حول كتاب : على هامش السيرة الهلالية " لمحمد المرزوقي :
بكاد المرء يعتقد - وهو يطلع على مؤلفات المغفور له محمد المرزوقي - انه قد خصص حياته كاملة لجمع نصوص روايات السيرة الهلالية بالبلاد التونسية ، وان الدراسات التى كتبها حول بعض مظاهر التراث الشعبى المادى وغير المادى انما جاءت عرضا كحيثيات ساقتها ميادين البحث له لاستجلاء خفايا مصطلح أو ظاهرة ساقها الراوى الشعب فى معرض روايته
ويكاد يذهب الظن بالمرء المهتم بمؤلفات محمد المرزوقى الى انه قد نشر كل ما حصل عليه من روايات هلالية ودراسات خصص بها هذه السيرة الشعبية العربية . ولكن الواقع يبدو عكس ذلك . فقد نشر المرزوقى كل ما درسه من مظاهر التراث الشعب ووافته المنية قبل أن يقبل على نشر ما جمعه فى كتاب من مقالات ونصوص حول السيرة الهلالية
ولقد تكرم ابن المغفور له السيد رياض المرزوقي ووضع بين أيدينا هذا الكتاب حتى نستفيد منه ونفيد عنه قبل أن يحظى بالنشر ويصبح فى متناول الجميع .
على هامش السيرة الهلالية
يقول المرحوم محمد المرزوقي حول هذا الكتاب قبيل وفاته بمدة : ( ان هذا الكتاب ) " فصول كتبتها فى أوقات مختلفة أثناء سنة كاملة كان أوحاها إلى الملتقي الذي انعقد بالمركز الدولى للحمامات أواخر جوان 1980 وكنت أنوى الاقتصار على نشرها فى المجلات وصدر بعضها فعلا فى " الحياة الثقافية " ولكن عندما تجمع لى رصيد منها فكرت فى نشرها مستقلة فى كتاب خاص
مضيفا اليها نصوصا من روايات تونسية مختلفة لسيرة بني هلال زاعما ان فى نشرها فائدة للقراء والباحثين حول السيرة الهلالية ، أو الاسطورة الطبيعية عامة أو الادب الشعبى بصورة أعم ، ولعلى أكون موفقا في ذلك " انتهى .
كان تحرير هذا التقديم يوم غرة جوان سنة 1981 . أى بعد سنة من ندوة الحمامات الاولى حول سيرة بني هلال . وبعد التحرى بدا أن محمد المرزوقي لم يودع هذا الكتيب لدى أى ناشر تونسى رغم عزمه على ذلك .
وقبل وصف هذا الكتاب الذي يقع فى 87 صفحة مرقونة - تحسن الاشارة الى حالتين عبر عنهما المرزوقى فى هذا " التقديم " أما الاولى فتتمثل فى أن المرزوقى شاء بهذه المقالات - التى هى من وحي دراسات قدمها باحثون مختصون فى ندوة الحمامات - خواطر - وكأنها سريعة ومباشرة - حول تلك الدراسات ليناقش فيها بعض الجوانب التى تتفق وآراءه أو تخالفها . غير أن الباحث فى هذا الكتاب لن يعثر سوى على اشارتين اثنتين لباحثين شاركا فى الندوة المذكورة وهما هانرى نورس وانيتا بيكر ؛ بينما شارك في الندوة عشرون باحثا من أقطار عربية وغير عربية . وجاءت المقالات الاربع الاولى من كتيب المغفور له محمد المرزوقى حافلة بالمعطيات المقدمة فى دراسة هؤلاء الباحثين ولكنه لم يشر اليها فى مواقعها كما لم يشر الى اصحابها . ولعل المغفور له لم يزعم مناقشة تلك البحوث مناقشة علمية بقدر ما شاء أن يطرح . آراء حول القضايا المطروحة فيها . ولو سلك المرزوقي غير المسلك الاخير لكانت مقالاته الواردة فى هذا الكتيب والتي نشرت منها اثنتان في محلة " الحياة الثقافية " أكثر دقة وعلمية ، لكنها أتت بمثابة الملاحظات العابرة التى تفيد فى ايقاظ حس القارىء بما فى السيرة الهلالية من جوانب فنية ومعرفية من جهة وابداعية " شعبية " من جهة اخرى ، وتتركه رغم ذلك متعطشا الى معرفة المواضيع التى تعرض لها الباحثون المشاركون في ندوة الحمامات والي المناهج التى اعتمدوها فى دراسة الجوانب المذكورة في سيرة بني هلال .
