الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

الادب العربي تجاه مشكلتى اللغة والحرف

Share

I- للغة سلطان وفداسة تستمدهما من وحى السماء ، او من اجماع اهل الارض . وفديما قالوا انها توقيفية اوحى بها الله الى عباده ليتفاهموا ويتعارفوا " وعلم آدم الاسماء كلها " . ويزيدها قداسة ان تصبح لغه الطقوس والعبادة ، او ان ينزل بها كتاب سموى يهبها من قداسته ، ويضفى عليها من هيبته . وليس ثمة شك اليوم فى انها ظاهرة اجتماعية تنشا فى قلب المجتمع ، وتحيا بحياته . فلها ما للظواهر الاجتماعية من سلطان وحرمة وعزة وكرامة ، وتعد بحق فى مقدمة مشخصات الامم والشعوب .

وقد عولت العربية على هذين المنبعين ، فهى لغة الدين والدنيا ، والعبادة والسياسة . بها نزل القرآن ، وبها حفظ ، ونشات حوله دراسات لغوية متنوعة . وهناك طقوس دينية لا بد للمسلم ان يستخدم فيها الفاظا وجملا عربية ، كيفما كانت لغته الوطنية . ويوم ان اخذ العرب فى بسط نفوذهم ،

اخذت العربية تنتشر معهن فكانت تدرس في اصبهان وشيراز كما كانت ندرس فى دمشق وبغداد ، وظهر كتاب وشعراء فى قرطبة والحمراء ، كما ظهروا فى القاهرة والقيروان واضحت اجادة اللغة العربية بابا هاما من ابواب التنافس ووسيلة من وسائل الرقى والسؤدد .

ولقد افادت العربية كثيرا من جانبيها الدينى والاجتماعى . واكتسبت مناعة وقتها حملات الخصوم والاعداء ، وحمتها من جموع التغير والتبديل . وبقيت على الدهر بحيث اصبحت لغة قديمة وحديثة معا ، " انا نحن نزلنا وانا له لحافظون " الا ان هذه القداسة كثيرا ما وقفت فى طريق الاصلاح والتجديد ، واعترضت سبل النمو والتطور . فقيل بالحرام والحلال فى امور تتصل بمتن اللغة واسأليبها وكتابتها ورسمها ، كما قيل بهما فى الحكم على اقوال الناس وافعالهم . ومع هذا فألزمن يسير ، ولا بد ان تسير اللغة معه ، وربما كان لدعوى القداسة والحرمة اثر فى التأني في التجديد والتروى فى الاصلاح ، مما يربط الحاضر بالماضى ، ويساير التطور دون طفرة .

2 - والادب حياة اللغة ، يساهم فيه المتحدث والكاتب ، الناثر والشاعر ، الخطيب والصحفى ، المذيع والممثل ، الاديب والعالم ، الشعب والخاصة ، فهو جملة الانتاج الادبي في لغة ما . يتأثر دون نزاع بالاحداث السياسية والظروف

الاقتصادية والاجتماعية ، ويصور الحياة الدينية والاخلافية . يبتلى بالجمود احيانا ، ثم ينشط ويتحرك . ياخذ ويعطى ، فيتغذى من الاداب الاجنبيه ويغذيها . وهو متنوع ، يختلف من عصر الى عصر ومن بيئة الى اخرى فهناك ادب قديم وادب حديث ، ادب ريفى وادب حضرى ، ادب ديمقراطى وادب ارستقراطى والاديب الحق مبدع ومبتكر ، بقدر ما هو مقلد ومحاك ، يبتكر الفاظا وأساليب ، كما يبتكر افكارا واخيلة . ينهج نهج القدامى ويحذو حذوهم ، فى الوقت الذي ينافس فيه المعاصرين ويحاول ان يجدد مثلهم . وانصار الادب القديم انفسهم لا يرضون ان تنمحى شخصيتهم ، وتفنى اساليبهم فيمن سبقهم . وأعز شئ لدى الاديب حريته ، فيحرص على ان يكون حرا فى تفكيره ، يرسل احاسيه ومشاعره كما تبدو له ، حرا فى تعبيره يصوغ معانيه على النحو الذى يروقه . ولا يضيره ان يخرج احيانا على بعض قيود النحو واللغة ، وربما فتح خروجه بابا لنحو ولغة جديدة .

