(كان الأستاذ حسن عبد الله القرشي قد انتدب للالمام بكافة الأعمال الاذاعية بالاذاعة المصرية وقد قضى فيها سبعة أشهر ألم خلالها بالأعمال المهمة هناك ولذلك فهو من خير من يتحدث عن الاذاعة )
مما لا ريب فيه أن محطات الاذاعة قد أصبحت من ضرورات الحياة الراقية لكل أمة من الأمم تنشد طريق النهوض وسبيل التمدن واسماع صوتها للعالم ، كما أصبح جهاز الراديو مرفقا مهما للفرد وللجماعة يأنسان اليه فى كافة الأحوال وينشدان منه عن طريق السماع كثيرا من أسباب التثقيف والامتاع والطرافة والتسلية، وجهاز الراديو كذلك صديق حميم للجميع لا يستغني عنه الطفل ولا الرجل ولا المرأة ولا الشيخ لأنه الجليس الذي يحدئك وبؤانسك والرفيق الذي يفاكهك ويباسطك فى كل الأوقات وفي مختلف الأعمار وفي الحضر والسفر سواء كنت فى الدار أم فى المكتب أم في المصنع وسواء كنت فى السيارة أم في الطيارة أم في السفينة أم في الغواصة ، وهو خفيف الحجم اذا شئت ثقيله اذا أردت، أما إذا سئمت ثرثرته وكلامه والانطلاق معه فى انحاء العالم فما اسرع ان يصمت بحركة خفيفة منك دون أن يباديك بعتاب أو يسر فى نفسه حنقا أو ضغينة ، فاحب به صاحبا وخدبنا ، وسميرا مؤانسا ورفيقا وديعا .
فن الاذاعة :
ولا شك أن الاذاعة فن جديد ولون حديث من الوان المدنية ومظاهر الحضارة الانسانية ، واذا عممت "التلفزة" الاذاعية تركز هذا الفن اكثر
مما هو الان وأصبح فى جهاز "الراديو" غناء عن "السينما" لا سيما عند بعض الطبقات . ولابد لاتمام الاذاعة من جهود جبارة كبيرة ومن مؤازرة متناسقة مترابطة متكتلة . وفن الاذاعة يرتكز على : الصوت ، والاستوديو ، والمايكروفون ؛ وغرفتي المراقبة المبدئية والرئيسية ، وأجهزة الارسال ، والموجات الأثيرية ؛ ثم أجهزة الاستقبال، ولضيق المجال سنتحدث عن الاستوديو ، والمايكروفون، وغرفة المراقبة المبدئية تاركين الكلام عن شرح باقى هذا الاسس لفرصة أخرى ، كما سنتحدث استكمالا للموضوع عن بناء البرامج وسياسة الاخبار ، وعمل المذيع مما قد يفيد محطتنا السعودية الفتية.
الاستوديو :
الاستوديو حجرة لا نوافذ لها ولم تر الشمس منذ بنيت ، حوائطها مزدوجة ومرتبة فيها آلات التهوية الصناعية ، وهى منعزلة عن الصوت تماما وبها عدد من المايكروفونات ، وساعة حائط ، ومقاعد بقدر ما يتطلبه العمل فى الاستوديو وبقدر مساحته من ضيق أو سعة ، ويختار مكان الاستوديو بحيث يكون فى قلب المدينة ليسهل على كل ذى علاقة بالاذاعة الحضور اليه فى الوقت الملائم وبدون مشقة من مذيعين ، ومحاضرين وفنانين
ويتوقف حجم الاستوديو على نوع البرنامج المذاع وعلى كونه مخصص للاذاعة فقط أو معدا لاستقبال الجمهور أيضا كما هو الحال فى بعض استوديوهات محطات الاذاعة الكبرى ، ويتصل الاستوديو دائما بغرفة المراقبة المبدئية.
المايكروفون :
المايكروفون هو ذلك الوحش الصغير المرهف الاذنين الذي كلما استأنسته زمجر وزار ، وأراك أنه لا يزال مطلق السراح كما يصوره أحد زملائنا الاذاعيين والمايكروفون هو بلا شك أول جزء من أجزاء سلسلة الاجهزة الكهربائية التى تستخدمها الاذاعة فهو ينقل الاصوات مباشرة من المتكلم أو الفنان أو الآلة أيضا ويبعثها لبقية أجزاء السلسلة ، ولابد أن يكون ممتازا جيدا سليما كي يعطى صوتا قويا واضحا وكى يؤدى مهمتا التى هى تحويل التموجات الصوتية الى أخرى كهربائية مساوية لها فى التردد ، بكل أمانة ودقة.