وتؤدى بنا هذه الملاحظة الى الاشارة إلى أن منهج المرحوم محمد المرزوقي في هذ الكتاب لم يتجاوز الوصف الشامل والفوقي - ان صح التعبير - لنصوص السيرة الهلالية ، اذ يبدو انه لم يكن يسعى الى استقراء نصوص السيرة الهلالية بقدر ما كان يرغب فى الالمام بها جملة والتعريف بها كجزء هام من التراث الشعبى التونسي
وأما الحالة الثانية والتي تنبنى الى حد ما على الملاحظة السابقة فتتمثل فى تردد محمد المرزوقى فى تصنيف هذه السيرة الشعبية . فهل هى " سيرة شعبية " بمعنى " الملحمة " أم هي أسطورة طبيعية ؟ وهذا التردد بين الاصطلاحين والذى يتجلى أكثر فأكثر فى المقالين الاولين من الكتاب كان له الاثر البالغ في منحى دراسات محمد المرزوقى للسيرة الهلالية : فان كانت السيرة فى حسب التعريف المعترف به فى أوساط الاختصاص " المتن ) Corpus فيه الشعوب حياتها وتصوراتها بينما " الاسطورة الطبيعية " هي النص الذي يتجلى فيه تعامل الشعوب مع الظواهر الخارقة فان دراسة السيرة الهلالية لا يمكنها ان توضع فى محور البحث عما هو " حقيقي " وما هو " غير حقيقي " ( أى غير مقبول ) بل يلزم أن توضع فى محور البحث عما يرغب الناقل لها التعبير عنه حول ماضيه وحاضره بمثابتهم " واقعا " ومنه يبتعد اعتبار " المتن " فى حالاتها الموثقة فى الزمن أو حالات المتطورة والمتغيرة (فى الزمان والمكان ) ضربا من " الخيال المبتذل " ليصبح حالة تعبرية عن ذهنية شعبية ينبغي استجلاؤها لادراك مكوناتها . ولذا لا يستغرب - وقد ذهب المرزوقى الى اعتبار سيرة بنى هلال " أسطورة طبيعية ان يعمد في بحوثه الى تحديد ما هو " حقيقي بمعنى " مثبت تاريخيا " وما هو " الخيال " بمعنى " باطل تاريخيا " وينتج عنه أن تصبح دراسة السيرة الشعبية - وهو منهج اعتمد فى بدايات دراسة الادب الشعبى عامة - دراسة نقيمية لمعطيات لها علاقة بالتاريخ الرسمى ) ومعطيات تخرج عن التحديد التاريخي ( بهدف اثبات ظاهرة خارجة عن النص . ومنه تصبح الجوانب الفنية والابداعية حيث مهمشية لا تقصد - على المستوى التعبيري - لذاتها
والتذبذب في الاصطلاح الوارد أعلاه حدد وجهة نظر المغفور له محمد المرزوقي فى تناول الادب الشعبى بصفة عامة ونصوص السيرة الهلالية على وجه الخصوص . ويلاحظ أن المرزوقي في أكثر من موضع من هذا الكتيب لم يعمد تحديد اصطلاح لجأ إلى استعماله ، والواقع أن المصطلحات الفنية السائرة فى دراسات الادب الشعبى كانت مقالات المرزوقى فى هذا الكتيب تخلو منها وعلى سبل المثال : فانت لا تعثر قط على مصطلح " النقل " أو " التواتر " فى أى موضع تناول فيه المرزوقى " انتقال روايات السيرة الهلالية " فى الزمان والمكان وقد تتساءل حول افتقار هذه المقالات الى الضبط الاصطلاحى؟ ويبدو أن المرزوقي قد شاء التبسيط أكثر مما سعى الى التعمق فكاد كتيبه يخلو من أى مرجع مختص في الدراسات الشعبية . واذا استثنينا اشاراته الى
كتابيه التوثيقيين : " الجازية الهلالية " و " البدو فى حلهم وترحالهم " فان قائمة مراجعة المثبتة فى الهوامش فحسب لا تعدو المراجع التاريخية القليلة هى :
- 1 - الجزء السادس من تاريخ ابن خلدون ) ط . دار الكتاب اللبنانى سنة 1959 ( .
- 2 - معجم الانساب والاسرات الحاكمة فى التاريخ الاسلامى - لزمباور
- 3 - رحلة التجاني - ط . 2 .
أما الكتاب " على هامش السيرة الهلالية " الذي سنلخص أهم ما ورد فيه فيما يلى ونعلق فى عجالة على ما نرى وجوب التعليق عليه فيشتمل على قسمين :
1 ) قسم الدراسات ، 2 ) قسم النصوص
وأما قسم الدراسات فيشتمل على ست مقالات وردت بعد البسملة والتقديم ( ص.1)حسب الترتيب التالي في النص المرقون الذي بين ايدينا .
من وحي ملتقي الحمامات " . ص . 2 الى ص . 9 ) وقد نشر بالحياة " - I الثقافية عدد 1980/11 ( .
2 - " اختلاف بين رواة السيرة " . ص . 12 الى ص . 15 ( هكذا حسب الترقيم الاصلى للمؤلف)
3 - " ظاهرة الغيبيات فى السيرة الهلالية " . ص . 16 الى ص . 22 .
4 - " شخصيات السيرة " . ص . 23 الى ص . 38 .
5 - " أبو مخيبر " . ص . 39 الى ص . 44 .
