيع وتأخذ بألباب الناس ، إن ما اصاب مفهوم الوحدة التى كانت مجسمة لهذه الأخوة من انتكاسات سواء فى مصر او جربة وذيولها لا يسمح لاى عاقل ان يتمادى فى المناداة بهذا الشعار والا فانه يكتب لهذه  الأخوة المشعور بها واقعا لا خيالا ان تبقى حلما وعاطفة مشبوبة لا يجسمها شئ .

وشبه المستحيل الثاني هو انه لا يتصور اليوم من بلد من البلدان العربية ان يضح بمصالح أبنائه وبعزته ومنعته وقوته فى سبيل هذه الاخوة ، وهذا معقول بالنسبة لشعوب بدأت تشعر انه من حقها أن تستفيد من خيراتها قبل غيرها  فمصر مثلا خاضت حروبا عديدة من أجل هذه الأخوة سمها عروبه أو  ما شئت و استيقظت اليوم عن مآسى اقتصادية واجتماعية خطيرة وقل مثل ذلك بالنسبة لبلدان عربية أخرى ، وليست أحداث لبنان الا تعبيرا فى الواقع عن هذه الحبرة لان اللحمة التى كانت تجمع بين الطوائف ولو كانت فى بعض الاحيان وهمية قد انهارت .

هذا هو المشكل اليوم بالنسبة للشعوب العربية وحكوماتها وهو التوفيق بن الوطنية التى حولت الوطن الصغير من مجرد موطن إلى أمة يدافع عن كيانها ويذاد عن سيادتها ووحدتها وبين مفهوم الاخوة التى هى واقع ملموس وشعور موجود فى نفس كل عربي ومسلم .

ان ما يجب البحث عنه والتعمق فيه هو كيف تجسم هذه الاخوة من دون الرجوع الى المفاهيم الاخرى التى وان بقيت اصداؤها تتجاوب فى النفوس سواء بالانتصارات او الهزائم فان الزمان قد تجاوزها والعصر قد هصر فروعها ونفض اوراقها اليابسة وهى تنتظر من يحييها حتى تورق وتزهر من دون ان تدخل الضيم على الشعور الآخر الذى تفاقم واشتد وليس فى الامكان التضحية به ولا من المعقول الضرب به عرض الحائط والا فان الطلب يكون باب المستحيل الذى لا تتجاوب معه الشعوب .

غير انه يجب ان نلاحظ ملاحظة لها أهميتها لكل الشعوب العربية بما فيها تونس انه لا يمكن ان تستقيم الوطنية التى تحدثت عنها ولا ان يكون لها فى النفوس ذلك الدفق الذي هو من صلب الايمان الا اذا حافظ على تلك الاخوة بصورة من الصور حتى فى ثوبها القديم والا فاننا سنشهد امرا خطيرا جدا لا يرضاه أى منا وهو التنكر للوطنية بنفسها اى التنكر للأمة والعمل من أجل ايديولوجيات اخرى هوائية هي العالمية أو غيرها من المفاهيم التى لا تستند الى واقع ولا الى شعور .

ذلك ان من مقومات الشخصية التونسية وغيرها من الشخصيات العربية الاخرى مقوم لا يمكن الاستهانة به او التفويت فيه هو الانتماء الى مجموعة أوسع من الوطن الصغيرة والأمة الصغيرة ونعني مقوم الأخوة بين العرب و المسلمين الذي هو مفتاح لصرح الأخوة الانسانية . فلا وطنية حقيقية بالنسبة الينا كعرب مسلمين اذن الا بوجود الأخوة العربية الاسلامية ولا اخوة انسانية حقا بالنسبة الينا الا بارتكازها على الوطنية بمعناها العصرى  والأخوة العربية الاسلامية معا .

اما الذين يعتقدون انهم باعتناقهم لبعض المذاهب التى تفضى للعالمية والأخوة الانسانية من دون الشعور بالمفاهيم التى ذكرت فانهم فى الواقع يتعلقون بالهواء ويوهمون أنفسهم انهم وجدوا الحقيقة المثلى وسيببقون بعيدين عن واقع بلادهم وواقع الانسانية بصورة عامة .

غير انه بالنسبة الينا فاننا لا ندعي اننا وجدنا الحقيقة المثلى بل ان الذى نقوله هو اننا نتحدث عن واقع ملموس لا يمكن ان ينكره احد وانما غاية ما نقوم به هو ابراز ما بقى غامضا واستجلاء ما التبس فى الاذهان .

