كنا يوم اجتماعنا في مؤتمرنا السابع فى بغداد من اكثر من عامين ونصف متلهفين لان نعرف هل يؤدى الاديب العربى دوره فى المعركة وما هى العوائق او الصعاب التى تعترض طريقه ومن هنا جاءت نداءاتنا بحرية الاديب وبضرورة التمكين لتراثنا العظيم من ان يؤدى دوره الضخم الفعال ويحل مشكلات النشر والتوزيع اى مشكلات التقاء الاديب بجمهوره . وكان قربنا النسبى من النتائج الاولى للمعركة يتحكم فى كثير من مرئياتنا وافكارنا ويحكم تصورنا وما قدرناه آنذاك ممكن العمل سهل التحقيق .
ولقاؤنا في هذا المؤتمر الثامن هو الدليل على هذه اللهفة المتجددة والبرهان على ان ضمير الادباء العرب ينوء بمسؤولية ضخمة لا يكفى ازاءها ان يدرك الاديب انه ملتزم بالقضية قد نذر قلمه وفعله للمعركة حتى النصر ، وانما هو يريد ان يلقي رفقاء سلاح الكلمة ليتدارس ما فعل وما يمكن ان يفعل . ذلك ان الايام قد اثبتت ان المعركة ليست طويلة شاقة فحسب ولكنها ايضا مراوغ لا تتحكم فيها معطيات علم السياسة كما عرفناه حتى اليوم ولست اقول منطق الحق او العقل لان السياسة الدولية لا تعترف بحق ولا بعقل .
وكنا فى مؤتمرنا السابق حريصين على ان نستعرض نتاجنا الادبي وخاصة بعد الخامس من حزيران لنرى من خلال العرض ماذا استطاع الاديب ان ينجز فى هذه الفترة . ولقد استعرضنا هذا النتاج فى جملة دراسات لاحقة للمؤتمر فدرسنا شعر المعركة وقصصها ورواياتها ومسرحها وحللنا هذا النتاج فى مجلاتنا الادبية واستطاع كثيرون ان يشيروا الى تطلعاتهم فى هذا المجال .
وباستعراض هذه الابحاث وقد اطلعت عليها قدر المستطاع خرجت بنتائج اجملها فى مستهل بحثي لمقدمة موضوعي الذي ارى انتهاز فرصة تجمعنا لنفكر فيه جميعا ونخرج منه بعلامات هادية على طريق نضال الادباء فى المعركة . ان اهم هذه النتائج هى ان ادب المعركة لم يولد مع الهزيمة فى الجولة الاولى يوم 5 حزيران ( يونيو ) وانما كان هناك ادب قبل المعركة يتنبأ ,
كما يجب لكل ادب ان يتنبأ ، بان المجتمع العربى يجتاز فترة انحلال وتجزؤ وتفسخ داخلى حتى داخل القطر الواحد لابد مؤدية إلى كارثة وشيكة . لقد نقل الاوضاع كثيرون من الادباء حتى الذين كانوا يوافقون على الخطوط العريضة او العامة . ذلك انهم كانوا يرون خيانة ما فى طريقة التنفيذ او عبثا واضحا ببعض القيم الاساسية . ومع كثير من الاحداث الخطيرة المؤسفة مثل حدث نحطيم اول صورة تنفيذية للوحدة العربية سطعت الاضواء أمام نظر الاديب ليرى امراض المجتمع العربى وان لم يوفق فى كثير من الاحيان الى استشفاف المستقبل الكفيل بازالتها او الوسائل المؤدية إلى تغيير المجتمع تغييرا جذريا .
كذلك استطاعت هذه الدراسات ان تبين المراحل المختلفة التى مر بها ادب المعركة قبل الهزيمة وبعدها عند شاعر خاص مثلا كالشاعر محمود درويش ودراسة الناقد الدكتور عبد القادر القط له ( مجلة المجلة مارس 1971 ) او فى المسرح والقصة مثلما فعل الناقد غالى شكرى فى بحثه فى المؤتمر السابع او فى الرواية وحدها فى آخر بحث له فى مجلة الطليعة ( اغسطس سنة 1971 ) او فى الادب عامة كما نجد فى بحث الدكتور شكرى عياد فى المؤتمر السابع او فى الشعر خاصة كما نجد فى بحث الاستاذ خيرى حماد للمؤتمر السابق . وهذه المراحل تبين اختلاف موقف الاديب من التنبؤ بالمأساة مثلما نجد فى شعر ابراهيم طوقان والخطيب وأبو سلمي الى البكاء على حدوث المأساة واقامة دولة اسرائيل على تل أبيب من جماجم كل القيم الانسانية وكل القوانين الدولية ثم الى الايمان بضرورة المعركة الطويلة والحث على الثورة حتى جاء الخامس من حزيران المشؤوم فهب الشعراء خاصة يعذبون الذات يصرخون ويلطمون الخدود وفي لسعة الحزن العميق يتهمون ، حتى افقنا من الهول على واقع صلد جامد يحتاج منا الى عزيمة الصمود ولهيب الفداء لنغيره .