وهكذا كان الادب العربى ولا يزال ، تنوع بتنوع العصور ، وسار بسير الزمن ، علا وهبط ، قوى وضعف . ومن الخطأ ان نقف به عند عصر بعينه ، او ان نقصه على بيئة بذاتها . تأثر بالاداب الاجنبية واثر فيها وكانت له حياة مستقلة وتاريخ متصل ويربأ ادباء العرب بانفسهم عن ان يكونوا مجرد نقلة او محاكين ، ويأبون الا ان ينالوا حظهم من الاصالة والابتكار .

3 - الادب مادة اللغة ، منه يستمد متنها ، وعليه يقوم نحوها وصرفها . وقد عنى الرواة قديما بجمعه ، كما عنوا بجمع اللغة نفسها . وابلوا فى ذلك بلاء حسنا ، وان لم يسلموا من الحشو والخطأ . لا سيما والعرب فى جاهليتهم كانوا يعيشون قبائل وجماعات ، لكل قبيلة لهجتها ونطقها ، وظروفها وبيئتها و اوضح ما يكون هذا الخلاف بين القبائل العدنانية فى الحجاز والقحطانية فى اليمن . فكانت تستعمل الكلمة الواحدة فى عدة معان ، او يعبر عن المعنى الواحد بالفاظ مختلفة باختلاف البيئات ، مما ادى الى تباين المعانى للفظ الواحد ، و كثرة المترادفات ، و تعدد قراءات القرآن . وما ان فتحت الاقطار شرقا وغربا ، و توطدت الصلة بالثقافات الاجنبية ، وبسطت الحضارة الاسلامية الويتها ، حتى اخذت العربية تغذى بغذاء جديد لم يأنفه العرب ولم يرهبوه .

وكانت ثقتهم بانفسهم كفيلة بان ياخذوا الجديد على صورته ، او يؤقلموه و يصوغوه نوعا على حسب قواعدهم . واستمروا كذلك حتى جاء عصر الركود فكان الجمود والافلاس والتحريم والتحليل . ويوم ان بزغ عصر النهضة الحديثة استعادت العربية ثقتها بنفسها ، وبدأت تتقبل الالفاظ والتراكيب الجديدة غير هيابة ولا مترددة .

عنى العرب عناية بالغة بجمع لغتهم وتسجيلها ، فتلقفها الرواة من البادية واعدوا بذلك المادة الضروريه لوضع المعاجم اللغوية . ولا نظن ان لغة ما - قديمة او حديثة - توفر لها من المعاجم ما توفر للعربية . فعى القرن الثانى للهجرة افتتح الخليل بن احمد عصر المعاجم الكبرى ، ثم تنافس اللغويون والنحاة بعده فى تأليف معاجم مختلفة الحجم والمنهج . ولا يكاد يوجد قرن لم يوضع فيه معجم عربى جديد ، بل ربما وضع فى القرن الواحد اكثر من معجم . ويعد القرن الرابع الهجرى القرن الذهبى للمعاجم ، ففيه ظهر معجم ابن دريد ( 321 ه ( والازهرى ( 370 ه ) ، والصاحب بن عباد ( 385 ه ) ، وابن فارس ) 395 ه ) ، والجوهرى ( 397 ه ) . واذا كان قد فقد بعض المعاجم العربية ، فان اغلبها وصلنا ، ومعظمها منشور ومتداول ، ومن بينها ما ترجم الى لغات اجنبية ولا شك فى ان هذه المعاجم غزيرة المادة كثيرة المعلومات ، وسيبقي على الدهر معينا لا ينضب لتوضيح غريب الكلمات وغامض النصوص . ولكنها تلتقى فى عيوب مشتركة : من غموض فى الشرح ، وخطا بعض التعاريف ، لا سيما وقد عرضت لمواد تبعد نوعا ما عن اللغة كالتاريخ والجغرافيا والحيوان والنبات .