إذن فالوطنية بالنسبة للشعوب العربية الاسلامية أمر واقع لا يمكن الاستهانة به اذ أصبح بالمعنى العصري مرتبطا بمفهوم الأمة وهو ما اضفاه عليه الكفاح التحريرى إذ كان وطنية بدون أمة فأصبحت هذه الأمة شاعرة بطابعها الخاص المتميز عن غيرها من الأمم العربية الاسلامية مستنكفة من ان يحكمها أجنبى ومتمسكة بسيادتها بواسطة دولة قائمة الاركان وقد بينا ان جميع التجارب التى مر بها العالم العربى الاسلامى والتى لم يقرأ فيها حساب لهذا الشعور او لهذا الواقع جرت كوارث ما زالت الشعوب العربية تئن تحت وطأتها . لذا فان التوق الى الوحدة او الى القومية العربية لا يغير شيئا من هذا الشعور ولا يحد منه فهو موضوعيا ثابت قار قوى .

اما الشعور الثاني الذي خلصته من جميع الشعارات التى جرت له كوارث ايضا وهددت وجوده وهو ما سميته بالأخوة العربية الاسلامية وهو الشعور الموضوعي الثابت القار الذى أوجده قبل كل شئ الدين الاسلامى ورباه فى الجماهير وابرزه حقيقة واضحة المعالم واستغله الساسة والمفكرون عن حسن نية تارة وعن نوايا مبيتة للهيمنة والزعامة والوصاية تارة اخرى ، فهو مرة القومية العربية ومرة أخرى العروبة ومرة ثالثة الوحدة ، وقد قلت ان هذه الشعارات قد تجاوزها الزمن وجربتها الشعوب العربية الاسلامية وانها لم يعد لها ذلك الوقع الذى أيقظ في نفوس الجماهير طيلة عقود أمل تجسيم هذه الأخوة ، والسبب فى ذلك هو ان هذه النظريات التى تحولت الى شعارات اصطدمت بالشعور الاول فى واقعيته وصلابته .

ولعله يمكن مجاراة جاك بارك وتوسيع مدلول ما قال عندما كتب " الانسان العربى الشمولى والذاتى ، العالمي والخصوصى " اذا فهمنا معنى الشمولى والعالمي على اساس الانتساب الى الامة العربية الاسلامية المفضية الى العالمية والذاتى والخصوصى على معنى الوطنية .

التوفيق بين الوطنية والأخوة العربية الاسلامية :

لهذا فان المشكل اليوم يتمثل فى : كيف يمكن تجسيم هذه الأخوة العربية الاسلامية من دون ادخال الضيم على الوطنية ومن دون الالتجاء الى ما ران على هذه الأخوة الحقيقية الواقعة من تعقيدات والتباسات وأوهام ، أو اذا اردنا كيف يمكن التوفيق بين الوطنية وهذه الأخوة نظريا وايديولوجيا وعمليا وسياسيا وثقافيا وحضاريا من دون أن نقع فى هذه الثنائية التى كانت مقبولة فى ماضى الحضارة العربية الاسلامية وأخرجها السلفيون للوجود فأوقعت بالشعوب العربية الاسلامية فى التباسات وغموض أدى الى التعثر والتلعثم فى مسيرة الأخوة العربية الاسلامية .

فمن الناحية النظرية ليس من الصعب استنباط صورة من الصور يتم بها التوفيق بين الوطنية والأخوة بحيث تجتنب كل حالة تلحق الضيم بأحد هذين المقومين إذ ان المصالح يمكن ان تصطدم فتفسد الأخوة لتتصلب الوطنية لان هذا المفهوم له كل المقومات لتمتينه وتقويته اذ هو ينمو فى اطار قانوني وسياسى واقتصادى واجتماعى مضبوط ، ولهذا فإن كل المحاولات السابقة التى تمت لفرض الأخوة على الوطنية سواء قانونيا بالاتفاقيات التى لم تجد

المجال للتطبيق أو بالقوة مثل وحدة سوريا مع مصر أو مصر مع اليمن أو بالانقلاب . . . فان هذه المحاولات لم تنجح أبدا ناهيك انه حتى بالنسبة لبعض البلدان التى تخضع مبدئيا لنفس الايديولوجيات فى الحكم و كان من الممكن ان تجد الأخوة مجالا لتفرض نفسها فانه وجدت اختلاف اختلافات ايديولوجية بين النظامين . فهذا يغلب فى الواقع المستندات التى ترجع الى مفهوم الأخوة وهي عندهم القومية العربية أو النظرة الوحدوية وذاك يرجح المعطيات الوطنية فى واقع الامر ، وهي كلها اشكال لفرض النظرة الخاصة بالأخوة و كلمة حق أريد بها باطل وهي قوله على بن أبى طالب عندما خرج علية القوم وأبوا التحكيم وقالوا : لا حكم إلا لله ، فرام هؤلاء جميعا باسم الأخوة وباسم الوحدة الهيمنة على الشعوب العربية الاخرى والوصاية على مفهوم الوحدة ، وهو كما قلنا ظرف انتهى أمره ولن يرجع أبدا .