6 - " منازل الهلاليين فى الشمال الافريقي " . ص . 45 الى ص . 53 ( وقد نشر هذا المقال فى الحياة الثقافية عدد 1980/10 وقد تقدم به: المرزوقي للمشاركة فى ندوة الحمامات المذكورة )
وتبدو هذه المقالات الست رغم اختلاف مواضيعها المطروقة مشكلة لوحدة موضوعية نظرا لانها لا تخرج عن حدود التعامل مع بعض جوانب السيرة الهلالية دون غيرها من رصيد الادب الشعبى العربى
واما قسم النصوص فيشتمل على النصوص التالية والتي نبوبها الى بابين باب النصوص المنقولة على لسان رواتها وباب النصوص التى صاغها احد النظامين للشعر أو المرزوقى ) كما فعل فى كتابه الجازية الهلالية انطلاقا من رواية شعبية واحدة أو عدة روايات للسيرالية ، ولقد قدم لها المرزوق لتعليل وجودها ضمن هذا الكتيب كالآتي (ص . 53 ):
" لكي يطلع القارىء على صدق ما ذكرناه سابقا من أن الاسطورة الطبيعية تتطور وتختلف باختلاف المكان والزمان فهى تردد على ألسنة الرواة متأثرة بأمكنتهم وأزمنتهم ، أى أن الاسطورة تتأقلم بالمكان الذي تحل به وعلى لسان الراوى الذي يرويها مضيفا عليها من الخيال الذى يستوحيه من بيئته ( و) لكى يطلع القارئ على مدى هذه الاختلافات فى الاحداث وفى أمكنتها وفى أشخاصها وحتى فى لهجة الرواية اللغوية آثرت أن أضيف إلى البحوث المتقدمة نصوصا من الروايات التونسية للسيرة لشعراء وقصاصين من القرنين الماضى والحي . والله الموفق والمستعان " ويبدو المرزوقى من هذا التقديم مواصلا للرأى الذى أبديناه أعلاه من أن غرضه الاساسى هو ابراز الواقع من الخيال فى السيرة الشعبية أو " الاسطورة الطبيعية " على حد قوله . وأما النصوص المنقولة مباشرة فهى ضمن هذا الكتيب كالآتي
1 - " معركة شوشة رادس " ص . 54 و 55 وهي مقطوعة فى 27 بيتا من ملحمة بني هلال (صفاقس ) رواية احمد ملاك وتروي مغادرة الزازية الشريف بن هاشم ولقاء هذا الاخير مع ذياب فى معركة شوشة رادس
2 - " الحرب بين الهلالية وزناته " ص . 56 إلى 59 وهو جزء من رواية سليمان بن عمار الشتوى (من المرازيق ) يركز على مقتل أبناء الهلالية من طرف العلام واندلاع الحرب بين بني هلال والزناتة فى افريقيا وهذا الجزء عبارة عن تناوب بين الشعر والنثر كما هو فى أغلب روايات السيرة الهلالية
3 - " رجوع ذياب من الابل " ص60 الى 62 وهو مقطوعة نثرية تتخللها 12 بيتا من الشعر من رواية صالح بن عمر المحفوظي ( من القيروان ) وتروي استغاثة الجازية بذياب الهلالى للاخذ بثأر عامر الخفاجي الذي قتلته زناتة ويجعل الراوى أحداث هذه المقطوعة تدور بحاجب العيون قرب القيروان
.4- " تداخل ( هكذا ) سعدى لفائدة بوزيد ورفاقه " ص . 63 الى 65 وهي مقطوعة تكاد تكون نثرية فى جلها من رواية عبد السلام المهذبي ( من المزونة ، ولاية سيدى بوزيد )وتزوى الحوار الذي تم بين الجازية وسعدى حول
بوزيد " وأبناء شيخة ، ثم تدخل سعدى لدى أبيها الزناتى خليفة لتطلق سراح أبى زيد حتى يأتى بالفدية لتحرير مرعى ويحيى ويونس . والمقطوعة هذه من رواية طويلة نشرتها الباحثة انيتا بيكر فى أطروحتها حول روايات هلالية من الجنوب التونسي . نقلها المرزوقى عنها كما هى وأشار لذلك فى الهامش
5 - " بين الشريف والجازية " ص . 66 الى 69 وهي مقطوعة شعرية ( 61 بيتا )من رواية عثمان قريفة من دوز لخصها المرزوقي في صفحة تقديمية مؤكدا على انه لم يتوصل الى معرفة الراوى الاصلى لهذه الملحمة الشعرية وهي تشبه الى حد ما المقطوعة التى أوردها ابن خلدون فى المقدمة حول المفارقة التى تقيمها الزازية بين الوسط البدوى والوسط الحضرى - وهذه المقطوعة الشعرية تكاد تكون - كلمة كلمة - الرواية الشعرية التى جمعها بوريس وفريد غازى من منطقة المرازيق والتى أثبتها مع ترجمة فرنسية بالاشتراك مع ميشلين غالي في كتابنا " روايات تونسية لسيرة بني هلال " .
6- " بين الهلاليين والعلام وخليفة الزناتى " .ص.70ألى 80 ويقول عنها محمد المرزوقى : " هذه قطعة من سيرة بني هلال نقلتها من نسخة المرحوم بوبكر بن عبد الرحمان الحمروني وبخطه . سلمها لى أخوه القاضى المرحوم عبد اللطيف الحمروني والقطعة تحكى وصول الهلاليين من الشرق واصطدامهم بالعلام وخليفة الزناتى ) وهى بالتالى تكمل المقطوعة الرابعة المثبتة أعلاه بعنوان : تداخل سعدى لفائدة بوزيد ورفاقه ( " ويواصل المرزوقي " وأتكهن أن المرحوم بوبكر الحمروني نقلها عن المرحوم محمد التائب الذي كان من أكبر حفاظ السيرة الهلالية فى الجنوب وهو من أبناء مارث ( ولاية قابس) وسيرى القارىء أن الربط بين أجزاء السيرة المنظومة قدوقع بلغة عربية فصيحه ولا أشك أنها من تحرير المرحوم بوبكر بن عبد الرحمان " . وتضم المقطوعة ما يزيد عن 120 بيتا من الشعر أغلبها فى شكل حوار بين ذياب وسعد البيت . وقد عمد فيها المرزوقى كما فعل مع بقية المقطوعات الاخرى الى تفسير بعض الكلمات التى رأى فائدة فى تفسيرها .
