عتب الاستاذ محمد مزال فى حديثه المنشور بمجلة " الفكر " نقلا عن جريدة " الشرق الأوسط " على أدباء المشرق العربى أنهم لم يبذلوا من أنفسهم ما يجعلهم يطلعون أو يتطلعون الى انتاج تونس الفكرى والادبى رغم غزارة هذا الانتاج وروعة الكثير منه وأن معرفتهم بالشعراء والادباء التونسيين لا ! تكاد تتجاوز أبا القاسم الشابي ومحمود المسعدى
والحقيقة التى نعتقد أن الاستاذ مزالى يوافقنا عليها هي أن الاستعمار الفرنسى للقطر التونسى قد عمل على القضاء على المقومات الثقافية والحضارية والروحية لهذا القطر العربى وجعله مقاطعة فرنسية روحا ولغة وثقافة ، فكان هذا الاستعمار الاستيطانى من أكبر العقبات التى حالت دون وصول الادب والفكر التونسى الى المشرق العربى بالقدر الكافي للتعريف برواد هذا الفكر وأعلام ذلك الادب .
ومع ذلك فان ادباء تونس وشعراءها لم يعدموا أقلاما فى المشرق العربى تقدمهم الى قراء العربية وتنوه بانتاجهم الذهنى على اتساع رقعة العالم العربى ، وعبر هذه الاقلام عرف أبناء العربية أدباء وشعراء تونسيين لا يجحد عطاؤهم الفكرى ولا ينكر فضلهم على الادب العربى من أمثال : حسن حسنى عبد الوهاب الذي كان عضوا بالمجمع العلمى العربى بدمشق وقدم لقراء العربية على صفحات مجلة هذا المجمع لمحات مضيئة وومضات مشرقة عن الثقافة فى تونس ، والشيخ محمد الفاضل بن عاشور ، وأحمد القليبي الناثر الشاعر صاحب الرسائل بين طرابلس وتونس ، والهاشمي المكى صاحب صحيفة " أبو قشة " الذي ناضل الاستعمار وعملاءه بصحيفته وقلمه ولسانه ،
وكذلك الشعراء : محمد الشاذلى خزنه دار ، وأبو الحسن بن شعبان ، والهادى المدنى ، ومحمد المكى بن حسن ، وصالح النيفر ، وأحمد خير الدين ، وحسين الجزيري ، ومصطفى خريف وغيرهم
ومن أعلام هؤلاء الادباء التونسين الذين أثروا الادب والتاريخ بانتاجهم المتعدد الالوان زين العابدين السنوسى الذى نقدمه الى قراء العربية على صفحات هذه المجلة كواحد من أبرز كتاب المغرب العربى منذ الثلاثينات وما قبلها من هذا القرن العشرين
نشأ زين العابدين السنوسي في بيت علم وأدب وشعر ، فجده أبو عبد الله السنوسى كان من أعيان علماء تونس وقد تولى خطة قضاء بنزرت ثم قضاء باردو ثم قضاء الجامعة بتونس ، أما والده محمد السنوسى فقد تولى فى أول صباه تدريس العلم بزاوية سيدى الهياجى ثم تولى تحرير جريدة الدولة الرسمية " الرائد التونسى " ثانية أو ثالثة الجرائد العربية الاسلامية في العالم العربى كله ، فكان أول صحفى عرب فى تونس بل وفى المغرب العربى ، وكان رجلا أبى النفس حمى الأنف صادق الوطنية حتى انه ترك العمل بجريدة " الرائد " فى اليوم الثالث للاحتلال الفرنسي للبلاد حتى لا يكتب فيها مالا ! يرضى عنه ضميره ولا يطاوعه فيه قلمه وجنانه ، وانصرف الى طلب العلم والتأليف والتصنيف ، فألف مجمع الدواوين " من عدة أسفار جمع فيه عصارة دواوين متأخرى الشعراء التونسيين كما جمع ديوان الشاعر محمود قبادو وألف كتاب " مسامرة الطريف بحسن التعريف " عن قضاة تونس والجامع الاعظم ، وله رحلتان الى الحجاز وباريس أسماهما الحجازية والباريسية كما نظم قصيدة سماها " الفريدة فى المخترعات الحديثة " فدل بذلك على تفتحه الذهنى والتنويه بأسباب الحضارة والتمدين ) 1 ( . كان رحمه الله فصيحا بشوشا لين العريكة متحببا الى الناس ، رطب اللسان يترشح لكتابة ما يعن له فلا يتهيب الكتابة فى أى موضوع .