وأنواع المايكروفونات الحديثة هي بلا شك أقوى وأدق من الانواع القديمة وهى كثيرة الاناط والشكول ، كما يزداد ثمن المايكروفون كلما كان اقدر على الاستجابة لمعظم الترددات السمعية.
ويجب ان يوضع المايكروفون فى المكان المناسب ليحسن التقاط الصوت جيدا لاسيما فى الاذاعات الخارجية ، كما يتوقف عدد المايكروفونات فى الاستوديو على نوع الاذاعة ، وقد يوضع فى الاستوديو الواحد أربعة أو ثلاثة ميكروفونات اذا استدعي الامر ذلك كما هو حادث مثلا فى الاستوديو الكبير الذى أنشأته الاذاعة المصرية أخيرا وبلغت نفقاته حوالى ستة آلاف جنيه .
غرفة المراقبة المبدئية:
غرفة المراقبة هي حجرة تجاور الاستوديو، ويفصلها عن الاستوديو حاجز زجاجي كبير مزدوج يمكن المهندس أو المخرج من مشاهدة اى فرد فى
الاستوديو ، وعلى منضدة خاصة موضوعة بهذه الغرفة يجلس المهندس ووجهته الاستوديو ، وحواليه الأجهزة المختلفة المراعي في وضعها عدم حجب الرؤية ايضا ، وأهم أجهزة المراقبة مفاتيح المايكروفونات حيث ان كل ميكروفون فى الاستوديو متصل بخط خاص نافذ من الجدار الفاصل مع مفتاح خاص له كما أن مراقبة المايكروفونات أمر فى غاية الاهمية فقد يحدث عطل فى احد المايكروفونات أثناء الاذاعة وحينئذ يجب قفل مفتاحه وملاحظة توجيه نظر المذيع أو المتحدث الى ذلك .
ومن أهم المفاتح التى يستعملها المهندس مفتاح الاثير وله أوضاع ثلاثة : (انتظار) أو (بروفة) أو (اثير)، فعند عمل البروفة فى الاستوديو يترك المفتاح المذكور فى وضع البروفة ، وعند البدء فى الاذاعة الفعلة يحول المفتاح الى وضع الانتطار.. ويتصل المهندس بالمذيع بوساطة الاشارات الضوئية أو اليد أو بالمفاهمة عن طريق الميكروفون فى حالة عدم وجود اذاعة حقيقية ويقتضينا المجال هنا الاقتضاب لنخلص الى الكلام فى البرامج.
بناء البرامج في محطات الاذاعة الراقية :
إن التعبير بالبناء في صدد إعداد البرامج ليس مجازا بقدر ما هو حقيقة ثابتة فلابد لاشادة البرامج من تهيئة مواد البناء الصالحة.
وبناء البرامج في المحطات الكبرى يستلزم تعرف ميول المستمعين ورغباتهم والنواحي التى تحسن معالجنها والاهداف المختلفة - من فنية وثقاقة ووطنية - الواجب التوجيه والتنبيه اليها ، والبحث عن المواد النافعة والفنانين والمنتجات المفيدة وإعدادها إعدادا أوليا وتنسيقها بحيث تتمشى مع الذوق العام ثم مراجعة نصوص المواد المقترحة للاذاعة مراجعة دقيقة ، والنشر عن البرامج وتوجيه عناية السامعين اليها داخل البلاد وخارجها مع الاستماع الى البرامج المذاعة وتقديم الملاحظات عليها الى المختصين وملاحظة جمع انتقادات السامعين والصحف للاسترشاد بها .. كل هذه أسس ضرورية لابد من التمشى بموجبها لبناء البرامج، وهي تستدعي تكتل القوى والجهود وتعدد الاقسام وفروع الانتاج فى محطات الاذاعة المهمة.
ولا شك أن نشرات الأخبار القوية نعد من العوامل الأساسية فى إنهاض الاذاعة والارتفاع بمستواها ومن المواد التى يجب ان تعتمد عليها المحطات الناجحة ولذلك سأطيل الكلام هنا عن هذه الناحية الحيوية الضرورية .
