الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الادب العربي والثورة التكنولوجية المعاصرة، في النصف الثاني من القرن العشرين

Share

وضع مؤتمرنا - كما تعلمون - هذا الموضوع ضمن جدول أعماله ومدار مناقشاته لأهميته بالنسبة لللازمة التى يمر بها عالمنا العربي اليوم ، وفى اطار ما يمكن أن يقوم به الادب في ميدان المجابهة مع الصهيونية والاستعمار وخاصة فى ضوء الثورة التكنولوجية المعاصرة

ولعلني سأتعثر أمامكم قبل أن أصل الى النتيجة الايجابية من وراء هذا البحث لكثرة ما يكتنف الطريق من ركام الافكار والآراء المقللة من جدوى الادب فى هذه المعركة التى تتألب علينا فيها أخطر التحديات ، بل ان بعضها يؤكد على عدم صلاحية الادب فى هذا المضمار وتعويقه لجهودنا العلمية والتكنولوجية من أجل ذلك .

وكم أود لو كان بيننا للمناقشة أحد من أصحاب العلوم أو رجال الأعمال  والصناعات ممن لا يعترفون بمكان للادب فى عالم اليوم ، ولا يرون له أهمية فى معركتنا الحالية ، وذلك لانني أخشى بحكم انتسابنا كلنا هنا للادب - حرفة أو هواية - باتفاق ايجابي في هذه القضية ، اتفاق قد لا يوافقنا عليه اخوان لنا فى مجالات العلوم والتكنولوجيا يزعمون - وربما حقا أنهم أكثر فعالية  منا فى ميدان المجابهة ويعيبون علينا وجدانياتنا وخيالاتنا فى عالم تخلى عن الغيبيات والرومنطيقيات ٠٠

وعلى أية حال فلست متفائلا كثيرا بحصول اتفاق تام بيننا عند بحثنا لهذه النقطة لمجرد غياب من يخالف علينا من غير أصحاب اختصاصنا وذلك لما هو معهود من الاختلاف الدائم بين رجال الفكر والادب . غير أن هذه الملاحظة ربما تحملنا على تفاؤل من نوع آخر وهو ان الادباء قديرون دائما على تمثيل موقف

المعارض والمناصر لكل قضية يعالجونها حتى لينعكس ذلك على اختلاف وجهات نظرهم مهما بدأ من انضوائها فى اطار اتفاق عام

ان الكاتب العربى مطالب اليوم بصورة أوكد من الامس بوقفة تأمل وبحث ومراجعة لموقفه من العلوم التكنولوجية وخاصة بحسب ما تطورت اليه فى السنين الاخيرة وبالنظر لآفاقها المقبلة . فنحن مدعوون بأن نتبين بكل وضوح دواعي ذلك ، ونحاول الوقوف على مدى ما احدثته الاختراعات العلمية الحديثة والتقنيات الجديدة من تغيير فى وسائل الابلاغ ، وربما فى وسائل التعبير ايضا ، ونحدد في ضوء ذلك كله ومع اعتبار المعطيات الجديدة للحياة العربية المعاصرة وظيفة الادب ورسالة الاديب

يمر عالمنا العربي اليوم بازمة مصيرية حادة ، لعله لم يكن في أى وقت مضى اشد شعورا بها منه فى وقتنا الحاضر وخاصة منذ أواسط الستينات الماضية عندما تألبت عليه سنة 56 القوى الاستعمارية متحالفة مع اسرائيل ، وذلك لعرقلة ثورة الامة العربية التى تحررت وكادت تتحرر بقية شعوبها من ربقة الحكم الاجنبى والحكم العميل له . وكان التحدى الذى أعلنته القوات الثلاث المعادية بعد أن تراجعت هو رهانها بوقوع العرب من جديد في قبضتها لعجزها خاصة عن تسيير المؤسسات الاقتصادية الكبرى الحيوية التى أقامها الاستعمار فى بلادهم ، ذلك العجز الراجع الى قلة معارفهم العلمية بها وضيق خبراتهم الفنية بأجهزتها ، وبعبارة أخرى لتأخرهم الكبير ، الذي كان مقدرا لهم من الاستعمار فى ميادين العلوم العملية والتكنولوجية وكان الرهان قائما خاصة على أبرز مثال وهو تسيير الملاحة بقنال السويس

وعرف العرب بعد هذه الواقعة أن ملاذهم الوحيد ليس بمزيد التعمق فى علوم الدين ، ولا بمزيد التبحر فى علوم العربية وانما فى الأخذ بالعلوم الكونية الصحيحة التى تؤدى نتائجها العلمية الى الرفع من مستوى أحوالهم العسكرية والاقتصادية ، كما أدرك ذلك محمد على بعد حملة نابليون على مصر . وهو الشرط الضرورى والاساسى لانقاذ مقوماتهم الحضارية الدينية والادبية من الفناء . ونتيجة لذلك اصبح فيما بعد الدخول الى الكليات الادبية والدينية مقصورا على التلاميذ الذين تحصلوا على أقل معدل فى الثانوية ، وأصبحنا نشهد احداث وزارات للبحث العلمي وأخرى خاصة باقامة وتسيير بعض المنشآت الصناعية والاقتصادية

ولكن الاستعمار الجديد وحلفاءه وخاصة الصهيونية المتهودة اشتد قلقهم بعد أن خاب الرهان وزعزعت مصالحهم وأطماعهم امام تيار هذا التسارع الذى لم ينفك يحققه العالم العربى كل يوم وبصعوبة نحو العلوم والتكنولوجيا وخاصة فى ميادين التصنيع والبترول والتسلح فشددت اسرائيل ضربتها الخاطفة سنة 67 ، فكانت النكسة التى نعيشها بمرارة اليوم

واذا اعلى الاصوات التي انطلقت بداخل الوطن العربي تندد بأسباب النكسة تضع يدها على الحماسيات والخطابيات والغنائيات والوجدانيات التي كانت تتجاوب أصداؤها بين الخليج والمحيط كما كان يروجها كل مقروء ومرئى ومسموع . وفي ذلك بطبيعة الحال ادانة واضحة للادب لانه فى الحقيقة هو كل هذه الأشياء . ورأينا من جديد ونتيجة لذلك انخفاضا فى بورصة الابتهالات الدينية والشطحات الصوفية والتخيلات الادبية والبهلوانيات اللغوية لحساب العلم والتكنولوجيا الصناعية. وبينما ثارت رياح السخط على رؤوس كثير من حملة الاقلام الصحافية والادبية ارتفع نجم كثير من التكنوقراطيين الى أعلى مراكز القيادة فى الدولة