النصوص المنظومة :
7 - " بوزيد ينجد الامير اليتيم " ص . 81 الى 84 وهي مقطوعة فى 62 بيتا من نظم رواية محمد الحسيني وتقص عثور بوززيد اثناء الريادة على الامير اليتم الذي اغتصب ملكه مماوك أبيه ويبدو من المقطوعة أن المملوك هو " سعد
الوصيف " الذي يعرف بانه " خادم " ذياب الهلالى وبالتالى يكون الامير اليتيم هو ابن ذياب بن غانم الهلالى . ولا نذكر بين الروايات الهلالية المعروفة - شرقا ومغربا - حادثة من هذا القبيل ولعلها رواية مختلفة لا علاقة لها بالسيرة الهلالية . ووضعها المرزوقي هنا لوجود اسمى أبى زيد الهلالى وسعد الوصيف والقارئ للمقطوعة يدرك أن ناظم المقطوعة محمد الحسيني قد انطلق من " وضع العبد الوصيف " كما فى سيرة بني هلال للتعبير عن الصراع من أجل اغتصاب الملك وهى ظاهرة تناولتها سيرة بني هلال فى أكثر من موضع ومن هذه الزاوية تبدو أهمية هذه المقطوعة فى نظرنا ، اذ أنها اعتمدت نص السيرة الهلالية لمنطلق " ملهم لكتابة ابداعية وينصب النص الاخير الذي وضعه المرزوقى تحت عنوان
8 - " الطائر المقفص " ص . 85 و 86 وهو بمثابة موقف للمؤلف من الجازية ( وهذا المقطع قد وقع نشره فى كتاب المرزوقى " الجازية الهلالية ) من ص . 54 الى 48 )وهو عبارة عن حوار كتاب المرزوقى نفسه على لسان الشريف بن هاشم والجازية الهلالية وهى كتابة ابداعية بلغة العامة وهى بمثابة رواية محمد المرزوقى نفسه
ومنه لا نرى مبررا لوضع النصين الاخيرين ضمن هذه النصوص التى أراد بها المرزوقي وثائق تؤيد ما ذهب اليه من أطروحات فى المقالات التى أخذت نصف الكتب وقد يكون من الافضل - فى صورة نشر هذا الكتيب - اخراجها منه
ومهما كان الامر فمجموع النصوص المثبتة مفيد فى حد ذاته لانه يقوم مقام التوثيق لبعض أجزاء السيرة الهلالية التونسية فى عدة مواقع من البلاد التونسية ولو أن هذه المواقع جاءت أغلبها فى الجنوب . وهي - ما عدا ألقيروان - صففاقس - فابس - المزونة - دوز - المرازيق . والملاحظ أن العناوين المذكورة لهذه المقطوعات المروية هى من وضع محمد المرزوقى وكانت الفائدة نعم لو سعى المؤلف الى مقارنة الروايات المثبتة بغيرها من الروايات السائرة أو المنشورة مثل الروابات المنشورة فى الطبعات الشعبية أو الرواية التى نشرها المرحوم عبد الرحمان فييفة . غير أن توثيق هذه الروايات بقي منقوصا اذ لا يقدم المرزوقي الا النزر القليل حول رواتها والظروف التى حفت برواياتهم .
الدراسات :
وكما أشرت اليه أعلاه فان المقالات التى يضمها هذا الكتاب تبدو وكأنها مشكلة لوحدة موضوعية وذلك بناء على انها تطرق بعض جوانب روايات السيرة الهلالية وفيما يلى تلخيص موجز وبعض التعليقات الموجزة عليها وذلك لفائدة قد يجدها الباحث والقارئ قبل أن يصبح الكتاب بين يديه
أ - " من وحى ملتقى الحمامات " . ويتناول محمد المرزوقي في هذه المقالة المحاور التسعة التى دارت حولها " الندوة العالمية الاولى حول سيرة بني هلال ( الحمامات 1980 ( وهذه المحاور هي :
1 ( مركز انطلاق السيرة الهلالية . 2 ) انتشارها . 3 ) لقاء بني هلال بالتوارق . 4 ( ذياب والابل . 5 ( غيلان . 6 ( ماطوس . 7 ) الاسطورة والتاريخ 8 ) مستقبل السيرة الهلالية . 9 ) لماذا نعتنى بالسيرة الهلالية ؟
1 ) ويرى المرزوقى أن الاصول الاولى للسيرة الهلالية قد بدأت بالظهور فى أواخر القرن الخامس للهجرة ولا يقدم أى دليل على هذا الافتراض وشأنه فى هذا كتحديد لمركز انطلاق السيرة على انه صعيد مصر وليس المغرب العربي وبصفة خاصة افريقية (من القيروان الى فاس ) بالرغم من أن أغلب المواقع المذكورة فى " تغريبة بنى هلال(وهى جزء من ثلاثة أجزاء السيرة الهلالية) والاحداث كذلك واقعة فى بلاد المغرب العربى . ولم يشر المرزوقى فى هذا الصدد الى أن المواقع والاحداث التى ترويها بقية أجزاء السيرة الهلالية (السيرة والريادة )تنسب أغلبها الى بلاد المشرق العربى من الجزيرة إلى بلاد الشام الى مصر وبرقة وفي نفس الاتجاه يرفض المرزوقى الرأى القائل (دون اثبات لصاحب الرأى : بأن الهلاليين هم الذين نشروا أخبار بطولاتهم ( انظر الصفحة 2 من الكتيب ) ولكن اخوانهم الذين استوطنوا صعيد مصر هم الذين حملوا هذه السيرة وتناقلوها وقد استغل الحكم الفاطمي في القاهرة لاشاعتها عن طريق القصاصين وذلك بهدف الانتقام من حكام افريقية للنيل من سمعتهم " . ويقول المرزوقى ( ص . 2 ) : " واستخدام القصاصين فى سياسة الدولة معروف لدى الفاطمين الذين كانوا لا يتورعون عن بث القصاصين فى أسواق المدن والارياف يقصون على العامة الاساطير العجيبة تلهية لهم عن التفكير فى شؤون الدولة والحكم وهي طريقة استخدمها قبلها المروانيون من بني أمية بتشجيعهم الشعراء على هجاء خصومهم وقبائلها فشغلوا المجالس والنوادى العربية بهذه الثرهات ( هكذا )
