الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الاداء والتعبير الفنى فى معركة المصير

Share

كان دور الادب والادباء والمصلحين والمفكرين فى النهضة الاولى وما تبعها من نهضات ، سواء بالمشرق العربى أو المغرب العربى دورا عظيما وكانت فى الواقع يقظة تحس فيها العالم العربى وجوده تجاه العالم الاوروبى وحاول ان يجابه تحدياته ويقف على قدميه خوفا من التداعي والسقوط . لذلك لم ينشأ عن هذه النهضة ما أكسب الشعوب العربية المناعة والقوة بواسطة القدرة على الخلق فى ميادين الحياة كلها بل كانت خاتمة المطاف افلاس النهضة من جهة ووعى خطير بالمصير من جهة اخرى .

نحن فى الجولة الثانية من يقظة الامة العربية ، وفى الفترة التى تضاعفت فيها تحديات العصر لنا وقد تجسمت فى غزو اراضينا وتوطينها واكتساح مقوماتنا الاصلية نسفا وتشتيتا . وان وعينا بهذا الخطر لفي ازدياد ومجابهتنا لمتطلبات المعركة تشتد كلما تبصرنا الى مواطن ضعفنا واهتدينا الى مدى ما يتهددنا من آفات فى جميع مجالات الحياة .

وان الاخطاء التى وقعنا فيها فى نهضتنا الاولى أو على الاصح يقظتنا ما ثلة اليوم أيضا ، وأفدح هذه الاخطاء اتكالنا على الكلمة واعطاؤها القوة السحرية التى تنكب على مشاكلنا فتحلها وتنقض على الاخطاء فتبددها . ولقد نتج عن هذا أن حل الاديب محل السياسي والشاعر محل المصلح والصحفى وتفاقم أمر الادب لتتضاءل امامه خلايا الحياة الاخرى ، أمام العلم أمام الصناعة وغير ذلك من الوان النشاط .

لقد آن الاوان اذن فى عالمنا العصري أن يقوم كل بوظيفته وأن يركز الاديب والكاتب والشاعر وبالإحرى كل خلاق للكلمة وكل فنان جهوده على نوعية عمله فلا يتعداه ولا ينحرف به عن كنهه وماهيته وهو فى الواقع مضطر الى ذلك أشد الاضطرار لما انضم اليه من وسائل اخرى للابلاغ والاداء كالاذاعة والسينما والتلفزة والصحافة .

ولعل موضوعنا الاداء والتعبير الفنى فى معركة المصير يدفعنا الى التفكير مليا فى نوعية الخلق الفني وطبيعته ويحثنا على ضبط دوره من حيث الاداء والابلاغ فى مجتمع يخوض معركة مصيرية تتهدده فيها اخطار تتمثل فى الغزو والمسخ .

وكان التقاء الاقانيم الثلاثة الاداء والتعبير الفنى ومعركة المصير فيه ما فيه من تضارب ومن اشعار باشتعال نار عنترية عصرية أو انطلاق جولة دونكيشوتية معاصرة أساسهما الكلمة وسلاحهما القلم العصري طبعا . وكأن ما طوق عبارة التعبير الفنى من سلاسل - معدنها الاداء وطوقها معركة المصير - ينبئ برعونة الكلمة وجوحها ويؤكد ضرورة رياضتها وسياستها والحد من غلوائها بين الجد واللعب ويذكر بما قاله الشاعر العربى عن الصعلكة والصعاليك رمز الروح الفنية وانموذج الفنان فى المجتمع العربى القديم قال :

" وسائلة أين الرحيل ؟ وسائل           ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه

مذاهبه ان الفجاج عريضة               اذا ضن عنه بالفعال أقاربه

لذلك يتعين ان نضبط قبل كل شئ معنى الاقنوم الثاني أى التعبير الفنى ونستشف طبيعته وكنهه ونستدرجه وقد فككنا عنه السلاسل والاطواق واطمأن الينا واطمأننا اليه .

ان التعبير الفنى فى الواقع أوسع من أن نقصه على الادب والكتابة اذ هو ينفتح لميادين أخرى من الفن هى اسمى من ان تحصى وهى تتناول الوانا من الرسم وضروبا من النحت واشتاتا من فن العمارة والسينما والتلفزة وغيرها ولكننا ونحن فى مجال الادب وبين رحابه مدفوعون الى الاقتصار على الكلمة فى اشرف وانبل وجه منها الا وهو ميدان الخلق الادبى .