وأكثر من ذلك ، فنحن نشهد أخيرا هجومات منظمة من قبل عدد من المصلحين فى العالم العربى من السياسيين - نظريين وممارسين - على الكليات الادبية والدينية ، وان كان الهجوم فيما يتعلق بهذه الاخيرة أقل صراحة لاعتبارات عدة . ويبدو فى الغالب أن هذه النزعة المعادية للعلوم الانسانية وخاصة منها الدين والفلسفة والادب ليست صادرة عن فكر ماركسى حقيقيي دائما ، بل ان بعضها منبثق عن اجتهاد شخصى متأت من دراسة الواقع العربى بعد النكسة ، أى أن ذلك ليس عن عدائية مبيتة لكل ما هو روحي ووجدانى ، وانما لان هذه الدراسات والبحوث بما هى عليه حتى الآن وبحسب مناهج وعقليات القائمين بها لم تستطع أن تجنب الانسان العربى ، رغم تمسكه فى الظاهر بقيمه الروحية ومحافظته على تراثه الادبي من خطر الفناء تحت وطأة الحضارة التكنولوجيا التى تقودها الدول الكبرى ، وهو الخطر الذي يهدده فعلا بعد أن انتهكت حرماته واغتصب شطر من أراضيه

اذن فسياسة التضييق والتهجم على العلوم الادبية التى تمارسها بعض النظم العربية قصد حمل الاجيال الصاعدة على التخصص فى تكنولوجيا العلوم المادية التى أصبح عليها المعول وحدها - فى نظر هذه الأنظمة - للخروج من التخلف وبعبارة أخرى للتخلص من هيمنة الدول الاجنبية القوية لا بشئ

سوى العلم والتكنولوجيا هذه السياسة تأكدت بصورة خاصة بعد هزيمة 67  وهى الهزيمة التى يمكن أن نعتبرها بحق يقظة ثانية فى تاريخ النهضة العربية الحديثة . فقلد فتح الصدام المسلح بيننا وبين الغرب متلبسا بزى اسرائيل فتح عيوننا على حقائق مذهلة فيما يتعلق بمدى ما تحققه العلوم والتكنولوجيا الصناعية من انتصارات على حساب الحق والواقع والارادة والايمان لدى الشعوب المغلوبة .

واذن فما موقف الادب أمام هذه السياسة العلمية التكنولوجية التى تزداد الانظمة العربية الثورية كل يوم اقتناعا بها وتطبيقا لها ؟ وما موقفه هو بالذات بقطع النظر عن موقف الدين والفلسفة وسائر العلوم الانسانية الاخرى التى تجد نفسها هى أيضا مهددة والتي لا تخلو في الحقيقة من صلة وثيقة بالادب

وفى هذا السؤال تتمثل فى الواقع المشكلة أو الازمة التى يعاني منها أدبنا العربى المعاصر ، وهي أزمة خاصة وربما داخلية لانه يقاسى منها وسط مجتمعه وبتأثيره وارادة أبنائهم

وهو يعاني ازمة أخرى عامة نوعا ما اذ يبدو أنها تعاني منها سائر آداب أمم العالم الثالث ، ونعني بها مشكلة الغزو الثقافي الذي تفرضه التقنيات الحديثة التى تمتلكها الدول الكبرى والتي تتمثل فى وسائل اعلام الجماهير ، تلك الوسائل الالكترونية ذات الانتشار الواسع والتأثير البالغ . وهي مشكلة يخشى أيضا أن تتضافر مع أزمته الداخلية فى مجتمعه وتؤدى الى انحطاطه وتقوقعه واضمحلاله .

ويجابه أدبنا أيضا مشكلة أخرى على مستوى ثالث ، مشكلة نوعية وعامة . وذلك أنه على فرض كونه سيخرج منتصرا من هاتين الازمتين السابقتين في نطاق مجتمعه الخاص وفي نطاق وضعيته المماثلة مع آداب الامم النامية ، فانه فى صورة بلوغنا نحن العرب المستوى التكنولوجيا الذى بلغته حتى الآن الدول الصناعية الكبرى سيجد أدبنا نفسه فى وضعية مشابهة او هي عين الوضعية التى تجد فيها آداب الامم الصناعية الكبرى نفسها وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية . فان كلا من الادب الاوروبي والامريكى والسوفياتي واليابانى يصارع أكثر من أى وقت مضى من أجل ضمان استمرار وجوده وتأكيد وظيفته الى جانب العلم الموضوعي والطبيعى والآلة الصارمة اللذين يتحكمان فى دواليب الحياة هناك على اختلافها بما فى ذلك الانسان

أما فى اطار الازمة الاولى أو المواجهة الاولى ، فانه ينبغي أن تقرر هذه الحقيقة البديهية التى يمكن ان تنطبق على كل أمة ، وهو أن أدب العرب هو العرب أنفسهم ، وكل علم انما هو علم جميع الامم على اختلافها وخاصة كما تتمثله أخيرا وتطوره الامة الاقوى فى زمنها . ولذلك فالدعوة الى رفض الأدب أو التقليل من جدواه فى نطاق المواجهة العربية من اجل النهضة العلمية دعوة تحمل بذور الفناء للذات العربية ولعبقريتها الحضارية . وهي دعوة تخدم أو تساعد بطريق غير مباشر الامبريالية العالمية التى تريد أن تسيطر لحسابها على مقدرات البشر وتستغل الانسان حيثما كان من أجل تحقيق مطامع شعوبها الخاصة ، بالضبط كما كانت تفعل روما فى العالم القديم وان كان بصورة أخرى مخالفة فى الظاهر

هذه الدعوة الى العلوم التكنولوجية فى عالمنا العربي تصطدم بالادب وتريد استبعاده من طريقها ليس فقط فهما منها لمجافاته لطبيعة العلم ومزاج صاحبه كما قدمنا ، بل ولسببين مهمين فى رأينا ، هما : ان الادب يقوم حارسا على حياة اللغة القومية المتميزة بذاتها ، ومعلوم ان جنسية العلم اليوم ولغته اجنبيتان عنا تماما ويخضع فوق ذلك لقانون الاحتكار الضمنى أو الصريح من قبل من يملكه ويستولى على أسراره الرهيبة . ولذا تقوم فى بعض بلداننا العربية قضية التعريب ، من حيث أهمية التعريف أو لا فى المرحلة الراهنة . ويبلغ الامر الى أن نرى من هم أكثر اندهاشا واعجابا بمزايا العلم وانجازاته واكثر تأميلا فى انقاذه السريع لنا من لعنة التخلف - نراهم يسقطون من مقومات الشخصية العربية الجانب اللغوى - وبعضهم يسقطها مؤقتا - اكتفاء منهم بالجنسية الوطنية لعلهم أن يتخلصوا بذلك من عقبة اللسان القومى ، ذلك اللسان القاصر عن لغة العلم الحالية والمنافى للتعايش معها بحال من الاحوال . ولكن أصحاب هذا الرأى لم يقفوا عند هذا الحد المجافي للوجدان الادبى لأمتهم - مهما كانت نواياهم طيبة - بل خطوا خطوة أخرى أكثر جرأة وخطورة ، وذلك عندما سمحوا لانفسهم أخيرا بتبرير الانسلاخ على الجنسية القومية واستبدالها بجنسية العلم من أجل كسر آخر اسوار الاحتكار المضروبة على المعاهد التكنولوجية والصناعية ، وهم لا يبررون انسلاخ الانسان العربى مطلقا عن قوميته بل مؤقتا ريثما يقع التحصيل على العلوم المحظورة حاليا على العرب ومن لف لفهم