سياسة الأخبار بمحطات الاذاعة الكبرى :
أولا - : أساس تحضير النشرة من الناحية المبدئية هو إذاعة الأنباء التى يعنى الدولة أن يلم بها جمهور المستمعين داخل البلاد وخارجها، ويجب ان يراعى فى ذلك ابلاغ المستمعين أحدث الأنباء مع العناية تبليغهم كل ما يرفع عزة الوطن ويعلي من شأنه ويثبت الحقائق الصحيحة المشرفة عنه ، ويرد الحق الى نصابه فيما يتصل بافتراءات الصحافة والاذاعات الأجنبية المغرضة عنه وعن رؤساء الدولة وكبرائها، ويراعي كذلك عرض وجهات النظر السياسية للدولة كما تحدوها الدوائر الرسمية المسؤولة فيها. ولابد من أن تحمل إذاعة البلاد عرضا صحيحا للحالة الاقتصادية فيها وبيانا كافيا لقدرتها الانتاجية ومكانتها فى العالم التجارى مما يعرف الدول الأخرى بمحاصيلها الزراعية وإنتاجها الصناعى وطاقتها التجارية حتى يتحقق لها من هذا التعريف تنافس الدول والدوائر والهيئات التجارية فى العالم كله على الحصول على تلك المنتجات وكذلك على الخدمات الأخرى التى تستطيع البلاد تقديمها بما فى ذلك الخدمات التى تؤدى الى الصادرات غير المنظورة كالنفقات التى يبذلها داخل البلاد السياح الأجانب ومن بين هؤلاء الزوار الدينيون مثل الحجاج، وكذلك الخدمات المصرفية التى تؤديها بنوك الدولة وأعمال التجارة العابرة (الترانسيت) وما اليها ، ويراعي كذلك من الناحية النظرية فى نشرات الأخبار الاعلان عن تقدم البلاد العلمي، والفنى والكشفى. والأدبى وغير ذلك من مظاهر الحفاوة التى تستدعي الفخار أمام الأمم. كما أن الاذاعات الحديثة تظهر من طرف خفي . وبكياسة السياسي ومن بين السطور تارة وبصراحة تارة اخرى ما عليه الدولة من قوة عسكرية ومنعة حربية كما تظهر كل ما يوضح مقدرة جيشها وبحريتها وقويها الجوية.
ثانيا -: مصادر الاخبار . وأهم مصادر الأخبار في محطات الاذاعة التي تشرف عليها الدولة هي الحكومة بأجهزتها الأدارية والديبلوماسية وغيرها
لكى تعلن للناس القوانين واللوائح والأوامر التى يلزم إصدارها لضمان حسن سير الآلة الحكومية بكافة أجزائها ، ويجب أن تكون الاذاعة فى هذا الباب اسبق وسائل النشر وأثبتها قولا وأصدقها رواية بتحرى موظفيها لجميع وسائل الدقة فى تلقي هذه الأنباء والتثبت من صحة الأوراق التى ترد عليها ومراجعتها لدى المصادر المذكورة ، إذا اقتضى الامر بطريق التليفون أو غيره من وسائل الاطمئنان على ان الاخبار هى حقا من ذلك المصدر الحكومي حرصا على ألا يندس عليها خبر من ناحية مناجزة للحكومة يكون فى نشره إيذاء لسمعة البلاد حكومة أو شعبا .
ويلي الحكومة فى مصادر الاخبار الهامة الهيئات الادبية والعلمية والاجتماعية التى ليس لها أية صفة تجارية استقلالية مثل الجامعات والمجامع العلمية ومنظمات التعاون والدوائر العلاجية، واندية الاجتماع المحترمة، وأندية الرياضة البدنية وما الى ذلك من أوساط النشاط الذهنى الراقي فى الدولة.
ثم هنالك مجموعة مندوبي المحطة الاخباريين فى داخل البلاد ومناطقها المختلفة وخارج البلاد فى مراكز النشاط السياسي الدولى كهيئة الام المتحدة بفروعها والعواصم الكبرى التى تمسك بخيوط المسرح السياسي العالمي.
واخيرا - فان هناك مصادر لا ترقى الى الثلاثة السالف ذكرها من حيث ضمان صحة أنبائها أو حيدتها أو رعايتها لصالح الدولة أو دقنها فى النقل ولو أنه قد اصطلح فى كافة إذاعات العالم على أن تكون تلك المصادر الاخرى من مناهل نشرات الاخبار الاذاعية التى لا حرج على المحطات فى ان تضبط أو تحقق أو تعدل من ألفاظ أنبئا أو عباراتها أو معانيها وتلك المصادر الاخرى هي شركات البرق العالمية التى تذيع أنبائها من كافة أطراف الدنيا وتسمح بإعادة استخدامها لكل من يعنيه الامر مثل محطات الاذاعة والصحف والدوريات المطبوعة بمخلف أنواعها.