وللاسف لم يقدم المرزوقي أى اثبات على قوله هذا خاصة وأن ظاهرة " استعمال الشعراء والقصاصين الشعبيين لاغراض الدعاية السياسية ظاهرة هامة وتناولها بالدراسة والتحليل يمكن من تسليط الاضواء على بعض النواحي من نصوص السير العربية والقصص الشعبى التى يبقى فهمها مغلقا ولو حاول المرزوقي تفحص هذه الظاهرة بالعناية الكافية لكان اعتباره لجهل أهل المشرق بالمغرب - الذي يبدو فى الخلط المعاين فى الروايات المشرقية حول اسناد الوظائف السياسية لغير أصحابها والخلط فى المواقع والاحداث - قائما على حجة معقولة . إذ الدعاية السياسية لا تتطلب المعرفة الدقيقة بالاشياء بقدر ما تعمل على تشويه الحقائق والامور الخاصة بالشخص أو النظام المقصود ولو درس المرزوقي هذه الظاهرة لأتخذت بعض أجزاء نصوص السيرة الهلالي مستوى تعبيريا متميزا ومفيدا فى فهم مجرى التاريخ ، ولكن هذا يحتاج الى المزيد من الاثباتات والتمعن
2 ) ثم ينتقل المرزوقي الى الحديث عن انتشار السيرة الهلالية من حيث بناء النص ومن حيث انتشارها فى الزمان والمكان . ويرى المرزوقي أن السيرة هى الملحمة الطبيعية ( راجع أعلاه حول خلطه فى تحديد المصطلحات ) لانها : " رواية حادث فى طفولة أمة أو شعب ثم تصبح هزجها ، نظرا لان الملحمة تتوسع كلما ازداد توسع الامة (الجماعة ) المنتجة لها . وتعريف المرزوقي هذا يقوم - كما يبدو - على اعتبار أن السير تنشأ مع الشعوب فى بدء تكوينها وتتطور مع هذه الشعوب على مدار الزمن بالاضافات التى يدخلها ناقلو السير من طفولتها الى نضجها . بيد أن المتعارف عليه هو أن السيرة أو الملاحم تمثل حالة تعبيرية للنضح الذى تتوصل اليه الشعوب ، فتكون بمثابة المرأة العاكسة للتصور الشعبى لماضيه وحاضره وهو تصور قائم على تعدد وجهات النظر عبر الزمان أى خلال عدة قرون ، ولعل توجه المرزوقي في هذا الحكم يقوم على اعتقاده كعدد من الباحثين فى مجال التراث الشعبى بأن السيرة هى " نص أوحد " وجد في فترة زمنية معينة وادخلت الرواة عليه اضافاتها على مدار الزمن . غير أن هذا الافتراض قد ابطلته النظريات الحديثة فى مجال دراسة الملاحم . لان النص الاوحد لا يعدو " الحالة الاستنتاجية فى البحث والواقع أن السيرة هى عدد غير محدد " الروايات المتفاوتة يتفق بعضها مع البعض ويختلف بعضها عن البعض حسب الرواة والزمان والمكان ولا يوجد بينها سوى قاسم مشترك يتمثل في البناء التحتي الموضوعي للسيرة ( راجع عبد الرحمان
أيوب : سيرة بني هلال مادتها ودور الذاكرة الشعبية فيها وكذلك كتاب باري لورد لورد The Singer of tales ويول زبتور Poesie Orale
وانطلاقا من تصوره بأن أصول السيرة الهلالية هي من الصعيد المصرى فان محمد المرزوقي يحدد مسار هذه السيرة حسب الاتجاهات المثبتة فى التخطيط المرسوم ادناه حيث تكون نقطة الانطلاق هي مصر - دون تحديد- (وهل مصر هى القاهرة أم صعيد مصر ؟ ) متجهة شرقا نحو الجزيرة العربية ففارس ثم غربا نحو المحيط الاطلسي فجزيرة الاندلس ثم جنوبا نحو افريقيا السوداء ثم شرقا جنوبا نحو البحر الاحمر وشعوب السودان القاصية ويرى المرزوقي أن السيرة الهلالية قد ازدادت ثراء فى تنقلها وتطبعت بطابع البيئة الناقلة لها بل واحتضئت بعض الشعوب بعض أبطالها ( مثل بوزيد الهالي) على انه وليدها ( الروايات التشادية والنيجيرية مثلا ) .
والغريب أن محمد المرزوقي قد ذهب - تحت تأثير القراءة التاريخية لأحداث سيرة بني هلال وهي قراءة خلدونية على أغلب الظن - الى هذا التخطيط فى " مسالك " الهلالبين فأسقط مسلكا هاما جدا وهو المسلك الشمالى . أى توجه الهلاليين من نجد الجزيرة العربية الى بلاد الشام كما يثبت ذلك الجزء الاول منها والذي يطلق عليه بالسيرة . ودون شك أن السبب فى ذلك يتمثل فى أن المرزوقى لم يكن يعتمد اعتمادا كاملا على القراءة النصية للروايات الهلالية بقدر ما كان يلجأ الى اخضاعها للمعطى التاريخي كما يستغرب لجوء محمد المرزوقي الى استعمال حرف التتالى . ثم " لتثبيت المسار الهالي مما يجعل القارئ يعتقد أن الرحلة الهلالية قد تمت حسب الترتيب المذكور والواقع أن النصوص الهلالية تقدم مسالك متشعبة ومتداخلة تحدث أحيانا فى الوقت نفسه كما تحدث أخرى على التوالى ، اذ الروايات كما قلنا وليدة بيئتها ، وتكون البيئة - بعد المنطلق الاول وهو نجد وليس مصر - المنطلق الاساسي نحو المواقع خارج الحدود .