ونفس النسق نجده فى بعض الدول التى تنادى بالاشتراكية وهى نوع من الأخوة على صعيد أعم وليس من الضير فى شىء ان تنادى دوله من الدول بالاشتراكية فى نطاق حدودها ولكن ان تعمد باسم النظام الاشتراكى أو الثورى الى سن سياسة توسعية وفرض هذا النظام على غيرها فذاك هو أيضا من قبيل كلمة الحق التى يراد بها باطل .

ان الذى نريد ان ننبه اليه هو ان لا تغتر الجماهير العربية بالشعارات التى من شأنها ان تتجاوب مع مشاعرها الحقيقية وهى فى الواقع تخدم نوايا سياسية لا ينجر عنها فى آخر الامر الا الخلف والفرقة وان ما نخشاه هو ان تنتج عن هذه المحاولات والتجارب التى يمر بها العالم العربى من حين الى آخر تصلب مفرط بالوطنية يؤدى الى انعدام التوفيق بين المقومين أى الوطنية والأخوة وهو أمر غير طبيعي لا من الناحية التاريخية ولا من حيث حتمية العلاقات بين الامم فى عالمنا المعاصر .

وأكثر من هذا فان ما حلم به بعض الساسة من بناء امبراطورية مقامة على هذا الشعور قد تجاوزته الاحداث اذ لن يتأتى ذلك الا بالقوة من جهة وبوجود جماهير عربية تطغي عليها البساطة فى تحليل المفاهيم الى الحد الذى تنساق فيه من دون وعى ولا شعور بمصالحها الحقيقية وهذا ما لا يمكن التحصيل عليه البتة والامثلة كما بينا عديدة .

بقى اذن التفكير نظريا اولا وبالذات فى التوفيق اذن بين الوطنية والأخوة العربية الاسلامية وعندما نقول نظريا فاننا نفترض ذلك اذ لسنا ندرى هل

يمكن فى التطبيق ان توجد الروابط التى من شأنها ألا تلحق الضيم بأحد المقومين . وكما قلت فان الواجب هو ان نحدد الاطار السياسي والاقتصادي والحضاري والثقافي الذي يمكن ان تندرج فيه الأخوة ولا يتضارب هذا الاطار في ما ضبطته الوطنيات العربية وسارت عليه وكسبته اثناء تاريخها الطويل خاصة عند احتكاكها بالعالم الاوروبى ووعيها لوزنها حضاريا واقتصاديا وسياسيا .

فلنبدأ بمحاولة التوفيق بين المقومين الوطنية والأخوة من الناحية الثقافية . فالثقافة كما حددها علماء الاجتماع هي : الاسلوب الذي به نتصور الحياة وننظمها ونحياها والذى به نضفي على المجتمع وجهه الطريف أو بمعنى آخر شخصيته " وبديهى ان هذا التعريف تشترك فيه اغلب الشعوب العربية فهناك ارضية قارة اوجدتها حضارة واحدة وهي الحضارة العربية الاسلامية وهي التى وجدت عند انتشارها فى هذه البلدان اثناء الفتح ثقافات متغايرة تمام التغاير فصهرتها حتى قربت بعضها من البعض بعوامل عديد دينية وسياسية واقتصادية . غير ان هذه الثقافات ابقت رغم ذلك على خصائص كثيرة نوعت بها الحضارة العربية الاسلامية واثرتها ثم هى احتكت بالحضارة الاوروبية وخاصة ببعض الثقافات الفرعية التى أعطتها دما جديدا وهي عند علماء الاجتماع تعد " ظاهرة تخلص " ولا يمكن ان " تتعدى بعض الحدود والا ينجر عنه انهيار النسق الثقافي الشامل " . وهكذا فان تغاير الثقافات فى البلدان العربية لا يضر بهذه الأخوة ولا يقف حجر عثرة فى مجال التوفيق بين الوطنية والأخوة العربية الاسلامية بشرط ان تبقى خاضعة الى بعض المقومات .