وهذا الاتجاه رغم سلامة نياته فيما يبدو ، وهم عموما التكنولوجيا العرب ومحبو التكنولوجيا منهم ، قد يصبح يمثل خطرا عظيما

على شخصية الامة العربية لا سيما إذا استخدمه التكنوقراطيون الذين أصبحوا ماسكين بزمام الحكم ضد ديمقراطية الادب ، وهو الشرط الضرورى والاساسي لممارسة الكاتب والاديب لوظيفته الطبيعية فى المجتمع ، تلك الوظيفة المتمثلة فى النقد الدائم للحياة فى جميع مساراتها الاجتماعية  والسياسية والثقافية ، كل ذلك من احل اقامة مجتمع انسانى أفضل يسوده النظام والجمال

وباختصار فان أدبنا العربي يجابه داخليا ، ازاء تطلع مجتمعنا الى تجهيز علمي وتكنولوجى لحياته المادية نزعة تسلل تكنوقراطى ، قد تؤثر فيه سئ التأثير إذا لم تتعدل ، وهي تفعل فيه على ثلاثة مستويات : أولا : مستوى الاقبال على دراسته والانتاج فيه ، ويمارس هنا ضغط للتقليل من هذا الاقبال مع جهل أو انكار وظيفة الادب الطبية فى تأكيد أصالة أمتنا ودوره فى تحديد اختياراتها القومية والانسانية المتجددة . ثانيا : التشديد على مراقبة مضمونه أو بعبارة أخرى سلبه ضمانة التعبير الديمقراطى . ثالثا : تضعيف حيوية أداته القومية - أى لغته - بالتخويل للغة العلم الاجنبية فى احتلال مكانة الاستعمال العلمي والحضارى فى المجتمع

أما المعضلة الثانية التى يواجهها أدبنا العربى كما أشرنا الى ذلك سابقا فهي التى يجد نفسه فيها مع عامة آداب الامم النامية التى يطلق عليها فى التعبير السياسى دول العالم الثالث . فهي تتمثل فى ضغط وغلبة تأثير آداب الامم الراقية عليه حتى لتهدده فى مميزاته بل وفي وجوده . ان ثقافة وأدب المعسكرين الرأسمالى والشيوعى يؤثران اليوم فى ثقافات وآداب الامم غير المنحازة لا كما كان يحدث التأثير والتأثر بين آداب الامم القديمة بحسب لجوار أو الاحتكاك التجارى ومع مراعاة عامل الرغبة والاختيار أساسا ، بل إن تأثير آداب الأمم المتقدمة لا يخضع لقانون الرغبة والانتخاب عند الطرف المؤثر فيه . ونسبة قوة هذا التأثير العظيم الذي تمارسه ثقافات وآداب أمريكا وأوروبا والاتحاد السوفياتي يمكن ان يقدر بأضعاف أضعاف تأثير الغلبة السياسية التى كانت تقع قديما بين ثقافة الشعب الغالب وأدبه وثقافة الشعب المغلوب وأدبه .

وذلك أن وسيلة الابلاغ والتقبل كانت تعتمد فى الزمن القديم على طاقة الرواية الشفوية لدى بعض الاستعدادات الفردية المحدودة من حيث التقبل

والناقلية ، وحتى حين تحسنت الاحوال فيما بعد بكثير عندما ظهرت حضارة الكتاب المخطوط الذى يعد ذاكرة آلية تستطيع ان تستوعب أكثر بكثير من الذاكرة الفردية والجماعية وتدوم أطول من العمر الانساني وتنشر بسهولة أكثر من الحركة الانسانية . . كل ذلك كان ينقل التأثير ويعممه بصورة أقل بكثير - حتى فى حالة الكتاب المطبوع - من التأثير الذى أصبحت تحققه في التو والحين وسائل الابلاغ التكنولوجية الحديثة المعروفة اصطلاحا بالMsass medi أو وسائل اعلام الجماهير ، وتتمثل خاصة في التلفزة والراديو والسينما . يقول سابير Sapir وهو أحد علماء الحضارة المعاصرين : " ان الوسائل العصرية للاعلام حققت الانتشار الاقصى لقضية الابلاغ الى حد ان العالم المتحضر أصبح ضمنيا العديل الفيزيزلوجى للقبيلة البدائية " .

ازاء هذا التأثير الداهم يتوجب على أدبنا لا أن يحقق انعزاليته حفظا لصورة له قدسية اكتسبها قديما ، وقد رأينا أن هذه العزلة غير ممكنة عمليا ، ولا أن ييأس ويستسلم لأن فى هذا وذاك مواته المحقق وبالتالى اضمحلال أمته وفناءها . ومواته هو الهدف الذى يسعى اليه فى الحقيقة هذا التأثير الادبي الاجنبى الذى تحمله اليه التكنولوجيا . بل ان ادبنا أدعى ما يكون الى أن يتكيف فى لغته ومضامينه ليصبح جماهيريا لا أرستقراطيا ولا بورجوازيا ولا سلفيا ، ويفوز بنصيب الأسد فى حقه فى السيرورة والانتشار فى مجتمعه على الاقل وقبل غيره بهذه الوسائل الحديثة نفسها للاعلام الجماهيري ، التى ستغطى قريبا شبكتها الحساسة كامل ربوع أمته من المحيط الى الخليج

وبهذا الاعتبار ، لا يمكن أن نتصور الا أن يبارك الادب السياسة العلمية والتكنولوجية التى تعيش اليوم بعض البلدان العربية على طريقة التجنب النظامي لها ، وذلك لان العلوم الفيزيائية ، فضلا عن تطبيقاتها التكنولوجية العديدة لمصلحة اقتصاد الامة وتسلحها تمثل بالنسبة للادب ، فيما يتعلق بتطبيقاتها التكنولوجية الخاصة بوسائل التبليغ ضرورة حيوية فى مجتمعه اليوم ، ضرورة الراوى والسوق للشاعر وللخطيب فى القديم ، وبدون تلستار عربى يصعب على الكاتب العربى المعاصر أن يملأ الفراغ الادبي الذي ولا شك ، تشعر به جماهيره العريضة ، ذلك الفراغ الذي يقصر الكتاب والمجلة والجريدة والمحاضرة عن ملئه ، أو لتعويض ذلك الانتاج الادبى المستورد منه والمتطفل الذى لا يصور فى شىء غالبا رغبات الانسان العربي ومخاوفه وآماله .