وقد تغير فيها وجه العلم . وكثيرا ما كرر بعضها بعضا . دون تنقيح او تهذيب ، ويصرح صاحب لسان العرب ، اكبر معجم وصلنا ، بانه لم يصنع شيئا اكثر من انه جمع ما ورد في نهذيب الازهرى ، وصحاح الجوهرى ، ومحكم ابن سيده ، وحواشى ابن برى على الصحاح ، ونهاية ابن الاثير . وفوق هذا فمنهج هذه المعاجم ناقص ومعيب . ناقص لانها وقفت باللغة عند حدود زمانية ومكانية ضيقة ، ففقدت كثيرا من معالم الحياة والتطور . فهى توضح العربية فى الجاهلية وصدر الاسلام ، وتكاد تنكر ما عداها ، وبذا لا تمثل عصور اللغة كلها ، بل ولا العصر الذى وضعت فيه . ومنهجها معيب ايضا لا تتوفر فيه شرائط فن المعاجم الحديث من حسن الترتيب ، ووضوح الشرح ، ودقة المعنى،

والإستعانة بالصور والخرائط واللوحات . ففى الرجوع اليها عناء ومشقة ، وفى عرضها حشو واستطراد ، واصبحت لا تواجه تماما حاجة العصر ومقتضياته .

ولقد حاول بعض اللغويين منذ اخريات القرن الماضى تدارك هذا النقص ، فوضع البستانى محيط المحيط ، والشرتونى اقرب الموارد ، والاب لويس معلوف المنجد . وهم فيما يبدو متأثرون بالمعاجم الغربية الحديثة ، والمنجد بوجه خاص محاكاة صادقة لمعجم لاروس الصغير . وهو فى الواقع قاموس عملى ، سهل الماخذ ، غنى بوسائل الايضاح ، ولا ادل على ذلك من انه اعيد طبعه ست مرات فى اقل من عشرين سنة ، وفى الطبعة الاخيرة قسم كبير فى الادب والعلوم ،

على غرار لاروس ، الى جانب القسم اللغوى . ولكن هذه المعاجم الحديثة لم تستطع التخلص من قيود الماضى ، وتم تجرؤ على ان تسجل شيئا من لغه القرن العشرين

واكتفت بان تلخص المعاجم القديمه فى ترتيب احسن ومنهج اقوم .

ويوم ان انشئ مجمع اللغة العربيه بالقاهرة عام 1934 نص فى مرسوم انشأئه على ان من اهم اعراضه . " ان يقوم بوضع معجم تاريخى للغه العربيه "

وقد اخذ نفسه بذلك مند البداية . وكان من بين اعضائه المستشرق الالمانى فيشر الذى عنى بالمعجم العربى منذ اوائل هذا القرن ، ورغب فى ان يخرجه على غرار معجم اوكسفورد التاريخى ، فيصعد الى النصوص لتوضيح معانى الكلمات ، ويتتبع تاريخها وتغير مدلولها . وهى محاولة شاقة ، وشبه متعذرة الآن على الاقل ، لان العربية اطول تاريخا من الانجليزية ، واكثر مصادر ومن بين مصادرها ما فقد او ما لا يزال مخطوطا . ومع هذا بذل فيشر فيها جهودا مضنية وشاء ان يتوجها بان يخرج " معجمه " تحت كنف المجمع اللغوى ورايته ، ولم يتردد المجمع فى ان يجيبه الى ما طلب ، وان يمده بوسائل العون المختلفة . الا ان الحرب العالمية الثانية وقفت فى طريقه ، ولم نلبث ان فقدناه بعدها بقليل ، وقبل ان يخرج " معجمه " الى آلنور . ولم يبق من جهود اربعين سنة الا جذاذات غير مكتملة وغير مستوفاة ، ويحتفظ بها المجمع فى قاعة خاصة تحت تصرف الباحثين .