وقد مات هذا الأب وابنه زين العابدين - موضوع حديثنا فى هذا المقال - كان ما زال طفلا رضيعا ، يدلنا على ذلك ما جاء فى اهداء كتابه " الأدب التونسى فى القرن الرابع عشر " الى والده حيث يقول : " الى والدى الذى لم أر شخصه فى حياتى وإن لم يفارق بصيرتى طرفة عين الى الذى ألهمنى العمل بما جمع من آداب أسلافه ومعاصرية فقد مضى وتركني صبيا رضيعا فلم أكبر إلا شاعرا بواجبى إيصال حلقات سلسلة الدهر اعترافا بقبول السير فى منهاجه وتعقب خطواته " .
وحقا كان الابن زين العابدين استمرارا لأبيه فى منهجه واستمرارا لأسرته التى عرفت بالعلم والفضل فى تونس ، فاقتفى أثر والده وبدأ حياته الأدبية - إثر انتهاء الحرب العالمية الاولى - بانشاء الصحف والمطابع ، فأنشأ مطبعة العرب وأصدر نشرة شهرية باسم " العرب " فلما منعت الحكومة تداولها بعد العدد الرابع تحايل على إصدارها بأن وضع على كل عدد منها اسما جديدا ثم أصدر مجلة العالم سنة 1930 وكانت كما قيل بحق " رائدة النهضة الفكرية وسحل التطور الادبي وقد أولت هذه المجلة اهتماما كبيرا للنهضة الادبية فى المشرق والمغرب وعرفت بأحدث الكتب فى الادب العربى والفرنسى وعنيت بنشر انتاج الشباب في تونس وترجمة عشرات من القصص والدراسات الادبية والتاريخية
وعندما نالت تونس استقلالها تولى زين العابدين المطبعة الرسمية سنة 1956 فكان أول وطني يديرها بعد الاستقلال . وقد توفى هذا الاديب المتعدد الجوانب والمواهب سنة 1965
والدارس لحياة زين العابدين السنوسى وآثاره الفكرية يحار فى تعدد النواحي التي أسهم فيها بالكتابة حتى إننا لنعتبره أديبا موسوعيا بكل ما تعنى به هذه الكلمة ، فقد قدم للمكتبة العربية خلال نصف قرن من الزمان عشرات المؤلفات في الادب والتاريخ والترجمة والشعر والمقالة والقصة ، وكان إلى جانب ذلك كوالده متفتح الذهن ، لا يصد عن تقريب أساليب النهضة الفكرية العصرية من التراث العربي الاسلامي ولا يعزف عن روح التجديد فى الشعر العربي باعتبار أن الشعر لم يعد مجرد " نمارق لفظية فى شطرتين وإنما أصبح حديث النفس وانة القلب ليس هذا فحسب بل إن أديبنا يدلى بدلوه فى كيفية طبع الكتاب - وهو الذى دارت آلات المطابع بعطائه الفكرى وانتاجه الذهنى - فيرى أن طبع الكتاب يتطلب أمرين ؛ هما المادة والذوق ، فالمادة متعلقة بالورق والغلاف ، أما الذوق ففي اتقان الترتيب الطباعى
والتنظيم وتصفيف الحروف وإخراج الكتاب فى صورة جذابة ، وهذا إن دلنا على شئ فانما يدلنا على سلامة ذوقه ورهافة حسه وحبه للجمال فى كل شئ فلطالما جار القراء من شكل الكتاب العربى وبعده عن الذوق والجمال بسبب صفرة أوراقه وعقربة حروفه وعدم الاهتمام أو العناية باخراجه فى صورة محببة تجذب القارىء
