الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

الاديب العربي في العالم الحديث

Share

( ١ )

فاجأنا العالم الحديث فى اعقاب الحرب الكونية الاولى ، كان قد بدأ يتسرب الينا منذ أواخر القرن الثامن عشر : حملة نابليون على مصر ، قيام محمد على نشاط الارساليات التبشيرية والتربوية فى لبنان وفلسطين على الخصوص ، استمرار الصلات المذهبية بروسيا وفرنسا والفاتيكان . على ان العالم الحديث لم يصبح عالمنا بالفعل الا بزوال السلطنة العثمانية عن ربوعنا .

ولكن ، ان يصبح العالم الحديث عالمنا ، أى ان لا يقوم بيننا وبينه حاجز ،لا يعنى اننا اصبحنا تماما فيه ، اى اننا تبنينا جميع معطياته ومفاهيمه - الصالح منها والطالح - فى حياتنا . فلو كان الامر كذلك لما كانت القضية المصيرية التى تجابه العرب اليوم ، على اختلاف بيئاتهم ، هى : كيف تنشئ مجتمعا حديثا فى عالم حديث .

هذا التناقض بين كوننا شكلا فى العالم الحديث وكوننا جوهرا خارجه ، يضطرنا - نحن الادباء العرب - الى معاناة قضايا مجتمع قديم فى عالم حديث ومعاناة قضايا عالم حديث فى مجتمع قديم . فى التعبير عن معاناتنا الاولى نعرض انفسنا لانتاج ادب يجده القارئ الحديث بعيدا عن قضاياه ومشكلاته ، وفى التعبير عن معاناتنا الثانية نعرض انفسنا ، من جهة اخرى ، لانتاج ادب يجده القارىء العربى مستوردا غريبا .

كنا نستطيع ، قليلا او كثيرا ، ان نتخطى هذه الصعوبة ، فنكتب ادبا يعكس حياتنا ويعالج قضايانا الخاصة على نحو يهم القارىء فى كل مكان ، لو لم نكن فى عملنا الادبي مكبلين بصعوبات اخرى هى ايضا ، فى اساسها ، قائمة او لا تزال قائمة ، لفقدان " الحداثة " فى عالمنا العربى .

اولى هذه الصعوبات اللغة . هل تعلمون اننا نفكر بلغة ، ونتكلم بلغة ، ونكتب بلغة ؟ أنكون أننا اذن فى رأى البعض ، كالدكتور ليفيز ، لانكتب ادبا قط، لاننا لا نكتب بلغة الشعب ، بلغة الحياة ؟ الم يبدأ الادب الانكليزى مثلا بتشوسر ، والايطالى بدانتى ؟ .

هذا الحرص الذي يبديه العرب على تجميد اللغة فى قواعدها القديمة المتوارثة دليل واحد على ان العقل العربى ليس حديثا بعد - اى ليس ، بهذا الصدد ، علميا ولا علمانيا . فهو ما يزال يخضع الحقائق الموضوعية للرغائب الذاتية . فمن الحقائق الموضوعية ، مثلا ان اللغة تتطور مع الزمن ، وانها انما تتطور على السنة المتكلمين بها . على ان رغبتنا الذاتية فى ان نرى انفسنا امة عربية موحدة ، تحملنا على التمسك بلغة عربية موحدة خرجت من الافواه الى بطون الكتب ، كنا نعتبرها لغة الوحي فمنعناها من ان تتطور التطور الطبيعى الذى جرت على سننه جميع اللغات . واليوم اذ ضعفت الاعتبارات الدينية فى نفوسنا اقمنا فى وجهها عائقا من نوع جديد ، حين اخذنا نعتبرها لغة القومية العربية .

فالسؤال الآن هو : كيف نوفق بين رغبتنا الذاتية هذه ، وبين ان يكون لنا ادب حى بلغة الحياة ؟

الواقع اننا استنفدنا او كدنا نستنفد ، منذ ابي نواس ، امكان تطويع اللغة الفصحى لحاجة التعبير الحي النابض عن خلجات نفوسنا وتأملات عقولنا . ففشلنا فى المسرح وفي السينما ، وسنفشل قريبا فى الرواية والقصة حيث اقتنعنا حتى الآن باستعمال اللغة المحكية فى الحوار . وسيأتى يوم ندرك فيه ان الحقيقة لا تتجزأ وان ما لا يصح ان يكون لغة المسرح والسينما والحوار القصصى ، لا يصح ايضا ان يكون لغة الادب فى جميع فنونه .

