بما ان القصة اصبحت اوسع انواع الادب رواجا ، واشملها لاغراضه واساليبه ، واشدها فاعلية ، نركز هذا البحث على القصة بوجه خاص . لقد ادرك " زولا " زعيم المدرسة الطبيعية رغم ما وقع فيه من اخطاء مذهبية ، مدى اهمية القصة ومدى امكانياتها فاعلن عن سلطانها وشيوعها قبيل نهاية القرن الماضى اذ قال : " لم يعد للقصة اطار ، لقد اكتسحت جميع اصناف الادب وجردتها من مكاسبها . انها كالعلم سيدة العالم ، الطبيعة بكاملها ميدان لها . . وفي الحقيقة ان روائع القصص المعاصر اكثر معرفة وتعريفا بالانسان من كتب رصينة فى الفلسفة والتاريخ والنقد . وهذا التصريح لم يكن سوى نبوءة صدقت فى القرن العشرين
لقد كثر الشعر وتضخمت عملته فى بلادنا فالشعراء يشكون الاغلبية بين محترفى الادب عندنا ويبدو ان هذه الاغلبية فى صعود مستمر فهذا بريد الفكر وبريد الاذاعة يكادان لا يحملان الا المحاولات الشعرية ومن حقي التصفيق لهذه الظاهرة بوصفى من انصار الشعر ولكن الغالب على الظن ان هواة آلادب انما هم اميل الى الشعر لانهم يعدونه اسهل من سواه ويحس القارى المطلع من هلهلة قصائدهم انهم يجهلون معاناة الخلق
وأمام هذه الظاهرة المؤسفة التى سوف نعود الى بحثها فى مقال اخر لا يسعنا الا ان نبارك انتباه عدد من كتابنا الى اهمية القصة ودورها العظيم وان نشجع المحاولات التى يقومون بها فى هذا الميدان . ولكن هذا لا يمنعنا من التنبيه الى ان القصة التونسية تكاد فى الوقت الحاضر لا تسلك الا منهجا واحدا هو ما يسمى بالواقعية . ونحن نخشى ان تؤول سريعا الى ما آلت اليه المدرستان الواقعية والطبيعية في اوروبا من افلاس . اذ من المعلوم انهما اضاعتا الحقيقة من جراء تمسكهما بالواقع الظاهر تمسكا ينفي قاعدة اساسية لكل عمل فني هو الاختيار وانتقاء الجدير بالذكر من الاحداث والأشياء . والواقع ليس دائما حقيقة ، فالتفكير والتامل هما الحقيقة الوحيدة كما قال " بريس Bres الذى يعد الحديث عن الاعراض الزائلة منقصة ونزولا . وفي هذا رد ضمنى على الذين يعيبون الادب الرومنطقى او سواه على خلوه من الشواغل الاجتماعية ومن صور الحياة اليومية حتى انهم قالوا ان هذا الادب لا يخبرنا حتى عن اسعار الخضر والبقول فى ذلك العصر
ان الاغلبية الساحقة من الفنانين اولائك الذين وقفوا حياتهم على التعبير عن الجمال والحقيقة ينقسمان الى شقين اثنين : احدهما واقعي يريد رسم الاشياء او تقديمها كما هى بدون ان يدع لاهوائه وميواله مجالا لتكييفها فاذا به يكتب شهادة فى اسلوب تقريرى . اما الثاني وهو الخيالى او المثالى ، فانه يرسل اضواء فكره وروحه على الاشياء ويدعونا الى مشاهدتها بعينيه والانطباع بها حسب احاسيسه .
وهكذا فان الاول يكون اشبه بصحفى ينقل حديثا وصفيا يلتقط بعدسته مناظر من الحياة الجارية كما يفعل مخرج شريط " احداث الاسبوع " والثاني اشبه بالمخرج الفنان الذى يختار المشاهد ، ينقحها ويعكس فوقها حالته النفسية فاذا بعمله تجسيم لنظرية ما يجب ان يكون عليه الواقع او استكشاف ذاتي لحقائقه العميقة الباطنة .
