( 1 )
عالمنا الحاضر صغير جدا ، لم تعد عشرات الآلوف من الاميال التى تفصل بين بلاد وبلاد ، حواجز تعوق التواصل الانسانى السريع المستمر المتين . لقد اصبحت الحدود البعيدة تنهار فى ثوان معدودات امام عبقرية الانسان ووسائله المدهشة للاتصال باخيه الانسان فى كل ارض ، وايصال افكاره واخباره اليه بسهولة خارقة .
هذه السهولة فى الاتصال ، وهذا اليسر فى التبادل ، اللذان جعلا من العالم الواسع ، ذى القارات المتعددة المترامية ، التى تفصل بينها بحار ومحيطات ، عالما صغيرا ، كان لهما اثرهما المباشر كذلك فى جعل الاديب العربى يندمج فى تيار الفكر الانسانى ، ويتغلغل في مختلف فنونه ومدارسه ومذاهبه واتجاهاته وتطوراته ، ويتصل اتصالا مباشرا وثيقا باعلامه وبما ينتجون من روائع ، فهو من مكانه فى غرب آسيا وشمال افريقيا ، يعرف كل شىء عن الفكر الانسانى فى كل القارات .
واستطيع ان اؤكد ههنا ان للاديب العربى ميزة على غيره من ادباء العالم . فى أنه يعرفهم ولا يعرفونه ، ويعيش معهم ولا يحسون به ، ويراقب تطور انتاجهم وتفكيرهم ولا يدرون من امره شيئا ، انه يعرف لغاتهم ، فيقرأ ادابهم فيها مباشرة ، ومالا يقرأه فى لغته الاصلية يقرأه مترجما الى لغة اخرى اجنبية او الى العربية ، فهو مع أدب كل أمة وأدب كل عصر ، يقرأ ، ويفهم ، ويقتبس ويتأثر ، وهو بالتالي يطور أدبه على ضوء ذلك كله ، بحيث يصبح ادباً انسانيا كغيره من آداب الامم الراقية الاخرى ، وقد قطع فى ذلك شوطا جد بعيد ، فى الشعر ، وفى القصة وفى الرواية ، وفى آلمقال ، وفى النقد الادبي ، وفى كل فن من فنون الفكر .
والعرب لم يفعلوا هذا فى الحاضر فقط ، بل فعلوا مثله فى الماضى كذلك ، فقد قامت النهضة الفكرية فى العصر العباسى على التلاقح الفكرى ، بترجمة الفلسفات والعلوم الهندية واليونانية والفارسية ، فاتصل بذلك الفكر العربى بالفكر الانسانى ، وأثر كل منهما فى الآخر تأثيرا مباشرا عميقا ، فبينما ازداد الفكر العربي غنى وعمقا عن طريق هذا التلاقح رأيناه يمضى قدما فينشئ
ويبدع ، ثم يزيد فى ثروة الفكر الانسانى وينقله مشبعا بالغنى والعمق الى العالم كله ، ويهيئ بذلك ويضع البذور والسماد للنهضة الاوروبية ، التى نشأت بعد ذلك وراحت تنمو وتتطور الى يومنا هذا .
لقد تفاعل الفكر العربى مع الفكر الانسانى فى الماضى ، وهو الآن اكثر تفاعلا معه فى مختلف اقطاره ومطارحه ، واذا كان الفكر العربى في الماضى قد هضم ما سبقه وزاد عليه حتى اكمله ، وسلمه الى أوروبا ليكون اساسا لنهضتها الحديثة الرائعة ، فان الفكر العربى اليوم اليوم يتفعل مع الفكر الانسانى العصرى تفاعل الند المبادل ، بعد ان كان فى بداية عصر النهضة العربية الحاضرة - اى فى القرن التاسع عشر وبدآية القرن العشرين - يتطلع اليه تطلع المستمد المقلد . وقد يكون هذا فى حاجة الى شرح ، فلأبين اذن كيف قامت نهضة الادب العربى المعاصر ، وكيف كان الاتصال الجديد بين الغرب والشرق العربى ، وبين الفكر الغربى والفكر العربى الحديثين .
لقد كان التلاقح الفكرى بين العرب والغرب دائما عن طريق الحروب والفتوح : العرب فى العصور الوسطى هذبوا الفكر الغربى ومهدوا طريق النهضة الاوروبية بنشر نتاجهم الفكرى فى اوروبا ، عن طريق الفتح العربى لا جزاء من اوروبا ، ولا سيما لاسبانيا وصقلية ، وفي العصر الحديث عاد الغربيون يعطون العرب ما أخذوه منهم عن طريق الفتوح كذلك ، او ما ندعوه بلغة اليوم بالاستعمار . فنحن عند ما ندرس تاريخ النهضة الادبية الحديثة فى البلاد العربية ، نجعل من غزوة نابليون لمصر ، فى نهاية القرن الثامن عشر ،
نقطة انطلاق ، ونعتبر البعثة العلمية التى رافقت تلك الحملة حجر الاساس فى تلك النهضة ، واما الفترة التى سبقت تلك الغزوة ، والتى كانت البلاد العربية فيها خاضعة للحكم التركى ، فنحن ندعوها عصر الانحطاط ، وهى عندنا الفترة المظلمة التى وقفت فاصلا بين الدور الذهبى القديم للفكر العربى ودور انتفاضته الحديثة . فى تلك الفترة المظلمة وقفت حركة الاخذ والعطاء بيننا وبين عالم الفكر المبدع ، فلم تكن الدولة التركية المسيطرة فى بلادنا العربية ذات اثر فكرى او حضارى ، فيتفاعل الفكر العربى مع فكرها ، ويمضى الاثنان فى بناء حضارى يزيد المدنية الانسانية غنى واشراقا ، وانما تفاعل خمول المحكوم وضعفه مع الجهل الحاكم واستبداده ، فكان الانحطاط الفكرى الذى رافق الحياة العربية قرونا طويلة ، كانت كافية لقتل كل أثر للحس العربى ، لولا ما فى الامة العربية من عناصر الحيوية والبقاء التى تقاوم كل عوامل الهدم والفناء ، والتى لا تلبث ان تنتفض كطائر الفينق ( PHENIX ) الخرافى ، حية قوية كلما ظن انها انتهت وتلاشت فى رمادها .