عمل المذيع :
تعمل أقسام الاذاعة وشعبها مجتمعة وتتراكم جهودها المضنية لتوضع خلاصة كل هذه الجهود من أحاديث وتمثيليات وأخبار وما الى ذلك بين
يدى المذيع ليقدمها للناس ومن هنا كانت مسئوليه المذيع صحفة عظيمة وكان عمله شاقا ، فهو قبل كل شئ فى حبس انفرادى هو الاستوديو ثم هو مثلا مكلف بكتابة أسماء المشتركين فى التمثيلية والاحاديث، وعليه أن ينتظر الاشارات الضوئية ويعلق عينيه بعقرب الدقائق والثوانى وعليه أيضا أن يراجع النصوص والاخبار وبكتب تقرير الاذاعة ثانية ودقيقة وهو مضطر كذلك الى سماع ما قد لا يرغب سماعه والظاهر (صوتيا) بالأعجاب بكل الألوان حتى لا يؤذى شعور من يحبونها ؛ وعلى نبرات صوته يتوقف تهيئة المستمع لجو المادة المذاعة بدءا وختاما ، وزيادة عند ذلك فهو مقسوران يعمل فى أوقات راحة الغير ، ثم هو مسؤول أن يكون ذا صوت (ميكرفوني) جذاب الانطلاق .. والمذيع الناجح هو الذى يستطيع أن يسيطر على أعصابه مهما حزبته الظروف وداهمته المفاجآت لأن فى يده وحده سمعة الاذاعة وبالتالي سمعة البلد الذى يذيع منه ، ومن أسباب نجاحه المهمة ألا يتكلف أو يتظرف فى إلقائه بحيث يبدو ممجوجا مستكرها من السامع ، كما يتعين عليه ألا يحهد نفسه فى الالقاء أو يتكلف هذا الاجهاد فلا أثقل على المستمع من أن يشعره المذيع أو المتحدث التعب والكرب والاجهاد أو التقليد السمح السخيف ولا أسهل عليه حينئذ من ادارة مؤشر الراديو الى محطة أخرى ويكون سبب ذلك عدم اهلية المذيع وسوء تصرفه !
وعلى المذيع الجيد أن يحاول ايجاد ألفة بينه وبين الجمهور ليكسب اعجابه وتقديره .
والحق أن مهمة المذيع من أشق المهمات ومسؤوليته من أكبر المسؤوليات ولذلك وجب اختيار المذيعين من ذوى الكفاءات والمؤهلات كما وجب ارضاء الموظفين الاذاعيين ماديا ومعنويا لأن عدم ارضائهم ذو تأثير فى أصواتهم وشخصياتهم التى هى ملك للجمهور وليست ملكا خاصا لهم.
اذاعتنا السعودية:
تدرج إذاعتنا السعودية فى عامها الثالث وهى مع هذا قد أصبحت تقدم يوميا فترات أربعا. اثنتان منها مسائيتان، كما تبث أربع نشرات للاخبار تأخذ
من وقتها حوالى الساعة وذلك باللغة العربية وهى تقدم كذلك إذاعات شرقية باللغتين الأندونيسية والاوردية ولذلك فانه يتعين على إذاعتنا أن تزيد من قوى البث الأساسية وأن تنشئ استوديوهين إضافيين على الأقل لأن وجود استوديو واحد فى كل من مكة وجدة لا يكفى بحال لاستيعاب برامجها وتستطيع حينئذ أن تعمل التجارب للتمثيليات وما إليها فى بعض هذه الاستوديوهات فى حين تنقل بعضها الاذاعة الفعلية أو أن تذيع فى وقت واحد اذا أرادت برنامجا باللغة العربية وبرنامجا آخر بلغة أخرى كما يمكنها كذلك تمديد وقت الاذاعة ويلزمها لذلك زيادة عدد موظفى قسميها الفنى والهندسى، ولا شك أن الاذاعة السعودية ستعني بالنهوض ببرامجها عناية مضاعفة سيلمها المستمعون عاجلا ان شاء الله وستجهد فى استكمال كل ما ينقصها لتحقيق رغبات مستمعيها الكثيرين وكل آت قريب.
