الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الادب وقضية فلسطين

Share

للادب معنيان او اطلاقان ، الادب بمعناه الاخص ، وهو الذى اصطلح الكتاب من قديم على انه التعبير الجميل عن المعنى الاصيل ، او الصورة الرائعة للفكرة الطارئة ، او الابداع فى التعبير والتصوير لخواطر النفس . وهو فى نطاق هذا المعنى لابد ان يمس العاطفة الانسانية ، وان يهز مشاعرها ، فيجتذب قارئه او سامعه عن طريق الوجدان ، اكثر مما يقنعه عن طريق الحجة والبرهان ، ويتمثل الادب بهذا المعنى فى الشعر ، والقصة بانواعها ، والمقالة الادبية .

وهناك الادب بمعناه الاعم ، وهو يشمل الادب بمعناه الاخص ، مضافا اليه الوان اخرى من الكتابة ، تختلف عنه فى عدم اعتمادها على العاطفة ، مستعيضة عنها اسلوبا آخر في اجتذاب القارىء او السامع ، هو منطق الحجة والبرهان . ويدخل فى نطاق هذا المفهوم للادب عديد من الكتابات فى فروع المعرفة الانسانية المتصلة بالتاريخ والاجتماع والفلسفة والسياسة ، بل المتصلة بالادب نفسه . فالبحوث الادبية وتاريخ الادب ، والنقد الادبى ، لا استطيع ان اسميها أدبا بالمعنى الاخص ، لانها لا تقوم على جمال التعبير ، والابداع فى التصوير ، والتحليق فى الخيال ، واجتذاب القارىء بسحر الكلمة وروعة الاسلوب ، وانما تعتمد على المنطق الذى يخضع الكاتب لمقاييس تختلف عن مقاييس الاديب ، وترتفع فوق اقناع الوجدان .

ونحن مع ذلك لاندخل فى نطاق الادب بمعناه الاعم كل ما يكتب فى التاريخ او السياسة او الفلسفة او الاجتماع ، فقد يصل ما يكتب فى هذه الفروع الى درجة من الدقة فى التفكير ، والقصد فى التعبير ، والخضوع لمقتضيات العلم ، الى درجة تقربه من العلوم الرياضية ، وتخليه من جمال التعبير الادبى ، فيصبح بذلك علما لا أدبا .

ومن اليسير تحديد خطوط فاصلة بين الادب بمعناه الاخص ، والادب - بمعناه الاعم ، فى كثير من الموضوعات ، ولكن بعض الموضوعات تتماس فيها الخطوط المحددة ، واحيانا تتداخل ، وربما اتحدت . فموضوعات القومية العربية ، والوحدة العربية ، والاستعمار ، والاشتراكية ، والقنبلة الذرية ، وتحديد النسل ، يلتقى فى كثير مما يكتب عنها الادب بمعناه الاخص والادب بمعناه الاعم ، وقد ينفرد الادب - الاخص بفنونه التعبيرية عنها شعرا ومقالة وقصة ومسرحية ، وقد ينفرد الادب الاعم بما يكتب فيها على اساس من العلم

والتاريخ والاحصاء والحجج المنطقية .

والموضوع الذى اتحدث عنه فى مؤتمركم الموقر ، " قضية فلسطين " فى مقدمة الموضوعات التى تناولها الادب بمفهومية الخاص والعام . فعند الكلام عن " وعد بلفور " مثلا نلتقى بالادب القانونى الذي يحلل هذا الوعد ، ويفنده على اساس قانونى تشعر فيه بالحجج والادلة من غير عرض تصويرى بلاغى يدخله فى نطاق الادب بالمفهوم الخاص . ومع ذلك نجد عرضا لهذا الوعد المشؤوم يتناوله من الناحية السياسية ، متتبعا جذوره الاولى فى الحركة الصهيونية ، وموضحا ما يترتب عليه من انتقاص وحرمان لاهل البلاد التى صدر بشأنها هذا الوعد المشؤوم ، والى جانب ما كتب عن " وعد بلفور " من الناحية القانونية والناحية السياسية نجد عشرات من النصوص التى تناولته من الناحية الادبية ، معتمدة على جمال التصوير وقوة التأثير ، كما يقول مثلا مصطفى وهبى التل فى نغمة حزن واسى على مصير بلاده . واهلها العرب من مسلمين ونصارى :

يارب ان ( بلفور ) انفذ وعده         كم مسلما يبقى وكم نصرانى !

