كلما فكرت في وضعية الاديب عندنا اتذكر كلمة قالها ابو الطيب المتنبى ، منذ حوالى احد عشر قرنا ، فى موقف الساخط على الدهر الذي ارغمه - وهو لانسان الابى الانوف - على مدح قوم لاقيمة لهم . فقد قال ذلك الشاعر المفوه
الى كم ذا التخلف و التوانى وكم هذا التمادى فى التمادى ؟
وشغل النفس عن طلب المعالي ببيع الشعر فى سوق الكساد
ولعله ، من القدامى ، الشاعر الوحيد الذى تمردت نفسه على ما سماه صراحة بعملية البيع والشراء ، فى سوق يعمه الكساد وليس فيه من يلقى اليك السمع ، او يلتفت الى ما تقول . . ومتى بيعت الكلمة ، فقد ذهبت قد سيتها ، وصوحت روضة الشعر واقفرت دوحة الادب .
لقد اشار المتنبى الى لون من الادب لم يعد له ، فى اغلب الظن وجود فى البلاد العربية ، واعنى به ادب الارتزاق ، انه قائم على التمسح باعتباب الطبقة المترفة ، والتغنى بامجادها والتقرب من افرادها . اما اليوم فان الاديب - لحسن الحظ - لا تلجئة الضرورة الى الحالة المحزنة التى وصفها بعضهم ممن هجا المتنبي بالعبارات التالية :
اى فضل لشاعر يطلب الفضل من الناس بكرة وعشيا
عاش حينا يبيع فى الكوفة الما ء وحينا يبيع ماء المحيا
لقد اصبح الشغل الشاغل بالنسبة الى الاقطار النامية وشعوب العالم الثالث هو الازدهار والتقدم ، الا ان هذه الاقطار والشعوب ليس لها الا سهم قليل فى الابتكار والاكتشاف . ولذلك فان هذه الرغبة الملحة فى الازدهار والتقدم كثيرا ما تنقلب الى نزعة شيئية واعنى بهذه العبارة حرص الدول
المتخلفة على كسب جميع (( اشياء )) الحضارة ومصنوعاتها ، كالسيارة وجهاز الاذاعة وما الى ذلك . . انه لمن الغريب حقا ان يغيب عن اذهان البعض بان الرفاهية ليست كل شئ فى الحياة وان لباس البدلة الانيقة وتوفير المرافق الحديثة لا يكفى لكى يرقى بالانسان من وضعية المتخلف الى وضعية المتقدم حضاريا ، فنحن نستورد اكثر مما ننتج . . وبعبارة اخرى ، فنحن ننتمي الى حظيرة الشعوب المستوردة . . وبطبيعة الحال ، نستورد السلع والافكار . . الا اننا فى اغلب الاحيان نكتفى باستيراد السلع الجاهزة ، و نكلف انفسنا اية مشقة لسلوك دروب الفكر الذى انتج تلك السلع .
وهذا الموقف من الحضارة المعاصرة له عواقب وخيمة فى مجال الادب . فهذه العقلية السائدة عندنا فى التباهى بمصنوعات غيرنا ، والتنافس على كسبها ، جعلت منا شعبا يستهلك منتجات الحضارة . وقد اصبح سلوكنا خاضعا فى كثير من مظاهره لهذه العقلية (( الاستهلاكية )) اذا صح التعبير واخوف ما اخافه ان يكون الادب نفسه قد تحول إلى ادب استهلاكى باتم معنى الكلمة .
وانا لا اقول ان كل ما ينتج عندنا يعد من النوع الرخيص ومن البضاعة المزجاة ومما لاشك فيه انه يوجد اليوم فى العالم العربى ادباء لا يقلون مقدرة واصالة عن غيرهم من مشاهير الكتاب فى العالم . . وانما اقول اننى اخشى ان تكون قد سرت الى ادبنا تيارات زائفة شبيهة باللوثة التى حذر منها حافظ ابراهيم فى مطلع هذا القرن ، حينما قال دفاعا عن اللغة القومية :
سرت لوثة الاعجام فيها كما سرى لعاب الافاعي في مسيل فرات
ان الشئ الاهم بالنسبة الى عقلية المستهلك هو اللحظة الراهنة . فكما ان الجائع مشغول البال باشباع بطنه ، فكذلك الكاتب يتحول الى شخص همه الوحيد حشو الادمغة ويعني بالسفاسف من القول ، والنوادر من الحكايات التى ليس القصد منها سوى التسلية وقضاء الوقت فيما لا يعنى .