اضطلع المجمع الى جانب هذا بوضع " معجم كبير " يستوعب اللغة فى مختلف عصورها ، ظهر منه منذ خمس سنوات جزء كبير اريد به ان يكون تجربة يستطيع المتخصصون فى اللغة ان يبدوا عليها ملاحظاتهم . ومن اهم ما قرر فى مقدمة هذا الجزء ان للغة ماضيا وحاضرا ، فلها ماضيها الموروث ، وحاضرها الحى الناطق ، ولا بد ان يلاحظ ذلك فى وضع معجم جديد ، " فيستشهد بالشعر والنثر مهما يكن العصر الذى انشئ فيه ، وتثبت الالفاظ الطارئة التى دعت اليها ضرورات التطور ، وفرضها تقدم الحضارة ورقى العلم " . ولا يزال المجمع يوالى جهوده لاخراج هذا " المعجم الكبير "

عنى المجمع ايضا منذ زمن بوضع " معجم وسيط " ، سهل التناول ، ينتفع به طلاب العلم وييسر عليهم تحصيل اللغة ، وتوفر له ما اراد . ويقع هذا المعجم فى جزئين ظهر اولهما فى اواخر العام الماضي ، والثانى على وشك الظهور ،

و يحتوى على نحو 30 الف مادة ، ومليون كلمة ، وستمائة صورة . وقد اخذ بحظ وافر من فن المعاجم الحديث ، فهو محكم التركيب والتبويب ، يسير الشرح

دقيق التعاريف ، يكتفى من الشواهد بما تدعو اليه الضرورة ، فى غير غموض ولا تعقيد . يسجل ما استقر من الفاظ الحياة العامة ، والمصطلحات العلمية الشائعة ، ويقر كثيرا من الالفاظ المولدة والمعربة الحديثة ، ويهجر الحوشى والغريب .

فالمعجم العربى فى تجدد وتطور شبيه بتطور المعاجم الغربية ، يأخذ باحدث مبادىء الفن المعجمي ، ييسر اللغة . يراد به ان يضع الفاظ القرن العشرين الى جانب الفاظ الجاهلية وصدر الاسلام ، وان يهدم الحدود الزمانية والمكانية التى اقيمت خطأ بين العصور اللغوية المختلفة وفى هذا ما يثبت ان فى العربية وحدة تضم اطرافها ، وحيوية تستوعب كل ما اتصل بها وتصوغه فى قالبها . وقد بذلت فى ذلك جهود لا باس بها ، وظهرت معاجم مصطلحات الى جانب المعاجم اللغوية ، ولكن لا يزال الامر يتطلب جهودا اخرى وقسطا اوفر من الجرأة والتحرر .

4 - اللغة تعبير عن وجدانات وافكار بواسطة اصوات ودوال اقرها المجتمع واخذ بها ، فعناصرها وجدان وعاطفة ، فكر ورأى ، بيئة ومجتمع ، او ان شئت مدلولات ودوال . وكلها متغيرة ومتحركة ، فالواجدانات والعواطف فى نشوء وارتقاء لدى الافراد والجماعات ، والافكار تنمو بنمو العلم والدراسه ، وتتجدد بتجدد الكشف والاختراع . والحياة الجمعية فى تبدل وتغير ، فمن همجية الى آخذة فى التحضر ، ومن نصف متحضرة الى موغلة فى الحضارة المدنية . وكلما اكتملت حضارة امة تعددت مرافقها ، وتنوعت اتجاهاتها ، وكثرت حاجاتها ،

واضحى لزاما ان تسايرها فى كل ذلك لغتها ، فتزيد مفرداتها ، وتتنوع تراكيبها ، وتسمو أساليبها ، وتتباين فنون القول فيها .

ولم تصل العربية الى ما وصلت اليه فى عصر المعلقات ، من غزل امرئ القيس ، وحماس مهلهل ، وفخر ابن كلثوم الا بعد ان مرت بادوار ومراحل اعداد وتكوين طويل . ثم جاء الاسلام فهذب حواشيها ، ورق عباراتها ، وصقل الفاظها ، واستمرت تنمو وتغزر لفظا ومعنى طوال قرون عدة . ولكن الزمن يهدم ما بنى ، فدخلها الغريب والفاسد واخذت تركد ركود المتخاطبين بها .

وما ان حل النصف الاخير من القرن الماضى حتى عادت تنشط وتنهض ، وتسلك سبل الحياة فى حماس وقوة .