وكيان مسجد قريتى ، من ذا الذى     يبقى عليه إذا ازيل كياني !

وكنيسة العذراء ، أين مكانها           سيكون ؟ ان بعث اليهود مكاني ؟

او كما يقول ابراهيم الدباغ ( ديوان الطليعة ) فى نقمة ساخطة غاضبة :

ما وعد ( بلفور ) من أمر السماء ، ولا                       في الجدب من ارضنا زرع لمحتطب ،

هل وعد ( بلفور ) تشريع ، إذا فرطت                        اغلوطة منه تدعو الناس للعجب ؟

ما حكمة بعد احكام السماء ، ولا                           يرضى به بعد حكم الله غير غبي .

يحوطه باسمه القانون ، معتصما                                 بنصه ، ممعنا كالفيصل الذرب .

او كما يقول جورج صيدح فى سمو وأنفه :

مهلا خلائف ( بلفور ) الكريم لقد                            جاوزتمو شأوه فى حلبة الكرم

حام حمانا ، حمانا الله منك ومن                                وصاية فرضتها عصبة الامم

أكل مشانك ارغام الشعوب ، وان                             تقوم فيها مقام الخصم والحكم؟

مهد النبوة نابى ان تدنسه ،                                    ان نام فيه بنو صهيون لم تنم .

او كما يقول ابراهيم طوقان فى تهكم وسخرية :

قد شهدنا لعهدكم بالعدالة             وختمنا لجندكم بالبسالة

وعرفنا بكم صديقا وفيا ،              كيف ننسى انتدابه واختلاله !

وخجلنا من لطفكم يوم قلتم           وعد ( بلفور ) نافذ لامحالة

كل افضالكم على الرأس والعين ،      وليست في حاجة لدلالة ،

ولئن ساء حالنا فكفانا                  انكم عندنا بأحسن حالة ،

غير ان الطريق طالت علينا             وعليكم ، فمالنا والاطالة ؟

اجلاء عن البلاد تريدو                ن فنجلو ؟ أم محقنا والازاله !

وهكذا نستطيع ان نسوق الامثلة الكثيرة للموضوع الواحد فى قضية فلسطين ، يتناوله الادب الخاص ، كما يتناوله الادب العام ، القانونى او السياسى . نجد ذلك فى وصف المؤتمرات التى عقدت قبل النكبة ، وفى وصف مشروعات التقسيم قبل النكبة وبعدها ، ونجد ذلك فى وصف الثورة العربية فى مراحلها المختلفة ، كما نجده فى وصف حرب فلسطين ووقوع النكبة . ونجده فى الحديث عن اللاجئين وقضيتهم ، وعن هجرة اليهود وتسللهم . ولن يتسع الزمن لاكثر من امثلة عابرة لما نقول .

فمن الادب القانونى ، الخاص بخلف الوعد من الانجليز ، الوثيقة الرابعة عشرة ، من " الوثائق الرئيسية فى قضية فلسطين " التى نشرتها جامعة الدول العربية . وفى هذه الوثيقة رد على بيان رئيس القضاة البريطانى فى مؤتمر فلسطين الذى عقد فى لندن سنة 1939 وقد جاء فيها :

" . . . ان مندوبى العرب . . . يدهشهم ويؤسفهم ان يروا رئيس القضاة يأخذ بوجهة النظر القائلة ان فلسطين كانت مخرجة من المنطقة التى تعهدت بريطانيا العظمى فى مكاتبات مكماهون ان تعترف فيها باستقلال الحكومات العربية وتؤيده . وهم يعتقدون - بعد درس البيان والمذكرة المشار اليهما بعناية - ان رئيس القضاة لعله فاته المدلول الحقيقى لمكاتبات تبودلت كلها باللغة العربية ، وقد تداول احد مندوبى العرب - رغبة فى اصلاح هذه الاغلاط وازالة آثارها - مع الخبير الذى ندبته حكومة الملك ، وقدم اليه بيانا بالاغلاط التى وقعت فى الترجمة ، وبما بين النص العربى والنص الرسمى الانجليزى من التفاوت . . .