ذلك ان هذه الثقافات لها حسب علماء الاجتماع مستويات ثلاثة : النسق الروحى والنسق التقنى والنسق الابداعى ، فاذا كان النسق الروحى والنسق التقني لا يمكن ان يضرا بالتكامل بين المقومين فان النسق الابداعى الذى من جملته الاعمال الفنية وخاصة اللغة يمكن ان يكون مدعاة الى الوقوف فى وجه هذا التكامل .

أوضح الفكرة ، ان الذى يجمع بين الثقافات العربية هي اللغة العربية فاذا نزل الضيم بهذه اللغة فى رقعة من البلاد العربية بحيث ان ابناءها فقدوا السيطرة عليها واستعاضوا عنها بلغة اخرى واصبحوا يخلقون فى هذه اللغة الاجنبية ويتكلمون بها فان الخطر هو ان هؤلاء سيجدون صعوبة فى التكامل مع باقى البلدان العربية ولست اعنى هنا المضرة التى يمكن ان تلحقها

الازدواجية بهذه الأخوة لان هذه الازدواجية اذا كانت حقيقية وحافظت على اللغة العربية مثلما هو الشأن بالنسبة لجيلنا فذلك لا يضر بهذه الأخوة وان هو أدخل عاهات تتعلق بالخلق والابتكار والابداع ولكنها اذا تحولت الى خانق للغة الأم أى العربية وأصبحت هى لغة التعامل وصار الجيل الجديد لا يمكن له ان يفكر او يخلق او يرتاح الى نفسه والى غيره من الناس الا فى اللغة الاجنبية فان التوفيق عند ذلك يصعب بين الوطنية وهذه الأخوة اذ ان معرفة لغة ما ، كما حدد ذلك علماء الاجتماع : " ليس هو امتلاك أداة ابلاغ ضرورية للحياة اليومية فقط بل هو الدخول فى ثقافة ما والشروع في فهمها " . ولهذا فان العجز عن امتلاك اللغة الأم يفقد شيئا فشيئا الشعور بهذه الاخوة التى هى منجاة العالم العربي أمام القوى العملاقة التى تتربص به والا بقيت الأمة التى ينتسب اليها هذا الجيل مثل تركيا تتلاقفها الرياح فلا الكتلة التى أرادت الانتساب اليها وهي أوروبا هضمتها وجعلتها طرفا تؤخذ مصالحه بعين الاعتبار ولا العالم العربى الاسلامى يعتمد عليها لانها رضيت بمحض ارادتها الانفصال عنه . وأكثر من ذلك فهل ان هذا الجيل الجديد الذي ينتسب الى بلد عربي سيضطر فى تعامله فنيا وتقنيا مع الأخوة الاشقاء الى استعمال اللغة الاجنبية والى البحث عن مترجم مثل صنوه الاوروبى .

ان الخطر اذن هو ان توجد اجيال من الشباب تعلمت وتكونت بصورة تجعلها تفقد الشعور بهذه الأخوة التى هى الرابطة التى بها تكون المنعة والقوة للوطنية ولهذا فان ما يجب ان نتيقظ له فى برامجنا التعليمية والتثقيفية والتكوينية هو الحرص على الحفاظ على هذه الأخوة وتنميتها وتعهدها لانها هى الباب للأخوة الانسانية بصفة عامة .

قد حاولنا ان نوفق ثقافيا بين الوطنية وهذه الأخوة وكشفنا عن الاخطار التى يمكن ان تلحق بالوطنية عند تنطع أخوة ما ومحاولة فرض هيمنتها على الوطنيات الاخرى كما نبهنا الى ما يمكن ان ينجر من اخطار على الوطنية نفسها اذا هي تحجرت وانكمشت على نفسها وقامت بما من شأنه ان يلحق الضيم بالاخوة ولا يقرأ حسابا لها .

ثم ركزنا تحليلنا من حيث الجانب الثقافي على الناحية الابداعية الخلاقة ولم نتحدث كثيرا على الخصائص الروحية من أفكار ومعتقدات وعادات وتقاليد وقيم وهي نفسها تتفاعل مع الوسط وما ينبع منه من تقنيات ولكنها كلها تبرز قيمة تعطى للثقافة وحدتها وطاقتها على التطور . غير ان هذا الجانب لا أريد

التعمق فيه لانه لا يفيدنا كثيرا من حيث التوفيق بين الاخوة والوطنية ولانه بديهى .