كانت غزوة نابليون ، اذن ، هى بدء الصلة الحديثة بين العرب والغرب ، ومن الناحية الفكرية كانت اللمسة الاولى التى فتحت العيون المغمضة فى بلاد العرب ، لترى دنيا جديدة حية و كنوزا من الفكر الانسانى غنية زاخرة ، ومن هناك مضي العرب يتصلون بالغرب عن طريق البعثات العلمية الى معاهد اوروبا تارة ، وحينا عن طريق الفنيين والعلماء الاوروبيين الذين ينتدبون للعمل في بلاد العرب ، وطورا عن طريق المعاهد العلمية الغربية التى تنشأ فى الشرق .
و كانت هذه الصلة الجديدة - بغض النظر عما ابتلى به الشرق ، من الوجهة السياسية ، من شرور وويلات - وسيلة لبعث الفكر العربى من رقدته الطويلة ، ثم لتطعيمه ، فيما بعد ، بلقاح جديد من الفكر الغربى الناهض المتطور ، حتى انتهى الامر الى ان اصبح المفكر العربى ، بوسائل العصر السريعة التى قربت كل بعيد ، على صلة بادق شؤون الساعة فى الفكر الغربى ، يعرفها ويناقش فيها مناقشة الند الواعي البصير ، وهو يطلع على الانتاج الفكرى الغربى منذ اليوم الاول لظهوره فى اسواق بلاده ، انه يقرأ مؤلفات سارتر فى اليوم نفسه الذى يقرأها فيه اهل باريس ، ومؤلفات اليوت فى اليوم الذى يقرأها فيه أهل لندن ومؤلفات (( همنغوى )) فى اليوم الذى يقرؤها فيه اهل نيويورك ، وهكذا . ولا تنشأ مدرسة جديدة فى الغرب الا و تنتقل حالا لتحد لها اتباعا واشاعا فى البلاد العربية ، فيدور النقاش حولها فى صحف بلادها والصحف العربية في آن واحد بين مؤيديها ومناهضيها . ولكن هل جاء هذا كله فى قفزة واحدة قصيرة ؟
لقد مضى على بدء عصر النهضة اكثر من مائة وستين عاما ، كان نحو قرن كامل تقليدا للقديم ، وتقليد القديم معناه : اخضاع الفكر والتجربة والاحساس الى اللغة - الى الالفاظ والتعابير ، الى البلاغة وقواعد الصرف والنحو ، ومعناه ايضا السير فى نطاق الدائرة التى ضربها الاقدمون للاتجاهات والفنون والمفاهيم الادبية ، وهى بالنسبة الى مفهومنا الحاضر بدائية لا تشبع الروح والعقل . وهكذا اضاع العرب نحو قرن كامل من الزمن فى اخضاع الحاضر للماضى .
كانت ازياء الماضى هى لباس الفكر العربى طوال القرن التاسع عشر كله ، فلم تبدأ المحاولات الجدية للتفاعل مع الفكر الغربى ، والانطلاق من عبودية القديم ، الا فى القرن العشرين ، ولم تؤت ثمارها الفعلية الا بعد الحرب العالمية الاولى ،
بشكل خاص ، ثم بلغت منتهاها بعد الحرب العالمية الثانية ، وبذلك خاب رأى الشاعر الانكليزى رديارد كلبنج القائل - ((الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا)) فقد التقى آلفكر الشرقى والفكر الغربي على صعيد واحد ، وعلى مفاهيم انسانية واحدة ولم تستطع الاطماع السياسية وآلمذاهب الاجتماعية ان تقيم الحدود والحواجز
لان الفكر النير الحر لا يعرف الاطماع ولا يقيم الحواجز ، انه كنور الشمس ، ملك للانسانية كلها لا لارباب معنيين ، ولا لاجبال محددة .
على ان هذا حاصل من جانب واحد - على الاكثر - وهو الجانب العربى ، ولم يلق بعد الاستجابة الكافية ولا الواعية من الجانب الاخر . فبينما يعيش الاديب العربى اليوم حياة الفكر الغربى المعاصر لحظة فلحظة ، نجد الاديب الغربى يجهل كل شئ عن الفكر العربى المعاصر ، وعن اصحابه ، وعن اتجاهاته ومفاهيمه ،
والاديب العربى يقوم بعملين فى آن واحد : عمل الاديب المبدع من عند نفسه ، وعمل المترجم الذى ينقل كنوز الآداب الاخرى الى لغة قومه ، فهو يشارك فى الخلق وفى نشر الفكر الانسانى معا ، لانه يجيد الى جانب لغته القومية لغة او لغات اخرى حية تتيح له ذلك ، وليس بين الادباء الغربيين اطلاقا من اهتم بدراسة العربية لينقل روائع الفكر العربى الحديث الى لغة قومه ويعرف بها .
غير ان هناك فئة المستعمرين ، وهى فئة قليلة جدا ، وهذه الفئة الجليلة العاملة كانت جهودها - ولا يزال اغلبها - منصرفة الى ماضى الامة العربية ، الى تاريخها وثقافتها وفنونها القديمة ، بحيث يخيل الى القارىء الغربى ان العرب امة ماتت منذ زمن طويل ، فلم يبق منها غير الذكر . ولم يبدأ اهتمام المستشرقين بحاضر الفكر العربى الا فى العهد الاخير ، وكان الذين انصرفوا الى التعريف به فئة قليلة جدا ، من امثال ( فرنشكو غبرييلي ، وامبرتو تستانو ، ومارتينو ماريو مورينو ، وجونسون ديفيز ) وعدد قليل آخر . فمن هؤلاء من الفوا فى تاريخ الادب العربى الحديث ، وعرفوا بعض كبار رجاله وآثارهم الادبية ، ومنهم من ترجموا بعض الآثار الادبية الحديثة الى لغة اقوامهم . وكم اتمنى ان يكتفى السادة المستشرقون بما نبشوا من آثار الماضى ، وينصرفوا الى روائع الحاضر ،
ليزيلوا من اذهان شعوبهم ان العرب امة شاخت وماتت من زمان ، فهى لا تدرس اليوم الا كما تدرس الطلول البوالى .