ووسائل انهاض اللغة وتطويرها كثيرة ، اخصها الوضع اشتقاقا وتجوزا وارتجالا ، اطلاق القياس ليشمل ما قيس من قبل وما لم يقس ، تخرير السماع

من قيود الزمان والمكان ليشمل ما نسمع اليوم من طوائف المجتمع كالحدادين والنجارين والبنانين ، التسليم بالتعريب والاعتداد بالالفاط المولدة وتسويتها بالالفاظ المأثورة . وقد اخذ قديما بمختلف هذه الوسائل فاستباح العرب الوضع فى مختلف صوره ، وقبلوا كلمات اجنبية اضافوا بها ثروة جديدة الى لغتهم فمثلا يستعمل الاعشى كلمة " شاهنشاه " ، والسموءل كلمة " السجنجل " ،

وفى الامكان حصر الكلمات المعربة فيما وصلنا من ادب جاهلى . وفى القرآن كلمات معربة كثيرة ، مثل زنجبيل وسلسبيل . اما الاشتقاق والقياس فلم يكن هناك ما يقيدهما ، وكان العربى ينطق على سليقته فكان نطقه حجة .

وساعد الفتح والاختلاط على التعريب والاشتقاق معا ، ودفعت اليهما الترجمة وانتشار العلم . وهناك الفاظ عربية او معربة اسلامية لم تعرف في الجاهلية من قبل ، ولم يستنكرها احد او يرفضها . ويوم ان ضاقت العقول بدأ التحليل والتحريم ، فاصبح ممنوعا ، وحرم الوضع على المتاخرين ولقد استطاع مجمع اللغة ان يفك كثيرا من هذه القيود ، ويطلق سراح اللغة فقال بالتضمين ، والنقل ، والمجاز ، والتعريب ، واجاز الاشتقاق من اسماء الجواهر والاعيان ، كما اجاز النسبة الى جمع التكسير . وتوسع فى المصدر الصناعي ، واقر صيغا للدلالة على الحرف والمرض والصوت . وفتح فى اختصار باب الاجتهاد فى اللغة ، وكان موصدا من قبل . ولم يقنع بان يسجل ما اقره الادباء والعلماء بل شاء ان يوجه نحو تطوير اللغة والنهوض بها . وكان لتوجيهه اثره ، وتبارى الكتاب فى التجديد والابتكار . والواقع ان مستحدثات الحضارة والعلم لا تنقطع ، ولا حياة للغة الا ان واجهتها ، وعرفت كيف تؤديها على وجهها

5 - لم تخل الكتابة - بدورها - من طابع ديني ، فقيل انها من وحى الهى عزاها المصريون الى الاله توت ، واعتقد العبرانيون ان موسى تلقاها عن الله ، وقال بعض مؤرخى العرب انها توقيف من آدم ولا تزال حتى اليوم مرتبطة بالسحر فى ارقى الشعوب حضارة . واذا كان للكلمة الملفوظة قوة سحرية ،

فالكلمة المكتوبة بها اولى ، ومن ثم كان الكتبة الاول من السحرة . وما ان اختلطت الكتابة بالحياة المدنية وصارت فى متناول عامة الناس ، حتى اخذت تتطور بتطور الزمن . قامت اولا على الصور والاشكال ، ثم تحولت الى رموز وحروف وان لم تفقد اعتبارات الرسم والفنون الجميلة . واضحت لغة الى جانب لغة النطق ، ومن بيننا من يتفاهمون اليوم بالكتابة اكثر مما يتفاهمون بالكلام ولا سبيل لتعليم بدون قراءة وكتابة . والصورة الذهنية لكلمة اكثر ارتباطا برسمها منها بنطقها

وقديما قال فولتير ان " الكتابة صورة الصوت ، كلما كانت اكثر شبها به كنت خيرا " فالكتابة المثلى هى التى لا تدل بالحرف على اكثر من صوت ، ولا تضع للصوت الواحد اكثر من حرف ، ولم نصل اليها فى لغة ما . ففي اللغات الحية جميعا ما يكتب ولا ينطق ، وما ينطق ولا يكتب ، وفيها حروف تؤدى عدة اصوات ، واصوات تؤدى بعدة حروف . ويزيد الامر تعقيدا تفنن النحاة والصرفيين ، وبعض المخلفات التاريخية التى قضت بكتابة كلمات على وجه معين دون ان يتصل ذلك بنطقها الحديث . وكلما اتسعت مسافة الخلف بين اللغة الدارجة والفصحى ، تعقدت مشكلة رسم الحروف . ويحاول المصلحون دائما تدارك هذا النقص ، وكثيرا ما تعذر عليهم ذلك ، تحت ضغط العرف والتقاليد ولان لغة النطق اسرع تطورا فى حين ان لغة الكتابة اكثر محافظة