على ان ذلك لن يتم عن طريق المجامع اللغوية والمؤتمرات العلمية ، كما انه لن يتم - ونحن لم نبدأ ثورتنا الحقيقية ، اى الروحية والعقلية بعد - بفعل الارادة الفردية او الجماعية الواعية . بل انه سيتم ، بمثل ما يتم تفتح الوردة ونضوج الثمرة ، خفية وبثبات . فلا بد من ان تصل الحياة الى غايتها عاجلا او آجلا .

ان اللغة للاديب ، لا سيما الشاعر ، هي كل شىء . فكيف يصنع الاديب اذا لم تحى لغته ، اذا لم يحيها ويحيها مع نبضات قلبه ، اذا لم يصل بها الى عمق اعماق الآخر ؟ نحن نعلم ان اللغة لا تصطنع ، وان الحلول التى يضعها المتخلفون منا ليست حلولا . فهي تتجاهل الحقيقة او تجهلها . والحقيقة هى ان اللغة العربية تطورت وتتطور دائما على السنة شعوبها ، وان هذه اللغة العربية المتطورة هى لغة الحاضر والمستقبل ، وان استخدامها فى الكتابة كما فى الحديث امر محتوم . عندئذ نتغلب على هذه الصعوبة الاساسية فى وجه أدب عربي مبدع ، حديث .

(2)

الارض التى اصبحت ارضا عربية هي مهد الانسان بل هي مهد الله ايضا . فما تحسب الا ان المياه التى كان الله يرفرف على وجهها فى البدء ، كانت تغمر هذه الارض فى هذا فخارنا الذى ما بعده من فخار . على ان هذا الفخار لم ينجنا فى مراحل التاريخ من من منتهى البؤس والشقاء . فحتى اليوم لا نزال ننكب فى ارضنا ونتردى فى عار تفاهتنا . نحن الذين لعبنا اعظم ادوار التاريخ الحضارى ، ماء فعلنا منذ الف سنة ، بل ماذا نفعل اليوم ؟ عندنا ثورة بالقوة ، نحاول ان نصرهم ثورة بالفعل . حتى هذا لا يعدو كونه املا . واذا كان لهذا الامل ان يتحقق يوما - وهو سيتحقق باذن الله - فلن يكون الا بعد صراع بيننا وبين انفسنا

وبين القوى الخارجة عنا - صراع سيقلب الارض تحتنا ويبدل دنيانا . ذلك و بين القوم الخارجة مع اننا نزح ، اكثر من اى شعب فى الارض ، تحت عبء تاريخ متطاول فى القدم خبر كل شئ وعاني كل شئ وقد بلغ من تشابك تاريخنا هذا وتعقده وتنوعه انه سلبنا الاستقرار والتعمق والتاصل فى حدود تاريخية معينة ، ذات لغة واحدة وحضارة واحدة مستمرة عبر الاجيال . وكم حاول اسلافنا ، فى مختلف مراحل تاريخنا ، ان يرسموا ، بالدماء حينا والدموع حينا آخر خطوط هذه الحدود ويفرضوا فى نطاقها وحدة لغوية وحضارية ، فاخفقوا

وكانت آخر المحاولات الاسلام . وحين اخذ يتصدع ، كقوة سياسية واجتماعية فى عالم اليوم ، الحللنا محله فكرة القومية . فهل ننجح نحن ، حيث اخفق اسلافنا من قبل . ؟