واذا كان الخلق الادبى او الكتابة عندما تشرف بالفن ، ميدانا يتبارى فيه الشعر قديمه وحديثه ، حره ومعتقه ، وتجول فيه القصة بجم فروعها طاغية على فنون الادب بأكملها ابتداء من الخبر الى القصيدة ، ويتخبط فيه المسرح بين الواقعية واللامعقول ، ويجهد فيه النقد والمقالة أن يشارفا الكتابة فان الذي يمكن ان يتفق عليه كل العارفين هو اجتماع ضروب الخلق الادبي في نمط من التعبير هو التعبير الفنى .

واذا كان التعبير الفنى يتغير فى لغته بحسب تغير الكتاب ويتلون بضروب من الاشكال راجعة الى كنه أداة الابلاغ . . واذا كانت اساليبه تختلف

باختلاف اصحابه فانه يبقى ذاك النمط من اللغة الذي يعتمد التأثير على العقول والحواس فيعلق بالاذهان وينفذ الى شفاف القلوب يقطع النظر عن الفكرة التى اعتمدها والصورة التى ارتضاها والخيال الذى ركبه .

وانه لمن المجازفة أن يتصدى الباحث الى تصنيف مختلف الوان التعبير الفنى لانه بذلك يقحم نفسه فى مغامرة تؤدى به الى استعراض انماط اللغة التى سنها كل الخلاقين فى الادب العربى وهو عمل لا يمكن ان تقوم به الجماعة بله الفرد رغم الدراسات والبحوث العديدة التى تناولت أفذاذ أمتنا منذ انبثاق النهضة الاولى .

ذلك ان التعبير الفنى - اذا استقام لخلاق وصح جوهره - واحد اوحد بالنسبة اليه لا يشبهه تعبير آخر اللهم الا اذا انفسح المجال للمقلدين والساطين الغاصبين والجائلين فى املاك الغير . وبطبيعة الحال فان درجة الخلق تتفاوت عند الناحتين للكلمة بتفاوت قوة شخصيتهم الفنية فيطبع العقري الفذ أثره بطابع لا ينازعه فيه احد وتشعر بانه ملك عليك نفسك ومنعك من ان تذكر غيره وانساك كل الخلق الاه . وانك لترتاح كذلك للكاتب القدير والشاعر الحاذق ولكنك ، وان سلمت بفضل من الشخصية عندهما لا تمنع نفسك من التفكير فى غيرهما من الكتاب والشعراء . وسبب ذلك هو التفاوت في القدرة على التعبير علاوة على اختلاف المشارب .

ولو كنت من ذوى الاختصاص فى العلوم الصحيحة : وحبذا لو خضعت آثارنا الادبية الى المقاييس العلمية فى المخابر وحلقات التجربة ، لمضيت استنطق الخطوط البيانية واوثق الكتاب وآثارهم والشعراء وقصائدهم على الواح عمودية وافقية حسب اختلاف المشارب والقدرة الفنية ولكنني اشفق على نفسى وعليهم فى هذا المقام ، من ان يحنطهم العلم بجفافه وأن يقسو عليهم العلماء بحد الآتهم ، ومفلول موضوعيتهم .

غير ان الذى يمكن ان يتفق عليه الجميع ولا يختلف فيه اثنان هو ان التعبير إذا شارف الفن وسما اليه تحدى الزمان والمكان . اذ الزمان هو الغربال النصوح والناخل الصادق الذي لا يظلم أحدا ، ولا يتجنى على أحد والزمان هذا الذي يأكل الاخضر واليابس ويفنى القوى والضعيف ويقف صامدا امام الموت , لا يستنكف من ان يصرح بالواقع والحقيقة عندما تسكن العواطف وتزول الاهواء . هذا الزمان الذي يتحول لكل الخلاقين بعد رحيلهم حاضرا واحد

لا يتبدل ولا يتغير حاضرا رواقيا ، اذ كان الرواقيون يقولون : " وليس لنا الا الحاضر نتحمله . فلا الماضي ولا المستقبل يمكن ان يرهقانا لان الماضى غير موجود والمستقبل لم يوجد بعد " .