على ان الآثار الادبية الحديثة التى ترجمها هؤلاء المستشرقون الاعلام من الادب العربى ، لم تنل من القارىء الغربى حظا من الاهتمام ، بل بقى مدى انتشارها محدودا جدا ، اذ ان عدد النسخ التى تطبع منها يعد بالمئات فقط ، كما علمت ذلك من اولئك الاعلام المستشرقين انفسهم ، والسبب فى ذلك - كما بحثته مرة مع المستر جونسون ديفيز - هو ان الغربيين لم يعتادوا ان ينظروا الى العرب نظرة التقدير الجدى ، لان العرب كانوا الى عهد قريب جدا - ولا يزال بعضهم الى اليوم - خاضعين لحكم الغريب ، فهم فى نظر الغربيين شعوب متأخرة لا تنتج شيئا ذا قيمة فى عالم الفكر ، ولذلك لا يهتم القارىء الغربى بقراءة ما يترجم
الى لغته من ادبهم الحديث ، ولكن القارىء الغربى نفسه يهتم كثيرا جدا بكتاب ( الف ليلة وليلة ) وحده ، فيعاد طبعه بعشرات الوف النسخ فى كل لغة غربية ويعتقد ان هذا الكتاب هو النموذج الاهم والاروع للانتاج الفكرى العربى .
هذه النظرة الخاطئة المجحفة لا تزال تقيم حاجزا ضخما دون التبادل الفكرى الحقيقى بين العرب والغرب ، يعزل - كما اسلفنا - جانبا واحدا فقط هو الغرب ولا يعزل الجانب الآخر ، وهو العرب . ان القارىء العربى يجد بين يديه كل الانتاج الفكرى الغربى ، من قصة وشعر ورواية ونقد ، ولا يجد القارىء الغربى بين يديه شيئا من الانتاج الفكرى العربى ، ويوم تزول الهوة التى اقامها التعالى وسوء الظن وعدم التقدير ، فعزلت بها الغرب عن الفكر العربى الحديث ،
فسيكون التفاهم اقوى واجدى بين الشعوب الغربية والامة العربية ، لان الفكر النير الحر ، هو رسول الاخاء والحب والسلام والحرية فى العالم ، وسيعرف العالم عندئذ اين يضع الاديب العربى من قافلة العالم الحديث ، ومن قطار الادب العالمى المعاصر .
( 2 )
الانسان هو غاية الادب ، واذا قلنا (( الانسان )) فمن البديهى اننا نعنى كل ما له صلة به ، روحا وجسدا . ومن الانسان جاءت لفظة الانسانية (( فالى اى مدى ساهم الادب العربى الحديث فى خدمة الانسان والانسانية ؟ وما هى الاوضاع التى تملى عليه ادبه ؟
هذه النقطة تحتاج الى شرح طويل يستحق ان يكون محاضرة وحده ، ولكننى اوجز ذلك بقدر استطاعتى ههنا . وقبل ذلك اود ان ابدى ملاحظة وهى اننى وجدت الادب الايطالى المعاصر لا يزال يعيش بروح عهد ( المقاومة ) على الرغم من ان اكثر من خمسة عشر عاما قد مضت على سقوط الدكتاتورية الفاشيستية والنازية . وسبب ذلك ان الشعب الايطالى كان يقاوم الطغيان ليصل الى الحرية ،
فالمقاومة التى اوصلته الى هذه الحرية تستحق ان تكون شيئا يعيشه ويمجده ويتذكره الشعب الذى خاضه ليصل به الى الحرية ، وانا اعتبر هذه ميزة للادب الايطالى المعاصر ، كما اعتبر ميزة اخرى له انه يعيش حياة الشعب الايطالى الحاضرة - الماسآة منها والملهاة على السواء - يعيشها بصدق واخلاص وجمال فنى .
ومن هنا انطلق لاقول ان الاديب العربى يعيش اكثر من اى اديب آخر فى دنيا مأساة الانسانية المعذبة فى ارضه . وهذه حقيقة لا يعرفها فى الغرب الا الاقلون
جدا واذا عرفوها فقل منهم من يفهمون دواعيها واهدافها الحقيقية ، فاذا لم يكن مؤتمرنا هذا فرصة لشرح هذه الحقيقة المهمة جدا ، فلن تكون هناك فرصة اخرى تتيح لاهل الفكر فى العالم الغربى ان يدركوا اوضاع زملائهم فى العالم العربى . ونحن لا نستطيع ان ندرس حركة فكرية فى شعب ما وفى عصر ما دون ان نلم بالظروف السياسية والاجتماعية التى اثرت فيها وطبعتها بطابعها .
وان الاديب العربى - سواء اكان مقيما فى وطنه ، ام مهاجرا فى اقاصى الارض يعيش ماساة الحرية فى ارضه ومأساة الانسانية المعذبة فى قومه . فمنذ ان شرع الاديب العربى يحس بوجوده ، ويقدر مسؤوليته ، راى نفسه امام اوضاع غريبة مؤلمة فى كل جزء من اجزاء وطنه ، فهو فى مصر مع ثورة محمود عرابى ضد الاستغلال ، ثم مع ثورة سعد زغلول ضد الاحتلال ، وفى الجزيرة العربية والهلال الخصيب مع الحسين بن على فى الثورة الكبرى للاستقلال ، وفي ليبيا مع عمر المختار ، وفى الجزائر مع عبد القادر الجزائرى ، وفى مراكش مع عبد الكريم الريفى فى مكافحة الاستعمار بمختلف صنوفه واجناسه ، وهكذا ايضا فى كل ارض - عربية .