استطاع زين العابدين السنوسى أن يقدم فى خلال نصف قرن عشرات من المؤلفات فى شتى المجالات ، نذكر منها : " بلاغة العرب فى الجزائر " لزميل صباه عثمان الكعاك ، و " موجز التاريخ العام للجزائر " ، كما كتب فصولا عديدة فى مجلات " الندوة " و " الثريا " و " الفكر " ، وتحدث فى دراسة مطولة عن الشاعر التونسي محمود قبادو وأهم أعماله ، كما كتب عن أبي القاسم الشابى وكان قد تعرف به سنه 1927 فرأى منه ما أعجب به فاكبره وقال عنه : انه أنبغ من رأى من شباب تونس . كما قدم لقراء العربية على صفحات مجلة الثريا أعلاما فى الادب التونسي سواء فى العصر القديم خلال القرنين الثالث والرابع للهجرة ، أو فى العصر الحديث من امثال محمد العيد الجبارى ومحمد العريبى وسعيد أبي بكر ومحمد بوشربية وعبد الرزاق كرباكة ومصطفى آغة وعثمان الكعاك وغيرهم
كذلك اتحف زين العابدين السنوسي " مجلة الفكر " بمجموعة من المؤلفات لكتاب المغرب وتونس والجزائر وترجم بعض الاشعار الفرنسية لمالك حداد الى اللغة العربية ، ونشر سنة 1961 بهذه المجلة دراسة قيمة للشعر العربي في تونس حتى العصر الحديث ، عرض فيها لمذهب الشاذلى خزنة دار ومصطفى آغة وصالح سويسى القيروانى والطاهر الحداد
وزين العابدين الى عطائه الفكرى الزاخر فى كل مجال المتعدد النواحي والاتجاهات - شاعر رقيق الوجدان ، مرهف الحس رومانسى النزعة ، يقول من قصيدة يناجى فيها زوجته المتوفاة وهي من أرق الاشعار التى تعرف فى الادب الغربى " بالشعر العائلي " أو " الشعر الحميم " Poesie intime :
أما وقد مر الزما ن بها وأفقدني رؤاها
لا العطر ينعشني ولا أرجو عبيرا من سواها
إلا عبير ابني الصغير تضمه يدى الحنونة
فأشم رأسا مغمضا جفنى وتعروني السكينة !
على أن أهم آثار زين العابدين السنوسى الادبية هو كتابه " الأدب التونسي فى القرن الرابع عشر " الذي أصدره سنة 1927 استهلالا لموسوعة أدبية كبيرة تهدف الى " دراسة الادب التونسى اليافع فى جميع الأعصر الاسلامية منذ دخول العرب الى يومنا هذا ، تخليدا للنبوغ والعبقرية التونسية التى ما فتئت الدرة الميمونة فى تاريخ الادب العربى الخالد .
وقد قسم المؤلف هذه الموسوعة الى ثلاثة كتب : الاول عن الادب التونسى فى العصر الذهبى للعرب ، والثانى عن الادب التونسى فى العصور الوسطى والثالث عن الادب التونسى فى القرن الرابع عشر . ولا يوجد فى مكتبة معهد الدراسات العربية بالقاهرة سوى الجزء الاخير من هذه الموسوعة ، ولا نعلم ان كان زين العابدين السنوسى قد أكمل هذه الموسوعة الادبية التى أشار اليها كثيرا فى كتاباته أو لم يكملها .
فان كانت أجزاؤها الباقية ما زالت مخطوطة فاننا نرجو من المسؤولين عن الادب والثقافة فى تونس أن يعملوا على نشر هذه الاجزاء خدمة للتاريخ والادب وتحية لأديب تونسى ساير الحياة الادبية أكثر من خمسين عاما .