والخط العربى نبطى الاصل ، يشبه الكتابة النبطية فى رسمها ، واتخاذ شكلين للحرف فى اول الكلمة وآخرها ، واستعمال الفواصل ، وربط الحروف بعضها ببعض . نشأ ونما الحجاز حيث التجارة والحضارة والسيادة ، ثم انتقل الى أجزاء الجزيرة الاخرى . وكانت حروف الهجاء ثمانية وعشرين ، مرتبة فى اغلب الظن على حسب الترتيب الابجدى . وقد حث النبى الامى على تعلم الكتابة ،

وقبل ان يفتدى اسرى بدر انفسهم بان يعلم كل واحد منهم عشرة صبيان مسلمين الكتابة ، وكان للوحى كتاب كثيرون . ولكن الكتابة لم تنتشر الا بعد ان مصرت الامصار ودونت الدواوين ، وتبارى الخطاطون فى اجادة الخط ، وكان منهم الوزراء والمحدثون والمؤرخون . وتفننوا فيه فجعلوا منه نسخا ، وثلثا ، ورقعة ، وكوفيا ، وفارسيا ، واصبح فى مقدمة الفنون الجميلة العربية ، ودبجت به المصاحف ، وزينت الحوائط والسقوف ، واعدت منه لوحات آية فى الجمال .

وتنافس الملوك والامراء فى ان يتوفر لديهم احسن الخطاطين ، وان يقتنوا اروع ما انتجوا . ولم يقف الخط العربى عند جزيرة العرب وحدها ، بل امتد الى بلاد اخرى فى آسيا وافريقيا واوروبا ، وسار مع الاسلام اينما سار . فاستعمله الفرس والترك والهنود والملايو والمصريون والمغاربة ولغات مختلفة من افريقيا ويكاد يصعد عدد الشعوب التى تستخدمه آلى نحو 250 مليون نسمة .

ومنذ عهد مبكر ظهر ان الحروف وحدها لا تكفى فى التعبير عن الاصوات وضبط النطق ، خصوصا بعد ان اختلط العجم بالعرب ، وضعفت السليقة ، وبدأت تبعد المسافة بين اللغة الدارجة والفصحى . والعربية لغة اعراب ، يتغير فيها معنى الكلمة بل ومعنى الجملة بتغير النطق ، وكم تحدث ابواب الفعل الثلاثى

ومصادره من لبس ، وقد تختلط الاسماء المبنية والمعربة والمصروفة والممنوعة من الصرف . فالتجىء الى الشكل بوضع نقطة فوق للفتحة ، ونقطة اسفل للكسرة ، ونقطة على شمال الحرف للضمة ، واهمل السكون . ثم تحولت هذه النقط الى حروف صغيرة ، ولوحظ كتابتها بلون غير لون الحروف نفسها . وزيادة فى الضبط وتفرقة للحروف المتشابهة رسما بعضها عن بعض استخدم الاعجام فنقطت الجيم والخاء مثلا واهملت الحاء ، وعلى اساس هذآ الاعجام رتبت حروف الهجاء على النحو المالوف اليوم . وعلى هذا عدل الخط العربى وهذب وضبط، تبعا لحاجات العصر ومقتضياته .

