كانت القصة منذ قرون عديدة هي العامل المهم الذي يجنح اليه ادباء الغرب لبث مبادئهم بين افراد الامة على اختلاف طبقاتها ولاسيما الرواية المسرحية والأدب الروماني القديم حافل بمسرحياته الرائعة
ونستطيع ارجاع سبب انتشار الرواية المسرحية بالنسبة للقصة العادية الى الى سببين رئيسيين .
أولهما : قلة القراء حيث كان التعليم محدودا ووقفا على طبقة مخصوصة من الاغنياء والأرستقراطيين . . والمسرحية لا تحتاج الى قراء بقدر ما تحتاج الى مشاهدين حيث كانت تعرض على آلاف النظارة من مختلفي الطبقات والبيئات وحتى اذا احتاجت الى قراء فانه يكفى التعليم الأولى البسيط لفهم مراميها واستجلاء اغراضها .
والسبب الثاني هو ان المسرحية اشد تأثيرا فى القلوب واعظم تفوقا في امتلاك النفوس ذلك لتصويرها للحادثة او الفكرة تصويرا دقيقا واضحا لا يحتاج الى عناء في الفهم ودقة فى الملاحظة ؟ اذ تبرز المعاني مجسمة فى اشخاصها الذين تنطقهم بالسنتهم نطقهم العادي الخالي من التكلف والغموض ، لانه ربما يعسر على الانسان العادى فهم عبارة من كتاب او جملة من صحيفة ولكنه لا يصعب عليه فهم اكبر عالم إذا ما خاطبه فى مسألة ما بلغته التخاطبية . ولهذا تجد المسرحيات لا تحتوى على النظريات الغامضة والاستعارات المتكلفة والتشبيهات الكثيرة وانما تمثل في محاوراتها محادثات عادية لا تختلف فى شىء عما يدور بيننا كل يوم من المحادثات
وبذلك جاء تصويرها اوضح وادق ، وتأثيرها اقوى واشد في نفوس النظارة وحتى فى البسطاء من القارئين .
كانت اغلب الروايات التمثيلية فى بادى الأمر من نوع الماسى tragidie وتمثل غالبا حادثة تاريخية حزينة يراد منها عرض فصل من معارض البطولة التاريخية يذكر الامة بمجدها السالف الخالد ، او فكرة خيالية كلها الم واسى ، يقصد منها " عظة الناس او توجيههم توجيها خاصا كما يعرض امامهم من صور التضحية والبؤس ولما كانت هذه المآسي تدمي القلوب وتسيل الدموع لما تعرضه من انواع الحزن والآلم ، ولما تصوره من الوان البؤس والشقاء ، اعتاد بعض الممثلين الترفيه على النظارة بعرض ادوار هزلية بسيطة عقب المأساة لا تحمل اية فكرة ولا مقصد ولا يراد منها أي غرض سوى اضحاك الجمهور والتخفيف عنهم من اثر المأساة المؤلمة وسموا هذا النوع ملهاه " comdie
ولما أصبح رواد مسارح الملاهى ومتفرجوها وقراؤها يتكاثرون بين اليوم والآخر ، رغم ماهتها وسخافتها ، وأخذ اقبال الناس على هذا اللون من الأدب يتزايد بين الفترة والفترة تنبه بعض الأدباء لهذا الاقبال العظيم وتناولوا المهاة بالاصلاح والتهذيب ، فدسوا بن طياتها مواعظ وارشادات متنوعة وتناولوا عن طريقها امراضا عديدة خلقية واجتماعية بالنقد والسخرية حيث وجدوا فيها احسن سلاح لمحاربة الرذائل وذلك لتصويرها للرذيلة صورة مجسمة فى اشخاصها الذين تقدمهم ) لجمهرة النظارة او القارئين ( بإعمالهم المزرية فيضحكون ويسخرون منهم ، ولا يخفى ما فى ذلك من الأثر الشديد فى النفوس ، وفي نفوس العامة على الاخص . ومن الذى لا يتجنب بعد ذلك ، تلك الخصال المذمومة التى مثلت والتي اصبحت حديث العامة والخاصة ، حيث تتجه اليه الانظار وتتناول الالسنة بعد هذا التأثير الشديد الذي تركته تلك الملهاه فى النفوس . وقد كتب الروائى الفرنسي موليير moliere عدة مسرحيات
من هذا النوع اخرج بها الملهاة الفرنسية من طور إلى طور نذكر منها Lavare التى صور فيها البخل اقبح صورة حيث جمع نقائصه كلها فى شخص واحد قدمه لقرائه ؟ ورواد مسرحه يضحكون منه ويهزؤن به . . واستطيع ان أوكد لك أنه لا يطلع احد على هذه الرواية الا وكره البخل والبخلاء حتى ولو كان هو بخيلا عريقا فى البخل .
هكذا تقدمت الرواية المسرحية وتطورت ، والملهاة بصورة خاصة حتى تناولت اغراضا كثيرة ومقاصد مختلفة بالنقد والتهذيب ، وسارت معها القصة جنبا لجنب تعاضدها وتؤازرها فى عملها المفيد ، وانما كانت المسرحية اشد تأثيرا واكثر ذيوعا من القصة لان هذه الأخيرة كانت تقتصر على طبقة القراء فقط بينما كانت الاولى تشمل القراء وغيرهم من المشاهدين ولكن قامت القصة على كل حال بخدمتها للمجتمع ، وادت مهمتها النافعة للادب حيث كانت سمير العلاقات فى البيوت وتسلية الطلبة فى الجامعات والمدارس ، وكان اثرها فى نفوس قرائها لا يقل اهمية من تأثير المسرحية فى نفوس روادها .