بعد هذا نتدرج شيئا ما في تحليلنا إلى وجهة أشمل من الثقافة وهي الناحية الحضارية . والحضارة هي كما نعلم  " الثقافة عندما تفضى الى المستوى السياسي " ولا يعطى للثقافة وجهها الحضارى بالمعنى السوسيولوجى الا اذا  كان لها أي الثقافة مظهران  اثنان : وهو استعمال الكتابة والاتصاف بالظاهرة المدنية اى كل ما يتعلق بحياة المدنية ويبعدها عن الحياة القرويه والبدوية .

والذي يهمنا هنا هو ان الحضارة العربية الاسلامية التى واجهت البلدان التى فتحها العرب المسلمون وجدت اما ثقافات فحسب فأضفت عليها الطابع الحضاري أو وجدت حضارات فتفاعلت معها وكيفتها وأخذت منها ما لا يتضارب معها أى بمعنى آخر ان هذه الحضارة العربية الاسلامية اعطت للثقافات والحضارات التى وجدتها كتابة وهى الكتابة العربية ونمطا من الحياة الحضرية ثرية معقدة فكانت نتيجة كل هذا روابط متداخلة هي تلك التى نسجت على مر الايام ما سميته الأخوة العربية الاسلامية ولهذا فان هذا المفهوم بالنسبة للبلدان العربية الاسلامية أشمل من ان يكون ثقافيا بحتا بل هو يحمل الطابع الحضارى أكثر من المفهوم الآخر وهو الوطنية وان لم يجز لنا ان ننفي عنها الصفة الحضارية ولكنها حافظت على الميزة الثقافية .

فلنأخذ مثالا من البلدان التى عرفت الاسلام مثل تونس اى افريقية سابقا فهي بلاد كانت لها حضارتها اى ان لها على الاقل فى المدن وهي كثيرة جدا كانت آنذاك منتشرة شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ، قلت كانت لها حضارتها أى لها ثقافة معينة بمستوياتها الثلاثة الروحية والتقنية والابداعية ولها أيضا كتابتها وهي اللاطينية وحياة المدينة الخاصة بها . ماذا وقع عندما دخل الفاتحون العرب المسلمون ؟ انهم أبقوا على الثقافة الموجودة بما فيه اللغة وحتى الكتابة فى أول الامر وغرسوا الكتابة العربية ونمطا من حياة المدينة مرتبطا بهم خاصة وان الافواج الاولى من الفاتحين هم من أهل المدن ، وتفاعلت هذه الحضارة مع بقايا الثقافة الموجودة التى هى من خاصية هذه البلاد فربت فيها نوعية لم تتضارب مع القاسم المشترك الذي هو الحضارة العربية الاسلامية وهذه النوعية هي بالذات خميرة الوطنية أو نواة لها ، ومن هنا يمكن القول أن الحضارة العربية الاسلامية ساعدت الوطنيات على البروز وأبقت على الأمم ولم تمسخها ولهذا

يحق ان نقول أن العالم العربي الاسلامى كان أمة فى أمم ، اى ان كل وطنية من الوطنيات التى سمت بدورها الى مفهوم الامة تحمل فى جنباتها تصورا واحدا ألا وهو الامة العربية الاسلامية وهذا هو الواقع الذي لم يتغير طيلة القرون سواء كان العالم الاسلامي خاضعا لدولة واحدة كما هو الشأن فى العهد الاموي وأول العهد العباسي أو لدول متعددة ولكنه رغم ذلك لم يخرج عن رمز الخلافة ، ولهذا لا مجال فى الواقع للحديث عن الوحدة السياسية خاصة وان تاريخ كل الفترة الاسلامية مشحون بالفتن والتناحر والانفصال بل الرأى يتجه الى هذه الصورة من التكامل غير المستقر بين الوطنية والأخوة اذ كان لا يخرج عن انه كما قلت أمة فى أمم .

ولقد فرضت هذه الحضارة العربية الاسلامية من الناحية السياسية " قيما معينة وانماطا من السلوك مضبوطة وروابط اجتماعية مؤاتية " كيفت هذا الأخوة ونوعت ارتباطاتها مع الوطنية لتصل بنا الى الوضع الحالى الذى حللناه أنفا والذي اصبح العالم العربي الاسلامى لا يرضى فيه ان  يصل به حال أمة فى أمم الى التفكك وانعدام الأخوة وطغيان الوطنيات الضيقة فى عالم يتوق الى التعاون والتكاتف والاشتراك فى المصالح قصد احلال الأخوة الانسانية .