مشكلتنا اننا ، منذ القدم ، نعشق الافكار الكبيرة اولا ، ثم نسعى الى تجسيدها . وكثيرا ما ازداد عشقنا لها كلما بدت لنا مستحيلة التجسيد . بل طالما اضمحل عشقنا لها حالما تتجسد او ندرك انها لا محالة ستتجسد . ففي طورنا الاسلامي مثلا ، تراءت لنا فكرة الجماعة سبيلا الى الوحدة والاستقرار ثم سعينا الى تحقيقها بجميع الوسائل . حتى لاصبح تاريخنا فى هذا الطور تاريخ صراعنا للحفاظ عليها . وها نحن اليوم ، فى طورنا القومى ، نستبدل فكرة الجماعة الدينية بفكرة القومية الاكثر انسجاما مع طموحنا ومع مفاهيم العص الذى نعيش فيه . فهل يأتي يوم نزهد فيه بعثنا الافكار الكبيرة ، فندرك ان المجتمع الثابت الخلاق قد يكون المجتمع الذي ينبت طبيعيا فى بيئة ما ، لا الذى تفرضه الفكرة على تلك البيئة . عندئذ قد ننهى رحلتنا الطويلة عبر عصور مديدة من التقطع التاريخي

هذا التقطع التاريخي هو صعوبة اساسية اخرى امام نمو ادبنا العربى وازدهاره .

(3)

وهنالك صعوبه ثالثة هى اشد الصعوبات التى ذكرنا عنادا وابعدها اثرا فيما نعانيه ونكابده فى هذا العالم الحديث ، اعنى بها انغلاقنا على انفسنا وانفصانا عن جهد الانسان الحضارى المتواصل المتصل . هذا الانغلاق او الانفصال تم نهائيا بانهيار سلطاننا فى الاندلس ، عندئذ خيم الانحطاط وعم الظلام . وعاش فلاسفتنا هناك فى الغرب ، وماتوا هنا عندنا فى الشرق . كان ذلك نتيجة منطقيه متوقعه لعملية الخنق المستمر التى بدأت ، فى تاريخنا الاسلامي ، بزوال عهد الحامون . فسحق المعتزله وسحل الحلاج . وكانت آخر السلسلة ظهور الغزالى ، فى السنوات الالف ، واختفاء العقل من ديارنا فى الالف الاخيرة .

نحن اليوم ندرك ما حل بنا . ومنا من يدرك لماذا . هؤلاء يقولون : حضارة الانسان واحدة لا تتجزا . كل انفصال عنها ، وانغلاق دونها ، موت . فاذا اردنا ان نحيا ، علينا ان نتصل وان ننفتح . واذا كان شئ فى تراثنا يحول دون هذا الاتصال والانفتاح فبئس هذا الشئ ؛ كنا فيما مضي شركاء عاملين في حضارة الانسان ويجب ان نظل كذلك اليوم . اعطبناها حين امكننا العطاء ، فلا عار علينا اذا اخذنا منها اليوم . بل العار فى ان لا ناخذ اليوم ، لكي نستطيع العطاء غدا .

هؤلاء هم الثوريون الحقيقيون فى عالمنا العربي . عنوان ثورتهم : كل ما يقف عائقا امام اشتراكنا فى تجارب الانسانية كلها ، امام وحدتنا مع الحياة الانسانية ، امام دخولنا التاريخ الانسانى ، امام مواكبتنا سائر الشعوب في العلم والادب والفن ، امام جهادنا الانسانى المشترك فى سبيل تحقيق حياة افضل - كل ما يعيقنا عن الصيرورة واحدا مع العالم ، هو ليس من تراثنا الحقيقى الاصيل فى شئ

قد يكون فى عرض هذه الصعوبة على هذا النحو شئ من المبالغة بل من التشاؤم . فنحن اليوم نتصل بالفعل وننفتح . المكتبة العربية تزداد مع الايام تضخما بالكتب المترجمة ، الاخذ والعطاء قائم بيننا وبين سائر العالم . الانظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فى عالمنا العربى مستمدة من خبرة الانسان عامة وحاجتنا نحن على وجه الخصوص . العلم والتكتيك يغزوان حكوماتنا ومعاهدنا ، بل عقولنا . من ينزل فى عالمنا العربي ، يدهشه التقدم الحضارى الذي احرزناه فى مدى سنوات