ولست استطيع ان اعرض لكل هذه الدراسات ولم اشر الا الى بعضها ولا ان اغمطها حقها فى مواكبة آنية لأدب هو فى نظري آني ايضا ولكنه كله علامة على الطريق . فهذه الدراسات الجادة قد حاولت ان تستلهم واقع هذا الادب وان تشير فى وضوح وربما فى بساطة ايضا الى الدور المنتظر لهذا الادب ما دامت المعركة مستمرة وما دمنا ما نزال نتطلع الى نصر حاسم فيها .
واننا جميعا قد قرأنا وسمعنا الكثير من هذه الاعمال الفنية منها ما اثار فينا فكرا او انفعالا ومنها ما خرجنا من معاناة تجربته بشئ من الفتور او
السخط احيانا اخرى وكنا بعد ان نعود الى انفسنا فى كل مرة نحاول الاجابة على سؤال ما يزال بتردد كيف يمكن للادباء والشعراء فعلا ان يقوموا بدور أقوى وأشد فعالية فى سبيل انتنصر فى معركة المصير .
اما ان الاديب الحديث ملتزم بقضايا قومه وعصره فهذه بديهية لم يعد يناقشها احد ومنذ ان افاق العالم الغربي على حالة التفسخ التى قادته الى حرب عالمية ثانية خرج فيها المنتصر والمنهزم مهزومين والنقاد شرقا وغربا قد قتلوا هذه القضية بحثا . واخذت جمعياتهم ومؤسساتهم وافرادهم يعملون من اجل ما سموه بالسلام ، وعلى قبر الضحية الرامز لمأساة هيروشيما ونكازاكي التى عرت الامبريالية الاميركية وفضحتها نقش اليابانيون هذه العبارة " حتى لا يحدث هذا مرة اخرى " نعم حتى لا يموت ملايين البشر في سبل اطماع الاستعمار والامبريالية يجب ان نذكر دائما ان علينا واجبا مقدسا . ولقد وضعت منظمة اليونسكو التابعة لهيئة الامم هذا القول شعارا لها ما دامت الحروب تنبت اصلا فى عقل الانسان ففي عقل الانسان يجب ان تبنى معاقل السلام " .
ونسأل أنفسنا في مرارة ماذا فعلت هذه الاقوال وهى ما زالت شعارات انسانية رفيعة فى سبيل السلام فى سبيل الا يحدث هذا مرة اخرى .
اذا كنا نحاسب على سياسة او اقتصاد فان الحساب عسير ولكنا اذا كنا نحاسب على دور الفن والادباء خاصة فاننا ولا شك نستطيع ان نتطلع الى المستقبل فى تفاؤل نسبى . ولهذا فان ادباءنا يستطيعون الكثير لو ان جهادهم بالكلمة فتح لهم آفاقا جديدة لا لمجرد الاخذ عن الغير ولكن للمساهمة بدورهم في سبيل السلام . السلام العادل فى الوطن العربي اولا ثم فى العالم كله . فليست هناك امكانية انعزال هنا وهناك حرب فيتنام حرب الهند وباكستان الاستعمار في افريقيا ومشكلات التفرقة العنصرية احتلال ايران لجزر الخليج العربي كل هذه وغيرها وجوه متعددة لنشاط اعداء السلام وكلها بلا استثناء تعكس اوضاعها وتأخذ وتعطى من قضيتنا العربية ومن حربنا مع اعداء السلام .