ولا شك فى ان رسم المصحف وضبطه كان الشغل الشاغل ، ولم يحس ابو بكر وعثمان عند جمعهما للقرآن بحاجتهما الى نقط او شكل ، ولكن ما لبث المسلمون ان تبينوا ضرورة ذلك . وكتب القرآن برسم اريد به ان يكون تعبديا وان لم يتفق مع الهجاء وقواعد الاملاء . واصبح اثرا تاريخيا اجتمع لنا به كتابتان : - احداهما قرآنية ، والأخرى غير قرآنية . وزاد الامر تعقيدا قواعد رسم الهمزة والالف اللينة التى يلاقى فيها المبتدئون من التلاميذ عنتا شديدا ،

بل وغيرهم . وهناك اعلام وكلمات اعجمية معربة تشتمل على اصوات لا وجود لها فى العربية ، وكثيرا ما خلط العرب فى نطقها ، ولعل ابن خلدون من اقدم من تنبهوا الى ذلك وحاولوا معالجته . وفيما عداه لم تلفت هذه الصعاب النظر ، وبقيت الكتابة العربية وكانها براء من كل عيب ، لها قداسة تحول دون التفكير فى تهذيبها واصلاحها .

6 - وفى اخريات القرن الماضى اثيرت صعاب الكتابة العربية ، على غرار ما اثير حول الكتابة الفرنسية والانجليزية فى الغالب ، لا سيما وقد بعدت الشقة بين الدارجة والفصحى بعدا دفع فريقا من الناس الى الدعوة آلى العامية والانتصار لها . وفوق هذا فى اصلاح الكتابة استجابة لمقتضيات تعليم الشعب ومحاربة الامية ذلك لان الكتابة لم تعد بعد وقفا على ارستقراطية فكرية او اقتصادية كما كانت فى الماضى ، بل اضحت حقا مقررا للجميع ، وينبغى تيسيرها ما امكن والناس عادة امام الاصلاح فريقان : - محافظون يرون ان ليس فى الامكان ابدع مما كان ومجددون يلاحقون سير الزمن . وهؤلاء بدورهم متطرفون يابون الا ان يقطعوا الشوط دفعة واحدة ، او معتدلون يذهبون الى ان طبيعة الاشياء تأبى الطفرة ، ولا بد ان يسير الاصلاح بتدرج وهوادة ، ولقد صادفتنا فى نصف القرن الماضى مشاكل لغوية متعددة ، وفى مقدمتها دون نزاع مشكلة الكتابة التى كانت ولا تزال موضع اخذ ورد .

وقدمت لها حلول شتى تتلخص فى اتجاهين رئيسيين يرمى احدهما الى احلال اللاتينية محل الكتابة العربية ، ويحاول الآخر ان يعد لها على نحو يعالج ما فيها من غموض او لبس . وليس القول بالحروف اللاتينية جديدا ، فقد عرض فى اخريات القرن الماضى ، واكد داود الجلبى فى العقد الاول من هذا القرن ، وشجعت عليه تجربة الاتراك وان اختلف وضع لغتهم كثيرا عن العربية وظهر فى هذا العام  كتب (( يارى )) ، الذى شاء  به الاستاذ سعيد عقل ان يطبق الحروف اللاتينية على الكتابة العربية تطبيقا عمليا . ولكن احدا لم يدرس هذا الموضوع دراسة المرحوم عبد العزيز فهمى عضو مجمع اللغة العربية ، وليس فى مكنة كثيرين ان يدآفعوا عنه دفاعه ، ومع ذلك لم يحظ بالقبول .

والواقع ان مجمع اللغة العربية عنى منذ ربع قرن بتيسير الكتابة العربية ، واعد جائزة مالية لاحسن اقتراح فيها . ووصلته عشرات الاقتراحات التى قضى زمنا فى بحثها ، ولم يرتض واحدا منها . وفى مقدمة ما عرض عليه مشروع عبد العزيز فهمى ، الذى وقف عليه دورة كاملة من دورات مؤتمره . ودون ان ندخل فى تفاصيله ، نكتفى بأن نشير الى انه لا يقنع بمجرد ابدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية ، بل يلاحظ ان هناك اصواتا خاصة بالعربية ويحاول ان يؤديها بحروف لاتينية مركبة على نحو ما صنع المستشرقون من قبل . واذا كنا  )) نفهم لنقرأ (( على غير ما ينبغي ، يزعم ان مشروعه ينتهى بنا الى الوضع السليم وهو ان  )) نقرأ لنفهم (( ، وهو بهذا يصوب الى معالجة مشكلتى الكتابة والقراءة معا . ولقد رد عليه داخل المجمع وخارجه ، ومن اهم ما اخذ على اقتراحه انه يقطع الصلة بالماضى ، لمستقبل غير موثوق به . فان الحروف اللاتينية لا تتلاءم مع طبيعة العربية بلغة الاعراب والصرف ، هذا آلى انها اقل اختزالا من الحروف العربية وتشغل حيزا اكبر ، ونحن نعيش عصر السرعة ، ولها اخيرا صعوبات ، وليس ثمة كتابة تخلو من صعوبات . وما صنعه الاتراك لا يقاس عليه ، لان لغتهم اضيق مجالا واقل استعمالا ، وماضيها لا يذكر فى شىء بجانب ماضى اللغة العربية ، وليست لها كتابة خاصة بها تحاول العدول عنها . وجاء اخيرا كتاب  (( يارى )) دليلا عمليا على ان التجربة اللاتينية غير ناجحة ، فانه لا يقرأ ولا يفهم قبل ان يعرب .