" قال رئيس القضاة فى الفقرة السابعة من مذكرته . انه نظرا للصفة المقدسة لفلسطين فان من الواضح ان بريطانيا العظمى لم يكن لها حق ولاسلطة فى سنة 1915 يخولانها ان تعد ، فى حالة نجاح الحلفاء ، فى ان ينتزعوا من الدولة العثمانية ارضا لها مثل هذه الاهمية للعالم المسيحى . وان يسلموه الى دولة اسلامية اخرى مستقلة ، من غير ان يحصلوا اولا على كل نوع من الضمانات لحماية الاماكن المقدسة ، من مسيحية ويهودية ، وكفالة حرية لوصول اليها على الاقل بقدر ما كان ذلك مكفولا فى عهد الاتراك انفسهم . ويستنتج سيادته من ذلك ان مما لا يتصور ان يكون السير هنرى مكماهون قد قصد ان يعطى الشريف وعدا لاقيد فيه ولا شرط بأن يكون فلسطين داخلة فى منطقة الاستقلال العربى . . .

" ويقرر مندوبو العرب بكل احترام ان هذا الاستنتاج قائم على خطأ مادى فى تصور الموقف ، وذلك اولا لان سلامة الاماكن المقدسة ، وحرية الوصول

اليها ، منصوص عليهما بصراحة فى معاهدة برلين المعقودة سنة 1878 وهى معاهدة دولية معترف بها فى اوسع نطاق ، ومقيدة بها تركيا ، وهى تسرى من تلقاء نفسها على كل دولة ينتقل اليها ما كان للدولة العثمانية من سيادة فى فلسطين . وثانيا لان نص المكاتبات نفسها يبين بجلاء ان المقرر ان تنتفع حكومات الدول العربية المستقلة بالمشورة البريطانية ، وبمساعدة الموظفين البريطانيين فى اقامة نظام حكم صالح . وهذا وحده كان ضمانا كافيا ، ينتفى به كل خطر ، تقوم به دولها . وثالثا لان السير هنرى مكماهون وضع تحفظا صالحا فيما يتعلق بالاماكن المقدسة ، وذلك فى كتابه المؤرخ فى 24 اكتوبر 1915 وفيه يقول : ( ان بريطانيا العظمى تضمن الاماكن المقدسة من كل اعتداء خارجى ، وتعترف بوجوب منع التعدى عليها ) .

وحين يعالج الشاعر عبد الرحيم محمود هذا الموقف يقول :

واتى الحليف وقام فى اعتابنا                               متحيرا ، انا هدى المتحير ،

واستنصر العرب الكرام ، وانهم                            غوث الطريد ونصة المستنصر ،

واذا عتاق العرب نورى فى الدجى                          قدحا وتصهل تحت كل غضنفر ،

واذا السيوف كأنهن كواكب                                تهوى ، تلامع فى العجاج الاكدر ،

رجحت موازين الحليف ، ومن تكن                        معه يرجح بالعظيم الاكثر ،

وبنت لنا اسيافنا صرحا فلم                               يحفظ جميل العرب ، يا للمنكر !