من الممكن اذن ان ينساق الاديب وراء الحلول السهلة ، وان تسول له نفسه الاقتداء بالتاجر والمهندس والطبيب والمحامى ، وغير هؤلاء من أصحاب المهن الحرة ولقد يقول فى نفسه : ان المهنة التى امارسها تستلزم من العناء وتتطلب من الذكاء ما يتطلبه ويستلزمه عمل الطبيب والمهندس . فالى متى اظل محروما من نعم الحياة ؟ . . والغريب انه يجد من المجتمع حوله تشجيعا على المضى فى
السبيل : فاغلب القراء لا يميلون الا لما يسمى بالمطالعات الخفيفة . . والناشر سوف يقنعه بان الكتب المبسطة وروايات الجيب والقصص البوليسية ومغامرات الجواسيس ، اكثر رواجا من المؤلفات التى لا يزال بعض (( المتزمتين )) يكتبونها فلا يجدون من يقرأها . . ورجال الصحافة والاذاعة والتلفزيون سوف يشعرونه بانه لا سبيل الى قبول انتاجه الا اذا توفرت فيه بعض الشروط ، وكتب على نمط خاص مقرر سلفا . اضف الى كل هذا ان الادب اصبح اليوم مصنعا industrialiseباتم معنى الكلمة . فقد تسربت اليه اساليب لم تكن تستخدم الا في مجال النشاط الاقتصادى كاصدار النشرات المبسطة ، Digestsوالاقتباس والاختصار وما الى ذلك . . بل اصبحت تعقد اتفاقيات دولية لشراء حقوق الترجمة قبل صدور الكتاب فى اللغة الاصلية ، ولا يكاد يصدر ذلك الكتاب حتى تتخاطفه دور النشر بالمزايدة فى الثمن .
والترجمة فى حد ذاتها ، بصرف النظر عن نواحيها الايجابية ، لا تخلو من جانب استهلاكى ، لانها عملية استيراد للفكر الاجنبى بقصد الاستهلاك المحلى ، على غرار ما تستورد السيارات تماما .
ولعلكم توافقون بعد هذا اننا لم نحرز فى هذا المجال تقدما كبيرا على عصر المتنبى . فادب الارتزاق الذي كان سائدا فى عهده وادب الاستهلاك السائد اليوم فى كثير من الاقطار انما هما صنوان متشابهان يتحكم فيهما قانون العرض والطلب ، وتشتم منهما رائحة المنفعة العاجلة ، ويتسم كل منهما بطابع الزيف والتفاهة ، وليس فى اى منهما شئ من الصدق والاصالة .
ولكننا نتساءل بعد هذا كله : هل خلق الانسان لتكديس الارزاق وجمع الكتب من غير تمحيص بين جيدها وزائفها ، ام خلق لتخليد ذكره فى هذه الحياة بالعمل الصالح النافع له ولمجتمعه ؟ وهنا آتي الى الحديث عن لون اخر من الادب ، هو الذي اراه اجدر بهذه الامة ، واليق بها فى هذه الفترة الحرجة من تاريخها . وهذا الادب اسميه (( ادب الظروف الطارئة )) او (( ادب الاحداث الجسام )) او يسميه البعض بادب النضال او ادب الالتزام . . ومهما اختلفت التسميات ، فان الشئ المؤكد هو ان معركة المصير فى حاجة الى ان يساندها الكتاب والشعراء والفلاسفة والمفكرون لان الاحداث التى يمر بها الوطن العربي يحتم على الاديب ان ينهض بمسؤولية عظمى فى التوعية ، وفى معركة المصير بالذات .
ولكنني ، قبل الخوض فى هذا اللون الثالث من الادب ، احب ان امهد له ببعض من الخواطر ، فيما فهمته من عبارتى (( معركة المصير )) .