اما المقترحات الاخرى فتبقى كلها على الحروف العربية معدلة رسمها ، او مدمجة للشكل كما هو فى حسم الحرف ، او مستعملة حروف العلة بدلا منه .

ولم يكن غريبا ان يرفض كل هذا لانه فضلا عما فيه من تنكير لا يحقق شيئا من التيسير .

واستمر المجمع يقلب الامر على وجوهه ، وآثر ان يدع مؤقتا الكتابة اليدوية ويشغل خاصة بحروف الطباعة والآلات الكاتبه . وتبين له ان فى الامكان اختصار صور الحروف بتمثيل الحرف بصورة واحدة ما امكن على اختلاف مواقعه من الكلمة ، مع الاحتفاظ بطبيعة الخط العربى وفنه وتجنب المباعدة بين القديم والتجديد . ولم يفته ان يعالج صور الهمزة وكتابة الارقام وعلامات الشكل والترقيم ، وادخل عليها كثيرا من الاختصار والتحسين . وانتهى الى طريقة تهبط بصور الحروف ولو احقها للجمع المشكول شكلا كاملا الى 135 بعد ان كانت تتراوح بين 300  و 470 بحسب الجمع الآلى واليدوى .

وهذا ولا شك اختصار يوفر كثيرا من الجهد ومن المال ، وبه يصبح صندوق الطبأعة العربية قريبا من صندوق الطباعة بالحروف اللاتينية التى يبلغ عددها   115 . وقد طبقت هذه الطريقة بالفعل ، فلم تستنكرها العين ، ولم تخل من الجمال . واساسها خط النسخ المستعمل فى الطباعة ، والمألوف لدى كل مر يكتبون بالعربية .

وتيسيرا للقراءة رأى المجمع ان يلتزم الشكل فى كتب مراحل التعليم العام على درجات متفاوتة وفى حدود قواعد واضحة ، وان يوضع فى مكان ثابت من لحرف تألفه العين ولا يختل به توازن السطور ، وان يضع النقط فى موضع ثابت نفيا للاشتباه.

وكم دعا المجمع الى تيسير النحو والاملاء ، ووضع فى ذلك مشروعات محددة . ونادى من قديم بوضع علامات للدلالة على اصوات الحروف التى لا مقابل لها فى العربية ، وحاول رسم طريقة لكتابة الاعلام الاجنبية . ودعوات كهذه ان لم تستجب اليوم ، فهى آخذة طريقها لا محالة ، ومن يدرى فقد يكون فى تيسير الكتابة المقترح ما يؤدى الى اختصار اعظم ، او ما ينتهى الى كتابة الحروف منفصلا بحيث لا تأخذ الا شكلا واحدا ؟ وهناك اتجاه عام يؤثر التدرج ويأبى الطفرة لان من الخير ان يربط الحاضر بالماضى . وابتكار طريقة جديدة للكتابة ان فرض على شعب بوسيلة ما ، فلا سبيل لتطبيقه على شعوب اخرى لا تقره . ونحن جميعا عبيد الالف والعادة ولا نزاع فى ان الجماعات والافراد تخضع لهما اكثر مم تخضع للعقل والمنطق .

اشترك في نشرتنا البريدية