والملاحظ ان جميع الآداب فى بحثها عن الحقيقة وفى تعبيرها عن مختلف جوانب مأساة الوجود من " الاوديسة " الى " اللاقصة " ، تعلن عن التصاقها بالواقع ومن هنا نشأ اختلاف فى مدلول هذه الكلمة ذات الوجوه
لقد ظهرت الواقعية كرد فعل ضد المبالغات الرومانطيكية وتغاليها فى فترة رجحت فيها كفة الشؤون الاقتصادية على حساب الشؤون الروحية ولكن المدرسة الجديدة التى كانت فى الاول تعمل على احداث طريقة جديدة للخلق الفنى لا تنفى الشعر ولا الخيال ، سرعان ما تطرف زعماؤها ودعوا الى ادب يكون نسخة امينة للواقع وشنوا معركة ضد الفن باسم الحق . وتمادى اصحاب هذه النظرية حتى جردوا الواقع من كل روح شعرى ، وافضت بهم الحال الى " الطبيعية " التى تعوض النظرية الفنية بالنظرية العلمية ، حتى ان كاتبا مثل " زولا " طفق يتجول فى " حديقة الحيوانات البشرية " بعدسة تابى ان تنفتح الا على قبح الانسان والعالم . الامر الذى جعل احد الكتاب مع كونه من " الواقعيين " يستنكر هذه الطريقة مقارنا الكاتب " الطبيعى " بنحلة تبحث عن عسل جديد فاعرضت عن الزهور وفضلت ان تدخل المطابخ وان تقع فوق المزابل . والوقوع فوق المزابل هو بالضبط ما نحذر منه القصة التونسية فهناك ميل قوى الى قول كل شىء باسم الحق وباسم مقاومة الكبت .
كان الطبيعيون يجيبون من يرغب فى اكساء الواقع حلة خيال لاغراض استيتية ، باننا نخلق بذلك عالما بعيدا عن الانسان ، ولكنه يغرى الخيال وهنا نجد تضاربا ملحوظا ولا نتمالك من ان نتساءل ما اذا كانت الواقعية واقعية حقا . فالوهم والحلم والذهول التى تقصيها باسم الموضوعية وحتى باسم " الانسانية " ليست ملتحمة مع الواقع البشرى ؟ اليست حياة الانسان متركبة من جانب مادى وجانب وهمى ؟ ان الرؤيا " الواقعية " منقوصة بمقدار النصف
يقول " الان " : " ان الكاتب الخلاق ، ليس مجرد انعكاس للأشياء " ولذلك يناهض " كامو " الادب التقريرى مؤكدا : " ان عالم القصة ليس سوى اصلاح لعالمنا هذا حسب رغبة الانسان العميقة " . اذ ان ابطال القصص يصلون الى منتهى حظوظهم ، وينهون ما لا نصل به الى نهاية
ومن جميع الجهات ، رغم الانتصارات التى حصل عليها " الواقعيون " تعالت أصوات تشهر بتغاليهم وبتجاوزهم الحد ، وما الرمزية الا حركة معاكسة لهم انهم يؤمنون بان الفن مجرد ليس للانسان به من صلة فى حين ان الفن هو الانسان مضافا للطبيعة ، اذ لا تسمو الطبيعة الى مستوى الفن ما لم تمتزج بذكاء الانسان . ولقد بين " بروست "ust Pro كيف اننا بالفن وحده نكتشف كنه حياتنا ، ونكتشف الواقع كما احسسنا به وهو مخالف لما كنا نظن . وهكذا فان الادب كما يتصوره الواقعيون هو حسب " بروست " ابعد ما يكون عن الواقع وهو اكثر انواع الادب تفقيرا واحزانا لنا . فالواقع يختلف شكله ولونه وطمعه باختلاف احاسيس الناس وحواسهم . ان مولد الفجر مثلا يبعث الانشراح فى نفسى ولكنه قد يبعث الكآبة فى غيرى ممن يثير فيهم مرأى الفجر هواجس والآما حصلت لهم عند فجر يوم من الايام ان البحث عن الحقيقة فى العالم المرئى الملموس دون سواه ، يجعلنا نتخلى عن الفريسة فى سبيل ظلها . وعوض ان يصف الواقع بكل دقة ، يعمل الكاتب الاصيل على ترجمته .