والى هنا يجب ان اعترف بان الروح القومية الواحدة لم تكن بعد قد شملت اقطار العروبة كلها ، لتكون حركاتها التحريرية حركة امة واحدة ، يشعر بها جميع العرب ويتئازروا على نجاحها ، بل كانت الحركات كلها اقليمية ، يشعر بها ويعمل لها اهل الاقليم الواحد وحدهم ، دون ان يجدوا عونا من الاخرين . واذا كنا قد قرأنا قصيدة لهذا الشاعر العربى او ذاك فى تمجيد ثورات محمود عرابى وعبد القادر الجزائرى ، وعبد الكريم الريفى ، وعمر المختار ، فقد كانت اصواتا فرديه ترتفع مرة ثم تصمت دون ان تجد استجابة مشجعة فى نفوس العرب الآخرين .
واول حركة احست بها مجموعة كبيرة من الاقطار العربية ، ووحدت فيها الكفاح والجهد ، كانت الثورة العربية الكبرى التى قادها الحسين بن على عام 1916 ، وانضم تحت لوائها عرب سوريا والعراق والحجاز ولبنان والاردن وفلسطين ، ثم جاءت مأساة فلسطين عام 1948 فهزت كل عربى فى الوجود ،
ومنها بدأت القومية العربية تتأج فى نفوس العرب ، وتقوى ، وتتسع ، ثم زادت فيها حرب الجزائر ، واحداث السويس ، حتى اصبحت الوحدة القومية اليوم هي الرابطة الكبرى التى تلف جميع اقطار العرب فى آسيا وافريقيا ، واصبح الجرح فى جسم عربى واحد جرحا فى جسم كل عربى .
هذه الحقيقة الاولية - حقيقة القومية العربية - يجب ان نقررها قبل ان نتحدث عن الاديب العربى ، فاذا لم نفهمها ونقتنع بها فما يمكن ان نفهم الاوضاع الروحية والاجتماعية للاديب العربى ، التى منها يستمد ادبه ، والتى يعيشها روحا وحسا وواقعا ، وفيها وعن طريقها تأتى مساهمته فى الادب الانسانى ادب الكفاح لاجل حرية الانسان وسعادته وتقدمه .
والحقيقة الثانية هي فى تعريف الادب العربى الحاضر - منذ عام 1948 بشكل خاص ، وهو عام المأساة الفلسطينية - بانه فى مجموعه ، ادب كفاح ، او ادب مقاومة ، او ادب تحرر . حتى القطع الخيالية والعاطفية والوصفية فى ادبنا العربى الحاضر لا بد ان نجد فى مقاطعها وحروفها قطرات دم ، وآثار جراح . ذلك لان القومية العربية ، او الامة العربية ، تعيش الآن فترة كفاح ومقاومة وتحرر لا استقرار فيها ولا هدنة ، فان لم يكن ادبها صورة للحياة التى تعيشها فهو هراء سخيف ، ان العالم الادبى كله يستطيع الآن ان يفهم حياة الامة العربية من اديها ، ويفهم ادبها من حياتها ، فهما شقان لشىء واحد : معيش ، والشق الآخر مكتوب .
وهناك حقيقة ثالثة لا بد من تقريرها كذلك ، ويجب ان يفهمها الجميع على وجهها الصحيح ، وهى ان تكتل العرب القومى الآن ، ونضال الاديب العربى فى سبيل تحقيقه ، لبس تكتلا عداونيا على الاطلاق ، وانما هو تكتل للدفاع عن النفس امام الاخطار النازلة على العرب من كل صوب .
ان العرب امة تريد السلام ، ولكنها لا تريده على حسابها وحدها ، والاديب العربى بحب ان يكون انسانا مجردا عن كل دافع قومى او عنصرى او اقليمى يريد ان يعمل لخير الانسانية كلها ، لا لوطن واحد او شعب واحد ، ولكن الاخطار المحيطة بامته تجبره على أن يعمل لوطنه وشعبه ، أولا ، وبكل جهده على ضوء هذه الحقائق نسير فى حديثنا عن الاديب العربى ، وعلى ضوئها وحدها نستطيع ان نفهمه ونفهم ادبه المعاصر ، بعد ان نعرف حقيقة العوامل الملهمة والمسيرة لادبه . انا ، مثلا ، ليس احب على من ان اجعل كل جهودى وحياتى لاجل تنشئة اولادي واسعادهم ، وان اراهم حولى كالعصافير الجميلة ، هذا يغرد ، وهذا يرفرف ، وهذا ينقر الحب عن يدى ، فأرى الدنيا كلها تضحك لى ولهم ، وتغمرنى بسعادة لا حد لها . ولكننى متى رأيت وطنى فى خطر فاحب الى ان اقدمهم معا للذبح فى سبيل الوطن ، لان لا قيمة ولا حياة لنا من دونه . وكذلك حال الاديب العربى فى فترة النضال المرير التى تخوضها امته العربية اليوم .
ولكى نستكمل اطار البحث لا بد من ان نقول ان القومية العربية لم تكن قط دعوة شاملة واعية ملموسة قبل مأساة فلسطين عام 1948 ، وانما كانت - حينما بدأت عام 1908 خاصة - دعوة ضيقة لتوحيد بلدان الشرق الادنى العربية وحدها - دون مصر - فى بلد واحد مستقل عن الحكم العثمانى ، او متمتع على الاقل بحكم داخلى ضمن الدولة التركية ، حتى ان مصر نفسها كانت تعارض حينذاك الثورة العربية الكبرى ، التى كانت حلما من احلام العرب فى الشرق الادنى ، والتى كانت بداية النضال التحررى العربى الحقيقى ، وقد تجند لخدمتها ونجاحها جميع شعراء العرب ، وكتابهم وخطبائهم وصحافتهم ، فى الحجاز والعراق وسوريا ولبنان والاردن ، وضحى الكثيرون منهم بحريتهم وبارواحهم فى السجون وعلى اعواد المشانق فى سبيلها .