غدر الحليف ، واى وعد صانه                            يوما ، وأية ذمة لم يخفر ؟

لما قضى وطرا بفضل سيوفنا                               نسي اليد البيضاء ، لم يتذكر

يرد شاعر المهجر ، ايليا ابو ماضى ، على زعم قاضى قضاة بريطانيا فى حماية الاماكن المقدسة المسيحية ، فى قصيدته التى يقول فيها :

ديار السلام وارض الهنا                 يشور على الكل ان تحزنا ،

فخطب فلسطين خطب العلا ،        وما كان رزء العلا هينا ،

ونأخذ مثلا آخر فى الفرق بين الادب بمفهومه العام والادب بمفهومه الخاص - هو مشكلة اللاجئين . فالدكتور سيد نوفل ، الامين العام المساعد لجامعة الدول العربية يكتب ( فى تقديمه لكتاب " مشكلة اللاجئين العرب " للدكتور ادوارد سيدهم ) :

" مشكلة اللاجئين العرب هى فى الواقع مشكلة الشعب العربى الفلسطينى ، الذي اخرج من وطنه بغيا وعدوانا ، لتحتلة جماعات من اليهود المواطنين فى بلاد مختلفة بارجاء العالم .

" فاللاجئ الفلسطينى العربى يسمى كذلك تجوزا ، اذ ليس لمثل هذا اللجوء نظير فى تاريخ البشرية ولا فى القاموس السياسى .

" وكل ما عرف من ألوان اللجوء الاخرى ، نتيجة الاضطهاد على اساس الجنس او الدين او السياسة ، لايمت الى هذا اللون الفريد من اللجوء . الذى يسمى به الشعب العربى الفلسطينى مجازا أو احالة .

" ولا يمكن لذلك ان تحل مشكلة هؤلاء اللاجئين العرب ، كما حلت مشكلة اللاجئين فى اوربا وآسيا وغيرهما . . فقضيتنا قضية شعب اخرج من وطنه بوسائل استعمارية عدوانية ، ولا بد ان يعود الى الوطن ، وخاصة فى هذا العصر الذى يسمى بحق عصر تصفية الاستعمار .

" واذا كانت مشكلة اللاجئين هى مشكلة فلسطين ، لم يكن عجبا ان تبذل اسرائيل والصهيونية السياسية العالمية والاستعمار والاستغلال الاجنبى الطامع فى المنطقة العربية - لم يكن عجبا أن تبذل هذه القوى العدوانية - متحالفة متآمرة - الجهود المتصلة فى هذه السنوات الخمس عشرة ، لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين ، والقضاء على حقوق الشعب العربى الفلسطينى فى العودة الطبيعية المشروعة الى وطنه السليب " .

وحين يتناول الادب الخاص قضية اللاجئين يقول مثلا على لسان أبو سلمى ( ديوان اغنيات بلادى ) .

زحفت الثم أرضى وهى باكية                      والقلب باك وراجت تنتشى القبل ،

وعدت انشق من عطر التراب هوى                فى ظله التقت الاجداد والرسل .

أهلى على الدهر تدمينى جراحهم ،                فى حبهم يتساوى العذر والعذل ،

خيامهم فى مهرب الريح معولة ،                    ودورهم من وراء الدمع تبتهل ،

نقاذفتهم دروب العمر وامية ،                      وانكرتهم ربوع الإهل والملل ،

على المشارف اعراض ممزقة ،                      وفي كهوف الزبى الانسان مبتذل .

فى كل ارض شظاياهم مشردة                       وتحت كل سماء معشر ذلل

اطوف احمل انى سرت نكبتهم                      كانني طيف سار والحمي طلل ،

يافتية الوطن المسلوب ، هل أمل                   على جباهكم السمراء يكتمل ،

انتم بنو الشعب ، لا الطغيان يرهبكم ،            ولا زعيم على الشيطان يتكل ،

تبنون امجاده ، والخلد رفرفها                       كأنما هي بالآباد تتصل :

ان الطريق الى العلياء مظلمة ،                     ولن نضل وفى أيديكم الشعل .

