الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

الادب والغزو الفكري

Share

كان النقاد القدماء ومقلدوهم من المحدثين يتجهون إلى البحث - حينما يريدون ان يؤرخوا عصرا ادبيا - عن اسباب ازدهار الادب فى ذلك العصر ، ويعودون بظاهرة الازدهار  الى ما يفكرون فيه من تلك الاسباب . ونحن فى عصرنا الحاضر نبحث لا عن اسباب الازدهار ولكن عن اسباب التخلف ، عن العوثق التى عاقت الادب العربي عن ان يكون فى مستوى الاداب العالمية .

عن عوامل الهدم التى اسهمت بحظ وافر فى تقييم الكلمة والسمو بمكانة الحرف ، وجعله طريق الهداية النفسية والفكرية والسلوكية . وهو فى مقدمة الاداب العالمية التى تعمقت النفس الانسانية فى حبها وبغضها ، و نزقها وغضبها ورضاها وسلمها وعدوانها وفجورها وطهورها ، سموها ووضاعتها ، فتحدث عنها ووصفها وكشفها لعشاق الحرف ومحببى الكلمة .

ان ادبنا لم يكن ادب لفظ ولم يكن ادب خطابة وتهريج ، ولم يكن ادبا متخلفا عن العصور التى عاش فيها ، ولكن عوامل الهدم التى طوحت بالمجتمعات العربية طيلة الاجيال الماضية اصابت الادب برشاشها فتخلف نتجية لتخلف المجتمع ، وهو الآن يحاول الانتصار على التخلف كما يحاول المجتمع ، ولعل من مظاهر هذه المحاولة عقد هذا المؤتمر الذى يبحث - فيما يبحث فيه - اثر الغزة الفكرى فى الادب .

ولعل من سخرية الاقدار ان ننسب الغزو الى الفكر ، وان نتحدث عن الغزو الفكرى كما نتحدث عن الغزو العسكرى او الغزو الاقتصادى او الغزو الاستعمارى ، وكان الفكر وسيلة من وسائل الغزو او كانه سلاح هدم والمعروف عنه أنه اداة بناء .

ولكن هذه الحقيقة المرة ، فان الفكر استخدم كسلاح للغزو ، لم يكن الغزو من طبيعته ، وانما الذين استغلوه واستخدموه سخروه كما سخروا المعرفة والقنون التقنية والآلة للغزو ، واتخذوها كما اتخذوا فرقة عسكرية لاحتلال بلد ما واستغلال ممكناتها وتسخير سكانها واستعباد المواطنين فيها .

وكلنا يعرف ان نابليون حينما عزم على احتلال مصر قدم بين يديه مجموعة من العلماء والمفكرين ليمهدوا للغزو نفسيا وعلميا وفكريا ، وان اثرهم كان كبيرا فى تقبل طائفة من المصريين لهذا الغزو ، وفى انسياق طائفة من هؤلاء نفسيا وفكريا لمحاسن الغزو الفرنسى وكلنا يعرف كذلك ان فرنسا حينما اتجهت

الى احتلال المغرب العربى قدمت بين يدى جيش الاحتلال جماعة من العلماء والمفكرين والادباء والرحالين والجغرافيين وبعض الذين يتقنون العربية او الذين انقطعوا لتعليم اللهجات البربرية التى يتحدث بها قسم من سكان بلاد المغرب ، ومن المؤسف ان نقول انها قدمت بين يدى جيش الاحتلال مجموعة من الرهبان سخروا الدين للاحتلال ، وسخروا بعد ذلك الاحتلال للتبشير بالديانة التى يدين بها المحتلون ، وهؤلاء جميعا مهدوا للاستعمار ، وكانوا هم الجيش الخفى يمهد للمعركة ويخرب الارض الصلدة تحت اقدام الابطال الذين قاوموا الاستعمار ، وقدموا دماءهم فداء لبلادهم .

فكان الفكر اذن وسيلة من وسائل الغزو ، وكان المفكرون فصيلة فى جيش الاحتلال ، ومن سوء الحظ انها كانت اقوى فصيلة مهدت لانهزام الحرية فى وطننا العربي وكان لها الاثر الكبير فى تحريف المقومات العلمية والحضارية لبلادنا العربية . فقد نصبوا أنفسهم لكتابة تاريخنا فشوهوه ومزقوه وادخلوه في باب تاريخ العصور المظلمة واذا كانوا قد نسوا او تناسوا الجهود الحضارية والفكرية التى بذلها العرب فى تاريخهم ، فانهم قد اتجهوا الى جوانب الضعف فى هذا التاريخ فركزوا عليها ابحاثهم ، وبذلك اصبح العرب عندهم مجموعة من القبائل تتصارع من اجل الغلبة والسلطة واصبح الحكم والحاكمون عندهم مجموعة من المتسلطين الذين استعبدوا شعوبهم ، واضاعوا كيانها ليستطيعوا استغلالها افظع استغلال ، ولذلك لا غرابة ان تحذف فى كتب التاريخ التى كتبها الاستعماريون الجوانب المشرقة فى تاريخها لتبرز جوانب الضعف او الجوانب المكذوبة .