ان كلمة (( المصير )) تتضمن معنى الصيرورة في الزمان ، ولذلك فسوف استطرد قليلا لاتحدث عن مفهوم الزمان عند العرب . . فلأمر ما ، لا يوجد فى لغة الضاد سوى الماضي والمضارع ، بينما نجد ان الشعوب الاخرى تحدد فكرة الزمان بالماضى والحاضر والمستقبل . . ولكن المسألة لا تقف عند هذا الحد ، بل تختفى وراءها فلسفة عميقة لمن اراد ان يبحث في مكنونات الالفاظ ان ما مضي من الافعال والاعمال انما يمثل بالنسبة الى تاريخ الحضارة ، التراث الثقافي ، لان تلك الافعال ان هى الا اعمال اجدادنا وتصرفاتهم وانماط سلوكهم في هذه الحياة . . وكما ان الفعل الماضى فى عرف النحاة ، مبنى، اى ملازم لحالة واحدة ، فكذلك التراث الثقافي ، يمثل القيم الثابتة التى لا تتغير ، ومن واجب الانسان ان يحافظ عليها ، وان يقاوم كل محاولة لطمس معالمها ، لانها بمثابة الاساس فى بناء صرح الحضارة . . وكما ان الفعل المضارع في عرف النحاة معرب ، اى متغير الاخر ، فكذلك الاعمال التى تقوم بها فى الحاضر او فى المستقبل لا تثبت على حالة واحدة ولانها متعلقة بالنية فى مواصلة المشروع الى النهاية ، او العدول عنه كلية او التراجع فى بعض اجزائه
ان مفهوم المضارعة عند العرب شئ طريف حقا ، وذلك ان العرب لا يقيدون انفسهم بالحاضر ، ما دام هذا الحاضر صائرا الى المستقبل ، بموجب حتمية التاريخ الزاحف ، وبمقتضى الفلك الدائر ، والزمان المتجدد السائر . . . فالواحد منا لا يكاد يعى نفسه في اللحظة الراهنة حتى تكون تلك اللحظة قد انقضت وحلت محلها اللحظة التالية ومعنى ذلك ان فلسفة العرب قائمة على الصيرورة اى على تحقيق المصير ، انطلاقا من الماضى الذى يحمل القيم الثابتة ، وانطلاقا كذلك من الحاضر الذي يتضمن المستقبل وينصب فيه . . على ان الحاضر انما يمثل فى عمر الزمان نقطة تحفز الى المستقبل لان العربى انسان لا يرضى بحاضره ، بل يظل دائما محدقا بالافق ، متلحما معالم المستقبل ، وطالبا (( للمعالى )) على حد تعبير المتنبى .
ان الحاضر يتجسم فى وضعيه لا بد من تجاوزها الى وضعية احسن منها ، فاذا ما بلغت تلك الوضعية الجديدة ، فلا بد من السعى لبلوغ وضعة البدل ، فكذلك المعاصرة تفرض على الانسان العربى ان يكيف وضعه بحب مقتضيات الاحوال . . واذا نظرنا الى تاريخ الفكر العربى الاسلامي ، فاننا نجده حافلا بالعبارات الدالة على سعى المفكرين العرب لتغيير الواقع وتحسين المعيشة وتصحيح الوضع . . ومن تلك العبارات : الاجتهاد والمناقشة والمجادلة والمناظرة والمحاورة )) وكل عبارة من هذه العبارات تحمل فى طيها روح الثورة الثقافية .
ان الجزائر التى خاضت بالامس غمار الثورة المسلحة المظفرة ، ترى ان تلك الثورة المباركة لا تكتمل الا اذا ساندتها ثورات ثلاث هى : الثورة الثقافية والثورة الزراعية والثورة الصناعية . وانا اعتقد ان كل واحدة من هذه الثورات الاربع هى معركة المصير بالذات ، لانها تعبر عن عدم الرضى بالحاضر ، وتدل على ديناميكية الفكر العربى وتكشف عن محاولة للحاق بركب الانسانية .
ويظن البعض ان مفهوم الثورة الثقافية مستورد ، وان عبارات (( النهضة والتوعية والتمسك بالشخصية ، وتصحيح الوضع الثقافي ، والصراع العقائدى والتبعية الثقافية )) ، ان هي الا كلمات مقولبةcalque اذا صح التعبير ، اى انها وضعت على غرار مثيلاتها الاجنبية ، وربما نسى اكثر الناس ان الثورة الثقافية التى احدثها العرب والمسلمون منذ اربعة عشر قرنا ، ليس لها مثيل فى تاريخ البشرية .
بطبيعة الحال ، لا يتسع المقام للدخول فى تفاصيل هذا الموضوع ، وانما اكتفى بالاشارة الى ان الآية الكريمة التى تقول .
(( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الانسان من علق ، اقرأ وربك الاكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الانسان ما لم يعلم )) .