فلما جاءت مأساة فلسطين عام 1948 كانت هى النار التى اندلعت فى الهشيم كله ، فأشعلته فى آسيا وافريقيا ، وفى مدة قصيرة جدا كانت القومية العربية الشاملة دعوة كل لسان ، وامنية كل قلب ، ورسالة كل اديب ، وامل الخلاص الوحيد للعرب مما نزل بهم من ظلم وعدوان . واقتنع كل عربى فى العالم بان لا خلاص للعرب من الظلم والعدوان الا بتكتل اقطارهم ووحدتها امام الاخطار . وهم يضربون المثل بالعصى التى يمكن تحطيمها بسهولة وهى متفرقة ، ولا يمكن تحطيمها مجتمعة .
والى ما قبل مأساة فلسطين كان الاديب العربى ، فى الغالب ، لا رسالة له ولا هدف اجتماعى . كان ينتج ادبا جميلا ، كغيره من آدباء العالم ، ولكنه لم يكن يعيش ادبه بهدف او بعمق ، فقد كانت اقطار العروبة متفرقة ، وكان كل واحد منها خاضعا لحكم اجنبى معين ، فهذا بلد تحكمه بريطانيا ، وذاك تحكمه فرنسا ، وذاك تديره هيئة الامم وهذا تحرر منذ عهد قريب وما زال يتخبط فى الفوضى التى خلفها له الحكم الراحل ، وذاك ما يزال يناضل للتحرر ، وهكذا دواليك . وكان الادب يعانى مخاضا رهيبا فى هذه الاوضاع العجيبة ، فكنت ترى الكلاسيكى ينبش معاجمه وكتب اسلافه الصفراء ، والرمزى يغنى على ليلاه والرومانتى يعزف على هواه ، والسريالى يتخبط فى مسيره ، وكنت تجد الجمعيات والروابط الادبية تنشاء وتموت فى كل بلد عربى ولا تترك اثرا مذكورا ، لانها لم تقم على هدف من حياة ، وانما على اساس التذوق الفنى ، او الرغبة فى الانتاج المشترك ، او ما الى ذلك .
وهناك شئ مهم جدا فى ايضاح هذه الحقيقة ، وهو ان عامة الشعب القارئ لم يكن لها حينذاك هدف من وراء القراءة ، ولا كانت تبحث عن نفسها وعن امانيها وآلامها فى ما تقرأ ، كانت تقرأ وكفى ، ولذلك كان الاديب ايضا يكتب
ما يطيب له ، يكتب وكفى ، ولم يكن النقد الادبى موجها صحيحا ، بل كان فى اغلبه مهاترات وحملات عنيفة يتقاذفها الكتاب لمجرد النيل من الخصم اكثر منها للتوجيه وبيان قيمة الانتاج الادبى ، والذى يرجع الى اعداد مجلات ( الرسالة والثقافة ، والهلال ، والمقتطف ) وهي نخبة النخبة من مجلات الادب العربى فى ذلك العهد ، يرى هذه الحقيقة صارخة ، وهكذا لم يكن ( الانسان ) غاية الادب الذي كان يكتسب حينذاك ، بل كانت الكتابة نفسها هي الغاية فى الغالب ومع ذلك كان فيها كثير من الادب الجيد ، دون شك ، وكان للادب اعلام كبار يستحقون الشهرة والمجد .
ولكننى اقف هنا قليلا لانطلق من محيط الشرق العربى الى ما وراء المحيط الاطلسى لاسجل ان جماعة من الادباء العرب كانت تعيش على ضفاف المسيسبى والامازون ، وتنتج ادبا غايته الانسان . تلك كانت فئة المهجربين فى الاميركيتين ، وعلى رأسها جبران خليل جبران فى الشمال ، وفوزى المعلوف فى الجنوب . وآثار جبران معروفة جدا فى جميع اللغات الحية ، وعلى الاخص كتابه " النبى" THE PROPHETوفوزى المعلوف معروفة آثاره لجميع الناطقين بالاسبانية والبرتغالية خاصة .
كان أدباء المهجر مجموعة كبيرة فى الولايات المتحدة الاميركية وفى جمهوريات اميركا الجنوبية ، ولا سيما البرازيل ، ولم يكونوا كلهم على مستوى واحد من الروح الادبية ، ولكن الذين انتجوا من بينهم ادبا انسانيا قلائل . وقد انتجوا ادبا انسانيا عذبا ، أثبت المترجم منه ، او الموضوع اصلا فى لغة اجنبية ، انه لا بقل اصالة وجمالا عن اى ادب عالمى آخر . واكتفى بأن اشير ههنا الى ادب جبران والريحانى والمعلوف كنماذج لهذا الادب الانسانى الجميل .
ولكن أدباء المهجر انفسهم لم يلبثوا ، حينما وقعت كارثة فلسطين ، ان نغمس الاحياء منهم فى أدب المأساة ، واكتووا بشعور النقمة والالم والثورة تماما كالادباء المقيمين في الشرق العربي الذين عاشوا المأساة او جاوروا أهلها .
وقد يتساءل الانسان الغربى : ما هى مأساة فلسطين ، وكيف استطاعت ان تغير امة بكاملها ذات مائة مليون انسان ، يعيشون فى اقطار شتى مترامية في آسيا وافريقيا ، وان تصل الى اميركا فتلهب نفوس مهاجريها بهذا الشكل الرهيب ؟
ومن حقه ان يتساءل ، ومن حقه ان يسمع الجواب ، وهذا الجواب سينير السبيل لمعرفة الروح التى تسود الادب العربى اليوم ، ولتبين الاوضاع الروحية والاجتماعية التى يستلهم منها الاديب العربى ادبه .