وأخيرا ، وفي نطاق الازمة الثالثة التى يجابهها أدبنا العربى المعاصر ، فسوف لا نعرض فقط لوسائل اعلام الجماهير كوسائل صناعية تحمل الادب حملا على أن يتطور طولا وعرضا وعمقا وفقا لمقتضياتها الآلية وتأثيراتها وآثاره المختلفة . بل وسنتتحدث أيضا عن ظاهرة استعباد الحضارة العلمية التكنولوجيا المعاصرة للانسان شيئا فشيئا والتى يخشى بحسب آفاق تطورها وتعميمها فى المستقبل أن تقضى تماما على دوافع الرغبة والاختيار والتعاطف ، وهي مظاهر انسانية الانسان فى الحقيقة ، وهى التى يكرس الادب نفسه لخدمتها وتحسينها .

ولذلك قلنا ان هذه المشكلة عامة تجابهها الآداب الحية جميعا . وأدبنا الآن يجابهها فى الحقيقة بالقوة بينما تجابهها بالفعل آداب الامم الصناعية الكبرى ومثل ادبنا في ذلك آداب شعوب العالم الثالث التى تسعى حثيثا للحاق بركب الامم المتقدمة علميا وتقنيا . وتجاه هذه القضية يجد أدبنا نفسه متضامن بطبيعة وجوده وموضوعه ووظيفته مع الادب فى فرنسا وفى ألمانيا وفي انجلتر وفي امريكا وفي روسيا وفي اليابان . وباختصار فى كل مكان من العالم يزحف فيه ركب العلم والصناعة على المساجد والكنائس والبيع والمعابد والأبراج والخلوات الطبيعية ، وتحدق الآلة فيه بجميع قدرات الانسان ومقدراته .

أما فيما يتعلق بالجانب الاول من هذه القضية ، وهي وسائل اعلام الجماهير أو ما يعبر عنه " بالماس ميديا " Mass media فقد أصبح أو من المقدر أن نصبح مجموع هذه الطرق هى وسيلة التبليغ والرواج الطبيعية لجميع الفنون وبخاصة فن القول . وليست الوسيلة لذلك فقط ، بل وفي الوقت نفسه عاملا خطيرا فى جعل الفنون تتطور تطورا مخصوصا لا عهد لها به .

لقد كان الادب - كما نعلم - يعتمد قديما فى جمهوره الاكبر على ما تحققه له مختلف أماكن التجمعات الانسانية المخصوصة للعبادة أو للتجارة أو للاحتفال أو للعمل الجماعى أو للحرب . وكان يعتمد فى تخليده على الرواية الشفوية بالتواتر . وفي اطار هاتين الامكانيتين لانتشاره وتخليده تحددت فنون الادب ومضامينه ولغته ووظيفته . فكان ادبنا العربى يتمثل فى بيئته الاولى البدائية ، وهى القبيلة ، فى الشعر والخطابة والحكاية . وكان لا يعكس سوى اهتمامات الفرد وقبلته فى دنيا الصحراء الواسعة حيث تتقاذف الانسان هناك عوامل الطبيعة وما وراء الطبيعة الرهيبة .

فلما دخل الادب عصر التدوين بحكم خروج أصحابه الى عالم ديني أوسع كان لزاما أن تنتشر فيه كلمتهم الادبية الى أبعد من مدى أصواتهم والى أقصى من مسافة تنقل رواحلهم - قلت لما دخل الادب الى عصر التدوين تغيرت الى حد ما تبعا لذلك جميع أركانه . وكان هذا التغيير يعكس نسبة انتشار الكتابة والقراءة . ولما كانت القراءة والكتابة الى وقت قريب فى مجتمعنا العربى طبقية جدا واحتكارية جدا - وذلك لاعتبارات كثيرة بعضها فى الحقيقة طبيعي ومرحلى - كانت وضعية الادب غير وضعيته فى القبيلة التى لم يكن بعرف أفرادها الطبقية الادبية على الأقل ، ومثال عنترة بن شداد حاضر في أذهاننا . أما فى عصر التدوين فقد أصبح للادب شأن آخر : انشطر على نفسه ، فكان هناك ادب الخاصة وكان هناك ادب العامة . وللاعتبارات الدينية المعروفة لم يكن معترفا له بالسيرورة والتعظيم والخلود الا أدب الخاصة أو بعبارة أخرى أدب الدولة أو أدب التدوين . وهو أدب نعرف اهتماماته ونعرف ما كان عامة نقاده المعاصرين يحوطونه به من رعاية وتقييم للمحافظة خاصة على سلامة لغته من التنزل عن مستواها الطبقى المفضل

ولكن الدولة فى العصر الحديث أصبحت جمهورية وديمقراطية ولم تعد دولة الخاصة وللخاصة . وقد تم ذلك - كما نعلم - بعد صراعات وحروب وبفضل تلك الثورات الفكرية والادبية التى عرفها العالم في شتى البقاع والتى تنبأت بتغير وضعية الانسان الى احسن اذا انكب ، أو كلما انكب ، على العلم الطبيعى واستغل بعمله وجهده نتائجه التطبيقية .

اذن فعصر العلم والتكنولوجيا الذي نحياه هو الذي يرجع إليه الفضل في  لحم شطرى الادب وفى قلب كثير من المفاهيم المتعلقة به . من ذلك مفهوم الأمية . فاذا كان مفهوم الأمية يعنى عدم القراءة والكتابة ، فيجب أن نقدر أن العالم سيعود ، إذا أراد ، بفضل اكتشافه لوسيلة التسجيل الشفوى والتسجيل الشفوى البصرى - سيعود الى هذا المفهوم كما كان قبل أن يختر الكتابة ليخلد تراثه . ويجب أن نصحح بناء على ذلك مفهوم الأمية الذى نطلقه خطأ على الجهل وقلة الخبرة . وما الاعتناء بالادب الشعبى أو الفولكلور الا نتيجة لهذا التطور العلمي والتكنولوجي الذي الغى حضارة الكتاب المخطوط الطبقية ( لمحدودية نسخ المخطوط وتوزيعه ( . ولذلك سقط أو سيسقط مفهوم أدب الخاصة أو الادب الرسمى ، وتعود للادب وحدته . ذلك الادب الذي سوف يصبح عنوان امتياز بعضه عن بعض بسموه فى الفصاحة أو ببعده عن العامية وذلك لانه بفضل وسائل الضبط اللغوي الاليكترونية  والتعليم الشفوى

البصرى الآلى المعمم سوف لا تصبح هناك عامية وفصحى ، بمثل ما نلاحظه اليوم بينهما من التباعد ، الا بمثل ما هناك من فرق طبيعي بين النثر الفني والنثر العادى . وسوف لا يكون هناك فضل بين أدب وأدب الا باعتبار الموهبة والدربة وعمق الاحساس والتجويد الفنى وبراعة التصرف فى اللغة والمعارف العامة والهدف .