ويقول محمود حسن اسماعيل ( ديوان نار واصفاد )

كانوا باوطانهم كالناس ، وانتبهوا             فما همو من وجود الناس ان ذكروا

مشردين بلانيه ، فلو طلبوا                 تجدد التيه فى الافاق ما قدروا ،

يلقى الشريد فجاج الارض واسعة ،         لكنهم بمدى انفاسهم حشروا :

فى خيمة من نسيج الوهم نقها              ضمير باغ بمجد العرب ياتمر ،

او هي واوهن حبلا من سياسته             لو مسها الضوء لانقدت بها الستر ،

تعدو الرياح بها نشوى مقهقهة ،                كانها بشقوق النمل تنحدر

او انها حين تذروها سنابكها                    اضغاث شئ تلاشى ماله أثر ،

تهتز ان ذاقت الاحلام صفحتها                بنسمة بظلال الخلد تأتزر ،

وتنشب الذعر فى الاوتاد هاربة                فى صدر ساكنها ان زارها المطر .

وأرجو الا يكون من الغرور ان اقتبس هنا لنفسى بعض ما قلت فى وصل اللاجئين على اثر زيارة لهم :

كل حلم جدنا به للثيم            كان ضعفا وذلة واثاما ،

غفلت عنهم الضمائر حتى        حققوا بالخيانة الاحلاما.

واذا ما شربت كأس خداع        من عدو فقد عضضت اللجاما .

واذا ما حنيت ظهرك ذلا          فاقبل السررج فوقه والحزاما .

شردوا اهلنا ، وقد ابدلوهم        من بيوت ومن قصور خياما،

يتموهم طفلا وكهلا جميعا .         ان يتم الاوطان  أنكى غراما :

يطعمون الهوان نصف عرايا         من ثياب لا تستر الاجساما ،

ان رأوا مزقة لتستر صدرا           لم يبالوا الا يروا اكماما ،

يلبسون النهار حتى اذا ما          اقبل الليل يلبسون الظلاما .

وننتقل الان الى مثال آخر فى الادب الفلسطينى لنرى كيف يعالجه المؤلف الفنى ، وكيف يعالجه الاديب الفنان .

فموضوع الهجرة الى فلسطين قد استوعب عديدا من الكتب ومئات من المقالات ، كما استوعب مئات من القصائد . ففى كتاب الدكتور أحمد احمد معوض مثلا " لن نكون لاجئين " يكتب المؤلف .

" يعتقد الصهيون ان اسرائيل ولدت لتستوعب كل يهود العالم . وأكد ذلك القول صراحة كتاب " حقائق عن اسرائيل " ( الذى اصدرته مصلحة الاستعلامات الاسرائيلية سنة 1957 ) اذ اعلن ان " سياسة الباب المفتوح ستبقى على الدوام السياسة القومية ، فعندما تتعرض جماعة يهودية للتهديدفى مكان ما من العالم ، فثمت استعداد دائم لترحيلهم الى اسرائيل بغض النظر عن تكاليف ذلك " اما بن جوريون فقد اعاد تأكيد ذلك في أول قبراير 1959 اذ قال : " ان بقاء اسرائيل وسلمها لن يكفل الا بشئ واحد فحسب ، الا وهو الهجرة الجماعية . "

" وفى الواقع ان ثمة اسبابا تدفع الصهيونية الى هذه الهجرة الجماعية وفى مقدمة هذه الاسباب الحصول على طاقة بشرية تصلح للدفاع عن كيان اسرائيل من ناحية ، وللاستعداد للتوسع والعدوان من ناحية اخرى . ولذلك حصرت سلطات اسرائيل سن المهاجرين فيما بين (14 ) سنة و ( 40 ) سنة ، واشترطت ان يكونوا من المدربين عسكريا ، ومن اصحاب المهن الفنية

والتمرينات الصناعية . وهى بذلك ترمى الى ضرب عصفورين بحجر واحد . فهى توفر نفقات التدريب والتاهيل الداخلى ، وتستغنى عن ايفاد البعثات للخارج . اذ ان فى جمع الصهيونيين المؤهلين من مختلف البلدان ما يزيد من المستوى العلمى والثقافى فى البلاد . "

ويكتب فى الموضوع نفسه الدكتور صالح الاشقر فى كتابه " فى شعر النكبة " فيقول :