هى التى دفعت العرب فى انطلاقة عبر الزمان والمكان ، لم يشهد لها التاريخ مثيلا . . ففي تلك الآية ، بصيغة الامر الذى وردت به ، حث صريح على القراءة ، وارشاد الى سبل المعرفة واشارة إلى ان صرح الحضارة لا يمكن ان ببنى الا اذا استعمل القلم ( علم بالقلم ) ، اى ان الحضارة لن تزدهر الا اذا انتقلت البشرية من مرحلة الرواية الشفهية الى مرحلة تدوين المعلومات ، وتسجيلها على القرطاس .
ولا ننسى فى هذا المجال ان هذه الايات هى اول ما نزل من القرآن ، وذلك دليل قاطع على اهمية القراءة فى الحياة .
واسمحوا لي ايها السادة ان استطرد قليلا لاحدثكم عن اهمية القراءة فى هذه المرحلة الحاسمة من تاريخنا .
ان المعاصرة - واعنى بها الجهود التى يبذلها المرء ليكون ابن عصره - اصبحت تفرض علينا ان نتتبع باستمرار ما يجرى فى العالم من احداث ، وان
ندرس القضايا المعروضة علينا وان نستزيد من العلم حتى لا لتخلف عن ركب الحضارة وأن نرفه عن انفسنا بمطالعات حذابة . . وهكذا ترى الواحد من ابناء هذا العصر يطالع الجرائد والمجلات ، وينكب على دراسة التقارير والملفات ، ويقرأ القصص والروايات والمسرحيات ، ويقبل على كتب الثقافة والعلم ، اضف الى ذلك كله ما نتلقاه من رسائل ، وما نصادفه فى الطريق من لافتات وما نراه ملصقا على الجدران من اعلانات ، فلا يجد مناصا من قراءة كل ذلك . . وهذا الامر يستوجب على من يريد ان يكون ابن عصره ، ان يتوخى طريقة فى القراءة تمكنه من ان يطالع اكبر قدر ممكن . . وقد وجد بعض الباحثين ان السرعة فى القراءة يمكن ان تتحسن بالتدرب والمران ، وهذا موضوع آخر ، ويكفينا ان نقول بان المطالعة اصبحت من اوكد الواجبات بالنسبة الى معركة المصير . . ولابد هنا من الاقرار بحقيقة مريرة ، وهي اننا لا نزال مقصرين فى المطالعة ، واننا نعانى ازمة قراء . . او ليس من المؤسف ان نرى بعض انصاف المثقفين عندنا ، يقبلون على شراء مختلف انواع الاثاث ، وتجهيز بيوتهم بمختلف الادوات العصرية ، ومواعين الطبخ الحديثة ، والات التسلية ، الا انك تراهم يهملون ركنا اساسيا فى البيت ، الا وهو المكتبة . . ان اكثر الناس ، للاسف الشديد ، يتباهون بما ديهم من اثاث ، وقلما يتباهون بما لديهم من كتب . . ان تأسيس المكتبة فى كل بيت ، يعود ببلادنا الى تقاليدها العريقة فى حب العلم ، ويخلق جوا مناسبا للثورة الثقافية .
ان الادباء هم جنود هذه الثورة وطلائعها ، وروادها ، وينبغى ان يقوموا بدور اساسي في التوعية . وكيف يكون للاديب جمهور يتابع انتاجه اذا لم يكن الشعب متعلما واعيا ؟ ولذلك فالثورة الثقافية قائمة اساسا اولا : على محو الامية بجميع اشكالها وثانيا على مقاومة الخرافات والاباطيل التى الصقتها جاهلية القرن العشرين بالدين وبالتراث القومى ، وثالثا على تصحيح الوضع لثقافى الراهن ، خاصة فى الاقطار التى عرفت ليل الاستعمار ، وتعرضت للغزو الثقافي ونكبت فى اعز شئ لدى الانسان ، الا وهو اللسان ، ورابعا على التفتح . . واحب ان اشير الى ان التفتح لا يمكن ان يكون سليم العواقب الا اذا حصل فى اتجاهين : تفتح على الداخل وتفتح على الخارج ، وذلك ان كثيرا من الناس يتوهمون ان التفتح عملية شبيهة بفتح النافذة لكى تطل منها على الخارج ، وانا اقول بان عيوننا ينبغى ان تكون مفتحة قبل كل شئ على تراثنا القومى : فكل ما يلهج به الشعب من اغان وامثال وحكايات ، وقصص
تروى البطولات كل ذلك يبتغي أن يعتبر من الروافد الزاخرة التى تصب فى نهرنا الخالد الا وهو لغة الضاد اما موقف الاستعلاء والترفع على التراث الشعبى ، فقد استنكره ابن خلدون بعبارات لا تزال الى حد اليوم تحتفظ بجدتها وطرافتها ، فهو يقول دفاعا عن اللغات السائدة فى عهده .