وهكذا نجد ان عالمية الجهود من اجل السلام لا بد ان تكون نبراسا يستعين به الاديب العربى حتى لا تفقد قضيتنا بانحصارها او محدوديتها ثقلها الدولى سياسيا او ثقلها الانسانى فنيا . واقصد بثقلها الانسانى فرصة الانفتاح على
نماذح متعددة من كفاح الانسان اينما كان فى سبيل ان يتخطى بإرادته الحرة الثائرة واقعا لا يرضاه لانسانيته وفرصة الانفتاح على الفكر الحر والاراء الخصبة بل فرصة الانفتاح ايضا على التجارب الفنية شعرا ونثرا مسرحا قصة فى سبيل تليين القوالب وتطويع الاشكال لتحمل اشواق الاديب وتطلعنا الى الجماهير العريضة التى يعبر عنها وينطق بلسانها .
ولكن النقاد شرقا وغربا خارج الوطن العربي ان كانوا قد انتهوا من حسم قضية الالتزام فانهم ما يزالون يختلفون فى كيفية القيام بدور الملتزم ما هذا الذي يلتزم به الفنان وكيف يلتزم به بل كيف يطوع الاشكال الفنية لتعبر عن هذا الالتزام .
وفي سبيل الرد عما يلتزم به الاديب والفنان لا يكفى ان نقول انه يلتزم بقضايا المجتمع او الناس او الجمهور اذ اننا نتساءل من الذى يبلور هذه القضية ، والاهم من ذا الذى يرسم الجهاد فى سبيلها ويضع الهدف القريب والبعد لهذا الجهاد . مرة أخرى انهم المفكرون فى كل أمة وكل عصر والادباء من هؤلاء المفكرين دون ريب . صحيح انه عندما تختفى من حياة الناس القوة التى توحد فيما بينهم وعندما تبدو متناقضات المجتمع وكأنما لها كيان مستقل يتضخم بمرور الزمن وبسلبية افراد المجتمع فتنشأ الحاجة فعلا الى فلسفة تستهدف التغيير ولكن هذه الفلسفة ليست من صنع فلاسفة بالمعنى القديم انها من صنع المفكرين بل ليس المفكرين وحدهم وانما هم المفكرون المتفاعلون مع الجمهور الصاحب الاول لكل لكل قضية اجتماعية والمجاهد الاصلي في كل جهاد في سبيل التغيير الجذرى الذى من دونه لا يمكن ان تقوم معركة .
ومجتمعنا العربي مملوء بالمتناقضات المتضخمة ولا بد لنا من فلسفة سياسية واجتماعية واقتصادية متكاملة هي خلاصة فكر المفكرين العرب وجهاد الامة العربية العريضة بحيث تتضح لنا معالم القضية العربية العامة الشاملة . ان معركة المصير المحتومة مع العدو ليست بداية المطاف ولا نهايته وحتى النصر واسترداد الارض السليبة ليس هو نهاية المطاف انه خطوة اساسية على الطريق ولكن طريق العرب ممتد الى آفاق اوسع وارحب .
ان قضية العرب هى تحقيق وجود الانسان العربى بكل امكانيات العمل الخلاق في سبيل عيشه وفي سبيل تحقيق ذاته وفى سبيل مساهمته الفعالة فى الاحداث التى تصنع بها الانسانية مستقبل البشرية كلها . ان للعرب
تاريخهم وفلسفتهم وواقعهم وكيانهم الانسانى المتميز من جهة والمتحد مع سائر الكائنات الانسانية من جهة أخرى . وكل هذا يحتاج الى جهود فلسفية وعلمية لاستبيان حقيقته واستخراج خصائصه وايجاد فلسفة او ايديولوجية عربية حقة . ايديولوجية لا تهدف الى مجرد الرفاه المادى او التقدم العلمى وانما هي تستهدف تحقيق الذات الانسانية عن طريق العمل الخلاق والثورة المتجددة والارادة الحرة .
والتراث والواقع فى العالم العربي لا بد من أن يتفاعلا فى عقل المفكر العربى المعاصر لاستخراج هذه الايديولوجية الجديدة التى سترفع راياتها فى الجهاد وبعد الجهاد لتكون لنا نبراسا على هديه يتحقق الوجود العربى الكريم . ولا يمكن لاية ايديولوجية مستوردة ان تقوم مقام الاديولوجية المستوحاة من واقعنا المبنية على ما يجب ان يبقى من تراثنا والتى يمكن ان ترسم لنا من خلال تطلعاتنا ماذا سيكون عليه التطور العربى فى الغد .