وهذه السمة لا تختص بها الروايات الهلالية بل هى سمة مشتركة بين جميع السير العربية وغير العربية . ولذا غالبا ما يلجأ الباحثون للحديث عن التصور الجغرافي لنا السير وليس " للمسالك الواقعية فى السير " ، (انظر.عبد الرحمان أيوب . حول مخطوطات السيرة الهلالية ببرلين ) .
3 )وسعيا لتأكيد رأيه حول انتشار السيرة الهلالية فى افريقيا السوداء ساق محمد المرزوقي الرواية التى جمعها هانرى نورس حول والغول ومفادها الاحتكاك الذي وقع بين بني هلال والطوارق أى البربر وذلك اثر قتل ذياب للغول الذى كان يأتي يوميا على فتاة طارقية . ومما لا شك فيه أن الطوارق هم من شعوب الصحراء ، بل هم الشعوب الفاصلة والواصلة في الوقت نفسه بين جزئى افريقيا اللذين تفصلهما بحار الصحارى من جهة وان الطوارق هم من الشعوب البيض وليس السود كما ذهب المرزوقى الى ذلك من جهة اخرى . على أن الرواية التى نقلها نورس هامة فى حد ذاتها لانها تقدم المؤشر الرمزى حول " الدور الذى قام به انتشار الاسلام واللغة العربية فى المناطق الافريقية " . اذ الغول هنا هو رمز " العدو وما العدو الذى قضى عليه ذياب " رمز الاسلام والعربية هنا " سوى " الجهالة و الهمجية .
4)ودون ربط ينتقل المرزوقي للحديث حول تكليف ذياب برعاية الابل عوضا عن غيره من فرسان بني هلال معللا ذلك باعتراف القبيلة له بمقدررته على التغلب على الأعداء في حالة السطو أو الغارة وليس احتقارا لذياب . وكان لا بد أن يشير المرزوقي الى أن الجازية هي التى قررت أن يذهب ذياب الى غدامس ليرعى الابل حتى تمكن أبا زيد الهالي من تنفيذ الخطبة السياسية للدخول الى تونس والقائمة على " الحيلة " و الهدنة ولكنها وبعد ان فشل
أبو زيد فى خطته استغائت الجازية بل القبيلة الهلالية بذياب لتنفيذ أمر الحرب (راجع مقدمة الطاهر قيفة - لهلاليات ).
.5) ثم ينتقل محمد المرزوقي للحديث عن شخصية اسطورية معروفة من الجنوب التونسي باسم غيلان . وهي شخصية عارفة بأمور الحيوانات والكواكب وبإمكانها أن تتكهن بالغيبات ويسوق المرزوقى بعد ذلك رواية عشق " خضرة " لغيلان (وهو من الشخصيات التى اتخذها المسعدى فى رواية السد ) . وقد التجأت خضرة إلى صب الماء الساخن على شجرة اللوز حتى تعجل في عودة معشوقها . وهذه الرواية معروفة فى الروايات الهلالية التونسية والجزائرية والليبية . غير أنها تضعها ، فى اطار الريادة بين الجازية وذياب . وأشار المرزوقى بالاعتماد على دراسة هنرى نورس الى أنها تعرف فى الجزائر والمصدر الصحيح هو الدراسة التى كتبها بالاشتراك مع ميشلين غالى كلود بروتو : ( انظر A.I.D.M. Actes du 1" Congres International ) .
6) ولاثبات دور الانتشار فى تطوير الرواية الشعبية وتغييرها يسوق محمد المرزوقي أسطورة ماطوس (Matius) وهو الاسم الذى تعرف به أيضا قرية تونسية تقع قرب رمادة والمتمثلة في الحيلة التى اعتمدها ملك البلاد لبيع أراضية بأثمان باهظة قبل وقوع سد مأرب (انظر . قصص العرب . ج 80/1 والادب الشعبى التونسى . ص : 27 و 28) وبهذا الصدد ينقل المرزوقي الرواية الهلالية على لسان محمد الحسيني حيث تم استغلال الاسطورة المذكورة مع تعويض شخوصها بشخوص هلالية مثل بوزيد الهالي والعلام (ص . 6) .
7)ومواصلة لابراز تدخل العناصر الاسطورية فى الروايات الهلالية يخصص المرزوقى فقرة موجزة حول الاسطورة والتاريخ . حيث يركز على التداخل الذى يحصل حول ما يسميه بالملاحم الطبيعية التى تقوم على بعض الحقائق التاريخية وبعض الاساطير التى لها صلة بالتاريخ وذات المضمون الاجتماعى . ويرى المرزوقي ان هذا الامر لم يعد يحتاج الى مزيد من التحليل والتعليل نظرا لان اطروحة صالح بن حمادى حول الاساطير التونسية قد أفادت الافادة الكاملة . وانطلاقا من هذا الافتراض يذهب المرزوقي الى القول بأن أغلب الاسماء الواردة في السيرة الهلالية هي من بنات خيال الرواة الشعبيين وان الجذور التاريخية فيها قليلة وكان المرزوقي يسير بهذا نحو القول بأن انتشار السيرة الهلالية فى الزمان والمكان يؤدى بها الى ان تصبح أسطورة بالمعنى الصحيح للكلمة . غير اننا نعلم ان الزمان والمكان من جهة وتطور المجتمعات من جهة اخرى يؤديان الى تخليص الإساطير من جانبها الخيالى
والابقاء فيها على ما هو مقبول عقليا . والمرزوقى نفسه يدلى عكس اقتراحه الاول ( ص . 8 ) حسب ما قالته انيتا بيكر فى اطروحتها : بأن الاحداث الخيالي من الاساطير الملحمية يرمز أكثرها الى اشياء واقعية معينة .