الذين طردوا عرب فلسطين من ارضهم ، واقاموا فى مكانهم دولة غربية ، كنوا يظنون ان هذا سيكون المسمار الاخير فى نعش الامة العربية ، والمعول الاخير فى القضاء على المقاومة العربية . ولكن النتيجة جاءت عكس ما ارادوا وتوقعوا ، فقد الهبت الماساة صدور العرب بالنقمة : الهبت اقلام الكتاب والشعراء ، كما الهبت صدور الجنود فى الخنادق والثكنات ، وصدور الطلاب فى المدارس ، وصدور البدو الضاربين فى الصحراء ، وصدور المدنيين فى كل مكان من ارض العرب ، وجعلتهم يشعرون اعمق الشعور بان الوحدة العربية هى وحدها التى تمنع عنهم كل اذى ، ومن دونها ستظل الاقطار العربية كلها فريسة لكل طامع . ولو رجعتم الى كل الاحداث التى وقعت فى الشرق الادنى العربى منذ عام 1948 الى اليوم ، لرأيتم ان مأساة فلسطين كانت السبب الاول والمباشر فيها . واذا سألتم عن سبب النقمة التى يحسها كل عربى ضد الدول الغريبة التى خلقت المأساة ، واستمرت الى اليوم فى مساندة الجريمة ، متحدية بذلك شعور الامة العربية بأسرها ، لعلتم ان المأساة هى السبب الاول والاهم ،
وان اى شعور مناوىء للغرب فى بلاد العرب ليس سوى نتيجة حتمية للمأساة الفلسطينية اولا ، ثم لما جاء بعدها من مئاسى فى الجزائر ، وفي السويس ، وفى اطراف الجزيرة العربية ، وفي تونس ، وفي كل قضية عربية وقف الغرب ضدها .
الفلسطينيون الذين خرجوا من بلادهم لاجئين مشردين ، وتلقفتهم اقطار العروبة كلها ، استطاعوا ان يؤججوا روح الثورة والمقاومة والتمرد والنقمة في كل مكان ، والجنود العرب الذين حاربوا فى فلسطين عام 1948 ، وسجل عليهم عار الهزيمة دون ان يهزموا حقا ، هم الذين قاموا بالانقلاب لينتقموا ممن حملوهم عار الهزيمة ، والشعوب التى عرفت صانعى المأساة ومدبريها فى فلسطين العربية من الدول الغربية ، هي التى حملت النقمة فى نفوسها عليهم وستظل تحملها ما دامت المأساة قائمة امام عيونها - ارضا مغتصبة ، وشعبا لاجئا مشردا .
وطبيعي جدا ان يتأثر الادب بهذه الروح العامة ، وان ينغمس فيها ، وان يقودها فى جميع الميادين ، وقد فعل ذلك واصطبغ بالمأساة منذ وقوعها ، ونتيجة لها اصطبغ بكل مأساة عربية اخرى جاءت بعدها ، فهو ثورة مستمر . مع ثورة الجزائر الى ان تستقل الجزائر ، وحرب مع حرب السويس عام 1956 ، ومعركة فى تونس اليوم ، وهو يؤجح الثار ويؤلب العرب ، ويمهد
للوحدة العربية الشاملة . والاديب العربى يشعر بان ثورته لن تهدأ الا متى تمت الوحدة ، وزال الظلم والعدوان عن فلسطين والجزائر وعن كل ارض عربية وعند ذاك فان الاديب العربى ، ابن الارض التى اطلعت جميع ديانات السماء ، سيمد يده الى كل اديب فى الدنيا ، بأخلاص ينسجم مع رسالات السلام التى طلعت فى ارضه ، ليقول له : - " هاك قلبى ويدى ، وتعال لنبنى معا سلام العالم اخوانا متساوين متساندين احرارا " .
وقد يتساءل الانسان الغربى ، او القارىء الغربى : الى اى مدى صور الادب العربى الحديث مأساة فلسطين ؟ والجواب على هذا انه على الرغم من المأساة قد بدأت منذ ثلاثة عشر عاما ، ولم يبق فى العالم العربى كله اديب او شاعر لم يكتب فى هذه المأساة ، الا ان كل ما كتب فيها لا يزال دون فظاعتها ودون هولها ، وهى ستظل توحى الى الاقلام ما دامت قائمة ، ولن تنتهى الكتابة فيها حتى تنتهى هى نفسها : حتى تتعاون اقلام الاحرار فى العالم كله ، وضمائرهم والسنتهم على انهائها بشكل يعيد الحق الى أهله ، ويعيد الشعب المشرد اللاجئ الى أرضه المغتصبة . وما يقال فى مأساة فلسطين يقال مثله فى مأساة الجزائر التى مضى عليها سبع سنوات وهى تخوض جحيم الحرب لاجل الحرية والاستقلال .
لقد صور الادب العربى نكبة فلسطين فى الوف من القصائد والمقالات والاقاصيص ومئات من الروايات والكتب والدواوين - صور تعاون المتعاونين على الظلم ، وصور خيانة الانتداب قبل انتهائه وعند انتهائه وبعد انتهائه ، وصور جمال الجنة السلبية ، وصور المؤامرات التى مهدت للمأساة ، التى رافقتها او جاءت بعدها ، وصور اللاجئين وخيامهم المنتشرة فى العراء تحت الحر والمطر والبرد ، وصور كهوفهم ومغاورهم ، وصور الجوع والامراض التى تفتك بهم ، وصور صبرهم على كل شئ وترقبهم ليوم العودة ، واملهم فى الثار ، كما صور نضالهم الذى تعاون الغدر والظلم على احباطه .
وكما يعيش الاديب العربى المعاصر مئاسى السياسة فى بلاده ، يعيش كذلك مشاكل الحياة الاجتماعية الداخلية ، مشاكل الفقر والمرض والجهل ، مشاكل الطبقات ، مشاكل القصور والاكواخ ، مشاكل العمال العاطلين والفلاحين الذين تبخل عليهم الارض ، مشاكل المدارس والجامعات ، وبالتالى كل المشاكل الاجتماعية التى تعانى منها بلاده .