ان شعارات الكفاح فى معركتنا المصيرية والهاب الحماس الجماهيرى لخوض معركة التحرير ليست على اهميتها وخطرها كل شئ . بل انها ليست وهذا ما أحب ان أؤكده مما يترفع عنه الاديب او المفكر ولكنها وحدها لن تؤدى الى اعمال موقوتة محددة وانجازات صغيرة مشكوك فى فعاليتها . ولا بد من فلسفة عربية تصنع كل هذه الاعمال الانية فى سلسلة البطولات المطلوبة التى من حصيلتها نصل الى البناء الشامخ المحقق لتطلعات الشعب العربى فى المستقبل الفسيح الآفاق .
ولست بحاجة الى القول بان تاريخنا الحديث والوسيط مختلف اختلافا كليا عن تاريخ اوروبا الحديث والوسيط وان العامل العربى او المصرى لم يمر بنفس التجارب التى مر بها العامل الاوروبى عندما غزت الآلة عندهم كل مرافق الحياة وتضخم الانتاج وانعدمت الصلة الروحية بين المنتج والسلعة والمستهلك وتجاربهم الاخرى الكثيرة ، بل ان الفلاح العربي لم يشهد بعد عصر المكننة فى العمل الزراعي كل هذا يحتاج منا الى دراسة الواقع العربي تفصيلا حتى نصل مستفيدين بكل الفلسفات العالمية والايديولوجيات المختلفة الى فلسفتنا العربية ، صحيح ان هذا لن يؤجل معركتنا او يخفف من سرعة خطاها وصحيح ان هذا لا يمنع من ان نصب جهودنا فى سبيل تحرير الانسان الحديث من الاستعمار والامبريالية الدولية ولكنا ما دمنا نؤمن باننا لا بد ان نحارب ونبني معا وفى وقت واحد فان البناء يكون ارسخ قدما واوضح خطة
لو اننا عرفنا كيف نبني وبهدف ماذا نبنى وكذلك فان حربنا ستزداد قوة و حرارة وحيوية لو عرفنا اننا انما نحارب فى سبيل غايات قريبة واخرى بعيدة وانها كلها تحقق تطلعاتنا شعبا وافرادا التى شكلناها على نحو بعيد . ، اخيرا لا بد ان نذكر دائما ان ثورتنا متجددة ابدا وان تطلعاتنا لا نهاية لآفاقها .
تأتى بعد ذلك المشكلة الفنية الحقة وليس كيفية التعبير عن فلسفتنا العربية . اننا على مدى تاريخ طويل قد اوجدنا تقاليد فنية وصقلنا ادوات موروثة ، كما طوعنا ادوات واشكالا مستوردة . ولكنا فيما ازعم نواجه مشكلات تعبير خاصة تحتاج منا الى اعمال فكرنا الخاص فى سبيل ان نتغلب عليها . لنا من تقاليدنا مثلا ان الفن كان دائما فى خدمة الجماعة حتى وان انحرف في بعض عصور الانحراف فقد كان الفن الرسمى ينحرف احيانا ولكنه الفن الشعبى ظل معبرا عن الشعب حاملا اشواقه واحلامه وتطلعاته .
