الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

الادب المصرى(*)

Share

كنت حدثتكم فيما مضى عما لحظته وشهدته بمصر من تقدمها العلمى والصناعي والثقافى والعمرانى وأريد الليلة أن أنقلكم الى جو آخر من ملاحظاتى عن مصر وهى ملاحظات ان لم تشملها الدقة والعمق فليست بالملاحظات السطحية التافهة على مايبدو لى واننى لآمل أن يكون فيها بعض الفائدة المتوخاة وبعض التوجيه المنشود .

وحديثي الليلة أدبى ؛ ولكنه لا يبحث فى الأدب المصرى ولا فى ألوانه وافنانه ولا فى رجالاته وانتاجهم وانما يبحث فى الأدب المصرى بحثا خاصا ومن زاوية خاصة .

كانت مصر قبيل ربع قرن عبارة عن مصنع هائل للادب الحديث تعج آلاته القوية - وهم رؤس الادب المصرى الحديث كطه حسين وشوقي وحافظ وهيكل والرافعى - بالانتاج الضخم وتصدر مصر كل هذه البضاعة الشهية الى انحاء العالم العربى فيتلقفها باشتهاء وسرعان ما يهضمها واذا بها تسرى فى عروقه ولحمه ودمه واذا به يحاكيها فى الاسلوب والبيان وفى كل شئ حتى فى المهاترات والمنابذات ان حصلت . وقد كان من الخير للعروبة طغيان هذه المادة الأدبية ورواجها  الشديد الحافل الشامل فى سائر أرجاء البلاد العربية أو لم يوحد الأدب المصرى الحديث بقوة شخصيته بين مختلف اللهجات الادبيه المتبانة ؟ أو لم يطبعها طابعه الجميل ؟ فاذا بالبلاد العربية يظللها علم الوحدة من هذه الناحية وهي لا شك ارهاص قوى للوحدة العربية المبتغاة فان وحدة اللسان والبيان توحد الافكار ، ووحد الافكار نوحد المجتمعات ولكن مصر حدثت فيها احداث بعد ذلك كان للادب فيها أثر قوى عميق فقد نبه الافكار من حمول ونشط الادمغة من ذهول وكان رسول اصلاح بنارة مباشرا وتارة غير مباشر . ذلك ان الأدب بطبيعته متحرك محرك ، فهو كالدينمو وكالاشرارة وكالتور من طبعه أن يوحد الحركة

وان يبعث النشاط والاحتكاك وقد كان كذلك ، فلما علم القوم . فى مصر بان أدبهم لا ينبغي أن يكون غاية الغايات لنفسه أبدا وانما يجب أن يظل وسيلة كما كان فى كل عصور الانبعاث سلكوا به مسالك جديدة تنفق كلها على نبذ فكرة الأدب للأدب . والشعر للشعر ، ولم يرتضوا أن يكون حبيسا فى قمقم الفن للفن وأطلقوا له العنان فجال بهم بعد ذلك فى مجالات الانبعاث والتطور وشب عن الطوق وصارت مهمته ان يكون بيانا واضحا جليا للكشف عن اساليب الانبعاث العمرانى وان يقوم بمهمة الوسيط في بسط الانبعاث الاقتصادى والاجتماعي والثقافي والسياسي ، وهكذا استخدم القوم الادب كالآلة التى تستخدم لتوليد النور وتكييف الهواء واصلاح الحقل وانهاض المصنع والمعمل وترقية المدرسة والجامعة .. اما طابعه الأول وهو الفن للفن فقد تخلى عنه ولم يبق شئ من هذا الطراز الا بقايا تعيش على هوامش الذكريات ولا يكاد يبين لها صوت او ركز فى عالم اليوم بمصر .