وحبذا لو ان الخلاقين كانوا مثل الاباطرة الصينيين القدامى الذين ينظمون امر المكان والزمان في حفلات مشهودة . فيسطرون للعام المقبل ويوهمون شعبهم بقدرتهم على التحكم لا فى الرقاب والمساحات فقط ، بل فى اعظم قوة تفلت من بين اصابع البشر : الزمان . وقديما قال المتنبى فى سيف الدولة :

ان كان قد ملك القلوب فانه          ملك الزمان بأرضه وسمائه

والزمان هو أبو الهول المتتبع لسقطات الخلق وهناتهم وهو كلما قال فيه شوقى :

ابا الهول انت نديم الزمان      نجى الاوان سمير العصر

لذلك فانه ليس اعظم ناقد ومقيم للتعبير الفني من الزمان ، ومن تخطاه من الكتاب والشعراء وقدر على ان يثبت امام تحدياته فان ذكره خالد باق على مر الدهور .

ولكن الزمان وحده لا يكفي ، وخاصة فى عصرنا هذا الذي تقاربت فيه الامم واختصرت المسافات ورضيت فيه البشرية بتباينها واختلافها اذ تخطى المكان اصبح شرطا أساسيا فى الخلود وعنصرا من عناصر البقاء وهو لربما يكون أيسر منا لا من الزمان لانه لا يدعو الى الانتظار ولا يمر من غربال الدهر ويكفى ان تستسيغ الاثر الفنى امة من حضارة اخرى فى لغة متغايرة ليكون الخلود .

وهكذا يكون التعبير الفني بهذه الصورة عزيز المنال يخرج عن المتداول من الكلام ويصح فيه ما قاله ابن الاثير فى الفاظ الكتاب وهو يعنى فى الواقع اللغة التى ارتضاها الكاتب قال : " من الاركان التى لابد من ايداعها فى كل كتاب بلاغي ان تكون الفاظه غير مخلولقة بكثرة الاستعمال ولا اريد ان تكون بذلك الفاظا غريبة ، فان ذلك عيب فاحش بل اريد ان تكون الالفاظ المستعملة مسبوكة سبكا غريبا يظن السامع انها غير ما فى ايدى الناس وهى مما في أيدى الناس . . وهذا الموضع بعيد المنال كثير الاشكال يحتاج الى لطف

ذوق وشهامة خاطر وهو شبيه بالشئ الذي يقال انه لا داخل العالم ولا خارج العالم فلفظه هو الذي يستعمل وليس بالذى يستعمل : أى ان مفردات الفاظه هى المستعملة المألوفة ، ولكن سبكه وتركيبه هو الغريب العجيب " .

وانه ليس من المجازفة فى شىء أن يشبه التعبير الفنى بالذهب فى المعادن الذي يثبت امام تحديات الزمان وينفق فى كل مكان لا تذهب بريقه وحدته كثرة الاستعمال وهو فى حصانة تامة من تنوع الانطباعات وتقلب الافكار .

ولكن لقائل ان يقول ما هى طبيعة التعبير الفنى وما هى نوعيته التى  تخول له هذه القدرة وتمكنه من ان يثبت امام اقوى التحديات ؟ هل هي المعانى التى يحملها للغة والصور التى يخرجها والخيال الذى يستنبطه لها ام هو سر من الاسرار يجعل هذا التعبير فنيا صادرا عن روح خلافة وذاك التعبير الآخر كلاما عاديا متداولا بين الناس . نعم هو ما اسميه بالايقاع أى هذا التوتر الذى يبثه الخلاق فى لغته فيسرى فيها كالكهرباء ويشيع فى جنباتها حياة لا كالحيوات ويفرض عليها نبرات جديدة تكون مثل الاكسير فى صناعة الكيمياء تحول الالفاظ المستعملة والتراكيب الشائعة الى " الوان مختلفة من جوهر وذهب " على حد تعبير ابن الاثير . هذا الايقاع الذي يبرح يلازم الاثر حتى فى الترجمة وهو الذى يجعل المعنى الواحد مقبولا من اديب وغير مقبول من آخر ويضفى على صورة الاول روعة لا نجدها فى نفس الصورة بالنسبة للثانى هذا الايقاع او الاكسير هو الاصل فى سن نمط جديد من اللغة يتجاوز مادرج عليه الكتاب والشعراء قبل ذلك وهو ما سميته اللغة التجاوز * وهو دفق الحياة المنبثق من الخلاق المتكون من تيارين اثنين : أحدهما ينبع من الرصيد المشترك الذي يشد الخلاق الى شعبه والى امت ويؤصله فيها بما يرثه من مقومات يهضمها ويكيفها ويصهرها لتصبح ملكا له والثانى هو أناه المرتبط بشخصه ومزاجه وطبعه وهو ما عرف بالاسلوب .