لذلك قد تفيد من دراسات تصور دور الفنان فى حضارات غربية ولكنا لا نستطيع ان نطبقها كما هى على حالنا . دور المنشد الشعبى كان عندهم شاعرا ممتازا او رئيسا للجوقة او الى غير ذلك من صور ، والمنشد الشعبي كان عندنا شعبيا بكل معنى الكلمة لا يمتاز الا بموهبته المحدودة التى تبعده عن جمهوره لقد ظل من صميم الشعب طوال العصور وعلى مدى الازمان اتصال الفن بالسحر وبالاديان ودور الاسطورة موضوعات رئيسية فى الفن الواقعي بل في الواقعية الاشتراكية فى الفن ايضا فهل يمكن ان نقارن هذا الاتصال كما تجلى عندهم بصورته التى تجلت عندنا قد نستفيد من الدراسات ولكنا لا نستطيع ان ننقلها من بيئتها ونلون لها لنؤقلمها عندنا . بجد فى تاريخ المذاهب الفنية مثلا مجموعة من المحاولات التى قصد بها احياء الفن والادب بعد ان انهارت انظمة قديمة بقيمها الثابتة واخذت انظمة جديدة بقيمها الثورية المتجددة تحل محلها ، وبتغير العلاقات الاجتماعية كلها ,
علاقة العامل بحركة الانتاج اداة وسلعة ومستهلكا وبحركة انحسار البرجوازية امام الفكر الاشتراكى الجديد . هذه المحاولات التى تسمى اسماء عديدة واقعية او وجودية او رمزية او مصطلحات اخرى من دنيا الفن التشكيلى او من دنيا الفلسفة كالعدمية والتفتت واللا إنسانية والشيئية لا شك انها درست دراسات مثمرة لذيذة واثارت حولها جدلا عنيفا وانارت السبيل اما كثير من المبدعين كتابا وشعراء وفنانين وفتحت الآفاق للتجديد المستمر وللتعبير المستحدث ولكنا ننسى فى غمرة التفكير فيها انها لاتمت الى واقع ادينا الا بصلات محدودة حقا كانت عندنا مذاهب ادبية تتبنى الفن
البرجوازى وتدافع عنه . هل كانت عندنا ثورة برجوازية على الاقطاع اوجدت رومانسية ثائرة ثم تداعت القيم البرجوازية امام واقع جديد فأدى ذلك الى حيل فنية او مستحدثات فى سبيل البقاء ، بقاء الاشكال البرجوازية فى الفن . إذا لم يكن عندنا هذا بتفصيلاته فهل كان موجودا فى عمومياته كل هذه امور لا تحتاج الى نفى ثم اخفاء رأس النعامة فى الرمال انها تحتاج منا إلى دراسة جادة قبل النفي او الاثبات دراسة لواقع المجتمع وللتغيرات التى حدثت فيه ولانعكاس هذا كله على الادب ولدور الادب فى احداث التغيرات الثورية التى تمت في العالم العربي . كذلك موقف الدين وعلماء الدين من حركاتنا الوطنية ودور الدين فى فلسفتنا وتغلغله فى حياتنا اليومية واثر النص القرآنى الكريم وهو ذروة فى الروعة الفنية ، ولقد يقرأ مرات ومرات يوميا وتعتاده الاذن العربية حتى الاذن الامية ، ثم اثر كل هذا فى الفكر وفي الآراء وفي اللغة ذاتها التى يعبر بها الاديب . هذه كلها مشكلات وقضايا ولا تعارض بين ان نسير قدما فى نضالنا ومعاركنا من اجل التحرير وفي الوقت نفسه تتخذ هذه الموضوعات اهميتها ومكانتها من عملنا البناء فى سبيل تغيير المجتمع عن طريق الفكر .
اما مسألة علاقة الفن بالدعاية فهذه ايضا من اهم ، ان لم تكن اهم ، نقاط الرد على كيف يعبر الاديب الملتزم عن فكره وعاطفته ازاء مشكلات المجتمع وقضاياه . ان المباشرة التى ظهرت على اعمالنا الفنية عقب النكسة بل قبلها ايضا مسؤولة ولا شك عن تعطيل دور الادب وفقدانه السحر الذى يجب له ليؤثر فى الجماهير . لقد عيبت المباشرة على الاعمال المسرحية على مسرح نعمان عاشور والفريد فرج ويوسف ادريس والشرقاوى ، ولقد حاول كل منهم بطريقته ان يفر من المباشرة اما الى التاريخ او الفانتازيا او الخيال والوهم ولكن ما زالت القضية غير متعمقة بسبب صعوبات التعبير غير المباشر في القضايا الراهنة وكذلك يتسم بالمباشرة المفقدة للجمال الفنى كثير من مسرح الادباء الفلسطينيين انفسهم وشعرائهم مثل معين بسيسو فى ثورة الزنج وشمشون ودليلة حتى شعراء الارض المحتلة على ما في شعرهم من نفحات الارض الحبيبة وحرارة المعاناة الواقعية ونار الثورة الحقة . لقد كان شعر درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وفدوى طوقان نفحة جديدة ملتهبة صادقة للتعبير عن مأساة الحقائق فى نكسة حزيران ولكن المباشرة التى يقتضيها القرب الشديد من التجربة وربما الانفعال المضخم بها قد ازرت بغير قليل من فنية هذا الشعر مما افقده اثره العميق الدائم .