وقد شهد سذج النظر وقاصروه وجامدوه ميلاد هذا اللون من الأدب فى مصر ، شاهدوه على صحفها وكتبها فخالوا ان الادب قد استوفي انفاسه واسفوا اشد الاسف لهذا الذى حدث وهلعوا اشد الهلع له فما هذا الذى يقرؤنه اليوم فى الصحف السيارة وفي الكتب العلمية والعملية المنتشرة وهي النشرات الاقتصادية والثقافية - ما هذا بادب ، انه شئ اخر غير الأدب وان الأدب قد انطوى ظله انطواء واصبح مكانه خلاء وواديه مصوحا . . والواقع غير ذلك فهذه خطوة من خطوات حيوية ادب الامم تصل اليها ويصل اليها ادبها إذا ما بلغت هذا المستوى وبها تستطيع ان تواجه مطالب الحياة المستجدة يحدوها بيان ادبها الواقعي ويرسم لها الخطط ويشترك معها فى التصميمات والعمليات وفي التطبيقات والمقارنات والاصلاحات .

فاذا استعرضنا حالتنا الادبية على هذا الضوء فان لنا ان نقول : من قبل ثلاثين عاما ولد الادب عندنا ضعيفا مهلهلا طابعة التقليد ولم تكن له حياة ذاتية ولا شخصية مرسومة ولا طابع متميز وانما كان ظلات تقليديا همه ان يدأب على محاكاة غيره وقد تنازعه طابعان أول تكونه هما طابع الأدب المهجرى وطابع الأدب المصرى فلما

اشتد عنفوان الادب المصرى ايام السياسة الاسبوعية وايام قوة الهلال والمقتطف اكتسح هذا من امامه الادب المهجرى فاصبح ادبنا ذا طابع تقليدى واحد وظل كذلك حتى اليوم وقد ظل الادب لدينا مكتفيا باجادة العبارة وحفل بالاسلوب وتنميته اما الموضوعات والاهداف فهى مكررة وسطحية وغير ذات عمق ولا سموق .

والآن وقد شعرنا بان دفة الادب المصرى الذى نقلده قد تحولت وقد تطورت وشبت عن طوق فكرة الاسلوب والفن والفنية وغاص الادب هناك غوصه الواقعي في لجى الحياة بمصانعها وبمدارسها ومعاقلها واقتصادياتها وعمرانياتها فهل يمكننا ان نستفيد من هذه الفرصة ونسعى من الآن لتحويل دفة ادبنا الحديث عن مزاولة التوافه والبسائط التى ما برح الكثير من انتاجه يشغل بها كل الشغل ويعني بها كل العناية ويراها كل شئ وهى على هامش الحياة ؟ ام اننا سنسعي لتطوير الادب عندنا وجعله ملائما للتطور الحديث مساهما فى حركة البعث الواقعي - باستخدامه فعليا فى مناطق العمل والواقعية والاحياء ؟ وباى شكل سنقوم بهذا ؟ انيقي فيه من هواة التقليد ايضا كما كنا من قبل ؟ ام سنشق لنا ولادبنا طريقا جديدا يوائم مطالبنا ويتسق مع احوالنا وبتكيف بكيفية حياتنا وطبائعنا وتقاليدنا ؟!

اكبر الظن اننا سنسير كما سرنا من قبل ، واقل الظن اننا سنكون سائرين على غير ذلك اذ ليس لدينا حتى الآن من قوة الادب والثقافة ما يكفل لنا النظرة العميقة والاستقلال الحق بواجبات الادب والاستغلال الصحيح للادب لجانب الحياة وبحسبنا ان نجيد فى التقليد وان نكون اصداء لغيرنا طيلة الدهر إذا صر خواصر خنا معهم ، ولتكن مطالبنا غير مطالبهم ، ولتكن حياتنا الاجتماعية غير حياتهم فحسبنا ان نجيد فن التقليد وان تتنافس فيه ونتناقش وان نسعى له عشرات السنين حتى ادا اوفينا على القمة التقليدية بعد مدة مديدة كان مثلنا مثل ذلك الشخص الذي اعتراه خلل فى عقله فظن نفسه حبة قمح فكلما رأى دجاجة فى الطريق ولى هاربا فلما استفحل داؤه ادخل المستشفى ثم اخرج منه بعد ما فهم الطبيب انه شفي وسار معه طبيبه لاول مرة فى الشارع فشاهد دجاجة تسعى فلاذ بالفرار وحينئذ صاح به الطبيب المرافق : او لم تقتنع بعد بانك انسان ولست بحبة قمح ؟ فقال اجل : لقد اقتنعت بذلك تماما ولكن من يقنع الدجاجة ؟!...

اشترك في نشرتنا البريدية