وقل مثل ذلك حينما يتحدثون عن التراث الحضارى العلمى او الفنى او الفكرى فانهم يوجهون البحث توجيها استعماريا ، فينكرون على علمائنا الاصالة الفكرية وكل ما اتوا به انما هو ترجمة او شرح او تكرار للفلسفة اليونانية او للفقه الرومانى او للفن المعمارى الغربى او لفن النقش والرسم الاسبانى او الموسيقى الاجنبية ، وكل اصالة فكرية فى ادبنا تعود عندهم الى اصول يونانية او اجنبية على العموم انحدرت اليه بواسطة الوراثة الجنسية عن جد قديم او جدة اعرق فى القدم .

ومثل ذلك يقال حينما يقيمون انتاجنا ، فالمغرب عندهم مثلا انما يستطيع ان ينتج فى الفقه والجدل اللفظى اما الفلسفة واما فلسفة التاريخ واما الادب ، فهم يعودون باصول ذلك الى تراث اندلس وهو تراث مطعم بفكر غربى وليس عربيا اصيلا رغم ان الحضارة الاندلسية لم تكن فى اصلها ومبناها الا حضارة عربية مغربية اصيلة . وما استفادته من اى تراث اخر انما هو من قبيل ما يمكن ان تستفيده اية حضارة من اية حضارة اخرى

ولا يمكن ان نذكر هؤلاء الباحثين الذين ساروا فى ركب الاستعمار او كانوا رواده دون ان تذكر اللغة ، وهى الوسيلة الاولى للفكر - واثرها فى الغزو الفكرى ، فقد كانت لغة المستعمر - ونتحدث عن تجربتنا في المغرب العربى - الوسيلة الاولى للغزو الفكرى الاستعمارى ، دخلت بلادنا لا على انها لغة فكر وحضارة وثقافة ، ولكن على انها لغة رفع الامية ولغة حديث ولغة غازية تحل محل اللغة القومية في الحديث والكتابة والمعاملة . واذا كانت قد دخلت المدرسة والإدارة فقد غزت كذلك السوق والمعمل والمصنع والمزرعة والنزل ، وطاردت العربية في كل مجال يمكن ان تنتفس فيه نسيم الحياة . واذا لم تستطع القضاء على لغتنا القومية نهائيا ، فقد كانت اثار مطاردتها قوية عنيفة وخاصة في الحزائر حيث اصبحت اللغة العربية لغة متخلفة لا تستطيع أن تسد حاجات الفكرية ولا حاجاتنا الحضارية والادارية .

واذا سمع اخواننا فى الشرق العربى حملة المواطنين العرب فى المغرب من أجل التعريب فلا يستغربوا ، فقد اصبحت العربية فى هذه البلاد غريبة من كل مجال فكرى او حضارى او ادارة ، واصبحنا نتكلم بلغة ونفكر وتدير ونتعامل باخرى بل ان اللغة الغازية احتفظت بمكانتها ، فلا يكاد يخرج المتعلم منا صف مجال الحديث العادى حتى يلتجئ اليها لتساعده فى التعبير عن افكاره ، ولو كانت افكار مجردة لا علم فيها ولا تقنية .

واللغة كما لا احتاج ان اقول ليست اداة لكنها فكر وروح ، ليست اسماء وافعالا وحروفا ، ولكنها تحمل كل مقومات الامة التى تبينت فيها وسايرت تاريخها وكل تطوراتها الاجتماعية والفكرية والاقتصادية والحضارية فاذا استغلت كأداة للغزو فانها - بالإضافة إلى قضائها على اللغة القومية - تحمل معها طابع الامة الغازية وفكر الامة الغازية ، وتحمل مع الطابع والفكر التقدير والاعتراف والتأبى ( أى الاعتراف بالابوة ) وغير ذلك مما يمكن ان يكنه المواطن للغته القومية . فهي اذ تحل محل اللغة القومية تتمتع بكل الممكنات المادية والمعنوية التى يمكن ان تتمتع بها اللغة القومية .