8) اما عن مستقبل السيرة الهلالية فيرى المرزوقى ( انطلاقا من الدراسة التى تقدمت بها فى الندوة المذكورة والتي لم يشر اليها المرزوقي علنا ) ان الظروف الموضوعية لم تعد متواجدة لتوسع السيرة الهلالية وانها ستتوقف عند وضعها المعروف اليوم . اما التجديد الذى قد يلحق بها فسيكون من باب الابداعات الفردية التى تتخذ السيرة الهلالية كمنطلق ملهم ومن باب الدراسات الحديثة التى ستتناولها .
9 )ويختم المرزوقى مقالته الاولى بالتساؤل عن اعتناء الناس بالسيرة الهلالية ويجيب لانها سيرة شعبنا العربى على مر عدة قرون ولانها تتضمن معطيات مختلفة تخبر عن هذا الشعب . فاذا كان الامر كذلك : هل ستفقد الذاكرة الشعبية هذه السيرة التى تورخها ؟ ولم يجب المرزوقى مباشرة على هذا السؤال ( وهو السؤال الذى طرحته ندوة الحمامات سنة 1980) ولكن المقالة الثانية من الكتاب جاءت بمثابة الاجابة الاولية على هذا التساؤل
2 - اختلافات بين رواة السيرة (ص . 15.12):
حيث يركز على الاختلافات العديدة التى تميز بين روايات السيرة الهلالية من شمال تونس الى جنوبها ويعزو المرزوقى المفارقات بين الروايات الهلالالي التونسية على الاقل الى سببين : 1) خيال الرواة نقلة الروايات ؟ 2) تطبع الرواية بطبيعة البيئة الناقلة لها وعقلية ناقليها . ويرى المرزوقي ان هذه المفارقات شاملة : فالرواية الهالية تكون بدوية السمات في الاوساط البدوية وحضرية السمات في الاوساط الحضرية . غير ان جميع الروايات تبقى متحدة بين بعضها البعض حول المحور الاساسي الذي يجمعها وهو حسب المرزوقى المحور الذي انطلقت منه الا وهو : " قصة شعب بدوي انطلق بايعاز من خلافة مصر الى الشمال الافريقي غازيا مخربا " : والحديث حول هذا المحور - وادنى ما يمكن ان يقال عنه - انه ناتج عن تسليط نظرة تاريخية " خارج النص اذ يبدو ان جميع الروايات الهلالية المعروفة لدينا اليوم تتفق حول محور " تحتى " واحد - قد اسهبنا القول فيه فى اكثر من موضع - ويتمثل فى صراع مجموعة بشرية - تتحد المجموعات الناقلة لسيرتها معها فيه - من اجل الحصول على القوت ( راجع ايوب السيرة الهلالية : مادتها ودور الذاكرة الشعبية فيها ) .
3 - ظاهرة الغيبيات من السيرة الهلالية ( ص . 16-27) :
ويترك المرزوقي بعد المقالين السابقين الدراسات العامة للهلالية ليخص بالنظر بعض الجزئيات الواردة في نصوصها مثل الغيبيات التى يعوز وجودها فيها لانتشار الجهل وببساطة العقول . ويتناول المرزوقى فى مقالته هذه ظاهرة " خط الرمل " أو " التاقزة " التى تناولها بالوصف فى كتابه " مع البدو فى حلهم وترحالهم ويرى ان هذه الظاهرة - وهى ما زالت منتشرة فى الاوساط الشعبية ويتخذها بعض أصحاب الجاه من علية القوم عندنا لقراءة غيبهم - قد أخذت في الزوال نظرا لاكتساح الثقافة الاوساط التى كانت فيها منتشرة مثل بوادى البلاد التونسية واريافها ويركز المرزوقي على ان النصوص الهلالية تعج بقصص خط الرمل الذى كان بنو هلال واعداؤهم يلجؤون اليه لاستقراء الغيب ( أى المستقبل القريب ) . وعادة ما يتم ذلك قبل سفر مزمع أو حلم رآه أحدهم رغم عدم تصديقهم فى واقع الامز لما يفيد به خط الرمل . ويقف المرزوقى عند حد الافادة بوجود هذه الظاهرة ولم يعمد الى تحليلها وخاصة فى ارتباطها بظاهر الحلم أو الرؤيا وذلك على مستوى المقابلة بين التصديق / وعدم التصديق . ولو فعل لأفاد حول دور " خط الرمل " فى تحديد مفهوم الصراع فى السيرة الشعبية الذي لا يقف عن حدود الصراع المادى بل يصل - على مستوى البناء التحتي للسير - الى الصراع الوجودى ( انظر عبد الرحمان ايوب ظاهرة الحلم فى السيرة الهلالية . مجلة ابلا ).
أ - شخصيات السيرة ( ص . 23-38) :
وبعد تناوله لظاهرة خط الرمل يخلص المرزوقي الى دراسة بعض شخصيات السيرة الهلالية ويتناول منها من يعتبرها المرزوقي قد قامت بدور وظائقى فى فى السيرة الهلالية وعدد هذه الشخصيات اثني عشرة 9رجال و 3 نساء ( وهو نصاب . الرجل حظ الانثيين )وهى موزعة الى شخصيات واقعية بمعنى أنها اثبتت تاريخيا (أى فى تاريخ ابن خلدون دون غيره ) وشخصيات غير واقعية .