واذا كان الاسلوب هو الذى ينم عن شخصية الخلاق ويعرف به فليس هو فى الواقع الذى يضفى على الاثر الادبى الروعة ويجعله مستساغا مفهوما من القراء ، متجاوبا مع مشاعرهم وأحاسيسهم واهتماماتهم لانه لو كان الاسلوب وحده هو الطاغي لكان الانغلاق والفردية المطلقة . وان فى الادب العربى

قديمه وحديثه ضروبا من الكتابات التى ليس فيها الاسلوب وهى تعتمد انماطا من اللغة الفنية الحق مثل لغة القرآن التى استند اليها فحول من عماقرة العربية وطبعوها باسلوبهم ولكنهم لم يأتوا بشئ جديد وكذلك لغة المقامة التى سنها بديع الزمان الهمذانى وأخذها عنه الحريرى فأضفى عليها اسلوبه ولكنها ، وان عرفناه من خلالها ، لم تستقم له مثلما استقامت لخالقها .

وان طغيان الاسلوب فى معظم الادب العربى شعرا ونثرا ، قديمه وحديثه ، أى طغيان الانا هو الذي كان سببا فى تدهور الادب والفن وفي حصر الكتابة في نوع من البرعاجية المقيتة وهو الذى نزع عن كثير من الآثار الادبية مسحة الفن . وهنا أؤكد أن التعبير لا يكون فنيا بأتم معنى الكلمة الا اذا استند علاوة على الاسلوب الى الوجه الاول النابع من الرصيد المشترك والا بقى مجردا معلقا بين السماء والارض . وليس من باب الصدفة ان نسب هذا النوع من التعمر في ميدان الخلق الى الفن لان طبيعة الفن تقتضى اولا  و بالذات الارتباط بالواقع وقديما قال سقراط : " ان الفن هو تقليد لمخلوقات الطبيعة " وبعده قال ارسطو " عندما يرسم الفنانون الصور منفصلة عن اصلها فانهم يخلقون شبها لصيقا بالحياة ولكنه شبه اجمل مما هى عليه . " وحتى في أيامنا هذه فانك لن تجد أى فنان يرفض ان ينطلق من الواقع ليرى الدنيا وما فيها بمنظاره الخاص ويعبر عنها مازجا ما رآه بما استنبطه .

وخلاصة القول فان هناك جدلية متشعبة فيما ينتجه الفنان بين الجانب الشخصى البحث وبين ما يربطه بالمجتمع والعالم وان ما قاله " فلوبار " فى رسالة من رسائله ليعبر عن هذه الجدلية التى تفضى الى نوع من الغموض فى العمل الفني قال : " تسألني لمن كتبت هذه الاسطر ؟ لم اكتبها لشخص معين شأني في كل ما كتبته . وانى قد ما نعت نفسى من أن اضمن تآليفي شيئا من نفسي غير انى قد ضمنتها الشئ الكثير . وقد حاولت الا أحقر الفن لارضاء شخص بمفرده . فكتبت صفحات رقيقة بلا حب وصفحات صاخبة من دون حماس . وتخيلت وتذكرت وألفت . " *

وليس من السهل اذن ان نتحدث عن حرية الخلاق اذا كان هو بالذات بحد نفسه مضطرا بحكم طبيعة الفن ، الى الحد من حريته وتجاوز أنانيته

وربط نفسه بواقعه القريب أو البعيد قصد ذلك ام لم يقصد وانه لمن الانسب ان نتحدث عن مسؤولية الفنان ونؤكد هذا المعنى اذ هو اقرب الى واقع الاشياء ، كما ان النظر الى عنصر الجمال والجمالية يفرض نفسه عند التعرض الى الفن ولكن المقام لا يدعو الى التوسع فى هذين الغرضين .

واذا كان الفن على هذه الصلة بالمجتمع وكان التعبير الفنى مربوطا أشد الارتباط فى عنصر من عناصره بالواقع ، فانه ليس من شك فى أن يكون تلقائيا مشدودا الى الاقنوم الاول الا وهو الاداء . وهذا امر طبيعي اذ بدونه لا يتأتى للاثر الفنى أن يرى الوجود بين الناس . لانه لافائدة فى خلقه اذا هو لم يخلق من جديد ، يخلقه القراء بتجاوبهم معه ونقدهم له او اعراضهم عنه لهذا فان عنصر الابلاغ كامن فى التعبير الفنى الاصيل بدونه لا يكون الخلق الحق ولا الكتابة الفذة .