ولهذا فان عهد الأمة فى أمم قد زال أى العهد الذى فرضت فيه الأخوة على الوطنية فكانت سلبا وايجابا وجاء عهد الامم فى أمة أى الفترة التى ستنشد فيها الوطنيات الأخوة وتبحث جاهدة عن نقط اللقاء وتتسارع الى التفاهم عن طواعية واختيار . هذا ما سيصل اليه الوعى الجماهيرى فى العالم العربى ان عاجلا أو آجلا غير ان رواسب الوضع السابق أى وضع أمة فى أمم لن يزول تماما من الرقعة العربية وسيكون سببا فى كثير من الكوارث الاخرى سوا كان مأتاه تأخر الجماهير فى بعض البلدان العربية عن التطلع الى هذا العهد الجديد أو حلم بعض الأنظمة فى الرجوع الى صورة من صور الخلافة القديمة أى وضع الأمة فى أمم وهو ما بينا بطلانه فى عصرنا الحاضر وفي مستقبل الايام لانه يتنافى مع تطور البلدان العربية الاسلامية ومع ما يسير اليه العالم العصرى حثيثا نحو الحضارة العالمية والكونية التى من شأنها ان تركز العلاقات بين الأمم كلها على الأخوة الانسانية .

هذا بطبيعة الحال حلم إذا أردنا ولكن لا نجاة للعالم الا اذا عزمت البشرية على تحقيق هذا الحلم شيئا فشيئا وكافحت من أجله وان الأخوة العربية

الاسلامية لطريق إلى هذا وهي لا تتنافى فى مفهومها الحضارى ، البعيد عن العنصرية والعرقية ، مع الأخوة الانسانية ، غير ان هذه الأخوة لا يمكن ان تتحقق كفكرة ونظرية وسلوك عند الافراد الا اذا انطلقت من الواقع اى اذا راعت مصالح كل الاطراف وهي باطلة ان هي بقيت مجرد شعور وتوق وخيال وحلم يحلم به الفرد ثم يأتي الواقع ويكذبه بل يجب ان ينبع من هذا الواقع ومن حد لهذا الشعور وهذه النظرية حتى تتكامل مع غيرها .

ذلك أنني أعتقد أنه لا مكان فى واقع الامور لمن يتشبت بالأخوة الانسانية وهو يؤمن بها أشد الايمان ويكرس جهده لقضايا العالم وهو ضنين على مجتمعه الصغير بأي تضحية وبأى جهد بل أننى أرى أن ذلك مجرد سراب وهروبا  لا غير وتبريرا  لعجز على التأثير فى الواقع والسيطرة عليه . كاب العائلة الذي يعجز عن توفير الوئام والسعادة بين أفراد عائلته ويحاول أن يدلى بنصائحه ويوجه عنايته الى عائلات غيره وهو فى ذلك غير موفق لا محالة .

اذن فلا أخوة انسانية يمكن ان يمارسها العالم العربى اذا لم يوفق فى تنمية الأخوة العربية الاسلامية التى هى مقوم من مقومات وجوده وهذه لا يمكن تنميتها ايضا اذا هي لم تصل الى التوفيق بينها وبين الوطنيات . لهذا فان الأخوة العربية الاسلامية لا يتأتى لها أن تخدم الأخوة الانسانية الا عندما تنجح في التوافق مع الوطنية . وقس ذلك على ما يقع فى البلدان الاخرى بالنسبة للعالم الاوروبي فبقدر ما تنجح مثلا الامم الاوروبية فى التعامل صورة تكاملية بينها مراعاة لمصالح جميع الاطراف بدون هيمنة أو فرض وجهات النظر بقدر ما يكون ذلك بابا من أبواب التفاهم فى العالم الذى يفرض على هذه الامم التشاور مع غيرها من أمم العالم ، وفي هذا السياق يمكن ان نذكر الخطوات البطيئة التى بدأنا نراها فى ندوة الشمال والجنوب ولكن . . . ما يزال العالم يرزح تحت رواسب ليس من الصعب التخلص منها .

هذه هي النواحي الثقافية والحضارية والسياسية فى سبيل التوفيق بين الوطنية والأخوة وهي كفيلة ، ان نمت أرضيتها وتغلغلت فى اذهان الجماهير مباديها واقتنع بها الساسة أن تطبق قانونيا وسياسيا واقتصاديا وليس ذلك بالعسير آنذاك .

اشترك في نشرتنا البريدية