... لقد مر ذهنى بجملة من الموضوعات والمشاكل الادبية التى تشغل بال الادباء فى الوقت الحاضر ، أو التى تشغل بالى - على الاقل - فاستوقفنى الشعر الممزق الضائع بين ماض يشده فيحكم وثاقه باسم الاصالة ، وبين حاضر بعمد فيه بعضهم الى تفجيره باسم التحرر تفجيرا مخطرا ، واستوقفتنى القصة المتخبطة فى تجارب مرتجلة لتقنيات غريبة لا تخلو من مجانية وابهام أو واقعية مسفة ، واستوقفنى المسرح المتعثر فى خطى طفولته ، واستوقفنى النقد بل استوقفنى مكان شاغر ينتظر اليوم الذى يحتضن فيه النقد العلمى الصحيح ذلك النقد الذى يكون سمادا ولقاحا لحقول الادب ، لاعشبا طفيليا يخنق جذوره نعم استوقفنى النقد وفكرت فى الموضوع طويلا وكنت أود أن احدثكم عن الاخطار والمضار الكثيرة المنجرة عن تلك الحملات الجوفاء والتعاليق المسمومة التى هى ليست من النقد فى شئ ، اذ لعل النقد فى الادب التونسى يمثل أشدجوانبه مأسوية. و بعد تردد امام هذه المسائل ، وقفت آخر الامر عند قضية لها ارتباط وثيق بكل هذه الموضوعات ، وهي الى جانب ذلك قضية الساعة بالنسبة الى الادب فى كل زمان وكل مكان فهى قضية كل عصر وكل جيل فى حالة مخاض:اعنى قضية التجديد . وانتم على علم بدون ريب ، بهذه الجلبة التى تصاعد فى جو الادب هذه الايام حول ضرورة التجديد المطلق والتنكر لكل ما هو قديم ، حقا انها لزوبعة فى كأس ماء هذه المعركة الغريبة التى لا يمكن بحال تسميتها خصومة بين القدامى والمحدثين ، فالفريقان لم يلتقيا ، وظل الخصوم بلا خصوم ، يحاربون طاحونات الريح .
فمن وحى التجربة الشخصية انتاجا واستهلاكا ، ومن وحى الدرس والتأمل ، أريد ان افضى اليكم بخواطر سريعة حول التجديد اطرحها للنقاش فى شكل
مقدمة أو مدخل لهذا الموضوع الشاسع . وقفت اذن عند هذه القضية فقلبت أوجهها العديدة ، فقفزت الى ذهنى مجموعة من الاسئلة والتساؤلات ولكأنى نحت سور مدينة الادب وابو الهول بالباب ينتظر الجواب .
الادب بشتى فروعه مادة حية تحتاج بدون شك الى المراجعة المستمرة والى التكيف الذكى كشرط من شروط البقاء وكسنة من سنن الحياة . لكن هل هو فى حاجة الى التجديد أم الى التجدد ؟ وهل التجديد ثورة أم تطور ؟ بل وهل يحسن أن يكون التجديد ثورة أم تطورا ؟ وبمعنى آخر ، هل التجديد تنويع شكلى وجوهرى متصل متماسك ، أم هو قطيعة وانفصال ؟ ثم ما هو الحد الفاصل بين التجديد والتقليد ؟ أفلا تعتقدون ان ما يسمى تجديدا ليس فى كثير من الاحوال الا تقليدا لحركات التجديد القائمة ؟ وهل التجديد حركة جماعية أم هو وليد عبقريات منعزلة ؟ ثم هل تكون القواعد عقبة فى وجه المجدد الواعى ؟ هذه اسئلة اطرحها على نفسى وعليكم . ومهما تكن اجوبتى واجوبتكم فانه يتعين علينا قبل كل شئ النظر أو اعادة النظر فى مفهوم الادب وفى فحوى رسالته وفى طرق تبليغها . فما هو الادب اذن ؟
للاجابة عن هذا السؤال يجب بدون ريب ان نعود الى مئات الدراسات التاريخية والنقدية والى بيانات الادباء انفسهم ثم نحاول تلخيص أهم ما اصطلح عليه فيها من تعريفات وشروح ، وليس هنا مجال لمثل هذا المبحث . لنقتصر اذن على ان نعرف الادب تعريفا بديهيا مدرسيا :
الادب هو كل اثر مكتوب أو مروى ( أو بلغتنا الحديثة مذاع ) ينطبع باسلوب فنى خاص ، أى يتراءى من خلاله مزاج الكاتب طريفا متميزا . معنى هذا ان مقالا علميا صرفا ، أو خبرا مجردا او تقريرا شرطيا عن حادث مرور ، ليست من الادب فى شئ ، لانها غير ذات اسلوب ، ولان اللغة فيها مجرد مصطلح ولان الجانب الوجدانى المميز الطريف يظل محايدا .