اذن ، فالثورة العلمية والتكنولوجية التي نحياها الآن عصرها الذهبي لم تكن  نقمة على الأدب حتى يكون بدوره نقمة عليها ، انما مهد لها فى الحقيقة الفكر الادبى والخيال الادبي والنزوع الادبي ومنحته ، حين تحقق قدر كبير منها عموميته أو انتشاريته وديمقراطيته وخلوده ، فهل ينبغي الا ان تبقى - اعترافا - مدينة له بالرعاية والتوجيه ؟

ويمكن ، فيما يخص أدبنا ووقع التأثير التكنولوجي الاجنبى العلمى والادبى عليه ، ان نتفكر فى هذه الملاحظة التى يسوقها بعض الكتاب الغربيين المعاصرين ، يقول : " ان سيد اللغة هو الاستعمال ، وهو أمر يؤدى بنا الى القول بأن الادب يتوقف على الأميين . فلو لم يكن هناك الا المتأدبون الذين بحذقون جيدا أداء الالفاظ وتراكيب الكلمات ومعانيها لكان ثراء اللغة في اصطلاحاتها التقنية ، ولكنها فى هيكلها الاساسي لا تتغير أبدا " ويضيف هذا الكاتب نفسه قائلا : " ان تطور اللغات الذى لم يمكن تجنبه حتى الآن يمكن ، كما تنبأ بذلك حقا ريفارول اRivarol وضع حد له بواسطة اختراع الآلات التى تسجل الكلام كالحاكى والسينما الناطقة وجهاز الاملاء . . الخ . وانه حقا أيضا ان التقارب المتسارع الذى تحققه الأمم كل يوم يمكن أن يقود ، بطريقة ما من المزج ، الى خلق آلى للغة تخاطب عالمية طالما ظل يبحث عنها ، والتي يمكن نشرها والمحافظة عليها بواسطة التقنيات التى تتحسن باطراد "

ونحن لا نريد أن نؤمل بصدور هذه اللغة العالمية الا أن تكون لغتنا او بعبارة أخرى أدبنا أو بعبارة أخرى ايضا أمتنا فى حالة قوة ومنعة واعتزاز لحضارتها وانسانيتها عندما تصل الانسانية الى نهاية هذا القرن الذى يعلن عن ميلاد عصر " القرية العالمية " او ما يمكن ان نسميه باعتبار الكون عامة بقبيلة أهل الأرض " .

ولكن بعض الكتاب ، ومنهم الأديب الفرنسى المشهور ج . ديهاميل ، لا برضية هذا الفعل الذي فعلته وسائل التكنولوجيا بالثقافة وذلك ، حسب

قوله : " لان الثقافة والادب أشياء مقدسة ، لا يجوز أن نجرها فى أوحال حياتنا اليومية " .

وقبل أن نصل الى تعليلات ، من هذا النوع ، لآثار " الماس ميديا " فى الادب نقول ان هذه الآثار لم تكن قاصرة على تعميم الادب وتوحيد لغته بقدر ما وربط أغراضه بالديمقراطية الجماهيرية ، كما بينا حتى الآن ، بل لقد كان لهذه الوسائل ، كما أشرنا سابقا ، تأثير عميق في التطور الشكلى لفنونه ولمناهج دراسته ونقده ولطرق الانتاج فيه .

من المعلوم أن السينما والراديو ثم التلفزة احتضنت جميع الاشكال الفنية للتعبير من شعر وقصة وأقصصوصة ورواية ومسرحية وخبر ، ولكنها لم تلبث أن طورت أشكال هذه الفنون كما طورها الكتاب والجريدة والمجلة فيما قبل ، كل بحسب امكانياته التشجيعية والمادية ومقاساته وفنيات الاخراج التي لديه . فظهر فى السينما السيناريو أو الحوار المقتبس من القصة وظهرت المسرحية الاذاعية والتلفزية المقتبسة من المسرحية الطبيعية أو المستقلة بنفسها شكليا ، وبعث الاننشاد الشعرى سماعا ومشاهدة ، بعد أن كان أغلب أمر الشعر ان يقرأ صامتا على الورق ، وعادت أوزانه تكيف نفسها للالحان الموسيقية الجديدة . ورأينا دخول الفولكلور من الباب العريض لهذه الوسائل .

وأدت هذه الثورة المعممة فى أشكال الفن الى حدوث اضطراب خطير فى ميزان النقد ، وخاصة النقد التقييمي ، الذى اضطر أخيرا الى أن يضع هو نفسه مقاييسه الجمالية القديمة رأسا على عقب ليستطيع أن يتجاوب مع التطورات الحادثة التى ادت بالشعر الى فن اللاشعر ، على يد امثال كمنغز ووCummin الامريكي المعاصر الذي نشر ديوانا بغير عنوان فيه كلام غالط وصحيح ويكتب فيه بالماثل والمقلوب وبالالفاظ المتقطعة وبالحروف الكاملة والمشرومة والمنتفخة والهزيلة ، وبالرموز اللطيفة والفظيعة . ولستطيع النقد ايضا أن يتجاوب مع اللامعقول الواقع فى القصة الذى أدى الى اللاقصة عند ساروت Srote ومن في معناها . وليسستطيع النقد أيضا أن يتفهم التطورات الاخرى التى أدت الى سقوط الجدار الرابع في المسرح الكلاسيكى ، وهو جدار وهمى كان يرتفع بكل احترام بين المتفرجين والممثلين . وذلك فضلا عن ظهور المسرح المتحطم الجدران كلها .

كل هذه الفوضى التى حدثت للفنون الادبية ليست كذلك فى نظر كتابها

الرواد وانما هي تجريب وثورة دائمة وصل اليها الادب كما وصلت اليها كافة العلوم الانسانية وغير الانسانية نتيجة لظهور تلك المكتشفات والمخترعات التى ظهرت فى هذا القرن والتى أزرت بكل ما اكتشفته البشرية منذ آلاف السنين او بعبارة أدق بتؤدة حركة الاكتشاف التى كانت لديها عندما كانت الثقافة حكرا والجماهير مسخرة .

وأدبنا العربي سيتعرض ، بل هو قد بدأ يتعرض فعلا لسرعة العدوى بهذه التيارات ، وذلك لانعدام عنصرى الوقت والمسافة بينه وبين هذه التيارات الشكلية لكونها أصبحت تجد مسالكها الناقلة فى وسائل اعلام الجماهير التى تحدثنا عنها .