صحيح انما النقل شئ والخلق شئ آخر . ما لم ينبع الماء من اعماق ارضنا عبثا نأمن ويلات القحط والجوع . علينا ان نفض السر بعقولنا لا بعقول سوانا علينا ان نتواضع وان نتضع لكى نتعلم ونعرف . علينا ان نكون لكى يتاح لنا ، فى نهاية الامر ان نصير

من شرفة التراث الحضارى كله ، منذ قلقامش وهوميروس وطاليس وسوفوكليس حتى فولكر وسان جون بيرس وهيديجر ، يجب ان نصنع ادبا . ومن شرفته بحب ان يطالعنا القارىء العربى ويقيمنا الناقد العربى . شكسبير كأبى نواس ، لنا ومنا ، بقدر ما هو للانكليز ومنهم ، بقدر ما هو للفرنسيين ومنهم ، بقدر ما هو ، جملة ، لتراث الانسان وفنه . فى ذلك نحن شركاء لا فضل لواحدنا على الآخر الا بالعطاء المبدع الخلاق

(4)

بقى ان اذكر صعوبة آنية ، وان لم تكن جديدة ، تعيقنا ، نحن الادباء العرب ، عن اداء رسالتنا على الوجه الاكمل . هذه الصعوبة هى الطغيان السياسى فى بعض مجتمعاتنا العربية .

اعود الى تعشقنا الافكار الكبيرة . من اجل هذا العشق ، يسهل علينا التضحية بكل شئ ، حتى بحريتنا ، بانسانيتنا . الفكرة الكبيرة التى تستحوذ علينا اليوم هي فكرة القومية وما تعده من بناء مجتمع واحد كبير تسود فيه العدالة وتتوفر عناصر القوة والكرامة والتقدم . لا باس ، الفكرة جميله ، وعسى ان تتحقق . انما كيف ، وعلى حساب ماذا ؟

هذا هو السؤال الاول والاخير الذي يجابهه الادباء العرب الحقيقيون اليوم . انه شبيه بالسؤال الذى جابهه ويجابهه جميع ادباء المجتمعات الساعية الى النهوض السريع بتطبيق فكرة مثالية تحولت الى عقيدة شاملة مغلقة لا تقبل الجدل والنقاش

كيف ، وعلى حساب ماذا . ؟

بالضبط والارهاب ؟ كلا ، يسلب الحريات الشخصية ؟ كلا . بخنق حرية الفكر ؟ كلا ، والف لا .

اننا نرفض اى عذر او مبرر ، نرفض ان نسجن نحن اليوم وعلى امل ان يطلق سراح اولادنا غدا . حياتنا اعطيت لنا نحن ، ونريد ، ان نحياها نحن ، لا ان يحباها اولادنا عنا . وكما أن لا احد يموت عن أحد ، كذلك لا يحيا احد عن احد . لكل حياته وموته . ولكل جزاؤه عن نفسه هو لا عن سواه ، عند ربه اليوم الاخير .

الطغيان السياسي ، من اجل تحقيق غاية مثلى ، وسيلة عتيقة حان لها ان تبلى . الانسان الحر وحده يحقق كل غاية ، بعبوديته لا يتحقق شئ . الانسان ، فى كمال حريته وكرامته هو قبل اى غاية ، من له اذنان للسمع ، فليسمع.

اذا كان ما نهدف الى بلوغه حق ، ونؤمن انه حق ، لا حاجة بنا قط الى ان نتوسل الى بلوغه غير وسيله حق . والطغيان السياسي ، بما يزرعه من رعب فى النفوس ، وبما يقيم من موازين الفكر والسلوك ، ليس بالوسيلة الحق .

والوسيلة الحق هى احترام حرية الرأى ، وافساح المجال للنقد والجدل والنقاش ، واعتبار ان لا شئ مهما يكن ، محرم على العقل .

(5)

بمثل هذه الصعوبات نقف نحن الادباء العرب فى العالم الحديث . وهي صعوبات لا يحسدنا عليها احد . لكننا سنقهرها مع الايام . فلنا من مئاثرنا في التاريخ الانسانى ما يشدد عزمنا ويجدد فينا الايمان بقدرة الاجيال الادبية العربية الصاعدة على اداء قسطها نحو ادبها ونحو ادب الانسان.

اشترك في نشرتنا البريدية