وعلى ذكر التقرير ، لنأخذ صورة شمسية ، وصورة زيتية تمثلان مشهدا واحدا ، ولنقارن بينهما . ان عدسة المصور أدق واحكم التقاطا للمناظر من عين الرسام بلاريب ، ولكن الاولى غير ذات اسلوب ، اذ ان كل آلة تصوير بامكانها ان تلتقط المنظر نفسه بالامانة ذاتها ، ولكن عين الانسان تعطى المشهد شيئا زائدا ، فقد تضيف اليه ما لا يرى من عناصر ، وقد ترى فيه ما يبعث على الاكتئاب أو القلق أو الفرح ، بحسب مزاج الرسام ، فاللوحة الزيتية تعبير عن حالة
نفسية بقدر ما هى تعبير عن مشهد مجسم ، نلمس فيها ذكاء الانسان وحرارة العاطفة ، ونلمس فيها دائما جانبا رمزيا يحتاج الى تاويل ، اما الصورة الفوتوغرافية فهى نقل موضوعى الى حد كبير ، كذلك الشأن بالنسبة الى الاثر الادبى والاثر العلمى او الاخبارى التقريرى . دعنا نأخذ مثالا ثانيا أقرب الى الادب من الاول : عندما تفتح صحيفتنا اليومية ونطالع فى ركن الحوادث الخبر الآتى :
(( فى قرية كذا ، تناولت المسماة فلانة البالغة من العمر ست عشرة سنة ، كمية من مبيد الحشرات فتوفيت ، والبحث جار )) .
انه لمن المستبعد جدا ان تتأثر لهذا الخبر ، وان نفقد من جرائه شهية الاكل إذا كنا نقرأه على مائدة الطعام ، الا اذا كنا نعرف الهالكةمعرفةشخصيةوتربطنا بها علاقة ما . بينما لو أخذ الحادث كاتب يعرف مخاطبة الوجدان ويحسن تحليل المأساة التى ادت بهذه الفتاة الى الانتحار ، فيجرنا إلى دنيا من المرارة والخيبة والضغوط الاجتماعية ، ثم يضع سطرا تحت عمر الضحية ست عشرة وما يسع هذا السن من احلام واوهام ومثل وآمال ، اذ ذاك فقط نتأثر ، اذ ذاك فقط يتحرك فينا الانسان فيفكر ويتألم واذ ذاك تربطنا علاقة خاصة بهذه الفتاة . وهناك جانب كبير من روائع القصص العالمى مستمد من مثل هذه الاحداث اليومية المنشورة بالصحافة التى تتحول الى اشياء اخرى تحت لمسة قلم ساحر ، أشياء ربما ابتعدت عن الواقع الظاهر ولكنها أقرب الى الحقيقة الخفية . كلكم على علم يمأساة جبريال روسيى (Gabrielle Russier) تلك الاستاذة الفرنسية الشابة التى عشقت أحد تلاميذها وارادت ان تتزوج منه ، فقدمت الى المحكمة ودخلت السجن ولاكت عرضها الصحافة والالسن ، وظلت العدالة تضطهدها حتى انتحرت ولعل منكم من استنكر باسم الاخلاق الموروثة والتقاليد الجارية علاقة استاذة بتلميذها ، والمسألة دقيقة شائكة بالفعل ، ولا يمكن لاحد مهما كان متحررا ان يتلقى هذا الغرام الشاذ بدون ان يشعر بصدمة ولكن ادعوكم الى مشاهدة شريط ((الموت حبا)) الذى اعده واخرجه اندرى كيات (A. Cayatte) لرواية هذه القصة الاليمة استنادا الى الوثائق العدلية من جهةوالى بوميات الاستاذة من جهة اخرى، ثم تعالوا نتحدث فى الموضوع بعد مشاهدة الشريط فانا متأكد من انكم ستغيرون نظرتكم واحكامكم . ولعلكم قدسمعتم اغنية سيرج ريد جيانى (S. Reggiani) التى مطلعها (( من الذى مد يده لجبريال . عندما انقضت عليها الذئاب )) وانى لاجزم بأن شعور مواساة عميق قد انتابكم عند سماعها وجعلكم تفكرون تفكيرا أليما فى منزلة الانسان وفي العادات