وأمر التأثر والتفتح طيب فى حد ذاته ، وانما يجب أن يراعي أدبنا عنصرى " الاختيار " و " المجهود " فى نموه ، والا فسيفقد ظله وبسرعة ، وذلك لان الادب الذى نحن معرضون للانطباع به آليا تخدم حتما أشكاله مضامينه وليس العكس وبدون تخلف .

ومع ذلك فالاستئناس بالادب الاجنبى والاستيحاء منه فى الاشكال والمضامين والروافد أمر لا بأس به فى حد ذاته على العبقرية الادبية العربية إذا كانت في حال تنور طبيعي في بيئتها . وأوكد من ذلك أن يلاحظ الكتاب والادباء العرب تلك الاستخدامات الرائعة والموفقة للتكنولوجيا العصرية من أجل خدمة الادب والفنون عامة فى تاريخها ونقدها وتطوير طرق انتاجها .

واكتفى هنا بذكر جهازين أساسيين للبحث العلمى فى الادبيات هما " الأورديناتور " أو " الكمبيوتر " وال " كسيروغرافي " أو بعبارة أخرى وعلى التوالى : العقل الالكتروني والنسخ الكهرمغناطيسي . والأول هو عبارة عن ذاكرة آلية محكمة دقيقة الاستحفاظ والاستظهار ، وفي بعض البلاد المتقدمة بدأ استعمالها فى الدراسات الادبية واللغوية ، وسيعم استخدامها فى المستقبل من قبل المرشحين للرسائل العلمية والباحثين فى ضبط المراجع والمصادر والتراجم والخصائص الفنية وشتى المقارنات والمفارقات والاحصائيات وما الى ذلك . ويجرى السعى حثيثا الآن الى تكوين قوامييس لغوية ودوائر معارف الكترونية ، ربما تستخدم في المستقبل كما تستخدم الساعة الناطقة فى التلفون .

وقد قام بعض المستشرقين باستخدام هذه الاجهزة والاجهزة الصوتية

ايضا لاجراء تطبيقات على قراءات القرآن وعلى انشاد الشعر العربي وفي تحقيق صحة نسبة المخطوطات المنحوولة أو المجهولة ، وغيرها من الموضوعات الادبية . وانه لما يسر ويبشر أن نعرف أن بعض الجامعات العربية قد تزودت حديثا بغير قليل من هذه الاجهزة المكلفة جدا . وهناك عدد من العلوم الانسانية الاخرى التى لا يشك فى علاقتها بالادب أخذت تستغل التقدم العلمي الحديث فى ميدان الآلة والتكنولوجيا كعلم الآثار وذلك فى تحديد أعمار العاديات بواسطة الأشعة الفحمية وبواسطة الأشعة الضوئية للبحث عن صحة الألواح الفنية والتحف الأثرية القيمة . ولقد أدت نتائج بعض الأبحاث المستندة الى هذه التطبيقات الى التعرف لاول مرة فى تاريخ بعض الحضارات القديمة على أزمات اقتصادية ومجاعات لم يكتشف أمرها قبل من خلال الدراسات النظرية والميدانية المجردة . ومعلوم ما للادب من صلة باقتصاديات الانسان

كل ذلك وآفاق تطور العلوم التكنولوجية تلوح بمخترعات قد يكون لم يتصورها خيال قط ، وربما حتى الخيال الادبى ذو القدرة العجيبة على نسج الحقيقة من المستحيل ، ذلك الخيال الذى كان يغذو ولا يزال يغذو ويحدو ، في أغلب الأحيان ، أذهان أصحاب الاكتشافات . وهناك اختراعات كثيرة أخرى فى قائمة الانتظار بعد أن خرجت الى حيز التنفيذ مشروعات : الطائرة النفائة والتلفزيون الملون ، والتلفون المبصر ، ومراكز توليد الطاقة الذرية والنووية وتحويل مجارى الانهار ، وتحلية البحور ، والاذاعة بالترانزستور ، والتلستار ، والصواريخ والرادار والمدن العائمة والغائرة بالبحر ، وزرع الاعضاء البشرية - قلت هناك اختراعات أخرى كثيرة منتظرة لعل أهمها بالنسبة للادب مسجلة أقوال الماضيين التى بوسعها أن تستعيد لنا تراث عدد من عظماء الانسانية الماضيين بأصواتهم الحقيقية بناء على معطيات محددة مستخلصة من دراسة ما تبقى من آثارهم

وقبل أن نصل الى ذلك ، أى قبل أن نصل الى انجازات التكنولوجيا فى أخريات القرن العشرين ، نلاحظ أنه قد أخضعت الآن بعض الاعمال الادب الى الترجمة الآلية وهو شئ يلاقي معارضة شديدة ، مثله مثل ما يعمد اليه بعض مؤلفي القصص التجارية - والتى قد لا تخلو من قيمة فنية - الى تكنير الصفات والأوصاف والاقوال التى تحكى الفعل وردود الفعل والمواقف والمجابهات فى الظروف المختلفة والمعلومات الخاصة بشتى الوضعيات الاقتصادية والاجتماعية والعقد المفاجئة والمصطنعة وحلولها وغير ذلك مما يحتاجه القاص فى السرد والحوار والحبكة والابطال قلت الى تكنيز ذلك كله تكنيزا آليا في

سجلات وبطاقات منوعة ومرتبة هجائيا وأبجديا وعديا وتاريخيا ورمزيا للاستعمال الآلى فيما بعد . وبمعنى آخر أصبح بعض الأدباء ينتج بدون معاناة لما ينتج مخرجو السينما فى هوليود

هناك فنيات لا محالة . . ولكن هناك شئ مهم يأسف عليه كثير من محبى الانتاج الادبى الساذج الطبيعى ، أولئك الذين يذهبون الى أن أروع الآثار الأدبية فى جميع العصور والبرور هو الأدب الألصق بالبداوة ، لأنه يعتمد على الموهبة والصفاء الذهنى وليس على التصنيع والتصنع . . وهذا رأى يخالفها فيه كثير من المؤمنين بضرورة أن يكون - وانه كان - لكل بيئة أدبها العظيم لأن الفكر البشرى والوجدان البشرى شىء مشترك بين الناس جميعا فى نسبه العامة ، ورب مصطنع أتقن من مطبوع

ولكن القصد فى الفن ليس الاتقان القائم على غير الجهد البشرى المباشر ونحن نرى باستغراب كيف يزور كثير من هواة الفن عن اقتناء المصنوعات اليدوية التى أصبحت تصنع فى الحقيقة آليا طبقا للأصلية تماما أو مع اتقان أفضل أحيانا ، وكذلك التحف واللوحات ، وقس على ذلك الموقف من  السمفونيات الالكترونية ودوامة الرش الزيتى الميكانيكية التى تبدع أحيانا لوحات فنية جد غريبة وبدون رسام

وليس من موضوعنا فى الحقيقة الحديث على غير الأدب من الفنون الاخرى التى أصبح يتوسل فى انتاجها بالتيار الكهربائى والحقل المغناطيسي والاشعاع الذرى والتفاعل الكمياوي . ولكن لأن الادب هو الآخر مسه الضر - ربما من هذه التكنولوجيا . وقد يكون من أسباب هذا التدخل العلمى والتكنولوجيا فى محراب الفنون ذلك التطرف الذى يذهب اليه اللامعقوليون باستخدامهم للكتابة غير المتروية والتي تصدر ولو عن نصف وعي ودون رقابة عقلية أحيانا بله فني .