وهنا يثور السؤال الجوهرى فى موضوع الالتزام وهو موضوع اطلق عليه خطأ اسم الشكل والمضمون وفصل فصلا تعسفيا بين شكل ومضمون فى حين ان الفن يرفض هذا التقسيم رفضا باتا . لا يمكن لمضمون الا ان يفرض نفسه على الشكل فاذا كان المضمون فجا من الناحية الانسانية او الفنية فرض فجاجته على الشكل الفنى . حتى فى الموسيقى عندما يخفت دور المضمون ويكون الفن او يكاد شكلا صرفا نجد الموضوع او المضمون يعرض نفسه ، يستبعد ايحاءات معينة من انواع بعينها من الموسيقى ، ويضرب النقاد لذلك مثلا بمرثية لينين الموسيقية وهل يمكن للحن يوحى بالقداسة الدينية او المارشات الجنائزية الاسطورية ان يدخل فى نسيج لحن رثاء رجل مثل لينين وكذلك هل يمكن للالحان الحربية والاناشيد الحربية ان توحى برثاء رجل ليست عظمته عظمة حربية باي حال . وهكذا نجد الدراسات العديدة التى اثبتت بشتى الطرق كيف ان الشكل والمضمون كل لا يتجزأ .
وجاءت وسائل الاعلام الحديثة ففرضت بقوتها الجبارة تغيرات هامة فى أداة الادب وشكله ، لقد احتضنت اول الامر اشكالا من الادب كالمسرحية والشعر والقصة القصيرة ثم اخذت تنشئ اشكالا جديدة خاصة بها فى هذه النواحي . واكتفت بان تستلهم المسرحية الادبية مؤكدة ضرورة نمو المسرحية الاذاعية باسلوب آخر ، وكذلك الشأن فى القصة . ثم وقفت من الشعر موقفا مختلفا احيته بالانشاد بصوت الشاعر نفسه وما زالت حائرة فى وسائل ايصاله عن طريق مصاحبة اللحن والصور الخاصة ولكنها كلها تجارب . ووقفت اشكالنا الادبية على تخوم هذه المشكلة ولم تدخلها بعد . لقد ترفع الادباء عن ادب الدعاية وهذا موقف لا يتمشى اطلاقا مع متطلبات المعركة . ان الادباء العرب لا بد ان ينزلوا بكل ثقلهم ليطوروا ما استطاعوا اساليب الدعاية واشكالها ، فهي الصلة الواقعية بالجماهير العريضة اى هى الصلة الحقة بالجنود الاصلاء في المعركة . على ان يعرفوا ويعترفوا ان ادب الدعاية ليس الادب بمفهومه المتعارف عليه وانه وهذا هام جدا لا ضير اطلاقا ان ينشئ الاديب نوعين من الادب مساهمة منه فى الا تترك الجماهير فريسة الاساليب التافهة والمفاهيم المتخلفة التى تلجأ اليها الدعاية فى غياب ما هو افضل فتكتفي بما يستطيعه خبراؤها . ان خبير الدعاية خبير فى اعداد بعض المواد وخبير فى العرض والاداء ولكن محتوى المادة لا بد للادباء من ان يسهموا فيه عن قصد وعمد وبارادة واضحة . لا بد للاديب من ان يحاول اتقان الوسائل والاساليب التى تجعل صوته يصل الى الجماهير العريضة وفي الوقت نفسه لا بد ان يظل امينا لسلاحه الاستراتيجى العميق سلاح
الفن الحق بالاسلوب الخالد على الزمن . معنى هذا اننا مضطرون فى ظروف حياتنا وانتشار الامية بين جماهير الامة العربية من ان تحارب فى جبهتين جبهة الدعاية السريعة الفعل وجبهة الفن الخالد الاثر وفي وقت واحد ان استطعنا وبنظرة واعية الى اهمية الادب الدعائى وضرورته وجلال خطره . اننا يحب ان نتقن لغة الجماهير وان نحيى آدابها وفنونها باسلوب علمي ، وليس بالاساليب المشوهة المبتذلة التى نتبعها الآن جاعلين كل هابط فلكلورا وكل تافه فنا جماهيريا ان فن الجماهير فن واحد فى نواح عدة علينا ان نتسنها وان نقويها وان ندرس من خلال هذا الفن تقاليد الجماهير وذوقها الذي لا بد ان يؤثر فيما يقدم له من زاد دعائى . لست في موقف الدفاع او الهجوم وانما انا فى موقف ارى ان متطلبات المعركة تفرض على الاديب اساليب كفاح .