بهذا ينتفى ذلك الخوف الذى يساور كثيرا من المثقفين من ان الادب يمكن أن ينفصل عن الحياة وهو خوف لا تبرره طبيعة الخلق الادبى اذ الادب مع الحياة وفي صلب الحياة او لا يكون .

غير ان هناك قضية اخرى تتعلق بالاداء وهو صعوبة التعبير الفنى فى ان يؤدى رسالته بين الناس . ذلك ان لغة الخلق تتطلب مستوى من الثقافة تتعلق بفهم النصوص وتذوقها وتصور الاشياء وربطها بالحضارة المعاصرة وهذا بطبيعة الحال يستدعي ان تكون الجماهير قد بلغت حدا ادنى من المستوى وهذا ليس  عسير المنال اذا تضافرت وسائل اخرى للابلاغ والاداء لتبسيط العلوم والآداب وعمت بين الناس القراءة والكتابة .

وليس من الانصاف فى شىء أن نطلب من التعبير الفنى ان يتحول عن ماهيته وينحرف الى أبواب اخرى من الابلاغ أعدت لها وسائل بعيدة عن هذا النوع من التعبير غير انه يمكن للفنان أن يستعملها ويسخر هاليبلغ رسالته ويعممها ويقهر صعوبة الاداء . على أن هذه الصعوبة يجب الا تكون ناشئة عن غرابة فى الالفاظ ولا تعقد فى التركيب لان ذلك ليس من طبيعة الفن بل تتأتى من مفاهيم لا يمكن ان يتصورها من لم يقرأ ومن لم يكتب ومن لم تخالج نفسه اهتمامات المجتمع المثقف . لهذا فانه كتب على الخلق الادبى أن يقتصر على الطبقة القارئة ذات المستوى المرضى . وليس لنا من أمل بالنسبة لشعوبنا التى ما زال جزء منها غارقا فى الامية الا ان يعم فيها التعليم وترفع بها الجهالة وتشيع الثقافة .

ولكن ذلك لن يكون منقذا لمصير المكتوب فى عصر الوسائل السمعية البصرية اذ نحن نشاهد بلدانا بلغت مستوى من الحضارة والثقافة كبيرا تشكو من قلة القراء نظرا الى ظروف احاطت بعصرنا الحاضر ليس هذا مجال التبسط فيها رغم سهولة قراءة المكتوب عندهم وصعوبته عندنا لفقدانه الشكل . وعلى كل فان صعوبة الاداء فى التعبير الفنى تتفاوت بين الخلاقين حسب طبائعهم ونمط تكوينهم وهدفهم من الكتابة .

غير ان الذى ييسر من مهمة الاداء بالنسبة للتعبير الفنى هو ما ذكرناه من وجوب ارتباط الخلق الادبى بواقع المجتمع وهذا يفرض على الخلاق ان تكون اغراضه منبثقة من مشاغل امته نابعة منها وهو امر لا يمكن ان يحيد عنه الخلاق الحق . لذا فانه من واجبه رفع التحديات والخروج بمعركة المصير الى النصر الكامل .

وانه ليس من المبالغة فى شئ اذا قلنا ان كل قصاص وشاعر وكاتب مسرحية وناقد قد وعى الخطر الاكبر الذى يتهدد العالم العربى من اقصاه الى ادناه . واذا كان هذا الخطر قد تجسم ، اواخر القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشرين ، فى استعمار لم تكن له من الوسائل الا القوة الغاشمة والحضور الفعلي فان استعمار النصف الثاني من هذا القرن أشد حيلة لانه يعمل بدهاء ومكر على طمس شخصيتنا وصهرنا ، فى حضارة أجنبية عنا لو انسقنا الى تقليدها كالببغاوات لمسخت معالم ذاتيتنا وذبنا فيها ذوبانا .

وان هذا ليبرز فى ظاهرتين اثنتين : الظاهرة الاولى تتمثل فى تحد استعمارى من ابشع التحديات وهو وجود اسرائيل الصهيونية واغتصابها لاراضينا وكان الاستعمار التوطينى الغربى الذى حكم عليه العصر بالزوال قد تجمع فى فلسطين الجريحة ليمنع كل نهضة حقيقية بالعالم العربى ، ولكن ذلك قد حفز امتنا على ان تتجه نحو النهضة الحق فبدأت تتصدى لهذا التحدى بما يماثله .