هذا هو ادب القصة ، وهذا هو عمله الجليل ، فما هو عمل ادب المقالة يا تري وما هو تأثير المقالة التى تكتب لطبقة محدودة من القراء والتي تقتصر على النزر البسيط من المثقفين ؟ .
يبتدئ القارئ فى قراءة القصة ويبقى اسيرها لا يستطيع التخلص منها ما لم يفرغ من قراءتها.... ويأخذ فى قراءة المقالة مهما كانت سلسة ممتعة وهو يحمل نفسه قهرا على اتمامها ، وقد يمر وقت على الأنسان خلع ضرس اهون عنده من اتمام قراءة مقال .
ومهما يكن من أمر فان أدب القصة أهم من أدب المقالة ، واكثر قراء ، واعظم نفعا ، واشد تأثيرا وأصدق تصويرا منه . وليس هذا خاصا بالمقالة النثرية فحسب ، بل كذلك المسرحية المنظومة
بالنسبة للقصيدة أو المقطوعة الشعرية ، ويا حبذا لو ينتقل شعراؤنا من القصيدة والمقطوعة الى الرواية الشعرية ويخرجون لنا مسرحيات رائعة تتناول شتى الاغراض والمقاصد الجليلة
اننا نستطيع أن نعالج أمراضنا الخلقية والاجتماعية بالقصة ، ونستطيع أن نوجد عددا وافرا من القراء للقصة التى من السهل أن تكون فى متناول كل الأيدي ويستفيد منها حتى البسطاء من القراء مع روعة فنها وحيويتها ، ولكن من الضغط أن نعتقد ان عامة القراء تستفيد من مقالتنا ، وتهتم بقراءتها بل اراهن ان خمسين فى المائة من المثقفين لا يقرأون من هذه المقالات والقصائد سوي العنوان والاسطر الأولى والتوقيع فقط .
أخذت القصة عندنا ) منذ أربع سنوات ( تتقدم بخطوات محمودة ، وتطورت تطورا ملموسا ، وكانت قبل ذلك بذرة مهجورة لا يلتفت اليها أحد ، اللهم الا محاولات بسيطة لم يعيروها أدنى اعتناء ، ثم صدرت مجلة ( المنهل ) وكان من حسناتها العديدة وخدماتها الجليلة التى اسدتها لأدبنا الفني ، دعوتها الى أدب القصة واعتناؤها بتقدمه ومعالجته بشتى الوسائل . وفعلا احرزت مجلتنا فى دعوتها بعض النجاح ، فسرعان ما نبتت تلك البذرة المهجورة وأخذت تنمو نموا محسوحا حيث أقبل عدد لا يستهان به من الأدباء على كتابة القصة واعتكفوا على تغذيتها وترقيتها حتى صارت المنهل تنشر في كل عدد من أعدادها قصة أو قصتين في مختلف المبادئ ما بين مسرحيات وغيرها وتفاءلنا خيرا بهذا التقدم المحسوس واستبشرنا بهذا الاقبال الملموس وظننا أن سفينة القصة سارت في مجراها وانها لا شك ، بالغة غايتها عن قريب . وفعلا تطورت قصتنا تطورا جيدا وتقدمت تقدما سارا ، وقد سرنا ما سمعناه من الكثيرين من اخوانا الأدباء الأجانب من الثناء الجميل على أدبنا القصصي ، واعجابهم بتقدمه
وتطوره السريعين ، وانا لا نشك في ان ثناءهم واعجابهم هذين من قبل التشجيع ، ولكن يكفى ان قصتنا استطاعت فى سنوات قليلة ان تلفت الانظار اليها وان تجعل نفسها محل المناقشة والحديث
يسرنا هذا كله ، ولكن يوسفنا اسفا شديدا ان نرى أدبنا القصص يحتضر وهو لا يزال فى مرحلته الأولى . ويؤلمنا حقا أن نرى ( منهل القصص ) ينسحب من مجلة ( المنهل ) مسرحه الاول ولا يظهر الا نادرا ، وان نرى القصة تختفي من بقية الصحف الأخرى فلا ترى لها أى اثر !
لا نعذر على ترك القصة وهجرها حتى لو اخفقنا اخفاقا كليا فى محاولتها ، لأنها هي الأدب الحي ، وهي الأدب المفيد ، وهي أدب اليوم ، فيجب علينا أن نحاول ونكافح حتى نأخذ نصيبنا منه . ولكن ما بالك وقد ساعدتنا الأقدار على التقدم فيها واستطعنا أن ننتج انتاجا لا بأس به ، ولا سيما وقد خرجنا بقصتنا من مكانها الضيق المحدود الى عالم أوسع ارجاء وأعظم حيوية واكثر ثمارا
فالى القصة أيها الأدباء إذا اردتم أن ينهض ادبكم ويتبوأ مكانته بين أداب الاقطار الأخرى ! والى القصة إذا اردتم أن توجدوا روحا فى ادبكم ، بل الى القصة اذا اردتم أدبا حيا ، والى القصة اذا اردتم معالجة أمراضكم الخلقية وغيرها عن طريق الصحافة والكتابة ، والى القصة إذا اردتم انتشار الصحافة او كثرة القراء .
هذا نداء نوجهه الى الأدباء عامة ، والى الذين اشتغلوا بكتابة القصة خاصة راجين أن يلبوا دعوتنا للصالح الأدبي بل للصالح العام ، وكذلك نرجو صحافتنا أن تفتح صدرها الرحب لنشر القصة ومعالجتها ولا سيما اتخاذ الوسائل المشجعة على السير المتواصل والانتاج الصادق المفيد حتى تتقدم قصتنا ويتقدم بسببها أدبنا ويتبوأ مكانته اللائقة ؟
المدينة المنورة