ان القارىء لا يفتح كتابا لمعرفة ما تعرفه بعد او ما يمكن ان يعرفه بنفسه ، بل ليكتشف او ليراقب نفسه ، ليقارن ويثرى حلمه بحلم الفنان . افليس الحلم الشعرى كما قال " ريفردى" Reverd افتراض حياة ، مثلما يكون افتراض العالم حلما علميا .
الادب الخالد لا يحاكى الحياة ، انه يسبقها ويكيفها طبقا لاغراضه . لقد اثبت التاريخ غير ما مرة ان خيال الادباء كان اساسا للكثير من التطورات الحاصلة فى المجتمعات . يقول " مالرو malraux " لقد أخذ العالم ذات يوم يشبه كتبى " .
والسريالية التى تريد نفسها " فوق - واقعية " تتحدى اباطيل الحقائق الظاهرة وتعمل على استخلاص الهالة السحرية التى تحف بالواقع عبر متاهات اللاشعور مطلقة العنان الى جامح اوهامها وتخيلاتها . ويمكن لنا حتى ان نؤكد
أن المسرحيات القديمة والاساطير الميثولوجية ، مهما كانت مشطة مفرطة ، تحوى عادة من الحقائق الباطنة ما لا تبلغ اليه اية قصة واقعية . فالادب ، احب الواقعيون ام كرهوا ، يسعى الى تكييفنا حسب نماذجه ، ابطاله الحقيقيون او الوهميون يشكلون بالنسبة لنا مجتمعا خياليا لا يبحث فيه الانسان عن نسخة طبق الاصل من الحياة بقدر ما يبحث عن حل لغز حياته هو . فالقصة كانت ولم تزل مرآة ينعكس عليها وعى جيل من الاجيال . وهي تعنى بروح ذلك الجيل اكثر مما تعنى بهيكله وعندما تتعرض الى الواقع فانها لا تلبث ان تنقحه طبقا لمتطلبات جمالية او مثالية . وليس فى هذا بعد عن الحقيقة بل فيه بعث لواقع جديد
ويبدو اليوم ان المذهب الواقعى الطبيعى قد عوضه لون آخر من الادب يعتمد التجلى الوجودى وبدون ان ننقص من قيمة هذا الادب الملتزم الذى فقد الاخر كثيرا من الهيبة التى كان يتمتع بها خلال سنى ما بعد الحرب العالمية الاخيرة . نلاحظ بارتياح انه يوجد الى جانبه ادب يمد جسرا بين الشعر والواقع
وما الادب المثالى سوى ذلك الذى يندمج فيه الانسان بكليته ، ويجد فيه صدى لرغائبه العميقة ومنها طموحه الى ان يتجاوز منزلته ، وان يثأر لنفسه منها وان يفر بعيدا عن حضارة موحدة الاسلوب آلية الحركة ، قصد خلق الحياة من جديد طبقا لافتراض شعرى .
والذى ندعو اليه كتابنا القصصيين هو ان يتجنبوا السهولة ومزالق " الواقعية " المفرطة التى تؤدى الى الابتذال وان يقفزوا بانتاجهم الى القرن العشرين دفعة واحدة . فالقصة المعاصرة هى التى نجحت فى ادماج العلوم الانسانية مثل النفس والفلسفة وعلم الاجتماع ، وهي التى وصلت بتعددها واختلاف مناهجها ، الى معانقة جميع اشكال الفن وفروع المعرفة