اما الادب الحق الذى لا يستهدف البساطة وان يكن بسيطا ولا المباشرة باي حال فانه لا بد ان يغير من اسلوبه . لقد تغيرت الصلة بين الاديب ومجتمعه ، ولست اقول ان كان يكتب لقلة واليوم يجب ان يكتب لكثرة فحسب وانما موقفه من العالم كله ومن قضايا الانسان قد تغير ، كان الفنان اذا ما طحنته متناقضات عصره بهرب الى الطبيعة ويدفن غربته فى قمرها ونجومها بل في نباتها وحيوانها . واليوم اذا اراد هروبا من واقعه فلا بد له من ان يهرب الى الشعب الذى يعاني مثله والشعب الذى لا يملك حتى اليوم وسائل الهروب إلى الطبيعة وهو بنظرته السليمة يهرب الى اخيه الانسان يشكو همه ويبثه لواعجه وقد يهرب الى حبيبة واقعية او متخيلة يجد فى دفء عاطفته نحوها عزاء عن برودة الحديد الذى يكبله ويشل ملكاته ويفقده حريته .
كان طاغور شاعر الهند الاكبر يفر من آلام المجتمع حسب اسلوب عصره الى الطبيعة من حوله كان يناجى الليل باسلوبه البارع فيقول : " وقفت ليلة امس وحيدا وسط ظلمة الليل التى سقطت على الكائنات كلها ، وقفت انصت إلى صوت مغنى الانغام الابدية ، ولما اغمضت جفني لانام كان هذا الخاطر يلح على انه حتى عندما اغيب عن وعيى ستظل رقصة الحياة مستمرة على ساحة جسدى الخرساء الصامتة فى ضربات منسجمة مع حركة النجوم سيخفق القلب ، وسيتتدفق الدم صاعدا فى عروقى وملايين الذرات الحية فى جسدى ستظل ترتعش رعشة الحياة فى اتساق وانسجام على اوتار الفيثار التى تهتز بلمسة الخالق السيد " .
واليوم نريد للشاعر العربى ان يهرب من متناقضات المجتمع الى اخوانه الذين يعانون مثله ليشد من ازرهم وليقوى ارادة الثورة والتغيير فيهم ليسير بهم ومعهم الى احداث الثورة المطلوبة ثورة متجددة ثورة تجعل الكائنات وقلب الشاعر وقلب الشعب وحركات الثورة كلها سيمفونية جميلة نسمعها فى الليل من فيثارة الخالق السيد الذى انصت الى انغامها طاغور او غيره من الشعراء العظماء .
ولكى نجعل ادبنا وسيلة تحريك وثورة ، لا بد من تطوير اسلوبه لا بد من ان نطور الشكل واللغة والصورة والخيال نفسه لان المضمون قد تغير ولان موقف الشاعر من الحياة قد تغير فعلا وبدأنا طريقا جديدا فى ادراك الحياة من حولنا .
لقد فرضت التغيرات الضخمة التى فرضها عقل الانسان ومكتشفاته ان يتغير شكل المجتمع وان تتغير علاقات الناس بالاشياء وعلاقات الفرد بالجماعة وهذا التغيير الذى فرضه عقل الانسان بعد ان بشر به عقل الادباء والمفكرين لا بد مغير من اسلوب الادب ليظل الادب ابدا وسيلة تقدم وسلاح ثورة واسلوب استشفاف للمستقبل .
ان معركة المصير التى يخوضها الشعب العربي تحتاج الى معرفة وادراك لو تعاونت الدعاية مع الادب فى سبيل ايصالها وايقاظها لدى الجماهير لادت الى تعميق دور كل منهما واتقانه ولكن ادب الاستراتيجية الثقيلة الذى يصنع المستقبل لا بد من ان يتقن اسلوب ربط الماضى بالحاضر ليخرج منهما رؤية متفتحة الآفاق عميقة الغور للمستقبل الذي من اجله نعيش اليوم , وليس الماضي ولا الحاضر الا بعض من عناصر هذه الرؤية اما اخطر عناصرها فهي موهبة الاديب وحسه كما ان اخطر اسلحتها الاسلوب الجديد اسلوب الفن الذي يمكن ان يهز كيان الجماهير كلها .