" فما يكاد الجنرال يدخل القدس حتى يستقبل فى مركز قيادته بالرملة اللجنة الصهيونية القادمة لدراسة الوضع فى فلسطين ، ثم تنطلق الآلة الصهيونية تجمع المال لتشترى الاراضى العربية من اصحابها بأى ثمن ، وتسجلها ملكا ابديا للامة اليهودية جمعاء ، ثم تقسمها قطعا وتؤجرها المهاجرين القادمين ، وتمنحهم القروض لبناء المساكن ، وتساعدهم على الاستيطان ، فى ظل وارف من عطف حكومة الانتداب الانكليزية . وفى اشهر قليلة كانت الارض الجرداء تتحول الى مستعمرات زاهية وجنات عامرة بالمواطنين المهاجرين العاكفين على تعلم اللغة العبرية ، والخاضعين لعملية صهر قومى تجمع اشتاتهم وتنسق امورهم وتوحدهم .

" ونظم اليهود انفسهم فى وكالة يهودية ترعاهم وتحمى مصالحهم ، تشترى الارض ، وتبنى المستعمرات ، وتفوز بامتياز البحر الميت وثرواته ، وتبنى لليهود ميناء خاصا فى تل ابيب ، لتجارتهم واقتصادهم . . . واليهود يتابعون تحصين المستعمرات ، ويستعدون للمعركة المقبلة ، ويستقبلون كل يوم افواج المهاجرين من كل صوب ، فيزدادون قوة وتنظيما . "

ولاشك اننا نلاحظ الفرق بين النصين ، فثانيهما مع عرضه التاريخي ادخل فى الاسلوب الادبى ، وان كان لا يدخل فى مفهوم الادب بمعناه الاخص ، ذلك المفهوم الذى نجده فى النصوص الشعرية التى تعرض لموضوع الهجرة اليهودية ، فلا تهتم بالتواريخ ولا الاحصاء ولا اسماء الامكنة ، وانما هى تصوير للخطر ، وتجسيم للظلم والعدوان .

فهذا جورج صيدح يقول فى لوعة وأسى

اضيف الهنا ، ان بيتي المباح                         صغير يضيف بضيف الهنا ،

وزادى - اعيذك منه - جراح                       اغمس فيه فتات الضنى ،

شهرت عليك لسانى الصراح                         فأعيا ، أأطول منه القنا ؟

سألتك بعد الغدو الرواح                            عسى البين يصلح ما بيننا

وما ضر لوزرت تل السفاح                           وعششت بين وكور الخنا ؟

هنالك سربك يجني الرياح                           ولا يسال اللص عما جني .

كرهنك ضيفا دجى الوشاح                         دجى الحواشى دجى المنى ،

إذا وصفتك القوافي الفصاح                         دعوت عليها بأن ترطنا

وهذا على الجندى يصور هجرة اليهود بالداء النازل بالجسم السليم ، وبالجراد الذى يأتى على الاخضر والهشيم :

صهيون داء اساة الداء ترهبه               لاتعد لن به سلا ولا جربا ،

وهو الجراد اذا اتى على بلد                رعى ازاهيره واستأصل العشبا

ارجاله فى فلسطين إذا بقيت               - لاقدر الله - ساء الشرق منقلبا،

واختتم مقارناتى بين اسلوب الادب الخاص والادب العام فى قضية فلسطين بمثال له اكثر من مغزى :

فقد كتب الدكتور سيد نوفل فى كتابه " السياسة العربية فى مقاومة اهداف الصهيونية واسرائيل ، ( يونيه 1963 ) فصلا عن دور المرأة العربية فى فلسطين قال فيه :

" ودخلت المرأة العربية ميدان الدفاع عن فلسطين . ومن أجل القضية العربية الاولى دعت رئيسة الاتحاد النسائى المصرى الى عقد اول مؤتمر نسائى عربى فى التاريخ . وقد اشتركت فيه مندوبات عن سيدات مصرا وسورية ولبنان والعراق وفلسطين والاردن ، واتخذت فيه مقررات تؤيد قضية فلسطين وكفاح الفلسطينيين ومقاومة التقسيم ومعاونة الفلسطينيين ماديا وأدبيا ." وكان هذا المؤتمر فى سنة 1938 وقد وصفه الشاعر محمد الاسمر بقصيدة جاء فيها :