والتقاليد ومفهوم الاخلاق.هذه القوة التى تغير النظرة والاحكام وحتى الاوضاء هى الادب ، الادب هو الذى يحول الكلمة من اداة وصف واخبار الى اداة حركة وفعل . الحب ، والحياة ، والموت ، مواضيع دائمة ومناجم لا تنفد بغوص فيها الكتاب مذ كان الادب ، وشروحهما موجودة فى القواميس بشئ من الدقة ، ولكننا لا نفهمها ، ولكننا لا نحس بها ، لا نعيشها الا من خلال الادب ، من تهويمات الشعراء ومن خلال تحليلات القصاصين وكتاب المسرح وتعقيداتهم . القواميس والتقارير تحنط مفاهيم الاشياء ، والادب يبعث فيها الحياة بما يستخرجه منها من مدلولات جديدة وبما يجد أو يوجد لها من روابط خفية فيما بينها ، حتى لكأن الاشياء تتطور تحت تأثير الادب . كيف لا وقد اصبح الادباء اليوم بالاضافة الى التجربة الخاصة والمعاناة الشخصية والى خصائص الادب فى ذاته يستعينون بالعلوم الانسانية كلها ، لتسليط الاضواء على عقدة الكون ولغز الوجود ، ان اللغة الادبية هى وسيلة التعبير الوحيدة التى تخاطب الانسان بكليته ، وتلقى به فى خضم مشاكله ، ليعى وجوده ، وليفقه كيانه ، وليجدد طاقته وعزمه على تعرف الحقيقة ، وليغير ما به .
من خلال الشخصيات والمواقف المستمدة من الواقع الملموس المشاهد ، أو التى يصوغها وهم الكاتب ، يتسنى لكل قارئ عيش تجربة جديدة وتتوفر له فرصة اضافية لايجاد سبب يربطه بالحياة . ولقد صدق من قال :
(( نحن لا نقرأ كتابا ، نحن نقرأ انفسنا من خلال كتاب ، اما لنكتشف انفسنا او لنراقبها )) وهناك حتى من قال : (( اننا لا نقرأ كتابا ، اننا نكتب الكتاب الذى نقرأه )) .
ولقد رأينا كيف ان شخصيات ومواقف خيالية لم تخلق الا فى حلم الكاتب او فى جنونه ، بلغت رغم بطلانها مرتبة الحقيقة ، واصبحت تعيش فى عقولنا وفى افئدتنا وفى تصوراتنا كنماذج حية نضرب بها الامثال ونتخذها امثلة واشكالا نكيف بها الواقع أو نجد له من خلالها مفهوما .
ليس ثمة ما يثبت ان القصص الميثولوجية الاغريقية قد جرت احداثها فى الواقع ، وليس ثمة ما يثبت ان (( روميو وجوليات )) قد وجدا حقا ، وليس ثمة ما يثبت ان شهر يار وشهر زاد قد عاشا فى عصر من العصور ، ومع ذلك فان كل هذه الشخصيات موجودة فى اذهاننا وجودا فعليا ، فهي ان لم تجسم الواقع الملموس ، تجسم الحقيقة الجوهرية ، حتى ان البحوث الفلسفية
والنفسانية مثلا ترجع دائما الى تصرفات (( لفكاديو )) (Lafcadio) بطل (( اندري جيد )) (A. Gide) فى روايته (( دهاليز الفاتكان )) ( Les caves ( du vatican لشرح عملية الفعل المجانى ، كما ترجع الى (( أوديب )) ( Œdipe ) و (( انتقون )) ( ( Antigone و (( اوريست (Oreste ) لشرح بعض العقد أو لشرح ابعاد الفعل وحدوده بوجه عام . وهكذا يبحث الادب عن الحقيقة سواء كانت فى الواقع المعاش أو فى الخيال الذى هو فى آخر الامر ، واقع مفترض .
وعلى ضوء هذه الاعتبارات يتأكد لدينا ان العلم وحده لا يكفى للوصول الى المعرفة إذ لابد للعقل من سند وجدانى ولا بد له من الاعتماد على التجارب الحية الظاهرة والباطنة . اضف الى ذلك ان حياة الانسان تنقسم الى قسم معاش فى الواقع وقسم معاش فى الحلم . هذا هو الادب فى الجملة ، فكيف يخلق وكيف يكون .