وذلك غزو خطير للفكر والروح والنفس والذوق سبيله اللغة التى تقوم فى بلادها بدور آخر في خدمة الفكر الادب والذوق والروح والنفس . ولهذا الغزو اللغوى مركبات او عقد نفسية خطيرة واتتحدث هنا ايضا عن تجربتنا فى المغرب العربى .

فى مقدمة هذه المركبات :

احتقار اللغة القومية ، والانسان بطبعه عدو لما يجهل فاذا وقع المتعلم فى مازق بن لغتين ، احداهما فيما يعلم قوية متطورة تمكنه من التعبير والتفكير وتقدم له نماذج حية يقرأها ويفهمها بسهولة ، والاخرى فيما يعلم لمتخلفة تعيش فى الماضي وتقدم نماذج ميتة لا تقيم أوده قراءتها ولا يتفهمها ، فهو منساق اراد

او لم يرد ، الى الابتعاد عن هذه كلما اقترب من تلك والى احتقار لغته القومية كلما اعتز باللغة الاجنبية . ومن ثم نجده يقوم مقام المستعمر في تحقيق الغزو الفكرى ثم الدفاع عن اللغة الغازية على حساب اللغة القومية لان التي يدافع عنها هى فيما يعلم الاوضح والاقوى والاجمل والافيد ، ثم هي اللغة التى تقوم عليها حياته ، وليس فى استطاعته ولا من مصلحته ان يعود اميا او نصف متعلم ولذلك فهو يتبنى الفكرة التى يقوم عليها الغزو الفكرى الاجنبى والامة هى الضحية .

ومن اخطر هذه المركبات ان المتعلم وهو يحتقر اللغة القومية ويدافع عن اللغة الغازية يجد نفسه فكريا ونفسيا في غير وطنه او هو يجد نفسه واقعيا ومعاشيا فى غير وطنه الفكرى والنفسى ، فهو موزع الشخصية منقسمها يعيش بين قوم ويتكلم لغتهم ولكنه منفى فى فكر اخرين واحاسيسهم ومشاعرها ومثلهم ، صلته بهؤلاء اقوى وأمتن من صلته بالآخرين ولكنه مع ذلك ليس واحدا من هؤلاء ولا هو ابنا من ابنائهم . قبأى فكر يفكر ؟ وبأية لغة يكتب ؟ بل لمن يكتب ولمن يفكر ؟

نتيجة هذا المركب الخطير انه ينصرف عن التفكير والكتابة لبخلد الى السكينة فى ركن مجهول من ادارة ما ، وهو المصير الذى انتهى اليه كثير من اصحاب المواهب الادبية عندنا ، او انه يعيش عمليا - كما يعيش فكريا ونفسيا - فى بلد اللغة الغازية ليفكر لها وبها كما حدث لكثير من ادباء المغرب العربى وخاصة الجزائر قبل استقلالها وثورتها المظفرة .

والنتيجة ان اللغة العربية كانت فى الغالب اضعف من ان تسعف الحاسة الادبية عند اغلبية المتعلمين فى المغرب العربى ، وكانت اللغة الاجنبية تشعرهم بهذا المركب الخطير فينصرفون عن الادب ، وذلك سبب من اسباب الضعف الذى تعانيه الحركة الادبية فى المغرب العربى .

اذن فالغزو الفكرى تسرب عن طريق غزو اللغة الى الادب وكان اثره الخطير ان اصحاب المواهب الادبية احد رجلين : رجل يتقن لغة اجنبية ويفكر بها ويستطيع ان ينتج بها ، ولكنه يتخلى عن الانتاج لانه يعيش بين جمهور له لغة قومية اخرى ربما لا يقدر انتاجه او لا يتفهمه ، ورجل يتقن لغته القومية : العربية ، ولكن افاقه محدودة لانه لا يستطيع ان يفتحها على اداب عالمية اخرى فهو يجهل لغة اجنبية تمكنه من ذلك .

وتلك خسارة اية خسارة للادب العربى .