والظاهرة الثانية هي اكثر تسترا واخطر لانها برزت فى قالب تحديات العصر لنا ، هذا العصر الذي استولت عليه حضارة غير حضارتنا وفرضت علينا ان نعيش ونتصور العالم بمنظارها لما اكتسبته من قوة أساسها العلوم والتقنية والتكنولوجيا ولئن شعرنا بأنه لامناص من أن نأخذ من أسباب هذه

القوة المادية بنصيبنا فان شعورنا أعظم بوجوب تمسكنا بشخصيتنا واصالتنا لننظر الى هذا العالم بمنظارنا ونتصوره حسب مقومات حضارتنا .

لذا فان فرس الرهان فى هذه الحلبة هو ان نكون نحن فلا نأخذ العلم لنقلد ولا نستعير أسباب الحضارة لتكون طلاء براقا ولا نقبل قيم الغير لنلبسها للزينة والبهرج بل من واجبنا أن نهضم حضارة العصر لنخلق ولنقدم للعالم غذاء انسانيا بفضله يقدر قيمة حضارتنا ويسمع كلمتنا ولا يستهين بنا .

معركة المصير اذن هى بالنسبة للخلاق منا وعي بهذا كله : وعي بشرف الكلمة التى لا يرضى لها أن تنحط الى مستوى الدعاية السخيفة ، ووعى بمسؤوليته فى امة تكافح من أجل مصير أفضل ، ووعى بأن يكون انتاجه الفنى انسانيا آخذا بأسباب العصر نافذا بايقاعه الى قلوب وعقول اهل حضارة اليوم ولكنه فى كل هذا يعبر عن الروح العربية الاسلامية أى عن حضارتنا فى مختلف اوجهها بصورة يكون معها محببا مفهومها لا بالنسبة لنا فقط بل لاجزاء اخرى من العالم .

واننا فى تونس العربية المسلمة القريبة جغرافيا قربا كبيرا من العالم الغربي ، والتي ناءت طيلة سبعين سنة تحت كلكل استعمار توطينى محط وعرفت الغربية اللغوية فى ابشع اطوارها - لشاعرون حاد الشعور بهذا المنعرج الخطير فى حياة أمتنا ولقد وعينا هذا كله وكشفنا عن الاخطار التى تهددنا من تفسخ ومسخ وطمس " للذات الامينة " فتصدينا رواسب الاستعمار نستأصلها والى تحديات العصر نجابهها وذلك بالتمسك بأصالتنا ومقوماتنا الاساسية وبالانصهار فى حضارة العصر حتى نخرج من طور الاخذ الى طور العطاء ونقدر على المساهمة فى صلب العالم العربى على اثراء الانسانية بنوعية الخلق فينا وطرافة الابداع الكامنة فى نفوسنا .

وان المتتبع لانتاجنا الادبى والفكرى فى تونس ، ليلمس هذا العزم على التمسك باصالتنا ومعانقة العصر والامتزاج به وذلك فى كل فنون الادب وفى مختلف الاتجاهات قديمها وحديثها رائدنا هو الابقاء على شرف الكلمة وسموها والحرص على الرفع من شأن أمتنا فى معركتها المظفرة من أجل ان نكون نحن : طرافة وخلقا وقوة ومناعة .

لهذا فان الاقانيم الثلاثة التى ظهرت لنا فى أول هذا العمل متنافرة شيئا ما محفوفة بالمخاطر من حيث تلاؤمها وتجانسها أصبحت لا تحتاج الى أى تخوف

ما دام التعبير الفني أصيلا والاديب شاعرا بمسؤوليته ازاء أمته فى معركة المصير وانه ليس أفضل من أن أختم هذه الكلمة بمثل ما بدأتها بأبيات لعروة ابن الورد لا تمثل الاصالة العربية فقط بل تترجم عن كنه ما نخوض فيه في الواقع وهي رسالة الفنان فى أمته اذ قال :

" وسائلة اين الرحيل ؟ وسائل          ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه

مذاهبه أن الفجاج عريضة               اذا ضن عنه بالفعال أقاربه

فلا اترك الاخوان ما عشت للردى      كما أنه لا يترك الماء شاربه

اشترك في نشرتنا البريدية