ان الاديب العربى اكثر من اى اديب آخر فى الدنيا ، يعيش كل الظروف
الموجودة فى بلاده ، السياسية منها والاجتماعية ، والاخلاقية ، والروحية والفنية ، والثقافية ، انه يفكر ويكتب - بكل وسيلة فنية تتهيأ له - فى مشاكل الحكم والسياسة ، ويعالج مشاكل الشعب وحاجاته ، وفى الوقت نفسه يشارك العالم كله فى احداث حياته اليومية ، فى آدابه ، فى اختراعاته ، فى فنونه ، وفي كل شأن من شؤونه .
هذه جميعها هى الظروف الروحية والاجتماعية التى يعيشها الاديب العربى المعاصر ، ومنها يستمد ادبه ، ويؤدى رسالته فى الفكر الانسانى وفى خدمة الانسانية . على ان انغماس الاديب العربى فى مواكبة مشاكل قومه السياسية والاجتماعية ، وفى الواقعية الادبية ، لم يجعل من الادب العربى المعاصر أدبا التزاميا هادفا باكمله فانصراف الاديب الى معاناة مشاكل امته ليس معناه أن يتخلى عن كل مفهوم فنى آخر . ان الحياة كلها وما وراء الحياة كذلك ، ميدان فسيح للنفس وللاديب ، والاديب العربى لا يلتزم جانبا واحدا ولونا واحدا من ألوان الفكر والحياة والفن .
ونظرة واحدة على الحركة الادبية الان ترينا ان هناك مذاهب فنية متعددة تعالجها اقلام الادباء العرب ، ولا سيما الشبان منهم ، وان هذه المذاهب تتصارع وتتصادم بعنف ، واكثر ما يثير الصراع والصدام بين الاقلام هو الشعر ، فهناك فئة نزعت الى تقليد الشعر الغربى الحديث ، فجردت الشعر العربى من اهم خصائصه ، وهى الموسيقى والهندسة البنائية ، وفئة ترى ان الشعر العربى لا يبقى له شئ من خصائص الشعر اذا تجرد من الموسيقى والهندسة البنائية .
حتى بين المنادين بالشعر الحر الجديد انفسهم نجد الخلاف عميقا جدا ، فبينما تريده فئة قائما على اساس التفعيلة العروضية الموسيقية ، تريده فئة اخرى مجردا من كل لون من الوان التفعيلة العروضية ، وتعتبر اللفظة والعبارة شعرا بغض النظر عن اى شئ آخر . والمؤلفات التالية تعطينا الوانا من هذه المفاهيم الجديدة المتصارعة للشعر الجديد وهى : ( لمن ) لالبير أديب ، وهو يمثل لونا شعريا خاصا ، له انصاره ومؤيدوه ، و ( تموز فى المدينة ) لجبرا ابراهيم جبرا وهو يمثل لونا آخر له انصاره ومؤيدوه كذلك ، ولكن هاتين الفئتين اقل انصارا ومؤيدين من اللون الآخر الاكثر شيوعا ، وهو اللون الذى يعتمد على التفعيلة العروضية ، والذى ابتكرته نازك الملائكة فى العراق منذ عام 1948 ، مبتدئة بقصيدتها ( الكوليرا ) التى نشرت بعدئذ فى ديوانها الثانى ( شظايا ورماد ) فقد انتشر هذا اللون انتشارا واسعا بين شعراء الجيل الجديد فى جميع الاقطار العربية وكسب انصارا من بعض الشعراء الكبار ؟ وهذا اللون الشعرى غربى
النزعة ( ايليوتى ) المذهب ، ولا يزال النقاد والشعراء الكلاسيكيون ينظرون اليه بريبة واستنكار ، ويحذرون من المضى فيه ، ولكنه مع ذلك لا يزال يستهوى كل ناشئ لانه يجعل نظم الشعر عملية هينة لا تتعذر حتى على طلاب المدارس
اما فى النثر فالصراع بين المفاهيم محدود ، اللهم الا بين دعاة الالتزام ودعاة الادب الحر ، ولكن البون ليس واسعا جدا بين الفريقين .
والى وقت قريب جدا كان هناك صراع ايضا على الادب القصصى بين ان يكون صريحا من حيث التصوير الجنسى ، وان يكون مقنعا ، حرصا على الناحية الخلقية لدى النشء الجديد ، الا ان هذا الخلاف قريب من نهايته ، لان الادب هو لون الحياة نفسها ونحن فى القصة تلاميذ الغرب ، والقصه الغربية اليوم صريحة مكشوفة في الغالب ، ثم ان مجتمعنا العربى نفسه قد ظهرت فيه فى السنوات الاخيرة اكثر من ( ساغان ) واحدة بين الاديبات الجديدات ، وظهورهن هذا يعتبر تحديا لكل مفهوم رجعى فى شؤون الجنس .
والآن يأتى السؤال التالى ، ولعله هو الغاية من هذه الحلقة التى نجتمع من اجلها اليوم فى روما : (( ما هى قيمة الادب العربى المعاصر بالنسبة الى الآداب العالمية الاخرى )) ؟ وبمعنى آخر : (( اين تضع الاديب العربى المعاصر بين ادباء العالم اليوم )) ؟
لقد قلت الشئ الكثير عن الروح العامة التى ينبع منها الادب العربي المعاصر وذكرت في بداية هذا الحديث ان الاديب العربى المعاصر على صلة مباشرة بتيارات الفكر الانسانى ، ومختلف فنونه ومدارسه ومذاهبه واتجاهاته وتطوراته فى العالم كله ، وانه يتأثر تأثرا مباشرا بهذه التيارات الفكرية العالمية الى جانب تأثره بالعوامل الوطنية فى محيطه ، وانا اؤكد ان أدبنا العربى الحديث قد عرف اعلاما من الادباء والمفكرين لا يقلون ابداعا عن زملائهم الغربيين . ولئن كان الغربيون قد عرفوا اديبنا الكبير جبران خليل جبران ، واحبوه ، واقبلوا على مطالعة مؤلفاته العديدة الموضوعة بالانكليزية فى الاصل ، والمترجمة فيما بعد الى نحو ستين لغة ، فليس جبران سوى واحد من الاعلام الذين اعنيهم ، وان يكن قد تفرد بلون خاص من الادب والاسلوب . ان لدينا من أمثال جبران عديدين نعتز بهم ونفتخر ، وحين تترجم اعمالهم الادبية الى لغات الغرب ،
سيجد القارئ الغربى انهم ليسوا دون الممتازين من كتابه إبداعا واصالة .