يا بنات الشعر غنى واهتفى               للنجيبات بنات النجب

زانهن الله بالفضل ، فما                  حلية من فضة او ذهب

وكساهن من الاداب ما                  دونه كل الثياب القشب

قلت للقائل " ودعهن " : لا            هن فى القلب فرحب رحب

من حواه القلب لم ينأ وان               حل فى بغداد او في حلب

وبعد فقد بقى ان اشير سريعا الى بعض المجالات الاخرى فى الادب الفلسطينى وانا ادرك ان كلا منها جدير بعدد من المتحدثين . فاذا اوجزت فانما أوجز خضوعا لقيود الزمن .

فهناك القصة والمسرحية ، وفيهما من الادب الفلسطينى وفرة وافرة . ولولا حذرى من ان اغفل بعض الكتاب لعددت العشرات منهم ، ولكنني لا استطيع ان اغفل اسم يوسف السباعى ، وعلى احمد باكثير وبرهان الدين العبوشى ، وحنا ابى راشد ، وعبد الحميد جوده السحار ، وهلال ناجي ، وبديع حقى . وقد فاز الدكتور بديع حتى ، منذ بضع سنوات ، بجائزة الدولة التشجيعية فى القصة من المجلس الاعلى للفنون والاداب والعلوم الاجتماعية بالقاهرة ، وذلك عن مجموعة قصصه عن فلسطين .

ومما هو جدير بالتنويه ان هذا المجلس ، منذ عشر سنوات ، يقيم فى كل عام مسابقات ادبية عن فلسطين ، فى المقال ، والبحث الموجز ، والقصة القصيرة ، والمسرحية ذات الفصل الواحد ، والشعر . وترد اليه مئات النصوص ، ويفوز فى كل فرع من هذه الفروع عشرة من المتسابقين . كما ان نادى القصة ، فى مسابقاته السنوية تتقدم اليه قصص عن فلسطين ,

واريد ان انوه كذلك بالبحوث العلمية التى تكتب عن ادب فلسطين بمفهومه الخاص والعام . فهناك عدد ليس بالقليل من انتاج الاساتذة وطلاب الدراسات العليا . واذكر على حذر من النسيان وخوف من الاطالة بعضهم مثل الدكتور ناصر الدين الاسد ، والدكتور طلعت الغنيمى ، والدكتور صالح الاشتر ، والدكتور عبد الملك عودة ، والدكتور اسماعيل راجى الفاروقي ، والدكتور عبد الحميد متولى ، والاستاذ محمد عزة دروزة ، والاستاذ كامل السوافيرى .

وهناك الادب المسموع فى الاذاعة الصوتية والمرئية ، وهو ادب يصل الى عشرات الملايين من الناس ، ولا يمكن ان تناقشه فى ذلك مطبعة او ناشر .

وآخر ما اختتم به كلمتى هو الاشارة مرة اخرى الى الادب السياسى - غير محدود بالمقالات والتحقيقات الصحفية - بل اضمنه الادب السياسي الرسمى ، فهو عنصر هام فى حياة قضيتنا الكبرى ، فالتصريحات والخطب والبيانات التى يدلى بها رؤساء الدول العربية وملوكهم ، ورؤساء الوزارات والوزراء ، والخطب والمناقشات وكل ما يتصل بها - كل ذلك رصيد ادبى ضخم ، ذو شحنة قوية فعالة فى خدمة القضية الفلسطينية ، سواء فى ذلك مجال التوعية العربية نفسها ، بابقاء الشعلة متقدة لتضئ الطريق لابناء العروبة ، وكذلك الدعوة والاعلام لمن يجهلون او يتجاهلون حقائق الوضع العربى الفلسطينى ، بابقاء الجذوة ملتهبة لتحرق كل من يجترئ على حقوقنا او يساعد فى هذه السبيل .

اشترك في نشرتنا البريدية