وهناك أمر آخر فى العلم والصناعة يقض مضجع بعض أصحاب الفنون والآداب ، وذلك أن الحواس المجردة التى تتوقف عليها أعمالهم أحيانا بصورة كلية أصبح فى الامكان اليوم بعد تجهيز العينين بنظارات ) عينيات ( تزويد الحواس الأخرى : السمع والشم والذوق واللمس ، بأدوات ميكانيكية محسنة كثيرا لتأثيراتها . يقول أحد الكتاب المعاصرين ، وكأنه يلاحظ ذلك : أن الفلسفة تبنى لنا بناءات فى عوالم علوية متخيلة . أما العلم فبقطع النظر عن

تطبيقاته العملية ، فانه بدراسته للمادة وللكون ، من خلال مجاهيره ومراصيده ، يقدم لنا آفاقا مخيفة عن عالم يبدو لنا غير واقعي لأنه لم يعد هو المقدر للانسان بينما الأدب لكونه يصف لنا الانسان ومجتمعه ، وليبقينا فى عالمنا الذي نعيشه ، والذي نحكم بواسطة حواسنا واحساساتنا وأفكارنا وعلائقنا الاجتماعية بأنه واقعى . حقا أن الكتاب اللامعقولين يقدمون لنا عالما لا معقولا ، وان الشعراء الكونيين يزعمون أنهم يستطيعون أن يكتشفوا قوانين الكون فى متناقضات رؤاهم . وحقا أيضا ان الفلاسفة وأصحاب العلوم ينسون جميعهم أنهم أناس " .

وينعى بعضهم على العلم كثيرا من اختراعاته الضارة بالفنون الادبية المعهودة ، فيقول : " لقد قتل التلفون الرسالة وجريدة الأخبار قتلت المقالة الفكرية والأدبية ، وعفن كل من الراديو والتلفزيون الخطب ، وحملت السينما بحوارها المصور المسرح على الركون فى آخر معاقله : فى نص بحوم حول نفسه أو يتيه فى تأملات فلسفية . وهزأت بالنقد المجلات الطلائعية بما تلق من أحكام عشوائية . وأعطى العلميون والفلاسفة والمؤرخون لكتاباتهم مظهر تقنيا يزيل عنها كل مسحة أدبية . والقصة هى نفسها كملاذ للادباء المعاصرين ، يمكن أن تموت موتتها المريحة اذا أوشكت بدعة اللاقصة التي يكتبها المعاصرون ذوو النزعة الموضوعية ، على النجاح والحلول محلها . ولم يبق للقصاصين وقد انقطعوا عن جمهورهم العريض الا أن يلتحقوا بالشعراء المهومين فى جنتهم الهزيلة بالكنائس الصغيرة حيث يرتكنون هم بدورهم "

وعلى كل حال ، فيمكن ان نبدى وجهات نظر أقل تشاؤما فى هذا الخصوص ، ومجرده النهم من حب الاستطلاع ، ونلاحظ مع من يرى ب " أن الفنون الادبية لا تترجم فى تطورها الدائم إلا قابلية الانسان على التكيف لأوضاعه المادية الجديدة ، فانها - أى الفنون الأدبية - تنقسم على نفسها وتتكائر يعود الى وحدتها . لقد مضى زمان كانت فيه الملحمة شعرا وفي الوقت نفسه خطاب به ودراما وقصة وخبرا ونقدا وفلسفة وحتى علما . والسينما تستطيع بدورها ، بدون شك ، أن تقوم بدور الفن الأدبي الجامع الى أن يأتي يوم ، وقد بدأ يلوح لنا ، تفجر فيه بعض المخترعات الجديدة وحدتها .

وغير امر السينما الأدبية الجامعة هناك مشكلة دار الكتب الحديثة ذات الرفوف التى تبلغ الكيلومترات ، وهو شىء مهول اذا فكرنا فى أن الادب يمكن ان يقضى نحبه تحت ركام الأوراق ، وأن الفكر يمكن أن يختنق ويتلاشى

فما العمل ، هل نحرق الكل ؟ كلا ، ان الامر لا يقتضى أن نتخلص من أداة العمل اذا لم نكن نعرف كيف نستعملها ، ودون ذلك أن نقضي على الفكرة التحررية بين دفتى كتاب سقيم . بل ان الدعوة حارة والتأميل شديد فى أن تأتى سريعا الوسائل التكنولوجيا المتطورة على الدوام لتنقذنا من الضياع في هذه الفوضى . وينبغى ان نؤمن أيضا بالا يستطيب الذكاء الأكثر دربة لدى الاجيال القادمة التعبير فى خمسمائة صفحة عما يمكن التعبير عنه في  خمسين كلمة .

أما الخطر الداهم والأكثر هولا على الأدب ومريديه فهو المتأتي ليس من أدوات التكنولوجيا وآلاتها وقد رأينا محاسنها ومساوئها بل من التكنولوجيايين وأهل ذمتهم من الكتاب والأدباء . إن عامة التكنوقراطييين ، وهم الذين يقل فى اعتبارهم العامل الانسانى ازاء التطبيقات العلمية والتكنولوجية في اقتصاديات المجتمع وما يتصل به من شؤون الحياة الانسانية ، ان هؤلاء التكنوقراطيين زادوا عالمنا اضطرابا وأدبنا المتأثر بتوجيههم وسلطتهم - زادوه اضطرابا بعلميتهم وموضوعيتهم وتعظيمهم للآلة وعبادتهم للمال

ان الانسانية عامة تجد نفسها اليوم فى أزمة قاتلة . انها ثارت فى العصور الوسطى على الثيوقراطيين الطغاة وانطلقت بفردية مطلقة نحو الطبيعة تستغلها بكل قدرتها وحيلها لتحسن من أوضاعها المعيشية دون رهبة من غضبة الآلهة التى كانت متحكمة فيها طويلا ، وكان اللجوء الى البحث العلمي لتعزيز قدرة الارادة البشرية . لكن العلم أصبح تحكميا أفظع من الدين الكنسي

والنزعة الادبية السائدة اليوم هى التى لا تريد أن تعود بالانسانية الى الرومانطيقية الخالية من كل قانون اخلاقى وحكم عقلي وضمير ديني ولا النزعة الوضعية العلمية التى سودت الآلة والمال ، ولا أيضا الى الايمان الديني بل إلى طريق يستطيع فيه الانسان أن يوجه شؤون الانسان دون تقديم لسلطة فوق الانسان أو أدنى منه .