للاجابة عن هذا السؤال ايضا ، يحسن ان نعطى بيانات مدرسية أى غير مذهبية . الكاتب له بدون ريب دافع ذاتى للكتابة وله غاية من وراء ما يكتب هى تبليغ حقيقته ، وسواء أقصد ايقاظ الضمائر أم ايقاظ الجنس ، فان سبيله الى ما يريد واحد ، وان أول عملية يقوم بها هى الاختيار ، اختيار حدث أو تجربة معاشة أو مفترضة ، ثم يقوم بعملية ثانية هى التنظيم الهيكلى لمشروعه ثم يشرع في الانجاز بتركيب الكلمات والجمل حسب تقنية خاصة منطبعة بمزاجه هى اسلوبه ، هى هو .
الكلمات مصطلحات قديمة مشاعة اضناها الاستعمال وافقدها الاستهلاك حدة معانيها ومضاء مدلولاتها ، لكنها تكسب حياة جديدة تحت قلم الكاتب الاصيل فباختياره وبتركيبه لها يستطيع ان يصقلها وان يعيد لها شبابها الاول فتنطلق محملة حتى بما لم تخلق له من معان . ولكن الكاتب الاصيل يصطدم هو أيضا بعجز اللغة عن الاداء والتبليغ فيضطر الى تفجيرها لتطويعها وقد تستعصى وقد تقصر فيحدث الغموض ، والغموض ليس عيبا فى ذاته ، فهو يحدث بصورة طبيعية كلما أراد الكاتب ان يستخرج كنوز أعماقه الى النور فيبدو التعبير غريبا ، فى حين ان المعبر عنه هو الغريب فى الحقيقة .
الغموض مباح اذن ، بل هو ضرورى احيانا ولكن يجب ان ننظر بعين الحذر الى كل هذه المحاولات المشطة حتى نميز بين الاعتباطية والارتجال ، وبين المعاناة والتقنية المدروسة ولا يغيب عن اذهاننا فى هذا المجال ما قاله احد
النقاد : (( يجب ان يكون الادب سهل الفهم صعب الكتابة لا صعب الفهم سهل الكتابة )) كما يحب ان نتأمل وان نعتبر بهذا الحكم الذى اصدره الفيلسوف (( نيتشه )) اذ قال : (( يجب ان يصيح الكتاب وراء الريشة والحبر والمكتب ، ولكن الريشة والحبر والمكتب هى التى تصيح وراء الكتاب بوجه عام . لذلك كانت الكتب فى ايامنا تافهة )) . أى ان الكتابة ضرورة لا يمكن مواجهتها الا بعد شعور حاد بالازمة وهذا الشعور الحاد باللازمة ، لا يقبل الا ممن توفرت له الثقافة الواسعة والتجربة الطويلة ، فكثيرا ما يؤدى الجهل والقصور الى المرور بازمة غير حقيقية ، هى ازمة العجز فى ابسط معانيه . انه لا يجوز لا كان ان يثور على القواعد وعلى المصطلحات الا اذا تمكن منها فعرف حدودها وابعادها ولا يجوز لأحد ان يسمى الكأس سكينا لمجرد جهله بكونها تسمى الكأس ، كما انه لا يجوز لاى كان ان يهدم بدون ان يبنى ، ان يلغى بدون ان يعوض .
ثقافة الكاتب اذن شرط اساسى لكل عملية خلق ولكل عملية تجديد ولقد قال (( مونتسكيو )) (Montesquieu) كلمة ما زالت ماضية رغم مرور الزمن : (( الكتب القديمة للكاتب ، والكتب الجديدة للقراء )) . فهل يتوفر كل هذا فى جميع المجددين ؟
التجديد ضرورة حيوية بالنسبة الى الادب . ولكن قيمة الاثر الادبى لاتقاس بما فيه من تجديد وثورة على القواعد ، انما تقاس بخروجه منتصرا من امتحان الزمان ، اى بخلوده وبقائه ، بكلاسيكيته فى مفهومها المعاصر ( لا بمفهوم القرن السابع عشر طبعا ) . لقد سألت مؤخرا استاذا وناقدا فرنسيا ذائع الصيت عن تقييمه للرواية الجديدة (Le Nouveau Roman) فى فرنسا وعن مستقبلها،فقال لى : (( لامستقبل لها ، انها تجربة انتهت )) ، فلنتجنب تقليد التجديد المنتهى . ولنعلم انه لا يوحد قديس معصوم فى معبد الادب وان كلمة (( فلان وحيد زمانه )) لم ترتكز قط على اساس موضوعى ، وان التجديد الحقيقى هو ان يكون الكاتب مكتملا وان يكون هو لا غير ، وان يسأل نفسه كلما حاول التجديد : هل أنا آت بما لم تستطعه الاوائل ؟