اننا نستطيع آن نقدم للعالم عشرات من كبار شعرائنا وكتابنا الاحياء والاموات ، ممن لمعت اسماؤهم فى عصر النهضة الحديثة ، وفى القرن العشرين
بنوع خاص ، ونحن واثقون من ان العالم سيعجب بهم اعجابا كبيرا . وعسير جدا ان اذكر ههنا اسماء ، فالاسماء عديدة ، وذكر بعضها سيجحف بحق الاخرين ، الا اننى اتمنى ان أرى آثار الادباء الاتية اسماؤهم تحتل عن طريق الترجمة المكان اللائق بها بين الآداب العالمية المعاصرة ، وهم : ( طه حسين ، سلامة موسى ، توفيق الحكيم ، محمود تيمور ، نجيب محفوظ ، سعيد تقي الدين ،
ابراهيم المازنى ، توفيق يوسف عواد ، محمد عبد الحليم عبد الله ، احسان عبد القدوس ، يوسف السباعي ، مى زيادة ، مخائيل نعيمة ، ايليا ابو ماضى ،
فوزى المعلوف ، شفيق المعلوف ، عمر ابو ريشه ، محمد مهدى الجواهرى ، نزار قبانى ، سعيد عقل ، بشارة الخورى ، ابو القاسم الشابى ) وامثال هذه النخبة الممتازة من الكتاب والشعراء . ان العالم الغربى الذى احب جبران خليل جبران عن طريق آثاره الموضوعة بالانكليزية والمترجمة عنها ، واحب فوزى المعلوف عن طريق ترجمته الى الاسبانية والبرتغالية ، واحب شارل القرم عن طريق ما كتبه باللغة الفرنسية ، سيحب هؤلاء أيضا ، وسيجد فى ما انتجته أقلامهم كنوزا ادبية رائعة لا تقل غنى واسما عن آثار الاعلام من كتاب الغرب وشعرائه المعاصربن .
ولقد يسال سائل : (( لماذا لم يفز اديب عربى بجائزة نوبل مثلا ؟ )) واجيب عن هذا بان جائزة نوبل - على شهرتها العالمية - لم تكن قط مقياسا صحيحا للادب ، وانما هى مجرد مكافأة لانتاج جيد ، ليس من الضرورى ان يكون اجود انتاج ادبى عالمى ، ولكنها هى نفسها ترفعه الى مستوى عالمى . ولو كانت مقياسا صحيحا نزيها ، لا تلعب فيه المؤثرات ، كما لعبت فى الاعوام الاخيرة على الاقل ، لكان ( طه حسين ، ومحمود تيمور ، وتوفيق الحكيم ، ونجيب محفوظ ، ومخائيل نعيمة ، وبشاره الخورى ، وشفيق معلوف ، ومحمد عبد الحليم عبد الله ، وسعيد عقل ) احق بها ، دون شك ، من بعض من اعطيت لهم .
بقى الآن جانب لم اتناوله بعد ، وهو الجانب المادى ، فى حياة الاديب العربى المعاصر ، وهذا فى الواقع أقل الجوانب اهمية لانه لا يدخل فى تقدير عمل الاديب وآثره فى المجتمع ، ولكنه قد يعين على استكمال معرفة الظروف التى يعيش ويعمل فيها .
الادباء الذين يستطيعون ان يعيشوا من شق القلم قلائل جدا ، إذا اردنا بشق القلم ، العمل الادبي الصرف ، اى الكتابة والتاليف ، غير ان هناك عددا من الادباء يعيشون عن طريق الكتابة للسينما ، والصحافة ، او التعليم ، وبعضهم يعملون فى دوائر الدولة او غيرها . والمعروف . عادة فى اوساط الادب " ان
القلم وحده لا يطعم خبزا " ، ولذلك لا بد من مزاوله مهنه اخرى الى جانبه ، ليتكمن الاديب عن طريق دحله منها التوفر على الانتاج الادبى .
ودور النشر في البلاد العربية ، ولا سيما فى مصر ولبن ، كثيرة جدا ، ولكن قسما كبيرا منها يعني على الاغلب بنشر القصص والروايت البوليسية والجنسية المترجمة ، لان رواحها اضمن ، وربحها اوفر . وهذه ظاهرة عامة ،
ليست في البلاد العربية فحسب ، فقد لمستها ايضا فى ايطاليا ، فما يدعونه (بالكتب الصفراء ) تطبع منه مئات الالوف من النسخ وتنفد من الاسواق سرعة . ولعل الامر كذلك فى غير ايطاليا ايضا .
وحظ المؤلف العربي من ريع مؤلفاته ضئيل جدا ، وانما الحظ الاوفر يناله الموزع ثم الناشر ، وعدد النسخ التى تطبع من الكتاب الواحد فى الطبعه الواحدة لا تتجاوز ثلاثة آلاف الى خمسة آلاف نسخة الا في النادر ، ولعدد محدود جدا من كبار الادباء القصصين بنوع خاص ، ولا سيما كتاب القصه الجنسية ،
فالقراء الذين يقبلون عليها هم فئة الطلاب والطالبات ، لانهم يجدون فيها تنفيسا عما يعانون من الحرمان والكبت في فورة المراهقة . وقليلة جدا الكتب الادبية التى يقدر لها ان يعاد طبعها فى عام واحد .
والخلاصة ان العمل الادبي ليس وسيلة ربح وحياة مادية ميسورة ، ولكنه رسالة تقوم غالبا على التضحية من جانب الاديب العربى المعاصر ، وهو يقبل على هذه التضحية ويعيش لها بحماسة وايمان برسالته.