واشير هنا - وانا بسبيل التحدث عن اخطار هذا المركب - الى ظاهرة هامة نلمسها نحن فى المغرب العربى وخاصة فى المغرب والجزائر ، وذلك ان

اللغة الاجنبية طاردت اللغة العربية فى مناطق لا تتكلم عندنا اللغة العربية من المناطق الجبلية او السهلية التى تتحدث بلهجات بربرية كما هو الشان في بعض مناطق النوبة بمصر او المناطق الكردية التى تتحدث الكردية فى العراق مثلا ، فى هذه المناطق المغربية حاولت الفرنسية او الاسبانية ان تخلف اللغة العربية التى كانت هي لغة التعليم والثقافة والمعاملات الادارية والدينية قبل الاستعمار . وخلفتها بالفعل إلى حد بعيد ، وبذلك اصبح المغربي في هذه المناطق يبعد عن العربية لانه يتحدث فى البيت البريرية ويقرأ ويكتب ويفكر بالفرنسية او الاسبانية ولا يمكن ان نتطلب من هذا ان يكون اديبا عربيا مهما تكن مواهبه والمتفوقون من هؤلاء - وخاصة فى الجزائر - انتجوا بالفرنسية ولم ينتجوا بعربية ولا بربرية

من المركبات الخطيرة الناتجة عن الغزو الفكرى الاستعمارى اضعاف الشعور بالقومية وانحلال الحاسية الوطنية عند بعض المنتمين الى الأدب ( وخاصة اثناء العهد الاستعمارى ، فقد سخر بعض الادباء والشعراء وبعضهم كان متفوقا فى زمنه - سخروا ادبهم للاشادة بالاستعمار وبالحاكمين الاستعماريين

ولا نأسف على شئ قدر اسفنا على مواهب وامكانيات فكرية غمرها الضياع لان اصحابها قصروا انتاجهم - وقد كانوا من كتاب الدواوين الحكومية الاستعمارية - على مدح الحكام الاستعماريين والاشادة بمزاياهم  بشعر لا بأس بلغته واسلوبه . والاشادة باعمال الحاكمين فى الصحف الاستعمارية بنثر فنى كان من اجود ضروب النثر الفنى فى العالم العربى انذاك .

قد لا تكون تلك جناية الغزو الفكرى الاستعمارى ، ولكنها غزو الفكر على كل حال .

ولعل اخطر مظاهر الغزو الفكرى تتمثل فى فساد القيم الفكرية والاجتماعية التى انتشرت مع الاستعمار ، فالحملة التى قامت بها كتيبة العلماء والمفكرين والاساتذة التابعة للحملة الاستعمارية لم تكن لتتخلى عن مهمتها فى نشر قيم خطرة في المجتمعات العربية . واذا كانت الطائفية فى الشرق العربى احد مظاهر هذه القيم الخرية المخربة فان العنصرية فى مقدمة هذه القيم التى اضطلع بها الغزو الفكرى في المغرب العربي . المجتمع الواحد اصبح مسلما ومسيحيا ويهوديا وعربيا وقبائليا وبربريا وكرديا وتحلل المجتمع الذي كان من الممكن ان ينهض بفكر عربى موحد على اساس قومية عربية واحدة الى مجموعة من الطوائف والقوميات كان الاستعمار يهدف من ورائها - لولا ان ادركته اليقظة الوطنية - الى خلق مجموعة من الشعوب المتصارعة ليتمكن بذلك من اضعاف امكانياتها الوحدوية من جهة وليتمكن من اضعاف امكانياتها الانتاجية

من جهة اخرى ، ولتكفيه مهمة التوغل فى السيطرة عليها . وربما يكون قد نجح فى ذلك حتى اصبح الحكم فى بعض البلاد العربية بين الطوائف والقوميات المختلفة التى ابتدعها . فتفتيت المجتمع العربى وتمزيقه لم يأت عن طريق القوة فحسب ولكنه أتى عن طريق الفكر الذى سخره علماء الاستعمار ومفكروه الذين بحثوا فى الاصول الاولى للمجتمعات قبل ان توحدها العروبة او يوحدها الاسلام ، ودفعوا بالسلطة الحاكمة الاستعمارية الى تمزيق المجتمعات على اساس هذه الاصول او على اساس الطوائف الدينية والعنصرية ، وكان لهذا اثر خطير على الفكر العربي كذلك .

وللادب دور فى صد هذا الغزو كما سنرى .

والاستعمار الذى كاد يكون مذهبا موحدا له أصوله وقواعده وسيرته واعراقه تلقف العالم العربى فى وقت تكوين القوميات الموحدة ، وبدلا من ان يساعد هذا العالم على الوحدة ساعد على التمزيق والتفريق وخلق الحدود المصطنعة والدول المختلفة والوطنيات الضيقة واذا كانت هذه الوطنيات قد نشأت تحت تأثير فكرة مقاومة الاستعمار فقد تعمقت فيها جذور الوطنية الضيقة حتى اصبحت كل مجموعة منها تكون وطنا ودولة وحدودا تقف فى بعض الاحيان جيوشها للدفاع عنها .