أما الشخصيات الواقعية فهي : الحسن بن سرحان ( شيخ قبيلة دريد . ابن خلدون ج . 6 . ص . 49/48/35 ( .
أبو زيد الهالي (سلامة ابن رزق حسب ابن خلدون . م . س . ).
الشريف بن هاشم ( تولى امارة مكة سنة 430 ه . توفى 453 ه.م . س / 40 ) .
ذياب بن غانم ( م . س . ص . 41/38/35 ) .
خليفة الزناتى ( وهو فى الواقع أبو سعدى خليفة اليفرنى . م . س ص . 42/35 ) .
العلام ( دون اثبات ) .
الجازية ( زوجة الشريف بن هاشم . م . س / 36 ).
سعدى ( بنت الزناتى . دون اثبات ) .
أما الشخصيات غير الواقعية فهى حسب المرزوقي
- ابن الخفاجى عامر .
- مرعى ويحيى ويونس ) ويظن المرزوقي أن هذه الأسماء هي توزيع لاسم موحد وهو : مؤنس بن يحيى ( .
- أحمد الهلالى .
- الجارية مي .
ويبدو أن الهدف الذى شاء الوصول اليه من وصف هذه الشخصات فى هذا المجال هو ابراز الشخصيات الهلالية ( او غيرها ) فى السيرة التى كانت لها صلة بالتاريخ الرسمى (اعتمادا على ابن خلدون )فكان فى عمله خاضعا الى المفهوم التالي : وان كل ما هو غير مقبول منطقيا ليس من الواقع "
- أبو مخيبر ( ص . 39 الى 44 ) :
ومواصلة لدراسته شخصيات السيرة الهلالية يخصص المرزوقي مقالا حول أبى مخيبر " ويروى انه شخصية معروفة لدى أحفاد سليم وهلال من القبائل التونسية ويروى على لسانه كلام شعر وهو أقرب الى الاولياء الصالحين وليس ممن يصنف بين الاولياء الصالحين . وهو حسب ابن خلدون زياد بن عامر رائد الهلاليين فى دخول افريقية " (ج . 36/6 ) وقول ابن خلدون يؤيد الروايات الشعبية التى تنقل على لسان أبى مخيبر والتي تثبت العديد من أسماء المواقع والمدن في افريقية ولم يتمكن المرزوقي بالاعتماد على المصادر التاريخية ( تاريخ ابن خلدون ورحلة التجاني ) من تحديد موقع أبي مخيبر أما الرواية الشعبية فتنسبه الى قرية بمعتمدية ( دور ) وتقع على تخوم
: الصحراء " نويل " غير ان المرزوقي يشك فى صحة الرواية المقولة على لسان مخير حول " نويل " وأهلها ، ويذهب الظن به الى أن ابا مخيبر النويل قد يكون فعلا من أهل المنطقة ومن المتأخرين زمنا وهو غير أبى مخيبر المثبت تاريخيا . كما يشك المرزوقي في الكلام المسند الى أبى مخيبر وأغلبه هجا لأهل القرى والمدن . ويرى أن هذا الهجاء هو فى الواقع من صنع الرواة انفسهم . وبعد أن ساق المرزوقي أمثلة من هذا الهجاء يخلص الى الشك فى شخصية أبي مخير على أنها شخصية واقعية ومنه يشك فى صحة ما نسب اليه . وبدورنا نخلص الى التساؤل عن هذه الشخصية : ألم تكن من محضر خبال العامة وبمثابة التعلة )عاPre لسوق ) على لسانها ( ما ترغب العامة في قوله عن الاخيرين من ذم وقذع . وهذه عادة منتشرة الى اليوم بين سكان مختلف . وكان الافضل أن تدرس هذه الشخص من هذه الزاوية لتحديد رؤى المناطق حول بعضها البعض من خلال اقوالها عن بعضها البعض .
وتنتهي مجموعة المقالات بمقال شارك به المرزوقي في ندوة الحمامات وتم نشره سنة 1980 بمجلة الحياة الثقافية وهو :
- منازل الهلاليين فى الشمال الافريقي (ص . 45-53 ) :
وهو ثبت بأسماء القبائل من هلال وسليم التى استوطنت شمال افريقيا ولأماكنها والمقال مفيد من حيث أنه يرشد عن هذه القبائل منذ أوائل العهود الاسلامية الى زمن حصرها على يد المرزوقي ونكتفي هنا بهذه الاشارة إلى هذا المقال نظرا لانه قد نشر سابقا وسيصدر قريبا فى كتاب ندوة الحمامات
الخلاصة : لا شك في أن هذه الدراسات تلقى أضواء على بعض جوانب نصوص السيرة الهلالية ولا شك أيضا فى أن النصوص المدرجة فى هذا الكتيب تضيف وثائق مفيدة الى رصيد المكتبة الهلالية . الا ان تساؤلا يبقى يتكرر فى أذهاننا طيلة قراءة هذه الوثائق . هل الاعتماد على التاريخ الرسمى كفيل بابراز ثراء مادة نصوص الادب الشعبى العربى ؟ وهل ليس من المفيد أن ننظر لأدبنا الشعب نصوصه بالدرجة الاولى ثم نستنجد بالنصوص الرسمية التاريخية وغيرها ان اضطرت الحاجة إلى ذلك ؟ .