فما موقف أدبنا من هذه النزعة الادبية السائدة فى روسيا وبقدر قليل فى اوروبا وأمريكا . تلك النزعة التى تعتبر رد فعل على التقدم العلمي والتكنولوجى المتزايد ؟ فما موقف المفكرين والادباء العرب من ذلك ؟ فقد بدا الأجواء العربية هى أيضا تتلوث بدخان المصانع . . وبدأت المساجد تقفر الا من السواح وبدأ شبابنا المتأدب يتأثر بالأدب الاجنبى كما يرضى عليه

التكنوقراطيون ويروجونه بوسائلهم القوية - يتأثرون به وينسجون غالبا على منواله وهم غافلون . وبعبارة أخرى تذكرنا بصيغة المشكلة الثالثة التي نواجه أدبنا بالتضامن مع الآداب العالمية فى الدول الصناعية : ما موقف أدبنا من هذه القضية ؟

والى هنا أشعر ، وأعتقد أنكم تشعرون معي ، بأننا نلتقى فى هذه النقطة من بحثنا مع النقطة الاخرى التى اخترناها للمناقشة فى مؤتمرنا هذا ، وهو موضوع تقييم الاتجاهات الادبية فى العالم العربى ، وذلك ان من بينها ما يجرى فى موازاة شكلية ومضمونية تامة أحيانا مع الادب الاوروبي والامريكى خاصة .

وربما نكتفي - وأنا أختم - ان نلاحظ الملاحظات التالية :

أولا - ان الادب يجب ان لا يفهم منه الا انه تعبير عن حضارة أمته فى وضعها الراهن وكما ينتظر لها فى المستقبل ، ومتى كان الادب كذلك كان انسانيا وخالدا .

ثانيا - انه ليس بالضرورى أن يكون موقفنا من العلم والتكنولوجيا أو الصناعة هو موقف الرافضين ، الرافضين لهذين المكسبين من مكاسب الذكاء والجهد الانسانيين وخاصة من أبناء تلك الامم التى حقق لها العلم والصناعة كثيرا من الانتصارات الساحقة على حساب حقوق المستضعفين والمستعمرين وعلى رغم انسانية الانسان المغلوب بأدواتهم

ثالثا ان طبيعة الامم تختلف من حيث المقومات الضرورية لكل منها من اجل البناء الحضارى الواسع والمخلد ، ومن حيث أنها تستهدى بتجاريها المتوعة على امتداد تاريخها . وبخصوصنا فان ابن خلدون على حق حين لاحظ أن العرب قوم لا يتغلبون الا على الباسائط وأنهم أبعد الناس عن الصنائع وليس ذلك يدنهم وانهم لا يستطيعون تكوين الملك الواسع . كل ذلك حق ولا بقصد ابن خلدون بالعرب البدو ، كما يريد من يدافع عنه ، كما انه لم يتعصب على العرب ، كما رماه آخرون وانما هو رجل عالم نزيه ، ينطبق عليه بحق تعريف العالم المسلم الصالح . وقد أراد ان يقرر أن أمة العرب بقدر ما تكون خالصة فى عروبيتها بقدر ما تكون أقدر على التغلب ورد العدوان ، وذلك لأمر ورثته عن طبيعتها البدوية الخاصة الموجودة فيها بالقوة ، يقول : " انهم لا يذهبون الى المحاربة الا اذا دفعوا بذلك عن أنفسهم " ، ولا يعرضون أبدا

نفوسهم للهلاك ، لأن فى ذلك فناء لنوعهم . وانهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة فى الرئاسة . وما انكارهم للصنائع الا لتنافى ذلك مع طبيعة الرئاسة فيهم

ولذلك كله يقول ابن خلدون : " أن العرب أبعد عن سياسة الملك الواسع او اقامة الدولة الواسعة الاستيلاء " . ويقول : " ان العرب لا يحصل لهم الملك الا بصفه دينية من نبوة أو أثر عظيم من الدين على الجملة " أو " دعوة حق " حسب تعبيره . لان ايمانهم بذلك يذهب عنهم التحاسد ومذمومات الاخلاق و " يؤلف كلمتهم لاظهار الحق " ويتم اجتماعهم على ذلك لانهم أسرع الناس قبولا للحق والهدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات " .

ولذلك فان العرب فى حاجة اليوم للدفاع عن أنفسهم أمام الصهبونية والأمبريالية ومن أجل تجديد حضارتهم المضيعة وبناء صروح حضاره جديدة - فى حاجة الى " دعوة حق " يكون بها الوازع ، ليس فقط للحد من نحاسدهم وتنافسهم على الرئاسات ولتقوية المدافعة والمطالبة عن حقوقها المضيعة بل لتنشيطهم وحثهم على الأخذ بالعلوم والصنائع وعدم اهمال " للعجم " وغيرهم تلك العلوم والصناعات التى بدونها ينتقص أمر اجتماعها وتألفهم لنصرة تلك " الدعوة الحق " التى هى بتعبير حديث " الايدولوجية التى يحاول قادة الفكر الثورى من أبناء العروبة أن يحددوا خطوطها الكبرى وهى مهمة ليس للأدب فقط مهمة نقلها وتبليغها وتبسيطها بفنياتها المؤثرة ، وانما من مهمة رواده وعباقرته ومثقفيه أن يحرروا هذه الدعوة ، لأنهم هم وجدان أمتهم الأصيل وحاستها التاريخية الكبرى

ولا أريد أن أختم قبل أن أعود الى ما قلته فى اول هذه الكلمة من ان اصابع وأصوات الاتهام التى تعالت للتنديد ببلاغيات وغنائيات ما قبل يونيه ) جون ( 67 كانت السباقة منها الى ذلك أصابع وأصوات أدب وكتاب ثوريين مخلصين تفاعلوا مع الحدث العظيم وزاد وعيهم بمشكلة أمتهم وما عبارة " النكسة " المستعملة لوصف تلك المعركة الشنيعة التى خسروها الا كلمة أدبية تحمل السخط على قلة الوعى بوجوب التحذر من العودة الى السقوط فى تلك الورطة الاستعمارية التى كانوا فيها والتي تحمل في الوقت نفسه الأمل فى استدراك السلامة المنشودة لقوميتهم الحضارية الجديدة

اشترك في نشرتنا البريدية