((ولا تلتفتن الى خرفشة النحاة ، اهل صناعة الاعراب ، القاصرة مداركهم عن التحقيق ، حيث يزعمون ان البلاغة لهذا العهد ذهبت ، وان اللسان العربى فسد ، اعتبارا بما وقع فى اواخر الكلم من فساد الاعراب الذي يتدارسون قوانينه ... وهي مقالة دسها التشيع فى طباعهم وألقاها القصور فى افئدتهم )) ان الاديب الحق لا ينبغي أن يكون مقطوعا عن الشعب . ولذلك يجب ان يتفرع لمهنته ، والا فانه سوف يتناول الموضوعات الادبية من زاويته كموظف او كاستاذ او كطبيب الخ . . فالاديب الحق لا يتردد اذا اقتضى الامر ، فى الانخراط للعمل فى المصنع ، او فى المزرعة ، او فى اى مكان آخر يمارس فيه مهنة يدوية يمكنه من تلمس الواقع وتحسس الام الشعب واماله وافراحه واتراحه . بطبيعة الحال يمكن للاديب ان يتخذ موقفا اخر ، هو موقف المتفرج مما يقع حوله ، ولكن ما قيمة الاديب الذي يكتفى بوصف المشاهد اليومية او سرد الاحداث الخاصة او العامة ؟ وما قيمة الاديب الذي يكتفى بالوصف والسرد ويحاول ان يزيد من عنده شيئا من الشرح والتفسير والتحليل ؟ ان كل هذه المواقف تعتبر انهزامية ، وفيها تهرب من تحمل المسؤولية فلا بد اذن من المساهمة فى عملية التحويل الاجتماعى وفى بناء صرح الامة . .
اما التفتح على الخارج ، فهو مكمل للتفتح على الداخل ولا يستقيم بدونه ، وذلك ان الانساق بدون تحفظ وراء الاتجاهات الاممية فيه خطر كبير على تماسك الشخصية القومية ، ان هذا النوع من التفتح له محاذير اهمها ان الخارج هو دائما مصدر لحملات التضليل . . فمن واجب الاديب ان يفضح بعض الاتجاهات السائدة عندنا ، وخاصة منها تلك التى تدعو الى التبعية الثقافية ، بدعوى اننا متخلفون فى الميدان التقنولوجى . . وهذا لا يمنع من القول بان التفتح على الخارج شئ ضرورى ، خاصة ان بعض الجوانب من الحضارة ، كالتربية والدين والتقنولوجيا ، انشأت لدى الناس من مختلف الجنسيات ، العديد من المفاهيم الثقافية والحضارية المشتركة . وعلى سبيل المثال ، فان الانسان الافريقي اخذ يخرج من بوتقته الضيقة ، ويدرك ان هناك زنوجة تربط بين الافارقة السود ، وان هناك عروبة توحد شمل Negritude ابناء لغة الضاد ، وانه بعد هذا او ذاك ، توجد افريقانية (Africanite )
ينتمى اليها الافارقة مهما اختلفت اوطانهم ولا شك ان المهرجان الثقافى الافريقى الاول الذى عقد بمدينة الجزائر عام 1969 قد اتى بالدليل القاطع على ان مختلف الفنون التعبيرية ، من ادب ورسم وغناء ورقص وتمثيل ، تكشف عن تراث مشترك من المفاهيم
وزيادة على هذا ، فان التفتح يفرض على الكاتب ان يتجاوب مع جميع المعذبين فى الارض ، فأينما كانت الحرية ذبيحة ، ينبغى ان يرتفع صوت الاديب منددا بالصهيونية والاستعمار والرأسمالية وجميع القوى التى لا نزال الى حد اليوم تطبق اساليب التعذيب الوحشي ، وتستعبد الشعوب ، وتعكر صفو العلاقات بين الامم .
وبعد ، ان القيم التى ضمنت للغة قريش الانتشار فى المكان والديمومة عبر العصور والازمان ، ينبغى ان تكون للادباء العرب خير رائد فى مساعيهم للتفتح على العالم بما يحتمل فيه من افكار ، وما يتصارع فيه من مذاهب وعندئذ يمكن لها ان يقولوا مع الشاعر الذى قال :
نبنى كما كانت اوائلنا تبنى ، ونفعل فوق ما فعلوا