هذه الوطنية الضيقة التى غزت العالم العربى انما هى نتيجة للغزو الفكرى الذى نقل فكرة القوميات والوطنيات الاروبية بكل مباذلها وسيئاتها الى عالم كل ما فيه يدعو الى الوحدة والترابط وما من شك فى ان الكفاح الوطني قد استفاد من هذه الافكار في مقاومة الاستعمار ، ولكنه قد خسر الزمن فيما نعتقد لانه كافح الاستعمار جزءا جزءا وبلدا بلدا وخسر الزمن كذلك لانه مايزال حتى الان يبحث فكرة الوحدة مذهبيا وعمليا ، وما يزال يجد فى تحقيقها كثيرا من الصعوبات لم تجدها الدول التى انتصرت منذ القرن الماضى على كل التعقيدات الاقتصادية والاجتماعية التى نشأت من تطور الحضارة والنمو الاقتصادى وانتصرت كذلك - وهذا مهم جدا - اثار وعقد الحروب الطاحنة التى قامت بينها فى القرن الماضى وفى النصف الاول من هذا القرن .

وهكذا نجد ان الدول الاستعمارية التى نشرت القوميات الضيقة فى البلاد العربية قد تخلت الان عن هذه القوميات وبدأت تنادى مثلا بأروبا للاروبين بدلا من النداءات السابقة ، فرنسا للفرنسيين او المانيا للالمانيين ، ونجد كذلك ان الغزو الفكرى تبنى افكارا او نظريات اجتماعية من شأنها ان تحطم قوة المجتمع وتضعف وحدته . . فالفلاحون مثلا لم يخلقوا الا لكى ينتجوا للحضريين الذين عليهم ان يفكروا والعمال طبقة كادحة عليها ان تنمى الدخل الفردى لاقطاعى الصناعة كما ينمي الفلاحون الدخل الفردى لاقطاعى الفلاحة .

والبلاد - مثلا - تقسم الى المناطق النافعة وهى المناطق المنتجة المستغلة والمناطق غير النافعة . والسكان ينالون حظهم فى العناية وفى الاستفادة بمقدار ما ينتج اقليمهم .

وما من شك فى ان افكارا تقسم المجتمع على هذا الاساس كانت خطرا على المجتمع نفسه وعلى المواطنين العرب الذين كانوا ضحيتها رغم كفاحهم للتخلص من السيطرة الاستعمارية .

ونجد افكارا اجتماعية واردة قد تحطم اصول مجتمعنا ووطنيتنا العربية ، وهي مع ذلك تدخل مع الفكر الهادف الغازى لتزيد فى بلبلة الفكر القومى العربى ، ولتشغلنا عن المعركة التى نخوضها والتى يجب ان ننصرف اليها معركة التحرر ومقاومة التخلف .

تلك بعض مظاهر الغزو الفكرى التى اتت عن طريق الغزو الاستعمارى القديم منه والحديث واذا كنا ضحية لهذا الغزو فى ماضينا فيجب ونحن نبحث عن الحياة الفضلى فى حاضرنا ومستقبلنا ان نتخلص من هذا الغزو الفكرى كما تخلصنا من الغزو السياسى والاستعمارى .

والادب باعتباره الوسيلة الاولى لبث الوعى وتحرير الفكر من رواسب التخلف وانقاذ المجتمع من الانحلال يجب ان يخوض المعركة ضد الغزو الفكرى . وعن طريق القلم نستطيع ان نصحح الاوضاع التى استهدفت للانحراف والتزييف فيما كتبه المنحرفون من رواد الاستعمار الفكرى ، ونستطيع ان نبصر الشعوب العربية بقيمة اللغة العربية وتراثها الحضارى والفكرى ونستطيع ان نحرر الفكر العربي من التبعية للقيم الفكرية والعلمية المزعومة التى نشرها بين الباحثين علماء ومستشرقون استهدفوا بابحاثهم الانحرافية تزييف التاريخ والتنكر لحقائق العلم .

اننا التزاميون فى معركة التحرر التى نخوضها ودورنا هو دور القلم الملزم الموصف بالحرية المتعطش لان يخوض فى سبيلها معركة ضد كل مظاهر الغزو الفكرى ، معركتنا في صميم معركة الحرية ولن تكون الا رد فعل للمعركة التى خانها المثقفون المنحرفون الذين باعوا انفسهم للاستعمار فكانوا فى ركبه الغازى وصرفوا اعمارهم باحثين منقبين عن كل وسيلة لتحطيم قوميتنا ومجتمعنا وتراثنا .

اشترك في نشرتنا البريدية